Classical (تراثي)
abu_hayyan — البحر المحيط
﴿اهْدِنا﴾ الهِدايَةُ: الإرْشادُ والدَّلالَةُ والتَّقَدُّمُ، ومِنهُ الهَوادِي أوِ التَّبْيِينُ، ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أوِ الإلْهامُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ألْهَمَ الحَيَواناتِ كُلَّها إلى مَنافِعِها، أوِ الدُّعاءُ، ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] أيْ داعٍ، والأصْلُ في هَدى أنْ يَصِلَ إلى ثانِي مَعْمُولِهِ بِاللّامِ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أوْ إلى ﴿لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ثُمَّ يَتَّسِعُ فِيهِ فَيُعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾، ونا ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أوْ مُعْظَمُ نَفْسِهِ. ويَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ.
﴿الصِّراطَ﴾ الطَّرِيقَ، وأصْلُهُ بِالسِّينِ مِنَ السَّرْطِ، وهو اللَّقْمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ لَقْمًا، وبِالسِّينِ عَلى الأصْلِ قَرَأ قُنْبُلٌ ورُوَيْسٌ، وإبْدالُ سِينِهِ صادًا هي الفُصْحى، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِها كُتِبَتْ في الإمامِ، وزايًا لُغَةٌ رَواها الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإشْمامُها زايًا لُغَةُ قَيْسٍ، وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ بِخِلافٍ وتَفْصِيلٍ عَنْ رُواتِهِ. وقالَ أبُو يَعْلى: ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والسِّينُ والصّادُ والمُضارَعَةُ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ، ورَواهُ عَنْهُ العُرْيانُ عَنْ أبِي سُفْيانَ، ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأها بِزايٍ خالِصَةٍ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ خَطَأٌ مِنهُ إنَّما سَمِعَ أبا عَمْرٍو يَقْرَؤُها بِالمُضارَعَةِ فَتَوَهَّمَها زايًا، ولَمْ يَكُنِ الأصْمَعِيُّ نَحْوِيًّا فَيُؤْمَنَ عَلى هَذا. وحَكى هَذا الكَلامَ أبُو عَلِيٍّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وهو إمامٌ مِن أئِمَّةِ الإمامِيَّةِ: الصِّراطُ بِالصّادِ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ، وعامَّةُ العَرَبِ يَجْعَلُونَها سِينًا، والزّايُ لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَعْبٍ وبَنِي القَيْنِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ تَكَلُّفُ حَرْفٍ بَيْنَ حَرْفَيْنِ، وذَلِكَ صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، ولَيْسَ بِحَرْفٍ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الكَلامُ، ولا هو مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ. ولَسْتُ أدْفَعُ أنَّهُ مِن كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ، إلّا أنَّ الصّادَ أفْصَحُ وأوْسَعُ، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَذْكِيرُهُ أكْثَرُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: أهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الصِّراطَ كالطَّرِيقِ والسَّبِيلِ والزُّقاقِ والسُّوقِ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَ هَذا كُلَّهُ ويُجْمَعُ في الكَثْرَةِ عَلى سُرُطٍ، نَحْوِ كِتابٍ وكُتُبٍ، وفي القِلَّةِ قِياسُهُ أسْرِطَةٌ، نَحْوُ حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، هَذا إذا كانَ الصِّراطُ مُذَكَّرًا، وأمّا (p-٢٦)إذا أُنِّثَ فَقِياسُهُ أفْعُلٌ نَحْوُ ذِراعٍ وأذْرُعٍ وشِمالٍ وأشْمُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الحَسَنِ: اهْدِنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣] .
﴿المُسْتَقِيمَ﴾ اسْتَقامَ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ مِنَ الزَّوائِدِ، وهَذا أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ، وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو قامَ، والقِيامُ هو الِانْتِصابُ والِاسْتِواءُ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ.
* * *
﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والأفْصَحُ كَوْنُهُ بِالياءِ في أحْوالِهِ الثَّلاثَةِ، وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُهُ بِالواوِ في حالَةِ الرَّفْعِ، واسْتِعْمالُهُ بِحَذْفِ النُّونِ جائِزٌ، وخَصَّ بَعْضُهم ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ، إلّا إنْ كانَ لِغَيْرِ تَخْصِيصٍ فَيَجُوزُ في غَيْرِها، وسُمِعَ حَذْفُ ألْ مِنهُ فَقالُوا الَّذِينَ، وفِيما تُعَرَّفُ بِهِ خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ، ويُخَصُّ العُقَلاءُ بِخِلافِ الَّذِي، فَإنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى ذِي العِلْمِ وغَيْرِهِ.
﴿أنْعَمْتَ﴾ النِّعْمَةُ: لِينُ العَيْشِ وخَفْضُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْجَنُوبِ النُّعامى لِلِينِ هُبُوبِها، وسُمِّيَتِ النَّعامَةُ لِلِينِ سَهْمِها، نَعِمَ إذا كانَ في نِعْمَةٍ، وأنْعَمْتُ عَيْنَهُ أيْ سَرَرْتُها، وأنْعَمَ عَلَيْهِ بالَغَ في التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ، أيْ والهَمْزَةُ في أنْعَمَ بِجَعْلِ الشَّيْءِ صاحِبَ ما صِيغَ مِنهُ، إلّا أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى التَّفَضُّلِ، فَعُدِّيَ بِعَلى، وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ. أنْعَمْتُهُ أيْ جَعَلْتُهُ صاحِبَ نِعْمَةٍ، وهَذا أحَدُ المَعانِي الَّتِي لِأفْعَلَ، وهي أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ مَعْنًى، هَذا أحَدُها. والتَّعْدِيَةُ، والكَثْرَةُ، والصَّيْرُورَةُ، والإعانَةُ، والتَّعْرِيضُ، والسَّلْبُ، وإصابَةُ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ، وبُلُوغُ عَدَدٍ أوْ زَمانٍ أوْ مَكانٍ، ومُوافَقَةُ ثُلاثِيٍّ، وإغْناءٌ عَنْهُ، ومُطاوَعَةُ فِعْلٍ وفِعْلٍ، والهُجُومُ، ونَفْيُ الغَرِيزَةِ، والتَّسْمِيَةُ، والدُّعاءُ، والِاسْتِحْقاقُ، والوُصُولُ، والِاسْتِقْبالُ، والمَجِيءُ بِالشَّيْءِ والتَّفْرِقَةُ (مِثْلَ ذَلِكَ) أدْنَيْتُهُ وأعْجَبَنِي المَكانَ، وأغَدَّ البَعِيرُ وأحْلَيْتُ فُلانًا، وأقْبَلْتُ فُلانًا، واشْتَكَيْتُ الرَّجُلَ، وأحْمَدْتُ فُلانًا، وأعْشَرْتُ الدَّراهِمَ، وأصْبَحْنا، وأشْأمَ القَوْمُ، وأحْزَنَهُ بِمَعْنى حَزَّنَهُ، وأرْقَلَ، وأقْشَعَ السَّحابُ مُطاوِعُ قَشَعَ الرِّيحُ السَّحابَ، وأفْطَرَ مُطاوِعُ فَطَّرْتُهُ، واطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ، وأسْتَرِيحُ، وأخْطَيْتُهُ سَمَّيْتُهُ مُخْطِئًا، وأسْقَيْتُهُ، وأحْصَدَ الزَّرْعُ، وأغْفَلْتُهُ وصَلَتْ غَفْلَتِي إلَيْهِ، وأفَّفْتُهُ اسْتَقْبَلْتُهُ بِأُفٍّ هَكَذا مِثْلُ هَذا. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أفْعَلَ فَعَلَ، ومُثِّلَ الِاسْتِقْبالُ أيْضًا بِقَوْلِهِمْ: أسْقَيْتُهُ أيِ اسْتَقْبَلْتُهُ بِقَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ، وكَثَّرْتُ جِئْتُ بِالكَثِيرِ، وأشْرَقَتِ الشَّمْسُ أضاءَتْ، وشَرَقَتْ طَلَعَتْ. التّاءُ المُتَّصِلَةُ بِأنْعَمَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ المُذَكَّرِ المُفْرَدِ، وهِي حَرْفٌ في أنْتَ، والضَّمِيرانِ فَهو مُرَكَّبٌ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى: حَرْفُ جَرٍّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، إلّا إذا جُرَّتْ بِمَن، أوْ كانَتْ في نَحْوِ هَوِّنْ عَلَيْكَ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها إذا جُرَّتِ اسْمُ ظَرْفٍ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَعُدَّها في حُرُوفِ الجَرِّ، ووافَقَهُ جَماعَةٌ مِن مُتَأخِّرِي أصْحابِنا، ومَعْناها الِاسْتِعْلاءُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وزَيْدٌ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَنْ، وبِمَعْنى الباءِ، وبِمَعْنى في، ولِلْمُصاحِبَةِ، ولِلتَّعْلِيلِ، وبِمَعْنى مِن، وزائِدَةٌ، مِثْلَ ذَلِكَ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، بَعْدَ عَلى كَذا ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦] .
؎أبى اللَّهُ إلّا أنَّ سَرْحَةَ مالِكٍ عَلى كُلِّ أفْنانِ العِضاهِ تَرُوقُ.
أيْ تَرُوقُ كُلُّ أفْنانِ العِضاهِ. هم ضَمِيرُ جَمْعٍ غائِبٍ مُذَكَّرٍ عاقِلٍ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ. وحَكى اللُّغَوِيُّونَ في عَلَيْهِمْ عَشْرَ لُغاتٍ ضَمُّ الهاءِ، وإسْكانُ المِيمِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ. وكَسْرُها وإسْكانُ المِيمِ، وهِي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وكَسْرُ الهاءِ والمِيمِ وياءٌ بَعْدَها، وهِي قِراءَةُ الحَسَنِ. وزادَ ابْنُ مُجاهِدٍ أنَّها قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ فائِدٍ وكَذَلِكَ بِغَيْرِ ياءٍ، وهي قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ فائِدٍ. وكَسْرُ الهاءِ وضَمُّ المِيمِ وواوٌ بَعْدَها، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالُونَ بِخِلافٍ عَنْهُ. وكَسْرُ الهاءِ وضَمُّ المِيمِ بِغَيْرِ واوٍ وضَمُّ الهاءِ والمِيمِ وواوٌ بَعْدَها، وهي قِراءَةُ (p-٢٧)الأعْرَجِ والخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وكَذَلِكَ بِدُونِ واوٍ وضَمِّ الهاءِ وكَسْرِ المِيمِ بِياءٍ بَعْدَها. كَذَلِكَ بِغَيْرِ ياءٍ. وقُرِئَ بِهِما، (وتَوْضِيحُ هَذِهِ القِراءاتِ بِالخَطِّ والشَّكْلِ): عَلَيْهم عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُوا عَلَيْهِمُ عَلَيْهِمِي عَلَيْهِمِ عَلَيْهُمُ عَلَيْهُمِي عَلَيْهُمِ عَلَيْهُمُوا. ومُلَخَّصُها ضَمُّ الهاءِ مَعَ سُكُونِ المِيمِ، أوْ ضَمُّها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ، أوْ كَسْرُها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ وكَسْرُ الهاءِ مَعَ سُكُونِ المِيمِ، أوْ كَسْرُها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ، أوْ ضَمُّها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ، وتَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ ذُكِرَ في النَّحْوِ. اهْدِنا صُورَتُهُ صُورَةُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الطَّلَبُ والرَّغْبَةُ، وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ لِنَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَحْمَلًا، وأصْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَدُلَّ عَلى الطَّلَبِ، لا عَلى فَوْرٍ ولا تَكْرارٍ ولا تَحَتُّمٍ، وهَلْ مَعْنى اهْدِنا أرْشِدْنا أوْ وفِّقْنا أوْ قَدِّمْنا أوْ ألْهِمْنا أوْ بَيِّنْ لَنا أوْ ثَبِّتْنا ؟ أقْوالٌ أكْثَرُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وآخِرُها عَنْ عَلِيٍّ وأُبَيٍّ. وقَرَأ ثابِتٌ البُنانِيُّ بَصِّرْنا الصِّراطَ، ومَعْنى الصِّراطِ القُرْآنُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِكِتابِ اللَّهِ أوِ الإيمانِ وتَوابِعِهِ، أوِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ، أوِ السَّبِيلِ المُعْتَدِلِ، أوْ طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والحَسَنُ، أوْ طَرِيقِ الحَجِّ، قالَهُ فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ، أوِ السُّنَنِ، قالَهُ عُثْمانُ، أوْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ طَرِيقِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، قالَهُ القُشَيْرِيُّ، أوْ طَرِيقِ الخَوْفِ والرَّجاءِ، قالَهُ التِّرْمِذِيُّ، أوْ جِسْرِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ.
ورُوِيَ عَنِ المُتَصَوِّفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أقْوالٌ، مِنها: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِالغَيْبُوبَةِ عَنِ الصِّراطِ لِئَلّا يَكُونَ مَرْبُوطًا بِالصِّراطِ، وقَوْلُ الجُنَيْدِ إنَّ سُؤالَ الهِدايَةِ عِنْدَ الحَيْرَةِ مِن إشْهارِ الصِّفاتِ الأزَلِيَّةِ، فَسَألُوا الهِدايَةَ إلى أوْصافِ العُبُودِيَّةِ لِئَلّا يَسْتَغْرِقُوا في الصِّفاتِ الأزَلِيَّةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ يَنْبُو عَنْها اللَّفْظُ، ولَهم فِيما يَذْكُرُونَ ذَوْقٌ وإدْراكٌ لَمْ نَصِلْ نَحْنُ إلَيْهِ بَعْدُ. وقَدْ شُحِنَتِ التَّفاسِيرُ بِأقْوالِهِمْ، ونَحْنُ نُلِمُّ بِشَيْءٍ مِنها لِئَلّا يُظَنَّ أنّا إنَّما تَرَكْنا ذِكْرَها لِكَوْنِنا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْها. وقَدْ رَدَّ الفَخْرُ الرّازِيُّ عَلى مَن قالَ إنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو القُرْآنُ أوِ الإسْلامُ وشَرائِعُهُ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ ”﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾“ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُمُ القُرْآنُ ولا الإسْلامُ، يَعْنِي بِالإسْلامِ هَذِهِ المِلَّةَ الإسْلامِيَّةَ المُخْتَصَّةَ بِتَكالِيفَ لَمْ تَكُنْ تَقَدَّمَتْها. وهَذا الرَّدُّ لا يَتَأتّى لَهُ إلّا إذا صَحَّ أنَّ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم مُتَقَدِّمُونَ، وسَتَأْتِي الأقاوِيلُ في تَفْسِيرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، واتِّصالُ نا بِاهْدِ مُناسِبٌ لِنَعْبُدَ ونَسْتَعِينَ لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ المُتَكَلِّمُ أنَّهُ هو ومَن مَعَهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَسْتَعِينُونَهُ سَألَ لَهُ ولَهُمُ الهِدايَةَ إلى الطَّرِيقِ الواضِحِ؛ لِأنَّهم بِالهِدايَةِ إلَيْهِ تَصِحُّ مِنهُمُ العِبادَةُ. ألا تَرى أنَّ مَن لَمْ يَهْتَدِ إلى السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ لِمَقْصُودِهِ لا يَصِحُّ لَهُ بُلُوغَ مَقْصُودِهِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: صِراطًا مُسْتَقِيمًا دُونَ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: صِراطَ مُسْتَقِيمٍ بِالإضافَةِ، أيِ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ. فَعَلى قِراءَةِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ يَكُونُ ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وعَلى قِراءَةِ الصّادِقِ وقِراءاتِ الجُمْهُورِ تَكُونُ بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن مَعْرِفَةِ ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بَدَلُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهَما بِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وجِيءَ بِها لِلْبَيانِ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ كانَ فِيهِ بَعْضُ إبْهامٍ، فَعَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ لِيَكُونَ المَسْئُولُ الهِدايَةَ إلَيْهِ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وصارَ بِذَلِكَ البَدَلُ فِيهِ حَوالَةً عَلى طَرِيقٍ مِن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أثْبَتُ وأوْكَدُ، وهَذِهِ هي فائِدَةُ نَحْوِ هَذا البَدَلِ، ولِأنَّهُ عَلى تَكْرارِ العامِلِ، فَيَصِيرُ في التَّقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ التَّأْكِيدِ، فَكَأنَّهم كَرَّرُوا طَلَبَ الهِدايَةِ.
ومِن غَرِيبِ القَوْلِ أنَّ الصِّراطَ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ بَلْ هو غَيْرُهُ، وكَأنَّهُ قُرِئَ فِيهِ حَرْفُ العَطْفِ، وفي تَعْيِينِ ذَلِكَ اخْتِلافٌ. قِيلَ: هو العِلْمُ بِاللَّهِ والفَهْمُ عَنْهُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ (p-٢٨)مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: التِزامُ الفَرائِضِ واتِّباعُ السُّنَنِ، وقِيلَ: هو مُوافَقَةُ الباطِنِ لِلظّاهِرِ في إسْباغِ النِّعْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] وقَرَأ: صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ابْنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ هُنا الأنْبِياءُ أوِ المَلائِكَةُ أوْ أُمَّةُ مُوسى وعِيسى الَّذِينَ لَمْ يُغَيِّرُوا، أوِ النَّبِيُّ ﷺ أوِ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، أوِ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، أوِ المُسْلِمُونَ، قالَهُ وكِيعٌ، أقْوالٌ، وعَزا كَثِيرًا مِنها إلى قائِلِها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: أرادَ صِراطَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، انْتَزَعُوا ذَلِكَ مِن آيَةِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ الحَسَنُ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُؤْمِنُو بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أصْحابُ مُوسى قَبْلَ أنْ يُبَدِّلُوا. وقالَ قَتادَةُ: الأنْبِياءُ خاصَّةً. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مُحَمَّدٌ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ولَمْ يُقَيِّدِ الأنْعامَ لِيَعُمَّ جَمِيعَ الأنْعامِ، أعْنِي عُمُومَ البَدَلِ. وقِيلَ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ لِلسَّعادَةِ، وقِيلَ: بِأنْ نَجّاهم مِنَ الهَلَكَةِ، وقِيلَ: بِالهِدايَةِ واتِّباعِ الرَّسُولِ، ورُوِيَ عَنِ المُتَصَوِّفَةِ تَقْيِيداتٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ قَيْدٍ. واخْتُلِفَ هَلْ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلى الكافِرِ ؟ فَأثْبَتَها المُعْتَزِلَةُ ونَفاها غَيْرُهم. ومَوْضِعُ عَلَيْهِمْ نَصْبٌ، وكَذا كُلُّ حَرْفِ جَرٍّ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ، أوْ ما جَرى مَجْراهُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ. وبِناءُ أنْعَمْتُ لِلْفاعِلِ اسْتِعْطافٌ لِقَبُولِ التَّوَسُّلِ بِالدُّعاءِ في الهِدايَةِ وتَحْصِيلِها، أيْ طَلَبْنا مِنكَ الهِدايَةَ، إذْ سَبَقَ إنْعامُكَ، فَمِن إنْعامِكَ إجابَةُ سُؤالِنا ورَغْبَتِنا، كَمِثْلِ أنْ تَسْألَ مِن شَخْصٍ قَضاءَ حاجَةٍ وتُذَكِّرَهُ بِأنَّ مِن عادَتِهِ الإحْسانُ بِقَضاءِ الحَوائِجِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آكَدُ في اقْتِضائِها وأدْعى إلى قَضائِهِ. وانْقِلابُ الفاعِلِ مَعَ المُضْمَرِ هي اللُّغَةُ الشُّهْرى، ويَجُوزُ إقْرارُها مَعَهُ عَلى لُغَةٍ، ومَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ طَلَبُ اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ حَمِدَ اللَّهَ وأخْبَرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُهُ ويَسْتَعِينُهُ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ، لَكِنْ يَسْألُ دَوامَها واسْتِمْرارَها.
﴿غَيْرِ﴾ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ دائِمًا، وإذا أُرِيدَ بِهِ المُؤَنَّثَ جازَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُهُ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَدْلُولُهُ المُخالَفَةُ بِوَجْهٍ ما، وأصْلُهُ الوَصْفُ، ويُسْتَثْنى بِهِ ويَلْزَمُ الإضافَةَ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وإدْخالُ ألْ عَلَيْهِ خَطَأٌ ولا يَتَعَرَّفُ، وإنْ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ. ومَذْهَبُ ابْنِ السَّرّاجِ أنَّهُ إذا كانَ المُغايِرُ واحِدًا تَعَرَّفَ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ قَدْ يُقْصَدُ بِها التَّعْرِيفُ، فَتَصِيرُ مَحْضَةً، فَتَتَعَرَّفُ إذْ ذاكَ غَيْرُ بِما تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَقْرِيرُ هَذا كُلِّهِ في كُتُبِ النَّحْوِ. وزَعَمَ البَيانِيُّونَ أنَّ غَيْرًا أوْ مِثْلًا في بابِ الإسْنادِ إلَيْهِما مِمّا يَكادُ يَلْزَمُ تَقْدِيمُهُ، قالُوا نَحْوَ قَوْلِكَ غَيْرُكَ يُخْشى ظُلْمَهُ، ومِثْلُكَ يَكُونُ لِلْمَكْرُماتِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يُقْصَدُ فِيهِ بِمِثْلٍ إلى إنْسانٍ سِوى الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ، ولَكِنَّهم يَعْنُونَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مِثْلَهُ في الصِّفَةِ كانَ مِن مُقْتَضى القِياسِ، ومُوجَبِ العُرْفِ أنْ يَفْعَلَ ما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ:
؎غَيْرِي بِأكْثَرِ هَذا النّاسُ يَنْخَدِعُ
غَرَضُهُ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَنْخَدِعُ ويَغْتَرُّ، وهَذا المَعْنى لا يَسْتَقِيمُ فِيهِما إذا لَمْ يُقَدَّما نَحْوَ: يَكُونُ لِلْمَكْرُماتِ مِثْلُكَ، ويَنْخَدِعُ بِأكْثَرِ هَذا النّاسُ غَيْرِي، فَأنْتَ تَرى الكَلامَ مَقْلُوبًا عَلى جِهَتِهِ.
﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الغَضَبُ: تَغَيُّرُ الطَّبْعِ لِمَكْرُوهٍ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الإعْراضِ لِأنَّهُ مِن ثَمَرَتِهِ. لا حَرْفٌ يَكُونُ لِلنَّفْيِ ولِلطَّلَبِ وزائِدًا، ولا يَكُونُ اسْمًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ.
﴿ولا الضّالِّينَ﴾ والضَّلالُ: الهَلاكُ والخَفاءُ، ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الغَيْبُوبَةُ، ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢]، وضَلَلْتُ الشَّيْءَ جَهِلْتُ المَكانَ الَّذِي وضَعْتُهُ فِيهِ، وأضْلَلْتُ الشَّيْءَ ضَيَّعْتُهُ، وأضَلَّ أعْمالَهم، وضَلَّ غَفَلَ ونَسِيَ، وأنا مِنَ الضّالِّينَ، ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والضَّلالُ سُلُوكُ غَيْرَ القَصْدِ، ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ سَلَكَ غَيْرَ جادَّتِها، والضَّلالُ الحَيْرَةُ (p-٢٩)والتَّرَدُّدُ، ومِنهُ قِيلَ لِحَجَرٍ أمْلَسٍ يُرَدِّدُهُ الماءُ في الوادِي ضَلْضَلَهُ، وقَدْ فُسِّرَ الضَّلالُ في القُرْآنِ بِعَدَمِ العِلْمِ بِتَفْصِيلِ الأُمُورِ وبِالمَحَبَّةِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في مَواضِعِهِ، والجَرُّ في (غَيْرِ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ. ورَوى الخَلِيلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ النَّصْبَ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فالجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، وكِلاهُما ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ غَيْرًا أصْلُ وضْعِهِ الوَصْفُ، والبَدَلُ بِالوَصْفِ ضَعِيفٌ، أوْ عَلى النَّعْتِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ غَيْرُ تَعَرَّفَتْ بِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، إذْ هو مَعْرِفَةٌ عَلى ما نَقَلَهُ سِيبَوَيْهِ، في أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ قَدْ تَتَمَحَّضُ فَيَتَعَرَّفُ إلّا في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، أوْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السَّرّاجِ، إذْ وقَعَتْ غَيْرُ عَلى مَخْصُوصٍ لا شائِعٍ، أوْ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمُ الجِنْسُ لا قَوْمَ بِأعْيانِهِمْ. قالُوا: كَما وصَفُوا المُعَرَّفَ بَألِ الجِنْسِيَّةِ بِالجُمْلَةِ، وهَذا هَدْمٌ لِما اعْتَزَمُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ المَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، ولا أخْتارَ هَذا المَذْهَبَ وتَقْرِيرُ فَسادِهِ في النَّحْوِ والنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، وهو الوَجْهُ أوْ مِنَ الَّذِينَ قالَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ لا يَجُوزُ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ إذْ لَمْ يَتَناوَلْهُ اللَّفْظُ السّابِقُ، ومَنَعَهُ الفَرّاءُ مِن أجْلِ لا في قَوْلِهِ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾، ولَمْ يُسَوِّغْ في النَّصْبِ غَيْرَ الحالِ، قالَ: لِأنَّ لا لا تُزادُ إلّا إذا تَقَدَّمَ النَّفْيُ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ ∗∗∗ والطَّيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ.
ومَن ذَهَبَ إلى الِاسْتِثْناءِ جَعْلَ لا صِلَةً، أيْ زائِدَةً مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎فَما ألُومُ البِيضَ أنْ لا تَسْخَرا
وقَوْلِ الأحْوَصِ:
؎ويَلْحِينَنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوُ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلٍ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ أنْ تَسْخَرَ وأنْ أُحِبَّهُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ إرادَةُ أنْ لا أُحِبَّهُ، فَلا فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ، يَعْنِي في كَوْنِها نافِيَةً لا زائِدَةً، واسْتَدَلُّوا أيْضًا عَلى زِيادَتِها بِبَيْتٍ أنْشَدَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو:
؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ.
وزَعَمُوا أنَّ ”لا“ زائِدَةٌ، والبُخْلَ مَفْعُولٌ بِأبى، أيْ أبى جُودُهُ البُخْلَ، ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ، بَلِ الأظْهَرُ أنَّ لا مَفْعُولٌ بِأبى، وأنَّ لَفْظَةَ ”لا“ لا تَتَعَلَّقُ بِها، وصارَ إسْنادًا لَفْظِيًّا، ولِذَلِكَ قالَ: واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ، فَجَعَلَ نَعَمْ فاعِلَةً بِقَوْلِهِ اسْتَعْجَلَتْ، وهو إسْنادٌ لَفْظِيٌّ، والبُخْلُ بَدَلٌ مِن لا أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: انْتَصَبَ غَيْرُ بِإضْمارِ أعْنِي وعَزى إلى الخَلِيلِ، وهَذا تَقْدِيرٌ سَهْلٌ، وعَلَيْهِمْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَغْضُوبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي إقامَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَقامَ الفاعِلِ، إذا حُذِفَ خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ. ومِن دَقائِقِ مَسائِلِهِ مَسْألَةٌ يُغْنِي فِيها عَنْ خَبَرِ المُبْتَدَأِ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، و”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، لِأنَّ غَيْرَ فِيهِ النَّفْيَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ، وعَيَّنَ دُخُولَها العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لِمُناسَبَةِ غَيْرَ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِتَرْكِها عَطْفُ الضّالِّينَ عَلى الَّذِينَ. وقَرَأ عُمَرُ وأُبَيٌّ: وغَيْرِ الضّالِّينَ، ورُوِيَ عَنْهُما في الرّاءِ في الحَرْفَيْنِ النَّصْبُ والخَفْضُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هم غَيْرُ الضّالِّينَ، والتَّأْكِيدُ فِيها أبْعَدُ، والتَّأْكِيدُ في لا أقْرَبُ، ولِتَقارُبِ مَعْنى غَيْرِ مِن مَعْنى لا، أتى الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَسْألَةٍ لِيُبَيِّنَ بِها تَقارُبَهُما فَقالَ: وتَقُولُ أنا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ، مَعَ امْتِناعِ قَوْلِكَ أنا زَيْدًا مِثْلُ ضارِبٍ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ، يُرِيدُ أنَّ العامِلَ إذا كانَ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ فَمَعْمُولُهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ ولا عَلى المُضافِ، لَكِنَّهم تَسَمَّحُوا في العامِلِ المُضافِ إلَيْهِ غَيْرُ، فَأجازُوا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى غَيْرِ إجْراءً لِغَيْرِ مَجْرى لا، فَكَما أنَّ لا يَجُوزَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ (p-٣٠)ما بَعْدَها عَلَيْها، فَكَذَلِكَ غَيْرُ. وأوْرَدَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّها مَسْألَةٌ مُقَرَّرَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها؛ لِيُقَوِّيَ بِها التَّناسُبَ بَيْنَ غَيْرِ ولا، إذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيها خِلافًا. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، بَناهُ عَلى جَوازِ أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ، وفي تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ لا عَلَيْها ثَلاثَةُ مَذاهِبَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وكَوْنُ اللَّفْظِ يُقارِبُ اللَّفْظَ في المَعْنى لا يَقْضِي لَهُ بِأنْ يُجْرى أحْكامُهُ عَلَيْهِ، ولا يَثْبُتُ تَرْكِيبٌ إلّا بِسَماعٍ مِنَ العَرَبِ، ولَمْ يُسْمَعْ أنا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ. وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ ورَدُّوهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهم في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ مَحْذُوفًا، قالَ: التَّقْدِيرُ غَيْرَ صِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وأطْلَقَ هَذا التَّقْدِيرَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِجَرِّ غَيْرَ ولا نَصْبِهِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا بِنَصْبِ غَيْرَ، فَيَكُونُ صِفَةً لِقَوْلِهِ (الصِّراطَ)، وهو ضَعِيفٌ لِتَقَدُّمِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ، والأصْلُ العَكْسُ، أوْ صِفَةٌ لِلْبَدَلِ، وهو ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾، أوْ بَدَلًا مِنَ الصِّراطِ، أوْ مِن ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾، وفِيهِ تَكْرارُ الإبْدالِ، وهي مَسْألَةٌ لَمْ أقِفْ عَلى كَلامِ أحَدٍ فِيها، إلّا أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ في بَدَلِ النِّداءِ، أوْ حالًا مِنَ الصِّراطِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي. وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ولا الضَّأْلِينَ، بِإبْدالِ الألِفِ هَمْزَةً فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ دَأْبَةٌ وشَأْبَةٌ في كِتابِ الهَمْزِ، وجاءَتْ مِنهُ أُلَيْفاظٌ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَنْقاسُ هَذا الإبْدالُ لِأنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ كَثْرَةً تُوجِبُ القِياسَ، نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ النَّحْوِيُّونَ، قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقْرَأُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، فَظَنَنْتُهُ قَدْ لَحَنَ حَتّى سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ دَأْبَةً وشَأْبَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎إذا ما العَوالِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ولِلْأرْضِ إمّا سُودُها فَتَجَلَّتِ ∗∗∗ بَياضًا وإما بِيضُها فادَّهْأمَّتِ.
وعَلى ما قالَ أبُو الفَتْحِ إنَّها لُغَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَنْقاسَ ذَلِكَ، وجُعِلَ الإنْعامُ في صِلَةِ الَّذِينَ، والغَضَبُ في صِلَةِ ألْ؛ لِأنَّ صِلَةَ الَّذِينَ تَكُونُ فِعْلًا فَيَتَعَيَّنُ زَمانُهُ، وصِلَةُ ألْ تَكُونُ اسْمًا فَيَنْبَهِمُ زَمانُهُ، والمَقْصُودُ طَلَبُ الهِدايَةِ إلى صِراطِ مَن ثَبَتَ إنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِ وتَحَقَّقَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أتى بِالفِعْلِ ماضِيًا وأتى بِالِاسْمِ في صِلَةِ أنَّ لِيَشْمَلَ سائِرَ الأزْمانِ، وبِناهِ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ مَن طُلِبَ مِنهُ الهِدايَةُ ونُسِبَ الإنْعامُ إلَيْهِ لا يُناسِبُ نِسْبَةَ الغَضَبِ إلَيْهِ، لِأنَّهُ مَقامُ تَلَطُّفٍ وتَرَفُقٍ وتَذَلُّلٍ لِطَلَبِ الإحْسانِ، فَلا يُناسِبُ مُواجَهَتَهُ بِوَصْفِ الِانْتِقامِ، ولِيَكُونَ المَغْضُوبُ تَوْطِئَةً لِخَتْمِ السُّورَةِ بِالضّالِّينَ لِعَطْفِ مَوْصُولٍ عَلى مَوْصُولٍ مِثْلَهُ لِتَوافُقِ آخِرِ الآيِ. والمُرادُ بِالإنْعامِ الإنْعامُ الدِّينِيُّ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ عامٌّ في كُلِّ مَن غُضِبَ عَلَيْهِ وضَلَّ. وقِيلَ: المَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ اليَهُودُ، والضّالُّونَ النَّصارى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ هَذا عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإذا صَحَّ هَذا وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: اليَهُودُ والمُشْرِكُونَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ في الغَضَبِ والضَّلالِ قُيُودٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْها، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، بِتَرْكِ حُسْنِ الأدَبِ في أوْقاتِ القِيامِ بِخِدْمَتِهِ، ﴿ولا الضّالِّينَ﴾، بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا. والغَضَبُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ العاصِي لِأنَّهُ عالِمٌ بِالعَبْدِ قَبْلَ خَلْقِهِ وقَبْلَ صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ، فَيَكُونُ مِن صِفاتِ الذّاتِ، أوْ إحْلالُ العُقُوبَةِ بِهِ فَيَكُونُ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، وقَدَّمَ الغَضَبَ عَلى الضَّلالِ وإنْ كانَ الغَضَبُ مِن نَتِيجَةِ الضَّلالِ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ فَغَضِبَ عَلَيْهِ لِمُجاوَرَةِ الإنْعامِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ قَرِينَةٌ، لِأنَّ الإنْعامَ يُقابَلُ بِالِانْتِقامِ، ولا يُقابِلُ الضَّلالُ الإنْعامَ، فالإنْعامُ إيصالُ الخَيْرِ إلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والِانْتِقامُ إيصالُ الشَّرِّ إلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَبَيْنَهُما تَطابُقٌ مَعْنَوِيٌّ، وفِيهِ أيْضًا تَناسُبُ التَّسْجِيعِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ولا الضّالِّينَ تَمامُ السُّورَةِ، فَناسَبَ أواخِرَ الآيِ، ولَوْ تَأخَّرَ الغَضَبُ ومُتَعَلِّقُهُ لَما ناسَبَ أواخِرَ الآيِ. وكانَ العَطْفُ بِالواوِ الجامِعَةِ الَّتِي لا دَلالَةَ فِيها عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِحُصُولِ هَذا (p-٣١)المَعْنى مِن مُغايَرَةِ جَمْعِ الوَصْفَيْنِ الغَضَبِ عَلَيْهِ والضَّلالِ لِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَ اليَهُودَ والنَّصارى، فالتَّقْدِيمُ إمّا لِلزَّمانِ أوْ لِشِدَّةِ العَداوَةِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ أقْدَمُ وأشَدُّ عَداوَةً مِنَ النَّصارى.
* * *
(وقَدِ انْجَرَّ) في غُضُونِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن عِلْمِ البَيانِ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ لا يَهْتَدِي إلى اسْتِخْراجِها إلّا مَن كانَ تَوَغَّلَ في فَهْمِ لِسانِ العَرَبِ، ورُزِقَ الحَظَّ الوافِرَ مِن عِلْمِ الأدَبِ، وكانَ عالِمًا بِافْتِنانِ الكَلامِ، قادِرًا عَلى إنْشاءِ النِّثارِ البَدِيعِ والنِّظامِ. وأمّا مَن لا اطِّلاعَ لَهُ عَلى كَلامِ العَرَبِ، وجَسا طَبْعُهُ حَتّى عَنِ الفِقْرَةِ الواحِدَةِ مِنَ الأدَبِ، فَسَمْعُهُ عَنْ هَذا الفَنِّ مَسْدُودٌ، وذِهْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا المَقْصُودِ. قالُوا: وفي هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْواعِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ أنْواعٌ: (النَّوْعُ الأوَّلُ): حُسْنُ الِافْتِتاحِ وبَراعَةُ المَطْلَعِ، فَإنْ كانَ أوَّلُها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، عَلى قَوْلِ مَن عَدَّها مِنها، فَناهِيكَ بِذَلِكَ حُسْنًا إذْ كانَ مَطْلَعُها مُفْتَتَحًا بِاسْمِ اللَّهِ، وإنْ كانَ أوَّلُها ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فَحَمْدُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ووَصْفُهُ بِما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ أحْسُنُ ما افْتُتِحَ بِهِ الكَلامُ، وقُدِّمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّثْرَ والنِّظامَ، وقَدْ تَكَرَّرَ الِافْتِتاحُ بِالحَمْدِ في كَثِيرٍ مِنَ السُّوَرِ، والمَطالِعُ تَنْقَسِمُ إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ، والحَسَنُ إلى ظاهِرٍ وخَفِيٍّ عَلى ما قُسِّمَ في عِلْمِ البَدِيعِ. (النَّوْعُ الثّانِي): المُبالَغَةُ في الثَّناءِ، وذَلِكَ لِعُمُومِ ألْ في الحَمْدِ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي مَرَّ. (النَّوْعُ الثّالِثُ): تَلْوِينُ الخِطابِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] ومَعْناهُ النَّهْيُ. (النَّوْعُ الرّابِعُ): الِاخْتِصاصُ بِاللّامِ الَّتِي في لِلَّهِ، إذْ دَلَّتْ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَحامِدِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، إذْ هو مُسْتَحِقٌّ لَها، وبِالإضافَةِ في مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ لِزَوالِ الأمْلاكِ والمَمالِكِ عَنْ سِواهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَفَرُّدِهِ فِيهِ بِالمُلْكِ والمِلْكِ، قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ولِأنَّهُ لا مُجازِيَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الأعْمالِ سِواهُ. (النَّوْعُ الخامِسُ): الحَذْفُ، وهو عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ الحَمْدَ ظاهِرٌ، وتَقَدَّمَ، هَلْ يُقَدَّرُ مِن لَفْظِ الحَمْدِ أوْ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ ؟ قالَ بَعْضُهم: ومِنهُ حَذْفُ العامِلِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ خَبَرٌ عَنِ الحَمْدِ، وهو الَّذِي يُقَدَّرُ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ، قالَ: ومِنهُ حَذْفُ صِراطٍ مِن قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾، التَّقْدِيرُ غَيْرِ صِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وغَيْرِ صِراطِ الضّالِّينَ، وحَذْفُ سُورَةٍ إنْ قَدَّرْنا العامِلَ في الحَمْدِ إذا نَصَبْناهُ، اذْكُرُوا أوِ اقْرَءُوا، فَتَقْدِيرُهُ اقْرَءُوا سُورَةَ الحَمْدِ، وأمّا مَن قَيَّدَ الرَّحْمَنَ والرَّحِيمَ ونَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ وأنْعَمْتُ والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ في سُورَةِ مَحْذُوفاتٍ كَثِيرَةٍ. (النَّوْعُ السّادِسُ): التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، وهو في قَوْلِهِ نَعْبُدُ، ونَسْتَعِينُ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، والضّالِّينَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. (النَّوْعُ السّابِعُ): التَّفْسِيرُ، ويُسَمّى التَّصْرِيحُ بَعْدَ الإبْهامِ، وذَلِكَ في بَدَلِ ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ مِنَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ . (النَّوْعُ الثّامِنُ): الِالتِفاتُ، وهو في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿اهْدِنا﴾ . (النَّوْعُ التّاسِعُ): طَلَبُ الشَّيْءِ، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَهُ بَلْ دَوامَهُ، وذَلِكَ في ﴿اهْدِنا﴾ . (النَّوْعُ العاشِرُ): سَرْدُ الصِّفاتِ لِبَيانِ خُصُوصِيَّةٍ في المَوْصُوفِ أوْ مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ. (النَّوْعُ الحادِي عَشَرَ): التَّسْجِيعُ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّسْجِيعِ المُتَوازِي، وهو اتِّفاقُ الكَلِمَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ في الوَزْنِ والرَّوِيِّ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ . انْقَضى كَلامُنا عَلى تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ. وكَرِهَ الحَسَنُ أنْ يُقالَ لَها أُمُّ الكِتابِ، وكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أنْ يُقالَ لَها أُمُّ القُرْآنِ، وجَوَّزَهُ الجُمْهُورُ. والإجْماعُ عَلى أنَّها سَبْعُ آياتٍ إلّا ما شَذَّ فِيهِ مَن لا يَعْتَبِرُ خِلافَهُ. عَدَّ الجُمْهُورُ المَكِّيُّونَ والكُوفِيُّونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] آيَةً، ولَمْ يَعُدُّوا ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وسائِرُ العادِّينَ ومِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ والكُوفَةِ لَمْ يَعُدُّوها آيَةً، وعَدُّوا ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيَةً، وشَذَّ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَجَعَلَ آيَةً ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهي عَلى عَدِّهِ ثَمانِ آياتٍ، وشَذَّ حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ فَزَعَمَ أنَّها سِتُّ آياتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفَصْلُ في ذَلِكَ. ولَمْ (p-٣٢)يَخْتَلِفُوا في أنَّ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَيْسَتْ آيَةً، وشَذَّ ابْنُ المُبارَكِ فَقالَ: إنَّها آيَةٌ في كُلِّ سُورَةٍ. ولا أدْرِي ما المَلْحُوظُ في مِقْدارِ الآيَةِ حَتّى نَعْرِفَ الآيَةَ مِن غَيْرِ الآيَةِ ؟ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَدَدَ حُرُوفِ الفاتِحَةِ وذَكَرُوا سَبَبَ نُزُولِها ما لا يُعَدُّ سَبَبَ نُزُولٍ، وذَكَرُوا أحادِيثَ في فَضْلِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. وذَكَرُوا لِلتَّسْمِيَةِ أيْضًا ما لا يُعَدُّ سَبَبًا، وذَكَرُوا أنَّ الفاتِحَةَ تُسَمّى الحَمْدَ، وفاتِحَةَ الكِتابِ، وأُمَّ الكِتابِ، والسَّبْعَ المَثانِي، والواقِيَةَ، والكافِيَةَ، والشِّفاءَ، والشّافِيَةَ، والرُّقْيَةَ، والكَنْزَ، والأساسَ، والنُّورَ، وسُورَةَ الصَّلاةِ، وسُورَةَ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةَ المُناجاةِ، وسُورَةَ التَّفْوِيضِ. وذَكَرُوا أنَّ ما ورَدَ مِنَ الأحادِيثِ في فَضْلِ الفاتِحَةِ، والكَلامِ عَلى هَذا كُلُّهُ مِن بابِ التَّذْيِيلاتِ، لا أنَّ ذَلِكَ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ، إلّا ما كانَ مِن تَعْيِينِ مُبْهَمٍ أوْ سَبَبِ نُزُولٍ أوْ نَسْخٍ بِما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ يَضْطَرُّ إلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرُ. وكَذَلِكَ تَكَلَّمُوا عَلى آمِينَ ولُغاتِها والِاخْتِلافِ في مَدْلُولِها وحُكْمِها في الصَّلاةِ ولَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، فَلِذَلِكَ أضْرَبْنا عَلى الكَلامِ عَلَيْها صَفْحًا كَما تَرَكْنا الكَلامَ عَلى الِاسْتِعاذَةِ في أوَّلِ الكِتابِ، وقَدْ أطالَ المُفَسِّرُونَ كُتُبَهم بِأشْياءَ خارِجَةٍ عَنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ حَذَفْناها مِن كِتابِنا هَذا إذْ كانَ مَقْصُودُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ في الخُطْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
abu_suud — إرشاد العقل السليم
﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بَدَلَ الكُلِّ؛ وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ؛ وفائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ؛ والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّ طَرِيقَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - وهُمُ المُسْلِمُونَ - هو العَلَمُ في الِاسْتِقامَةِ؛ والمَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِواءِ؛ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ إلّا إلَيْهِ؛ وإطْلاقُ الإنْعامِ لِقَصْدِ الشُّمُولِ؛ فَإنَّ نِعْمَةَ الإسْلامِ عُنْوانُ النِّعَمِ كُلِّها؛ فَمَن فازَ بِها فَقَدْ حازَها بِحَذافِيرِها؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾؛ بِشَهادَةِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ وقِيلَ: هم أصْحابُ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَبْلَ النَّسْخِ والتَّحْرِيفِ؛ وقُرِئَ: "صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"؛ والإنْعامُ: إيصالُ النِّعْمَةِ؛ وهي في الأصْلِ الحالَةُ الَّتِي يَسْتَلِذُّها الإنْسانُ مِنَ النِّعْمَةِ؛ وهي اللِّينُ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ما تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا؛ ونِعَمُ اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ اسْتِحالَةِ إحْصائِها - يَنْحَصِرُ أُصُولُها فِي: دُنْيَوِيٍّ؛ وأُخْرَوِيٍّ؛ والأوَّلُ قِسْمانِ: وهْبِيٌّ؛ وكَسْبِيٌّ؛ والوَهْبِيُّ أيْضًا قِسْمانِ: رُوحانِيٌّ؛ كَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ وإمْدادِهِ بِالعَقْلِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ؛ فَإنَّها - مَعَ كَوْنِها مِن قَبِيلِ الهِداياتِ - نِعَمٌ جَلِيلَةٌ في أنْفُسِها؛ وجُسْمانِيٌّ؛ كَتَخْلِيقِ البَدَنِ؛ والقُوى الحالَّةِ فِيهِ؛ والهَيْئاتِ العارِضَةِ لَهُ؛ مِنَ الصِّحَّةِ؛ وسَلامَةِ الأعْضاءِ؛ والكَسْبِيُّ: تَخْلِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ؛ وتَحْلِيَتُها بِالأخْلاقِ السَّنِيَّةِ؛ والمَلَكاتِ البَهِيَّةِ؛ وتَزْيِينُ البَدَنِ بِالهَيْئاتِ المَطْبُوعَةِ؛ والحُلِيِّ المُرْضِيَةِ؛ وحُصُولُ الجاهِ والمالِ؛ والثّانِي مَغْفِرَةُ ما فَرَطَ مِنهُ؛ والرِّضا عَنْهُ؛ وتَبْوِئَتُهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ مَعَ المُقَرَّبِينَ؛ والمَطْلُوبُ هو القِسْمُ الأخِيرُ؛ وما هو ذَرِيعَةٌ إلى نَيْلِهِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ؛ اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ذَلِكَ بِفَضْلِكَ العَظِيمِ؛ ورَحْمَتِكَ الواسِعَةِ.
﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾: صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ؛ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إحْدى الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ المَشْهُورَةِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ وبِاسْتِقامَةِ المَسْلَكِ؛ ومِن ضَرُورَةِ (p-19)هَذِهِ الشُّهْرَةِ شُهْرَتُهم بِالمُغايَرَةِ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ كَلِمَةُ "غَيْرِ"؛ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِضِدَّيِ الوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ أعْنِي مُطْلَقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؛ والضّالِّينَ؛ فاكْتَسَبَتْ بِذَلِكَ تَعَرُّفًا مُصَحِّحًا لِوُقُوعِها صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ؛ كَما في قَوْلِكَ: عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ؛ وُصِفُوا بِذَلِكَ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَهُ؛ وإيذانًا بِأنَّ السَّلامَةَ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أُولَئِكَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ في نَفْسِها؛ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ - الَّتِي هي نِعْمَةُ الإيمانِ -؛ ونِعْمَةِ السَّلامَةِ مِنَ الغَضَبِ والضَّلالِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لا بِأعْيانِهِمْ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى النَّكِرَةِ؛ كَذِي اللّامِ؛ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ؛ لا بِعَيْنِهِ؛ وهو المُسَمّى بِـ "المَعْهُودُ الذِّهْنِيُّ"؛ وبِـ "المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" و"الضّالِّينَ": اليَهُودُ؛ والنَّصارى؛ كَما ورَدَ في مُسْنَدِ أحْمَدَ؛ والتِّرْمِذِيِّ؛ فَيَبْقى لَفْظُ "غَيْرِ" عَلى إبْهامِهِ نَكِرَةً؛ كَمِثْلِ مَوْصُوفِهِ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ جَعْلَ المَوْصُولِ عِبارَةً عَمّا ذُكِرَ مِن طائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مُخِلٌّ بِبَدَلِيَّةِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مِمّا قَبْلَهُ؛ فَإنَّ مَدارَها كَوْنُ صِراطِ المُؤْمِنِينَ عَلَمًا في الِاسْتِقامَةِ مَشْهُودًا لَهُ بِالِاسْتِواءِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحَقَّقْتَهُ فِيما سَلَفَ؛ ومِنَ البَيِّنِ أنَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ وانْتِسابُهُ إلى كُلِّهِمْ؛ لا إلى بَعْضٍ مُبْهَمٍ مِنهُمْ؛ وبِهَذا تَبَيَّنَ أنْ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ "غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ؛ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ شَأْنَ البَدَلِ أنْ يُفِيدَ مَتْبُوعَهُ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ وتَقْرِيرٍ؛ وفَضْلَ إيضاحٍ وتَفْسِيرٍ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ قُصارى أمْرِ ما نَحْنُ فِيهِ أنْ يَكْتَسِبَ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ نَوْعَ تَعَرُّفٍ مُصَحِّحٍ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَوْصُولِ؛ وأمّا اسْتِحْقاقُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالنِّسْبَةِ؛ مُفِيدًا لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ فَكَلّا؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى الحالِ؛ والعامِلُ "أنْعَمْتَ"؛ أوْ عَلى المَدْحِ؛ أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ إنْ فُسِّرَ النِّعْمَةُ بِما يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ؛ والغَضَبُ هَيَجانُ النَّفْسِ لِإرادَةِ الِانْتِقامِ؛ وعِنْدَ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُرادُ بِهِ غايَتُهُ؛ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا عَلى مُسَبِّبِهِ القَرِيبِ إنْ أُرِيدَ بِهِ إرادَةُ الِانْتِقامِ؛ وعَلى مُسَبِّبِهِ البَعِيدِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الِانْتِقامِ؛ ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى التَّمْثِيلِ؛ بِأنْ يُشَبِّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن سَخَطِهِ (تَعالى) لِلْعُصاةِ؛ وإرادَةَ الِانْتِقامِ مِنهم لِمَعاصِيهِمْ؛ بِما يُنْتَزَعُ مِن حالِ المَلِكِ إذا غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَصَوْهُ؛ وأرادَ أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم ويُعاقِبَهُمْ؛ و"عَلَيْهِمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "المَغْضُوبِ"؛ قائِمٌ مَقامَ فاعِلِهِ؛ والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ الغَضَبِ إلَيْهِ (تَعالى) - كالإنْعامِ - جَرى عَلى مِنهاجِ الآدابِ التَّنْزِيلِيَّةِ في نِسْبَةِ النِّعَمِ والخَيْراتِ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - دُونَ أضْدادِها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾؛ و"لا" مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ "غَيْرِ" مِن مَعْنى النَّفْيِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ؛ ولِذَلِكَ جازَ "أنا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ"؛ جَوازَ "أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ"؛ وإنِ امْتَنَعَ "أنا زَيْدًا مِثْلُ ضارِبٍ"؛ والضَّلالُ هو العُدُولُ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ؛ وقُرِئَ: "وَغَيْرِ الضّالِّينَ"؛ وقُرِئَ: "وَلا الضَّأْلِينَ"؛ بِالهَمْزَةِ؛ عَلى لُغَةِ مَن جَدَّ في الهَرَبِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
﴿آمِّينَ﴾؛ اسْمُ فِعْلٍ هو "اسْتَجِبْ"؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَعْنى "آمِينَ" فَقالَ: "افْعَلْ"؛» بُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَـ "أيْنَ"؛ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ وفِيهِ لُغَتانِ: مَدُّ ألِفِهِ؛ وقَصْرُها؛ قالَ:
... ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قالَ آمِينا
وَقالَ:
... أمِينَ فَزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَقَّنَنِي جِبْرِيلُ آمِينَ؛ عِنْدَ فَراغِي مِن قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ؛ وقالَ: إنَّهُ كالخَتْمِ عَلى الكِتابِ"؛» ولَيْسَتْ مِنَ القرآن وِفاقًا؛ ولَكِنْ يُسَنُّ خَتْمُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِها؛ والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ المُصَلِّيَ يَأْتِي بِها مُخافَتَةً؛ وعَنْهُ أنَّهُ لا يَأْتِي بِها الإمامُ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي؛ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِثْلُهُ؛ ورَوى الإخْفاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ (p-20)
وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْهَرُ بِها؛ لِما رَوى وائِلُ بْنُ حَجْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ "وَلا الضّالِّينَ"؛ قالَ: "آمِينَ"؛ ورَفَعَ بِها صَوْتَهُ؛» «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ألا أُخْبِرُكَ بِسُورَةٍ لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقرآن مِثْلُها؟"؛ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: "فاتِحَةُ الكِتابِ؛ إنَّها السَّبْعُ المَثانِي والقرآن العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ"؛» وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿إنَّ القَوْمَ لَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ حَتْمًا مَقْضِيًّا؛ فَيَقْرَأُ صَبِيٌّ مِن صِبْيانِهِمْ في الكِتابِ "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" فَيَسْمَعُهُ اللَّهُ (تَعالى) فَيَرْفَعُ عَنْهم بِذَلِكَ العَذابَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ .
alusi — روح المعاني
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ (p-34)أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ (p-35)أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ (p-36)مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً (p-37)بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ (p-38)لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
baghawy
قوله:
{صراط الذين أنعمت عليهم}
: أي مننت عليهم بالهداية والتوفيق، قال عكرمة:
"مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وهم الأنبياء عليهم السلام"
، وقيل: هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله:
{فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين}
[69- النساء]
الآية، وقال ابن عباس:
"هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن يغيروا دينهم"
.
وقال عبد الرحمن بن زيد:
"هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه"
.
وقال أبو العالية:
"هم آل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأهل بيته"
.
وقال شهر بن حوشب:
"هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته"
.
قرأ حمزة:
(عليهم)
و
(لديهم)
و
(إليهم)
بضم هاءاتها، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعاً إلا قوله:
{بين أيديهن وأرجلهن}
[12 - الممتحنة]
وقرأ الآخرون بكسرهما، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل لأنها مضمومة عند الانفراد، ومن
(كسرها)
فلأجل الياء الساكنة والكسرة أخت الياء، وضم ابن كثير وأبو جعفر كل ميم جمعا مشبعاً في الوصل إذا لم يلقها ساكن فإن لقيها ساكن فلا يشبع، ونافع يخير،
ويضم ورش عند ألف القطع، فإذا تلقته ألف وصل - وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة - ضم الهاء والميم حمزة و الكسائي وكسرهما أبو عمرو وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله والآخرون يقرؤون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء أو لكسر ما قبلها وضم الميم على الأصل.
قوله تعالى:
{غير المغضوب عليهم}
يعني غير صراط الذين غضبت عليهم، والغضب: هو إرادة الانتقام من العُصاة، وغضب الله تعالى لا يلحق عُصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين.
{ولا الضالين}
: أي وغير الضالين عن الهدى.
وأضل الضلال الهلاك والغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب.
و
"غير"
ها هنا بمعنى لا، ولا بمعنى غير ولذلك جاز العطف كما يقال: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان غير بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا، ولا يجوز في الكلام: عندي سوى عبد الله ولا زيد. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين)
.
وقيل: المغضوب عليهم: هم اليهود، والضالون: هم النصارى؛ لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال:
{من لعنه الله وغضب عليه}
[60 - المائدة]
، وحَكَم على النصارى بالضلال فقال:
{ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل}
[77 - المائدة]
.
وقال سهل بن عبد الله:
"غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة"
.
والسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة
(( آمين )
) بسكتة مفصولة عن الفاتحة وهومخفف ويجوز
(عند النحويين)
ممدوداً ومقصوراً ومعناه: اللهم اسمع واستجب.
وقال ابن عباس وقتادة:
"معناه كذلك يكون"
. وقال مجاهد:
"هو اسم من أسماء الله تعالى"
.
وقيل: هو طابع الدعاء.
وقيل: هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا أنا أبو بكر أحمد بن حسن الحيري أنا أبو علي محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا قال الإمام
{غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
فقولوا:
(آمين)
فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"
[صحيح]
.
baghawy — معالم التنزيل
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي.
سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا.
* * *
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ.
وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" [[من نسخة (ب) .]] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ [[ساقط من أ.]] ] .
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ
وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) [[في الأصل: تعظيما.]] لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) [[في الأصل: الفعل.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) [[ساقط من (أ) .]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ [[أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.]] .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .]] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) .
قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ.
قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ.
"وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) .
قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) [[في ب: ريان.]] الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ.
قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ.
قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) [[في أ، ب (الاستطاعة) .]] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ.
وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] [[ساقط من ب.]] وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ.
قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) [[في ب: كسر.]] فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ.
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [[زيادة من ب.]] بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ.
وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) [[ساقط من ب.]] مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ.
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .]] صَحِيحٌ.
فصل في فضل (الفاتحة) [[في "ب": فاتحة الكتاب.]]
أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) [[ساقط من (أ) .]] مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) [[ساقط من (أ) وفي ب: الذي.]] آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.]] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" [[رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] [[ساقط من ب.]]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ [[في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.]] غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [[ساقط من (ب) .]]
biqaai — نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ وتَعالى الإخْبارَ بِأنَّ ذَلِكَ لَنْ يَكُونَ إلّا بِإنْعامِهِ مُنَبِّهًا بِهَذا التَّأْكِيدِ الَّذِي أفادَهُ الإبْدالُ عَلى عَظَمَةِ هَذا الطَّرِيقِ فَقالَ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَأشارَ إلى [ أنَّ ] الِاعْتِصامَ بِهِ في اتِّباعِ رُسُلِهِ، ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ عامَّ النِّعْمَةِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ عَدُوًّا كانَ أوْ ولِيًّا، وكانَ حَذْفُ المُنْعِمِ بِهِ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ مِن بابِ تَقْلِيلِ اللَّفْظِ لِتَكْثِيرِ المَعْنى فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَحَطَّ السُّؤالِ بَعْضُ أهْلِ النِّعْمَةِ وهم أهْلُ الخُصُوصِيَّةِ. يَعْنِي لَوْ قِيلَ: اتَّبِعْ طَرِيقَ أهْلِ مِصْرَ مَثَلًا لا أهْلِ دِمَشْقَ، عُلِمَ أنَّ المَنفِيَّ غَيْرُ داخِلٍ في الأوَّلِ لِأنَّ شَرْطَهُ أنْ يَتْبَعاهُ مُتَعاطِفاهُ كَما صَرَّحُوا بِهِ، بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: اتَّبِعْ طَرِيقَ أهْلِ مِصْرَ غَيْرِ الظَّلَمَةِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الظَّلَمَةَ مِنهم، فَأُرِيدَ هُنا التَّعْرِيفُ بِأنَّ النِّعْمَةَ عامَّةٌ ولَوْ لَمْ تَكُنْ إلّا بِالإيجادِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ السُّلُوكَ لا بُدَّ وأنْ يُصادِفَ طَرِيقَ بَعْضِهِمْ وهم مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ فَلا يُفِيدُ السُّؤالُ حِينَئِذٍ، فَعُرِفَ أنَّ المَسْؤُولَ إنَّما (p-٤٠)هُوَ طَرِيقُ أهْلِ النِّعْمَةِ بِصِفَةِ الرَّحِيمِيَّةِ تَشَوَّقَتِ النُّفُوسُ إلى مَعْرِفَتِهِمْ فَمَيَّزَهم بِبَيانِ أضْدادِهِمْ تَحْذِيرًا مِنهم، فَعُرِفَ أنَّهم قِسْمانِ: قِسْمٌ أُرِيدَ لِلشَّقاوَةِ فَعانَدَ في إخْلالِهِ بِالعَمَلِ فاسْتَوْجَبَ الغَضَبَ، وقِسْمٌ لَمْ يُرَدْ لِلسَّعادَةِ فَضَلَّ مِن جِهَةِ إخْلالِهِ بِالعِلْمِ فَصارَ إلى العَطَبِ فَقالَ مُخَوِّفًا بَعْدَ التَّرْجِيَةِ لِيُكَمِّلَ الإيمانَ بِالرَّجاءِ والخَوْفِ مُعَرِّفًا بِأنَّ النِّعْمَةَ عامَّةٌ والمُرادُ مِنها ما يَخُصُّ أهْلَ الكَرامَةِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغَضْبانِ لِمَن وقَعَ عَلَيْهِ غَضَبُهُ، وتَعَرَّفَتْ ”غَيْر“ لِتَكُونَ صِفَةً لِلَّذِينَ بِإضافَتِها إلى الضِّدِّ فَكانَ مِثْلَ: ( الحَرَكَةُ غَيْرُ السُّكُونِ )، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ”غَيْرِ“ النَّفْيَ لِأنَّ السِّياقَ لَهُ وإنَّما عَبَّرَ بِها دُونَ أداةِ اسْتِثْناءٍ دَلالَةً (p-٤١)عَلى بِناءِ الكَلامِ بادِئَ بَدْءٍ عَلى إخْراجِ المُتَلَبِّسِ بِالصِّفَةِ وصَوْنًا لِلْكَلامِ عَنْ إفْهامِ أنَّ ما يُعَدُّ أقَلَّ ودُونَ لا ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ فَعُلِمَ مِقْدارُ النِّعْمَةِ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ وأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِاتِّباعِهِمْ وأنَّ مَن حادَ عَنْ سَبِيلِهِمْ عامِدًا أوْ مُخْطِئًا شَقِيٌّ لِيُشَمِّرَ أُولُو الجِدِّ عَنْ ساقِ العَزْمِ وساعِدِ الجُهْدِ في اقْتِفاءِ آثارِهِمْ لِلْفَوْزِ بِحُسْنِ جِوارِهِمْ في سَيْرِهِمْ وقَرارِهِمْ.
قالَ الحَرالِّيُّ: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الَّذِينَ ظَهَرَ مِنهُمُ المُراغَمَةُ وتَعَمُّدُ (p-٤٢)المُخالَفَةِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الغَضَبَ مِنَ الأعْلى والبُغْضَ مِنَ الأدْنى. و﴿الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ وُجِّهُوا وِجْهَةَ هُدًى فَزاغُوا عَنْها مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ لِذَلِكَ. ”آمِينَ“ كَلِمَةُ عَزْمٍ مِنَ الأمْنِ، مَدْلُولُها أنَّ المَدْعُوَّ مَأْمُونٌ مِنهُ أنْ يَرُدَّ مَن دَعاهُ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا يَمْنَعُهُ وهي لا تَصْلُحُ إلّا لِلَّهِ لِأنَّ ما دُونَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ عَجْزٍ أوْ مَنعٍ. [ انْتَهى ] . وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ الَّذِي هو ”اسْتَجِبْ“، وقَدِ انْعَطَفَ المُنْتَهى عَلى المُبْتَدَإ بِمُراقَبَةِ القِسْمِ الأوَّلِ اسْمَ اللَّهِ فَحازُوا ثَمَرَةَ الرَّحْمَةِ وخالَفَ هَذانِ القِسْمانِ فَكانُوا مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ فَأخَذَتْهُمُ النِّقْمَةُ، وعُلِمَ أنَّ نَظْمَ القُرْآنِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مُعْجِزٌ، ومِن ثَمَّ اشْتُرِطَ (p-٤٣)فِي الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ لِكَوْنِها واجِبَةً في التَّرْتِيبِ، فَلَوْ قَدَّمَ فِيها أوْ أخَّرَ لَمْ تَصِحَّ الصَّلاةُ [ وكَذا لَوْ أدْرَجَ فِيها ما لَيْسَ مِنها لِلْإخْلالِ بِالنَّظْمِ. ]
قالَ الأصْبِهانِيُّ: فَإنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ والرُّكْنُ الأبْيَنُ الإعْجازِ يَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ والتَّرْتِيبِ. انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا رَفَعَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ لِمُخاطِبِها الحُجُبَ وكَشَفَتْ لَهُ بِسُمُوِّ مَجْدِها وعُلُوِّ جَدِّها [ وشَرَفِ حَمْدِها ] جَلائِلَ السَّتْرِ وأشْرَقَتْ بِهِ رِياضُ الكَرَمِ ونَشَرَتْ لَهُ لَطائِفُ عَواطِفِها بُسُطَ البِرِّ والنِّعَمِ ثُمَّ اخْتَرَقَتْ بِهِ مَهامِهَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ وطَوَتْ في تَيْسِيرِها لَهُ مَفاوِزَ الجَبَرُوتِ والعِزِّ وأوْمَضَتْ لَهُ بِوارِقَ (p-٤٤)النِّقَمِ مِن ذَلِكَ الجَنابِ الأشَمِّ وصَلَ إلى مَقامِ الفَناءِ عَنِ الفانِي وتَمَكَّنَ في رُتْبَةِ شُهُودِ البَقاءِ لِلْباقِي فَبادَرَ الخُضُوعَ لَهُ مُعْرِضًا عَنِ السِّوى حاكِمًا عَلى الأغْيارِ بِما لَها مِن ذَواتِها [ مِنَ ] العَدَمِ والثَّوى فَقالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وفي تِلْكَ الحالِ تَحَقَّقَ العَجْزُ عَنْ تَوْفِيَةِ ذَلِكَ المَقامِ ما لَهُ مِنَ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
فَكَشَفَ لَهُ الشُّهُودُ في حَضَراتِ المَعْبُودِ عَنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ ومَنازِلَ سامِيَةٍ بَعِيدَةٍ ورَأى أحْوالًا جَمَّةً وأوْدِيَةً مُدْلَهِمَّةً وبِحارًا مُغْرِقَةً وأنْوارًا هادِيَةً وأُخْرى مُحْرِقَةً، ورَأى لِكُلٍّ أهْلًا قَدْ أُسْلِكُوا فَجاءَ تارَةً حَزْنًا وأُخْرى سَهْلًا، وعُلِمَ أنْ لا نَجاةَ إلّا بِهِدايَتِهِ ولا عِصْمَةَ بِغَيْرِ عِنايَتِهِ ولا سَعادَةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ ولا سَلامَةَ لِغَيْرِ أهْلِ نِعْمَتِهِ؛ فَلَمّا أشْرَقَ واسْتَنارَ (p-٤٥)وعُرِّفَ مَواقِعَ الأسْرارِ [ بِالأقْدارِ ] كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ماذا تَطْلُبُ [ وفي ] أيِّ مَذْهَبٍ تَذْهَبُ ؟ فَقالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]
ولَمّا طَلَبَ أشْرَفَ طَرِيقٍ سَألَ أحْسَنَ رَفِيقٍ فَقالَ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانَتِ النِّعْمَةُ قَدْ تَخُصُّ الدُّنْيَوِيَّةَ عَيَّنَها واسْتَعاذَ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ شاهَدَهم في التِّيهِ سائِرِينَ وعَنِ القَصْدِ عائِرِينَ حائِرِينَ أوْ جائِرِينَ فَقالَ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾
وقَدْ أُشِيرَ في أُمِّ الكِتابِ - كَما قالَ العَلّامَةُ سَعْدُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ عُمَرَ التَّفْتازانِيُّ الشّافِعِيُّ - إلى جَمِيعِ النِّعَمِ فَإنَّها تَرْجِعُ إلى إيجادٍ وإبْقاءٍ أوَّلًا و[ إلى ] إيجادٍ وإبْقاءٍ ثانِيًا في دارِ الفَناءِ والبَقاءِ، أمّا الإيجادُ الأوَّلُ فَبِقَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَإنَّ الإخْراجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أعْظَمُ تَرْبِيَةٍ، وأمّا الإبْقاءُ الأوَّلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] أيِ المُنْعِمِ بِجَلائِلِ النِّعَمِ ودَقائِقِها الَّتِي بِها البَقاءُ، وأمّا الإيجادُ الثّانِي فَبِقَوْلِهِ: ﴿مالِكِ (p-٤٦)يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو ظاهِرٌ، وأمّا الإبْقاءُ الثّانِي فَبِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلى آخِرِها، فَإنَّ مَنافِعَ ذَلِكَ تَعُودُ إلى الآخِرَةِ.
ثُمَّ جاءَ التَّصْدِيرُ بِالحَمْدِ بَعْدَ الفاتِحَةِ في أرْبَعِ سُوَرٍ أُشِيرُ في [ كُلِّ ] سُورَةٍ مِنها إلى نِعْمَةٍ مِن هَذِهِ النِّعَمِ عَلى تَرْتِيبِها. انْتَهى، وسَيَأْتِي في أوَّلِ [ كُلِّ ] سُورَةٍ مِنَ الأرْبَعِ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا يَرْجِعُ إلى أصْلِ مَدْلُولِ الحَمْدِ فَإنَّ مادَّتَهُ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ ويَلْزَمُ مِنهُ الِاتِّساعُ والإحاطَةُ والِاسْتِدارَةُ فَيَلْزَمُها مُطَأْطَأةُ الرَّأْسِ وقَدْ يَلْزَمُ الغايَةَ الرِّضا فَيَلْزَمُهُ الشُّكْرُ وسَيُبَيَّنُ ويُنَزَّلُ عَلى الجُزْئِيّاتِ في سُورَةِ النَّحْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ في أوَّلِ سَبَأٍ تَحْقِيقُ ما قالَهُ [ النّاسُ ] فِيهِ وفي النِّسْبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَقَدْ بانَ سِرُّ الِافْتِتاحِ مِن حَيْثُ تَصْدِيرُها بِالحَمْدِ جُزْئِيًّا فَكُلِّيًّا الَّذِي كَلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ فَهو أجْذَمُ؛ وتَعْقُبُهُ بِمَدْحِ المَحْمُودِ بِما ذُكِرَ مِن (p-٤٧)أسْمائِهِ الحُسْنى مَعَ اشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِي القُرْآنِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ فَهي أُمُّ القُرْآنِ لِأنَّها [ لَهُ ] عُنْوانٌ وهو كُلُّهُ لِما تَضَمَّنَتْهُ عَلى قِصَرِها بَسْطٌ وتِبْيانٌ.
قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في مِفْتاحِ البابِ المُقْفَلِ لِفَهْمِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ في آخِرِ البابِ التّاسِعِ مِنهُ: ولْنُنْهِ هَذِهِ الأبْوابَ بِذِكْرِ القُرْآنِ ومُحْتَواهُ عَلى الكُتُبِ وجَمْعِهِ وقِراءَتِهِ وبَيانِهِ وتَنْزِيلِهِ وإنْزالِهِ وحَكِيمِهِ ومُبِينِهِ ومَجِيدِهِ وكَرِيمِهِ وعَظِيمِهِ ومَرْجِعِهِ إلى السَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ أُمِّ القُرْآنِ ومُحْتَواها عَلَيْهِ، فَنَذْكُرُ جَمِيعَ ذَلِكَ في البابِ العاشِرِ. البابُ العاشِرُ في مَحَلِّ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ القُرْآنِ ووَجْهِ مُحْتَوى القُرْآنِ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ والصُّحُفِ المُتَضَمِّنَةِ لِجَمِيعِ الأدْيانِ.
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَمَعَ نَبَأهُ العَظِيمَ كُلَّهُ عَنْ شَأْنِهِ العَظِيمِ في السَّبْعِ المَثانِي أُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ وكَنْزِها تَحْتَ عَرْشِهِ لِيُظْهِرَها في الخَتْمِ عِنْدَ تَمامِ أمْرِ الخَلْقِ وظُهُورِ بادِئِ الحَمْدِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ تَعالى يَخْتِمُ بِما بِهِ بَدَأ ولَمْ يُظْهِرْها قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ظُهُورَها (p-٤٨)يَذْهَبُ وهَلَ الخَلْقِ ويَمْحُو كُفْرَهم ولا [ يَتِمُّ ] بِناءُ القُرْآنِ إلّا مَعَ قائِمٍ بِمَشْهُودِ بَيانِ الفِعْلِ لِيَتِمَّ الأمْرُ مَسْمَعًا ومَرْأًى وذَلِكَ لِمَن يَكُونُ مِن خَلْقِهِ كُلُّ خَلْقٍ لِيُبَيِّنَ بِهِ ما مِن أمْرِهِ كُلُّ أمْرٍ، ثُمَّ فِيما بَيْنَ بَدْءِ الأمْرِ المَكْنُونِ وخاتَمِ الخَلْقِ الكامِلِ تَدَرُّجُ تَنَشُّؤِ الخَلْقِ وبُدُوِّ الأمْرِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ الأمْرِ صُحُفًا فَصُحُفًا وكِتابًا فَكِتابًا، فالصُّحُفُ لِما يَتَبَدَّلُ سَرِيعًا، والكِتابُ لِما يَثْبُتُ ويَدُومُ أمَدًا، والألْواحُ لِما يُقِيمُ وقْتًا.
فَفِي التَّوْراةِ أحْكامُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الدُّنْيا بِالحُدُودِ والمَصائِبِ والضَّرّاءِ والبَأْساءِ، وفي القُرْآنِ مِنها ما شاءَ اللَّهُ وما يُظْهِرُهُ الفِقْهُ مِنَ الحُدُودِ، ومَعارِفِ الصُّوفِيَّةِ مِن مُؤاخَذَةِ المَصائِبِ؛ وفي الإنْجِيلِ أُصُولُ تِلْكَ الأحْكامِ والإعْلامُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِها لَيْسَتْ هي بَلْ ما وراءَها مِن أمْرِ المَلَكُوتِ، وفي القُرْآنِ مِنها ما شاءَ اللَّهُ مِمّا يُظْهِرُهُ العِلْمُ والحِكْمَةُ المَلَكُوتِيَّةُ، وفي الزَّبُورِ تَطْرِيبُ الخَلْقِ وجْدًا وهم عَنْ أنْفُسِهِمْ إلى رَبِّهِمْ، وفي القُرْآنِ مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ مِمّا تُظْهِرُهُ المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، ثُمَّ أنْهى (p-٤٩)الأمْرَ والخَلْقَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَصارَ قُرْآنًا جامِعًا لِلْكُلِّ مُتَمِّمًا لِلنِّعْمَةِ مُكَمِّلًا لِلدِّينِ
﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ، بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ. وإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى.
ووَجْهُ فَوْتِ أُمِّ القُرْآنِ [ لِلْقُرْآنِ ] أنَّ القُرْآنَ مَقْصُودُ تَنْزِيلِهِ التَّفْصِيلُ والجَوامِعُ، فِيهِ نُجُومٌ مَبْثُوثَةٌ غَيْرُ مُنْتَظِمَةٍ، واحِدَةٌ إثْرَ واحِدَةٍ، والجَوامِعُ في أُمِّ القُرْآنِ مُنْتَظِمَةٌ واحِدَةٌ بَعْدَ واحِدَةٍ إلى تَمامِ السَّبْعِ عَلى وفاءٍ لا مَزِيدَ فِيهِ ولا نَقْصَ عَنْهُ؛ أظْهَرَ تَعالى بِما لَهُ سُورَةٌ صُورَةَ تَجَلِّيهِ مِن بَدْءِ المُلْكِ إلى خَتْمِ الحَمْدِ، وبِما لِعَبْدِهِ مُصَوَّرَةَ تَأدِّيهِ مِن بَراءَتِهِ مِنَ الضَّلالِ إلى هُدى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ،
﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وبِما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قِيامَ ذاتِ الأمْرِ والخَلْقِ فَكانَ ذَلِكَ هو القُرْآنَ (p-٥٠)العَظِيمَ الجامِعَ لِما حَواهُ القُرْآنُ المُطْلَقُ الذِّكْرِ بِما فِيهِ مِن ذَلِكَ تَفْصِيلًا مِن مُبِينِهِ وهو ما عُويِنَتْ آيَةٌ مَسْمُوعَةٌ، ومِن مَجِيدِهِ وهو ما جُرِّبَتْ أحْكامُهُ مِن بَيْنِ عاجِلِ ما شَهِدَ وآجِلِ ما عَلِمَ، يَعْلَمُ ما شَهِدَ فَكانَ مَعْلُومًا بِالتَّجْرِبَةِ المُتَيَقَّنَةِ بِما تَواتَرَ مِنَ القَصَصِ الماضِي وما شَهِدَ لَهُ مِنَ الأثَرِ الحاضِرِ وما يَتَجَدَّدُ مَعَ الأوْقاتِ مِن أمْثالِهِ وأشْباهِهِ، ومِن كَرِيمِهِ وهو ما ظَهَرَتْ فِيهِ أفانِينُ إنْعامِهِ فِيما دَقَّ وجَلَّ وخَفِيَ وبَدا، ومِن حَكِيمِهِ وهو ما ظَهَرَ في الحِكْمَةِ المَشْهُورَةِ تَقاضِيهِ وانْتِظامِ مَكْتُوبِ خَلْقِهِ عَلى حَسَبِ تَنْزِيلِ أمْرِهِ؛ وما كانَ مِنهُ بِتَدْرِيجٍ وتَقْرِيبٍ لِلْأفْهامِ فَفاءَتْ مِن حالٍ إلى حالٍ وحُكْمٍ إلى حُكْمٍ كانَ تَنْزِيلًا، وما أهْوى بِهِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ كانَ إنْزالًا، وهو إنْزالٌ حَيْثُ لا وسائِطَ وتَنْزِيلٌ حَيْثُ الوَسائِطُ؛ وبَيانُهُ حَيْثُ الإمامُ العامِلُ بِهِ مُظْهِرُهُ في أفْعالِهِ وأخْلاقِهِ كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، وقُرْآنُهُ تَلْفِيقُ تِلاوَتِهِ عَلى حَسَبِ ما تَتَقاضاهُ النَّوازِلُ.
(p-٥١)آخَرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قالَ ﷺ في مَضْمُونِ «قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ”اجْعَلُوها بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها“»، [ لِأنَّهُ ] رُبَّما تَقَدَّمَ كِيانُ الآيَةِ وتَأخَّرَ في النَّظْمِ قُرْآنُها عَلى ما تَقَدَّمَ عَلَيْها، آيَةُ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآيَةُ مُتَأخِّرَةُ الكِيانِ مُتَقَدِّمَةُ القُرْآنِ عَلى آيَةِ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَقَدْ يَتَطابَقُ قُرْآنُ الأمْرِ وتَطْوِيرُ الخَلْقِ وقَدْ لا يَتَطابَقُ واللَّهُ يَتَوَلّى إقامَتَهُما؛ وأمّا الجَمْعُ فَفي قَلْبِهِ نِسْبَةُ جَوامِعِهِ السَّبْعِ في أُمِّ القُرْآنِ إلى القُرْآنِ بِمَنزِلَةِ نِسْبَةِ جَمْعِهِ في قَلْبِهِ لَمْحًا واحِدًا إلى أُمِّ القُرْآنِ ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] فَهو جَمْعٌ في قَلْبِهِ، وقُرْآنٌ عَلى لِسانِهِ، (p-٥٢)وبَيانٌ في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وجُمْلَةٌ في صَدْرِهِ، وتَنْزِيلٌ في تِلاوَتِهِ،
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أيْ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ، إلّا ما هو مِنكَ بِمَنزِلَةِ سَماءِ الدُّنْيا مِنَ الكَوْنِ ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] أيْ إلى سَماءِ الدُّنْيا ﴿ونَـزَّلْناهُ تَنْـزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] وعَلى لِسانِهِ في أمَدِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ: القُرْآنُ باطِنٌ وظاهِرُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ رِضَيَ اللَّهُ عَنْها: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، فَمُحَمَّدٌ ﷺ صُورَةُ باطِنِ سُورَةِ القُرْآنِ، فالقُرْآنُ باطِنُهُ وهو ظاهِرُهُ ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]
وقالَ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ: وكانَتْ سُورَةُ الفاتِحَةِ أُمًّا لِلْقُرْآنِ، لِأنَّ القُرْآنَ جَمِيعَهُ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلِها، فالآياتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَعْنًى تَضَمَّنَتْهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى، فَكُلُّ ما في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ فَهو مُفَصَّلٌ مِن جَوامِعِها، والآياتُ الثَّلاثُ الأُخَرُ مِن قَوْلِهِ (p-٥٣)﴿اهْدِنا﴾ [الفاتحة: ٦] شامِلَةٌ لِكُلِّ ما يُحِيطُ بِأمْرِ الخَلْقِ في الوُصُولِ إلى اللَّهِ والتَّحَيُّزِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ والِانْقِطاعِ دُونَ ذَلِكَ، فَكُلُّ ما في القُرْآنِ مِنهُ فَمِن تَفْصِيلِ جَوامِعِ هَذِهِ، وكُلُّ ما يَكُونُ وُصْلَةً بَيْنَ ذَلِكَ مِمّا ظاهِرُهُنَّ هَذِهِ مِنَ الخَلْقِ، ومَبْدَؤُهُ، وقِيامُهُ مِنَ الحَقِّ فَمُفَصَّلٌ مِن آيَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] انْتَهى.
ومِن أنْفَعِ الأُمُورِ في ذَوْقِ هَذا المَشْرَبِ اسْتِجْلاءُ الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-٥٤)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ:“ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ”قالَ اللَّهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ:“ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ”قالَ اللَّهُ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ:“ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ”قالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ:“ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ”قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، وإذا قالَ:“ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ " قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ»، واللَّهُ أعْلَمُ.
ibn_abi_hatim — تفسير ابن أبي حاتم
(p-٣١)قَوْلُهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
[٣٧] بِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: طَرِيقَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
[٣٨] وبِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ الَّذِينَ أطاعُونِي وعَبَدُونِي.
والوَجْهُ الثّانِي
[٣٩] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو حُذَيْفَةَ، ثَنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ،: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [٤٠] حَدَّثَنا عَلّانُ بْنُ المُغِيرَةِ المِصْرِيُّ، ثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، ثَنا شُعْبَةُ، قالَ: سَمِعْتُ سِماكَ بْنَ حَرْبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبّادَ بْنَ حُبَيْشٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليَهُودُ، ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ النَّصارى» قالَ أبُو سَعِيدٍ: ولا أعْلَمُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا الحَرْفِ اخْتِلافًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [٤١] حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحارِثِ، ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الدَّشْتَكِيُّ، أنْبَأ عَمْرُو بْنُ أبِي قَيْسٍ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو جالِسٌ في المَسْجِدِ فَقالَ إنَّ اليَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، والنَّصارى ضُلّالٌ».
[٤٢] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ أبُو كُرَيْبٍ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، ثَنا أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: وغَيْرِ طَرِيقِ الظّالِمِينَ، وهُمُ النَّصارى الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ بِعِزِّيَّتِهِمْ عَلَيْهِ، يَقُولُ: فَألْهِمْنا دِينَكَ الحَقَّ، وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ حَتّى لا تَغْضَبَ عَلَيْنا كَما غَضِبْتَ عَلى اليَهُودِ، ولا تُضِلَّنا كَما أضْلَلْتَ النَّصارى فَتُعَذِّبَنا كَما تُعَذِّبُهُمْ، يَقُولُ: امْنَعْنا مِن ذَلِكَ بِرِفْقِكَ ورَحْمَتِكَ ورِقَّتِكَ وقُدْرَتِكَ قالَ أبُو مُحَمَّدٍ: ولا أعْلَمُ في هَذا الحَرْفِ اخْتِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
ibn_ashoor — التحرير والتنوير
(p-١٩٢)﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإنَّما جاءَ نَظْمُ الآيَةِ بِأُسْلُوبِ الإبْدالِ أوِ البَيانِ دُونَ أنْ يُقالَ: اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمَ، لِفائِدَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الطَّلَبِ ابْتِداءً هو كَوْنُ المُهْدى إلَيْهِ وسِيلَةً لِلنَّجاةِ واضِحَةً سَمْحَةً سَهْلَةً، وأمّا كَوْنُها سَبِيلَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأمْرٌ زائِدٌ لِبَيانِ فَضْلِهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ ما في أُسْلُوبِ الإبْدالِ مِنَ الإجْمالِ المُعَقَّبِ بِالتَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنَ مَعْنى الصِّراطِ لِلْمَطْلُوبِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لُقِّنُوا هَذا الدُّعاءَ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ مِثْلُ ما لِلتَّوْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، وأيْضًا لِما في هَذا الأُسْلُوبِ مِن تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ هَذا الصِّراطِ وتَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ في نُفُوسِهِمْ فَيَحْصُلُ مَفْهُومُهُ مَرَّتَيْنِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ ما يَحْصُلُ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ واعْتِبارِ البَدَلِيَّةِ مُساوٍ لِاعْتِبارِهِ عَطْفَ بَيانٍ لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ خِلافًا لِمَن حاوَلَ التَّفاضُلَ بَيْنَهُما، إذِ التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ عَطْفَ البَيانِ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ البَدَلِ وهو البَدَلُ المُطابِقُ وهو الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى تَفْرِقَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَهُما ولا شاهِدًا يُعَيِّنُ المَصِيرَ إلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.
قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ ما فائِدَةُ البَدَلِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ اهـ فَأفْهَمَ كَلامُهُ أنَّ فائِدَةَ الإبْدالِ أمْرانِ يَرْجِعانِ إلى التَّوْكِيدِ وهُما ما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ أيْ تَكْرارِ لَفْظِ البَدَلِ ولَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ وعَنى بِالتَّكْرِيرِ ما يُفِيدُهُ البَدَلُ عِنْدَ النُّحاةِ مِن تَكْرِيرِ العامِلِ، وهو الَّذِي مَهَّدَ لَهُ في صَدْرِ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ، وسَمّاهُ تَكْرِيرًا لِأنَّهُ إعادَةٌ لِلَّفْظِ بِعَيْنِهِ، بِخِلافِ إعادَةِ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ فَإنَّهُ إعادَةٌ لَهُ بِما يَتَّحِدُ مَعَ ما صَدَقَهُ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالتَّكْرِيرِ وبِالتَّثْنِيَةِ، ومُرادُهُ أنَّ مِثْلَ هَذا البَدَلِ وهو الَّذِي فِيهِ إعادَةُ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ يُفِيدُ فائِدَةَ البَدَلِ وفائِدَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَتَأتّى عَلى وجْهٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ البُلَغاءِ إلّا بِهَذا الصَّوْغِ البَدِيعِ.
وإنَّ إعادَةَ الِاسْمِ في البَدَلِ أوِ البَيانِ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما يُرادُ تَعَلُّقُهُ بِالِاسْمِ الأوَّلِ أُسْلُوبٌ بَهِيجٌ مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ لِإشْعارِ إعادَةِ اللَّفْظِ بِأنَّ مَدْلُولَهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ وأنَّهُ حَبِيبٌ إلى النَّفْسِ، ومِثْلُهُ تَكْرِيرُ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] فَإنَّ إعادَةَ فِعْلِ (مَرُّوا) وفِعْلِ (أغْوَيْناهم) وتَعْلِيقِ المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ المُعادِ دُونَ الفِعْلِ الأوَّلِ تَجِدُ لَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ والبَهْجَةِ ما لا تَجِدُهُ لِتَعْلِيقِهِ بِالفِعْلِ الأوَّلِ (p-١٩٣)دُونَ إعادَةٍ، ولَيْسَتِ الإعادَةُ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ قَدْ زِيدَ عَلَيْهِ ما تَعَلَّقَ بِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
؎فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ فَإذا تَزُولُ تَزُولُ لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادَةُ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ يَعْنِي الفارِسِيَّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ اهـ.
قُلْتُ: ولَمْ يَتَّضِحْ تَوْجِيهُ امْتِناعِ أبِي عَلِيٍّ فَلَعَلَّهُ امْتَنَعَ مِنَ اعْتِبارِ أغْوَيْناهم بَدَلًا مِن أغْوَيْنا وجَعَلَهُ اسْتِئْنافًا وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا. وفي اسْتِحْضارِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ، وإسْنادِ فِعْلِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ خِلافًا لِغَيْرِهِمْ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ.
ثُمَّ إنَّ في اخْتِيارِ وصْفِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِأنَّهُ صِراطُ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أوْصافِهِ تَمْهِيدًا لِبِساطِ الإجابَةِ فَإنَّ الكَرِيمَ إذا قُلْتَ لَهُ أعْطِنِي كَما أعْطَيْتَ فُلانًا كانَ ذَلِكَ أنْشَطَ لِكَرَمِهِ، كَما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ الجَدُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في قَوْلِهِ ﷺ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ، فَيَقُولُ السّائِلُونَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الصِّراطَ الَّذِي هَدَيْتَ إلَيْهِ عَبِيدَ نِعَمِكَ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ أنْ يَكُونُوا لاحِقِينَ في مَرْتَبَةِ الهُدى بِأُولَئِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَهَمُّمًا بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في الأخْذِ بِالأسْبابِ الَّتِي ارْتَقَوْا بِها إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ، قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦]، وتَوْطِئَةً لِما سَيَأْتِي بَعْدُ مِنَ التَّبْرِيءِ مِن أحْوالِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَفاؤُلًا وتَعَوُّذًا.
والنِّعْمَةُ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّعِيمِ وهو راحَةُ العَيْشِ ومُلائِمُ الإنْسانِ والتَّرَفُّهِ، والفِعْلُ كَسَمِعَ ونَصَرَ وضَرَبَ.
والنِّعْمَةُ الحالَةُ الحَسَنَةُ لِأنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ بِالكَسْرِ لِلْهَيْئاتِ ومُتَعَلِّقَ النِّعْمَةِ اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في اللَّذّاتِ المَعْنَوِيَّةِ العائِدَةِ بِالنَّفْعِ ولَوْ لَمْ يُحِسَّ بِها صاحِبُها.
فالمُرادُ مِنَ النِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ النِّعْمَةُ الَّتِي لَمْ يَشُبْها ما يُكَدِّرُها ولا تَكُونُ عاقِبَتُها سُوأى، فَهي شامِلَةٌ لِخَيْراتِ الدُّنْيا الخالِصَةِ مِنَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ ولِخَيْراتِ الآخِرَةِ، وهي الأهَمُّ، فَيَشْمَلُ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ المَوْهُوبِيَّ مِنها والكَسْبِيَّ، والرُّوحانِيَّ والجُثْمانِيَّ، ويَشْمَلُ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ.
(p-١٩٤)والنِّعْمَةُ بِهَذا المَعْنى يَرْجِعُ مُعْظَمُها إلى الهِدايَةِ، فَإنَّ الهِدايَةَ إلى الكَسْبِيِّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ وإلى الأُخْرَوِيِّ كُلِّهِ ظاهِرَةٌ فِيها حَقِيقَةُ الهِدايَةِ، ولِأنَّ المَوْهُوبَ في الدُّنْيا وإنْ كانَ حاصِلًا بِلا كَسْبٍ إلّا أنَّ الهِدايَةَ تَتَعَلَّقُ بِحُسْنِ اسْتِعْمالِهِ فِيما وُهِبَ لِأجْلِهِ.
فالمُرادُ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ أُفِيضَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ الكامِلَةُ. ولا تَخْفى تَمامُ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وبَيْنَ المَهْدِيِّينَ حِينَئِذٍ فَيَكُونُ في إبْدالِ صِراطِ الَّذِينَ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَعْنًى بَدِيعٌ وهو أنَّ الهِدايَةَ نِعْمَةٌ وأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعْمَةِ الكامِلَةِ قَدْ هُدُوا إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. والَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم خِيارُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ النِّعْمَةُ الكامِلَةُ. وإنَّما يَلْتَئِمُ كَوْنُ المَسْئُولِ طَرِيقَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى وكَوْنُهُ هو دِينَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ مِن بَعْدُ بِاعْتِبارِ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ جارٍ عَلى سَنَنِ الشَّرائِعِ الحَقَّةِ في أُصُولِ الدِّيانَةِ وفُرُوعِ الهِدايَةِ والتَّقْوى، فَسَألُوا دِينًا قَوِيمًا يَكُونُ في اسْتِقامَتِهِ كَصِراطِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَأُجِيبُوا بِدِينِ الإسْلامِ، وقَدْ جَمَعَ اسْتِقامَةَ الأدْيانِ الماضِيَةِ وزادَ عَلَيْها. أوِ المُرادُ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ فَإنَّهم كانُوا عَلى حالَةٍ أكْمَلَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ أُمَمُهم، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ الماضِينَ بِوَصْفِ الإسْلامِ، وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ لِأبْنائِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفِقَ بِالأُمَمِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ غايَةَ المُرادِ مِنَ النّاسِ لِعَدَمِ تَأهُّلِهِمْ لِلِاضْطِلاعِ بِذَلِكَ ولَكِنَّهُ أمَرَ المُرْسَلِينَ بِأكْمَلِ الحالاتِ وهي مُرادُهُ تَعالى مِنَ الخَلْقِ في الغايَةِ، ولْنُمَثِّلْ لِذَلِكَ بِشُرْبِ الخَمْرِ فَقَدْ كانَ القَدْرُ غَيْرُ المُسْكِرِ مِنهُ مُباحًا وإنَّما يَحْرُمُ السُّكْرُ أوْ لا يَحْرُمُ أصْلًا غَيْرَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يَكُونُوا يَتَعاطَوْنَ القَلِيلَ مِنَ المُسْكِراتِ وهو المِقْدارُ الَّذِي هَدى اللَّهُ إلَيْهِ هَذِهِ الأُمَّةَ كُلَّها، فَسَواءٌ فَسَّرْنا المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالأنْبِياءِ أوْ بِأفْضَلِ أتْباعِهِمْ أوْ بِالمُسْلِمِينَ السّابِقِينَ فالمَقْصِدُ الهِدايَةُ إلى صِراطٍ كامِلٍ، ويَكُونُ هَذا الدُّعاءُ مَحْمُولًا في كُلِّ زَمانٍ عَلى ما يُناسِبُ طُرُقَ الهِدايَةِ الَّتِي سَبَقَتْ زَمانَهُ والَّتِي لَمْ يَبْلُغْ إلى نِهايَتِها.
والقَوْلُ في المَطْلُوبِ مِنِ (اهْدِنا) عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ كُلِّها كالقَوْلِ فِيما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ اهْدِنا لِطَلَبِ الحُصُولِ أوِ الزِّيادَةِ أوِ الدَّوامِ.
والدُّعاءُ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالنِّعْمَةِ غَيْرِ الخالِصَةِ، فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ كُلِّهِمْ كَثِيرَةٌ والكافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِما لا يُمْتَرى في ذَلِكَ، ولَكِنَّها نِعَمٌ تَحُفُّها آلامُ الفِكْرَةِ في سُوءِ العاقِبَةِ، ويَعْقُبُها عَذابُ الآخِرَةِ. فالخِلافُ المَفْرُوضُ بَيْنَ بَعْضِ العُلَماءِ في أنَّ الكافِرَ هَلْ هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ خِلافٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ فَلا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِظَواهِرِ أدِلَّةِ الفَرِيقَيْنِ.
* * *
(p-١٩٥)﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾
كَلِمَةُ ”غَيْرِ“ مَجْرُورَةٌ بِاتِّفاقِ القُرّاءِ العَشَرَةِ وهي صِفَةٌ لِلَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. أوْ بَدَلٌ مِنهُ والوَصْفُ والبَدَلِيَّةُ سَواءٌ في المَقْصُودِ، وإنَّما قَدَّمَ في الكَشّافِ بَيانَ وجْهِ البَدَلِيَّةِ لِاخْتِصارِ الكَلامِ عَلَيْها لِيُفْضِيَ إلى الكَلامِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، فَيُورِدُ عَلَيْها كَيْفِيَّةَ صِحَّةِ تَوْصِيفِ المَعْرِفَةِ بِكَلِمَةِ (غَيْرِ) الَّتِي لا تُتَعَرَّفُ، وإلّا فَإنَّ جَعْلَ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ“ صِفَةً ”لِلَّذِينَ“ هو الوَجْهُ، وكَذَلِكَ أعْرَبَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ ووَجَّهَهُ بِأنَّ البَدَلَ بِالوَصْفِ ضَعِيفٌ إذِ الشَّأْنُ أنَّ البَدَلَ هو عَيْنُ المُبْدَلِ مِنهُ أيِ اسْمُ ذاتٍ لَهُ، يُرِيدُ أنَّ مَعْنى التَّوْصِيفِ في غَيْرِ أغْلَبُ مِن مَعْنى ذاتٍ أُخْرى لَيْسَتِ السّابِقَةَ، وهو وُقُوفٌ عِنْدَ حُدُودِ العِباراتِ الِاصْطِلاحِيَّةِ حَتّى احْتاجَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى تَأْوِيلِ غَيْرِ المَغْضُوبِ بِالَّذِينَ سَلِمُوا مِنَ الغَضَبِ، وأنا لا أظُنُّ الزَّمَخْشَرِيَّ أرادَ تَأْوِيلَ غَيْرِ بَلْ أرادَ بَيانَ المَعْنى. وإنَّما صَحَّ وُقُوعُ (غَيْرِ) صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ (غَيْرَ) لِتَوَغُّلِها في الإبْهامِ لا تُفِيدُها الإضافَةُ تَعْرِيفًا أيْ فَلا يَكُونُ في الوَصْفِ بِها فائِدَةُ التَّمْيِيزِ فَلا تُوصَفُ بِها المَعْرِفَةُ لِأنَّ الصِّفَةَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أشْهَرَ مِنَ المَوْصُوفِ، فَـ (غَيْرِ) وإنْ كانَتْ مُضافَةً لِلْمَعْرِفَةِ إلّا أنَّها لِما تَضَمَّنَهُ مَعْناها مِنَ الإبْهامِ انْعَدَمَتْ مَعَها فائِدَةُ التَّعْرِيفِ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ سِوى المُضافِ إلَيْهِ هو غَيْرُ، فَماذا يُسْتَفادُ مِنَ الوَصْفِ في قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ غَيْرِ عَمْرٍو. فالتَّوْصِيفُ هُنا إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِ (﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) لَيْسَ مُرادًا بِهِ فَرِيقٌ مُعَيَّنٌ فَكانَ وِزانُ تَعْرِيفِهِ بِالصِّلَةِ وِزانَ المُعَرَّفِ بِألِ الجِنْسِيَّةِ المُسَمّاةِ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فَكانَ في المَعْنى كالنَّكِرَةِ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ المَعْرِفَةِ فَلِذَلِكَ عُرِفَ بِمِثْلِهِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو غَيْرُ المَغْضُوبِ الَّذِي هو في صُورَةِ المَعْرِفَةِ لِإضافَتِهِ لِمَعْرِفَةٍ وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ لِعَدَمِ إرادَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وإمّا بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ (غَيْرِ) في مِثْلِ هَذا لِأنَّ (غَيْرَ) إذا أُرِيدَ بِها نَفْيُ ضِدِّ المَوْصُوفِ أيْ مُساوِي نَقِيضِهِ صارَتْ مُعَرَّفَةً، لِأنَّ الشَّيْءَ يَتَعَرَّفُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ نَحْوُ عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ، فَلَمّا كانَ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ لا يُعاقَبُ كانَ المُعاقَبُ هو المَغْضُوبَ عَلَيْهِ، هَكَذا نَقَلَ ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ السَّرّاجِ والسِّيرافِيِّ وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ونَقَلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ (غَيْرِ) إنَّما لَمْ تَتَعَرَّفْ لِأنَّها بِمَعْنى المُغايِرِ فَهي كاسْمِ الفاعِلِ وألْحَقَ بِها مِثْلًا وسِوى وحَسْبَ وقالَ إنَّها تَتَعَرَّفُ إذا قُصِدَ بِإضافَتِها الثُّبُوتُ. وكَأنَّ مَآلَ المَذْهَبَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ (غَيْرَ) إذا أُضِيفَتْ (p-١٩٦)إلى ضِدِّ مَوْصُوفِها وهو ضِدٌّ واحِدٌ أيْ: إلى مُساوِي نَقِيضِهِ تَعَيَّنَتْ لَهُ الغَيْرِيَّةُ، فَصارَتْ صِفَةً ثابِتَةً لَهُ غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ، إذْ غَيْرِيَّةُ الشَّيْءِ لِنَقِيضِهِ ثابِتَةٌ لَهُ أبَدًا فَقَوْلُكَ: عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ هو غَيْرُ قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ غَيْرِ عَمْرٍو وقَوْلُهُ (﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ.
ومِن غَرَضِ وصْفِ (﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) بِأنَّهم غَيْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ التَّعَوُّذُ مِمّا عَرَضَ لِأُمَمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى صِراطِ الخَيْرِ بِحَسَبِ زَمانِهِمْ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ إلى الحَقِّ فَتَقَلَّدُوها ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِمْ سُوءُ الفَهْمِ فِيها فَغَيَّرُوها وما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها،، والتَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في بَطَرِ النِّعْمَةِ، وسُوءِ الِامْتِثالِ، وفَسادِ التَّأْوِيلِ، وتَغْلِيبِ الشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى إقامَةِ الدِّينِ حَتّى حَقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى، وكَذا التَّبَرُّؤُ مِن حالِ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَما صَرَفُوا عِنايَتَهم لِلْحِفاظِ عَلى السَّيْرِ فِيهِ بِاسْتِقامَةٍ، فَأصْبَحُوا مِنَ الضّالِّينَ بَعْدَ الهِدايَةِ إذْ أساءُوا صِفَةَ العِلْمِ بِالنِّعْمَةِ فانْقَلَبَتْ هِدايَتُهم ضَلالًا، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ قَبْلَ الإسْلامِ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَمْ يَسْبِقْ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا، واليَهُودُ مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، والنَّصارى مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الثّانِي كَما يُعْلَمُ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى تارِيخِ ظُهُورِ الدِّينَيْنِ فِيهِمْ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ اخْتِصاصُ أوَّلِ الوَصْفَيْنِ بِاليَهُودِ والثّانِي بِالنَّصارى فَإنَّ في الأُمَمِ أمْثالَهم، وهَذا الوَجْهُ في التَّفْسِيرِ هو الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَعَهُ مَقامُ الدُّعاءِ بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولَوْ كانَ المُرادُ دِينَ اليَهُودِيَّةِ ودِينَ النَّصْرانِيَّةِ لَكانَ الدُّعاءُ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ ناسِخًا لَهُما. ويَشْمَلُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالُّونَ فِرَقَ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، فالمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ واسْتَخَفَّتْ بِالدِّيانَةِ عَنْ عَمْدٍ أوْ عَنْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا، والضّالُّونَ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي أخْطَأتِ الدِّينَ عَنْ سُوءِ فَهْمٍ وقِلَّةِ إصْغاءٍ؛ وكِلا الفَرِيقَيْنِ مَذْمُومٌ لِأنَّنا مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ سَبِيلِ الحَقِّ وصَرْفِ الجُهْدِ إلى إصابَتِهِ، واليَهُودُ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ والنَّصارى مِنَ الفَرِيقِ الثّانِي.
وما ورَدَ في الأثَرِ مِمّا ظاهِرُهُ تَفْسِيرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ والضّالِّينَ بِالنَّصارى فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ حَقَّ عَلَيْهِما هَذانِ الوَصْفانِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما صارَ عَلَمًا فِيما أُرِيدَ التَّعْرِيضُ بِهِ فِيهِ. وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِن هَذا أنَّ عَطْفَ ولا الضّالِّينَ عَلى غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ ارْتِقاءٌ في التَّعَوُّذِ مِن شَرِّ سُوءِ العاقِبَةِ لِأنَّ التَّعَوُّذَ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي جَلَبَ لِأصْحابِهِ غَضَبَ اللَّهِ لا يُغْنِي عَنِ التَّعَوُّذِ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِأصْحابِهِ تِلْكَ الدَّرَكاتِ، وذَلِكَ وجْهُ تَقْدِيمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ عَلى ولا الضّالِّينَ، لِأنَّ الدُّعاءَ كانَ بِسُؤالِ النَّفْيِ، فالتَّدَرُّجُ فِيهِ يَحْصُلُ (p-١٩٧)بِنَفْيِ الأضْعَفِ بَعْدَ نَفْيِ الأقْوى، مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.
والغَضَبُ المُتَعَلِّقُ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هو غَضَبُ اللَّهِ، وحَقِيقَةُ الغَضَبِ المَعْرُوفِ في النّاسِ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ يَتْبَعُها حَرَكَةُ الرُّوحِ إلى الخارِجِ وثَوَرانُها فَتَطْلُبُ الِانْتِقامَ، فالكَيْفِيَّةُ سَبَبٌ لِطَلَبِ الِانْتِقامِ وطَلَبُ الِانْتِقامِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الِانْتِقامِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ إرادَةَ الِانْتِقامِ لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ الغَضَبِ بِحَيْثُ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ، ولَكِنَّها قَدْ تَكُونُ مِن آثارِهِ، وأنَّ الغَضَبَ هو كَيْفِيَّةٌ لِلنَّفْسِ تَعْرِضُ مِن حُصُولِ ما لا يُلائِمُها فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَراهِيَةُ الفِعْلِ المَغْضُوبِ مِنهُ وكَراهِيَةُ فاعِلِهِ، ويُلازِمُهُ الإعْراضُ عَنِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ ومُعامَلَتُهُ بِالعُنْفِ وبِقَطْعِ الإحْسانِ وبِالأذى وقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلى طَلَبِ الِانْتِقامِ مِنهُ فَيَخْتَلِفُ الحَدُّ الَّذِي يَثُورُ عِنْدَ الغَضَبِ في النَّفْسِ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ احْتِمالِ النُّفُوسِ لِلْمُنافَراتِ واخْتِلافِ العاداتِ في اعْتِبارِ أسْبابِهِ.
فَلَعَلَّ الَّذِينَ جَعَلُوا إرادَةَ الِانْتِقامِ لازِمَةً لِلْغَضَبِ بَنَوْا عَلى القَوانِينِ العَرَبِيَّةِ. وإذْ كانَتْ حَقِيقَةُ الغَضَبِ يَسْتَحِيلُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها وإسْنادُها إلَيْهِ عَلى الحَقِيقَةِ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ التَّغَيُّراتِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، فَقَدْ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِ صَرْفُ إسْنادِ الغَضَبِ إلى اللَّهِ عَنْ مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وطَرِيقَةُ أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ في هَذا الصَّرْفِ أنْ يُصْرَفَ اللَّفْظُ إلى المَجازِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أوْ إلى الكِنايَةِ بِاللَّفْظِ عَنْ لازِمِ مَعْناهُ فالَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلَّهِ مِن مَعْنى الغَضَبِ هو لازِمُهُ، أعْنِي العِقابَ والإهانَةَ يَوْمَ الجَزاءِ واللَّعْنَةَ أيِ الإبْعادَ عَنْ أهْلِ الدِّينِ والصَّلاحِ في الدُّنْيا أوْ هو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِيَّةِ. وكانَ السَّلَفُ في القَرْنِ الأوَّلِ ومُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّانِي يُمْسِكُونَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ لِما رَأوْا في ذَلِكَ الإمْساكِ مِن مَصْلَحَةِ الِاشْتِغالِ بِإقامَةِ الأعْمالِ الَّتِي هي مُرادُ الشَّرْعِ مِنَ النّاسِ فَلَمّا نَشَأ النَّظَرُ في العِلْمِ وطَلَبِ مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، وحَدَثَ قَوْلُ النّاسِ في مَعانِي الدِّينِ بِما لا يُلائِمُ الحَقَّ، لَمْ يَجِدْ أهْلُ العِلْمِ بُدًّا مِن تَوْسِيعِ أسالِيبِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ لِإفْهامِ المُسْلِمِ وكَبْتِ المُلْحِدِ، فَقامَ الدِّينُ بِصَنِيعِهِمْ عَلى قَواعِدِهِ.
وتَمَيَّزَ المُخْلِصُ لَهُ عَنْ ماكِرِهِ وجاحِدِهِ. وكُلٌّ فِيما صَنَعُوا عَلى هُدًى. وبَعْدَ البَيانِ لا يُرْجَعُ إلى الإجْمالِ أبَدًا. وما تَأوَّلُوهُ إلّا بِما هو مَعْرُوفٌ في لِسانِ العَرَبِ مَفْهُومٌ لِأهْلِهِ.
فَغَضَبُ اللَّهِ تَعالى عَلى العُمُومِ يَرْجِعُ إلى مُعامَلَتِهِ الحائِدِينَ عَنْ هَدْيِهِ العاصِينَ لِأوامِرِهِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِانْتِقامُ وهو مَراتِبٌ أقْصاها عِقابُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ بِالخُلُودِ في الدَّرْكِ (p-١٩٨)الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ودُونَ الغَضَبِ الكَراهِيَةُ فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ»، ويُقابِلُهُما الرِّضى والمَحَبَّةُ وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ المَشِيئَةِ والإرادَةِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ، فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في عِلْمِ الكَلامِ.
واعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ عِنْدَ حُكَماءِ الأخْلاقِ مَبْدَأٌ مِن مَجْمُوعِ الأخْلاقِ الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْ جَمِيعِها بِالعَدالَةِ وهي: الحِكْمَةُ والعِفَّةُ والشَّجاعَةُ، فالغَضَبُ مَبْدَأُ الشَّجاعَةِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَبْدَأٍ نَفْسانِيٍّ لِأخْلاقٍ كَثِيرَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ ومُعْتَدِلَةٍ فَيُلَقِّبُونَ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ ما في الإنْسانِ مِن صِفاتِ السَّبُعِيَّةِ وهي حُبُّ الغَلَبَةِ، ومِن فَوائِدِها دَفْعُ ما يَضُرُّهُ ولَها حَدُّ اعْتِدالٍ وحَدُّ انْحِرافٍ فاعْتِدالُها الشَّجاعَةُ وكِبَرُ الهِمَّةِ، وثَباتُ القَلْبِ في المَخاوِفِ، وانْحِرافُها إمّا بِالزِّيادَةِ فَهي التَّهَوُّرُ وشِدَّةُ الغَضَبِ مِن شَيْءٍ قَلِيلٍ والكِبْرُ والعُجْبُ والشَّراسَةُ والحِقْدُ والحَسَدُ والقَساوَةُ، أوْ بِالنُّقْصانِ فالجُبْنُ وخَوْرُ النَّفْسِ وصِغَرُ الهِمَّةِ فَإذا أُطْلِقَ الغَضَبُ لُغَةً انْصَرَفَ إلى بَعْضِ انْحِرافِ الغَضَبِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن جَوامِعِ كَلِمِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ أوْصِنِي قالَ: لا تَغْضَبْ فَكَرَّرَ مِرارًا فَقالَ: لا تَغْضَبْ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ.
وسُئِلَ بَعْضُ مُلُوكِ الفُرْسِ: بِمَ دامَ مُلْكُكم ؟ فَقالَ: لِأنّا نُعاقِبُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الغَضَبِ.
فالغَضَبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الغَضَبُ لِلنَّفْسِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ الظُّلْمُ والعُدْوانُ، ومِنَ الغَضَبِ مَحْمُودٌ وهو الغَضَبُ لِحِمايَةِ المَصالِحِ العامَّةِ وخُصُوصًا الدِّينِيَّةِ وقَدْ ورَدَ أنَّ النَّبِيءَ كانَ لا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ فَإذا انْتُهِكَتْ حُرْمَةٌ مِن حُرُماتِ اللَّهِ غَضِبَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ (( ﴿ولا الضّالِّينَ﴾) ) مَعْطُوفٌ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ كَما هو مُتَبادِرٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ دُخُولَ لا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَطْفِ الضّالِّينَ عَلى الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهو تَوْجِيهٌ بَعِيدٌ فالحَقُّ أنَّ (لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن لَفْظِ غَيْرِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في المَعْطُوفِ عَلى ما في حَيِّزِ النَّفْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وهو أُسْلُوبٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وقالَ السَّيِّدُ في حَواشِي الكَشّافِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ المَنفِيَّ هو المَجْمُوعُ فَيُجَوِّزَ ثُبُوتَ أحَدِهِما، ولَمّا كانَتْ غَيْرُ في مَعْنى النَّفْيِ أُجْرِيَتْ إعادَةُ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلَيْها، ولَيْسَتْ زِيادَةُ (لا) هُنا كَزِيادَتِها في نَحْوِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ (p-١٩٩)تِلْكَ الزِّيادَةَ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإثْباتِ والَّتِي هُنا زِيادَةٌ لَفْظِيَّةٌ فَحَسْبُ والمَعْنى عَلى النَّفْيِ.
والضَّلالُ سُلُوكُ غَيْرِ الطَّرِيقِ المُرادِ عَنْ خَطَأٍ سَواءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ فَهو يَتَطَلَّبُ الطَّرِيقَ أمْ لَمْ يَعْلَمْ، ومِنهُ ضالَّةُ الإبِلِ، وهو مُقابِلُ الهُدى وإطْلاقُ الضّالِّ عَلى المُخْطِئِ في الدِّينِ أوِ العِلْمِ اسْتِعارَةٌ كَما هُنا. والضَّلالُ في لِسانِ الشَّرْعِ مُقابِلُ الِاهْتِداءِ والِاهْتِداءُ هو الإيمانُ الكامِلُ والضَّلالُ ما دُونُ ذَلِكَ، قالُوا ولَهُ عَرْضٌ عَرِيضٌ أدْناهُ تَرْكُ السُّنَنِ وأقْصاهُ الكُفْرُ.
وقَدْ فَسَّرْنا الهِدايَةَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّها الدَّلالَةُ بِلُطْفٍ، فالضَّلالُ عَدَمُ ذَلِكَ، ويُطْلَقُ عَلى أقْصى أنْواعِهِ الخَتْمُ والطَّبْعُ والأكِنَّةُ.
والمُرادُ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ جِنْسا فِرَقِ الكُفْرِ، فالمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ واسْتَخَفَّتْ بِالدِّيانَةِ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا تُحْمَلُ عَلَيْهِ غَلَبَةُ الهَوى، فَهَؤُلاءِ سَلَكُوا مِنَ الصِّراطِ الَّذِي خُطَّ لَهم مَسالِكَ غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ فاسْتَحَقُّوا الغَضَبَ لِأنَّهم أخْطَئُوا عَنْ غَيْرِ مَعْذِرَةٍ إذْ ما حَمَلَهم عَلى الخَطَأِ إلّا إيثارُ حُظُوظِ الدُّنْيا.
والضّالُّونَ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الدِّياناتِ الحَقَّ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ سُوءِ فَهْمٍ وكِلا الفَرِيقَيْنِ مَذْمُومٌ مُعاقَبٌ لِأنَّ الخَلْقَ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ سَبِيلِ الحَقِّ وبَذْلِ الجُهْدِ إلى إصابَتِهِ. والحَذَرِ مِن مُخالَفَةِ مَقاصِدِهِ. وإذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم حادُوا عَنِ الصِّراطِ الَّذِي هُدُوا إلَيْهِ فَحَرَمُوا أنْفُسَهم مِنَ الوُصُولِ بِهِ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الضّالِّينَ قَدْ ضَلُّوا الصِّراطَ، فَحَصَلَ شِبْهُ الِاحْتِباكِ وهو أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ نالَ حَظًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ إلّا أنَّ تَعْلِيقَ كُلِّ وصْفٍ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ يُرْشِدُ إلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالضّالِّينَ هم دُونَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ في الضَّلالِ فالمُرادُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ غَضَبًا شَدِيدًا لِأنَّ ضَلالَهم شَنِيعٌ.
فاليَهُودُ مَثَلٌ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ والنَّصارى مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الثّانِي كَما ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ.
وما ورَدَ في الأثَرِ مِن تَفْسِيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ والضّالِّينَ بِالنَّصارى، فَهو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِأشْهَرِ الفِرَقِ الَّتِي حَقَّ عَلَيْها هَذانِ الوَصْفانِ، فَقَدْ كانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ اليَهُودَ في خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وبَعْضِ سُكّانِ المَدِينَةِ وفي عَرَبِ اليَمَنِ.
وكانُوا يَعْرِفُونَ نَصارى العَرَبِ مِثْلَ تَغْلِبَ وكَلْبٍ وبَعْضِ قُضاعَةَ، وكُلُّ أُولَئِكَ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا وتَنَكَّبُوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ وتَفَرَّقُوا في بِنْياتِ الطُّرُقِ عَلى تَفاوُتٍ في ذَلِكَ.
(p-٢٠٠)فاليَهُودُ تَمَرَّدُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ وبَدَّلُوا الشَّرِيعَةَ عَمْدًا فَلَزِمَهم وصْفُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وعَلِقَ بِهِمْ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
والنَّصارى ضَلُّوا بَعْدَ الحَوارِيِّينَ وأساءُوا فَهْمَ مَعْنى التَّقْدِيسِ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَزَعَمُوهُ ابْنَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وفي وصْفِ الصِّراطِ المَسْئُولِ في قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ [الفاتحة: ٦] بِالمُسْتَقِيمِ إيماءً إلى أنَّ الإسْلامَ واضِحُ الحُجَّةِ قَوِيمُ المَحَجَّةِ لا يَهْوِي أهْلُهُ إلى هُوَّةِ الضَّلالَةِ كَما قالَ تَعالى﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] وقالَ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، عَلى تَفاوُتٍ في مَراتِبِ إصابَةِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «مَنِ اجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ ومَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» ولَمْ يَتْرُكْ بَيانُ الشَّرِيعَةِ مَجارِيَ اشْتِباهٍ بَيْنَ الخِلافِ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ الإسْلامِ والخِلافِ الَّذِي يَخْرُجُ بِصاحِبِهِ عَنْ مُحِيطِ الإسْلامِ قالَ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واخْتَلَفَ القُرّاءُ في حَرَكَةِ هاءِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ (﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) وقَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وما ضاهاهُما مِن كُلِّ ضَمِيرِ جَمْعٍ وتَثْنِيَةِ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ لِلْغائِبِ وقَعَ بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ، فالجُمْهُورُ قَرَءُوها بِكَسْرِ الهاءِ تَخَلُّصًا مِنَ الثِّقَلِ لِأنَّ الهاءَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ فَإذا ضُمَّتْ بَعْدَ الياءِ فَكانَ ضَمَّتُها قَدْ ولِيَتِ الكَسْرَةَ أوِ الياءَ السّاكِنَةَ وذَلِكَ ثَقِيلٌ وهَذِهِ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ وسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ عَلَيْهم وإلَيْهم ولَدَيْهم فَقَطْ بِضَمِّ الهاءِ وما عَداها بِكَسْرِ الهاءِ نَحْوُ إلَيْهِما وصَياصِيهِمْ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ والحِجازِيِّينَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِمّا قَبْلَ الهاءِ فِيهِ ياءٌ ساكِنَةٌ بِضَمِّ الهاءِ.
وقَدْ ذَكَرْنا هَذا هُنا فَلا نُعِيدُ ذِكْرَهُ في أمْثالِهِ وهو مِمّا يَرْجِعُ إلى قَواعِدِ عِلْمِ القِراءاتِ في هاءِ الضَّمِيرِ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في حَرَكَةِ مِيمِ ضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ المُذَكَّرِ في الوَصْلِ إذا وقَعَتْ قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ فالجُمْهُورُ قَرَءُوا (﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) بِسُكُونِ المِيمِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وقالُونُ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمَّةٍ مُشَبَّعَةٍ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُو“، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وعَلَيْها قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎وهُمُو فَوارِسُها وهم حُكّامُها
فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ بِضَمِّ المِيمِ وإشْباعِها إذا وقَعَ بَعْدَ المِيمِ هَمْزٌ دُونَ نَحْوِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وأجْمَعَ الكُلُّ عَلى إسْكانِ المِيمِ في الوَقْفِ.
* * *
(p-٢٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَقَرَةِ
كَذا سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ البَقَرَةِ في المَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وما جَرى في كَلامِ السَّلَفِ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ كَفَتاهُ» وفِيهِ «عَنْ عائِشَةَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ البَقَرَةِ في الرِّبا قَرَأهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قامَ فَحَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ» . ووَجْهُ تَسْمِيَتِها أنَّها ذُكِرَتْ فِيها قِصَّةُ البَقَرَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِذَبْحِها لِتَكُونَ آيَةً ووَصَفَ سُوءَ فَهْمِهِمْ لِذَلِكَ، وهي مِمّا انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ بِذِكْرِهِ، وعِنْدِي أنَّها أُضِيفَتْ إلى قِصَّةِ البَقَرَةِ تَمْيِيزًا لَها عَنِ السُّورِ ال، الم، مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لِأنَّهم كانُوا رُبَّما جَعَلُوا تِلْكَ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ أسْماءً لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ هي فِيها وعَرَّفُوها بِها نَحْوَ: طه، ويس، وص، وفي الِاتِّفاقِ عَنِ المُسْتَدْرَكِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «إنَّها سَنامُ القُرْآنِ»، وسَنامُ كُلِّ شَيْءٍ أعْلاهُ وهَذا لَيْسَ عَلَمًا لَها ولَكِنَّهُ وصْفُ تَشْرِيفٍ.
وكَذَلِكَ قَوْلُ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ إنَّها فُسْطاطُ القُرْآنِ والفُسْطاطُ ما يُحِيطُ بِالمَكانِ لِإحاطَتِها بِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ.
نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ بِالمَدِينَةِ بِالِاتِّفاقِ وهي أوَّلُ ما نَزَلَ في المَدِينَةِ وحَكى ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ، وقِيلَ نَزَلَتْ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ قَبْلَها بِناءً عَلى أنَّ سُورَةَ المُطَفِّفِينَ مَدَنِيَّةٌ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ فِيها فَرْضُ الصِّيامِ، والصِّيامُ فُرِضَ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ، فُرِضَ فِيها صَوْمُ عاشُوراءَ ثُمَّ فُرِضَ صِيامُ رَمَضانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ صامَ سَبْعَ رَمَضاناتٍ أوَّلُها رَمَضانُ مِنَ العامِ الثّانِي مِنَ الهِجْرَةِ. فَتَكُونُ سُورَةُ البَقَرَةِ نَزَلَتْ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ في أواخِرِها أوْ في الثّانِيَةِ. وفي البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ إلّا وأنا عِنْدَهُ تَعْنِي النَّبِيءَ» ﷺ - وكانَ بِناءُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى عائِشَةَ في شَوّالٍ مِنَ السَّنَةِ الأُولى لِلْهِجْرَةِ. وقِيلَ في أوَّلِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْها أنَّها مَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ فَتُوُفِّيَ وهي بِنْتُ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً وبَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، إلّا أنَّ اشْتِمالَ سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى أحْكامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وعَلى أحْكامِ القِتالِ مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ والبَلَدِ الحَرامِ يُنْبِئُ بِأنَّها اسْتَمَرَّ نُزُولُها إلى سَنَةِ خَمْسٍ وسَنَةِ سِتٍّ كَما سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ آيَةِ ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (p-٢٠٢)وقَدْ يَكُونُ مُمْتَدًّا إلى ما بَعْدَ سَنَةِ ثَمانٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآياتِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣] عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآيَةَ هو آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ أنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ نُزُولُ السُّورَةِ فَتَنْزِلُ في أثْناءِ مُدَّةِ نُزُولِها سُوَرٌ أُخْرى.
وقَدْ عُدَّتْ سُورَةُ البَقَرَةِ السّابِعَةَ والثَّمانِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُطَفِّفِينَ وقَبْلَ آلِ عِمْرانَ.
وإذْ قَدْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ عَهْدٍ بِإقامَةِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ واسْتِقْلالِ أهْلِ الإسْلامِ بِمَدِينَتِهِمْ كانَ مِن أوَّلِ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ مِن أنْ تَخْتَلِطَ بِعَناصِرَ مُفْسِدَةٍ لِما أقامَ اللَّهُ لَها مِنَ الصَّلاحِ سَعْيًا لِتَكْوِينِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِن شَوائِبِ الدَّجَلِ والدَّخَلِ.
وإذْ كانَتْ أوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَقَدْ عُنِيَ بِها الأنْصارُ وأكَبُّوا عَلى حِفْظِها، يَدُلُّ لِذَلِكَ ما جاءَ في السِّيرَةِ أنَّهُ «لَمّا انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْعَبّاسِ اصْرُخْ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا أهْلَ السَّمُرَةِ يَعْنِي شَجَرَةَ البَيْعَةِ في الحُدَيْبِيَةِ يا أهْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ الأنْصارُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أبْشِرْ» .
وفِي المُوَطَّأِ قالَ مالِكٌ إنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ ثَمانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُها، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: كانَ نَصْرانِيٌّ أسْلَمَ فَقَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَدَّ إلى آخِرِ القِصَّةِ.
وعَدَدُ آيِها مِائَتانِ وخَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ، وسِتٌّ وثَمانُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالكُوفَةِ، وسَبْعٌ وثَمانُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالبَصْرَةِ.
* * *
(p-٢٠٣)هَذِهِ السُّورَةُ مُتَرامِيَةٌ أطْرافُها، وأسالِيبُها ذاتُ أفْنانٍ. قَدْ جَمَعَتْ مِن وشائِجِ أغْراضِ السُّوَرِ ما كانَ مِصْداقًا لِتَلْقِيبِها فُسْطاطَ القُرْآنِ. فَلا تَسْتَطِيعُ إحْصاءَ مُحْتَوَياتِها بِحُسْبانٍ، وعَلى النّاظِرِ أنْ يَتَرَقَّبَ تَفاصِيلَ مِنها فِيما يَأْتِي لَنا مِن تَفْسِيرِها، ولَكِنَّ هَذا لا يُحْجِمُ بِنا عَنِ التَّعَرُّضِ إلى لائِحاتٍ مِنها، وقَدْ حِيكَتْ بِنَسْجِ المُناسَباتِ والِاعْتِباراتِ البَلاغِيَّةِ مِن لُحْمَةٍ مُحْكَمَةٍ في نَظْمِ الكَلامِ، وسُدًى مَتِينٍ مِن فَصاحَةِ الكَلِماتِ.
ومُعْظَمُ أغْراضِها يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُثْبِتُ سُمُوَّ هَذا الدِّينِ عَلى ما سَبَقَهُ وعُلُوَّ هَدْيِهِ وأُصُولَ تَطْهِيرِهِ النُّفُوسَ، وقِسْمٌ يُبَيِّنُ شَرائِعَ هَذا الدِّينِ لِأتْباعِهِ وإصْلاحِ مُجْتَمَعِهِمْ.
وكانَ أُسْلُوبُها أحْسَنَ ما يَأْتِي عَلَيْهِ أُسْلُوبٌ جامِعٌ لِمَحاسِنِ الأسالِيبِ الخِطابِيَّةِ، وأسالِيبِ الكُتُبِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وأسالِيبِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، يَتَجَدَّدُ بِمِثْلِهِ نَشاطُ السّامِعِينَ بِتَفَنُّنِ الأفانِينِ، ويَحْضُرُ لَنا مِن أغْراضِها أنَّها ابْتُدِئَتْ بِالرَّمْزِ إلى تَحَدِّي العَرَبِ المُعانِدِينَ تَحَدِّيًا إجْمالِيًّا بِحُرُوفِ التَّهَجِّي المُفْتَتَحِ بِها رَمْزًا يَقْتَضِي اسْتِشْرافَهم لِما يَرِدُ بَعْدَهُ وانْتِظارَهم لِبَيانِ مَقْصِدِهِ، فَأعْقَبَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ فَتَحَوَّلَ الرَّمْزُ إيماءً إلى بَعْضِ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ الرَّمْزِ لَهُ أشَدُّ وقْعٍ عَلى نُفُوسِهِمْ فَتَبْقى في انْتِظارِ ما يَتَعَقَّبُهُ مِن صَرِيحِ التَّعْجِيزِ الَّذِي سَيَأْتِي بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآياتِ. فَعَدَلَ بِهِمْ إلى ذاتِ جِهَةِ التَّنْوِيهِ بِفائِقِ صِدْقِ هَذا الكِتابِ وهَدْيِهِ، وتَخَلَّصَ إلى تَصْنِيفِ النّاسِ تُجاهَ تَلَقِّيهِمْ هَذا الكِتابِ وانْتِفاعِهِمْ بِهَدْيِهِ أصْنافًا أرْبَعَةً (وكانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ صِنْفَيْنِ) بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ في ذَلِكَ التَّلَقِّي.
وإذْ قَدْ كانَ أخَصُّ الأصْنافِ انْتِفاعًا بِهَدْيِهِ هُمُ المُؤْمِنِينَ بِالغَيْبِ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ يَعْنِي المُسْلِمِينَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمْ، ولَمّا كانَ أشَدُّ الأصْنافِ عِنادًا وحِقْدًا صِنْفا المُشْرِكِينَ الصُّرَحاءِ والمُنافِقِينَ لُفَّ الفَرِيقانِ لَفًّا واحِدًا فَقُورِعُوا بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ، ثُمَّ خَصَّ بِالإطْنابِ صِنْفَ أهْلِ النِّفاقِ تَشْوِيهًا لِنِفاقِهِمْ وإعْلانًا لِدَخائِلِهِمْ ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ، ثُمَّ كانَ خاتِمَةُ ما قُرِعَتْ بِهِ أُنُوفُهم صَرِيحَ التَّحَدِّي الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ بَدْءًا تَحَدِّيًا يُلْجِئُهم إلى الِاسْتِكانَةِ. ويُخْرِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ التَّطاوُلِ والإبانَةِ، ويُلْقِي في قَراراتِ أنْفُسِهِمْ مَذَلَّةَ الهَزِيمَةِ وصِدْقَ الرَّسُولِ الَّذِي تَحَدّاهم، فَكانَ ذَلِكَ مِن رَدِّ (p-٢٠٤)العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ فاتَّسَعَ المَجالُ لِدَعْوَةِ المُنْصِفِينَ إلى عِبادَةِ الرَّبِّ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَهم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما في الأرْضِ جَمِيعًا.
وتَخَلَّصَ إلى صِفَةِ بَدْءِ خَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّ في ذَلِكَ تَذْكِيرًا لَهم بِالخَلْقِ الأوَّلِ قَبْلَ أنْ تُوجَدَ أصْنامُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها مِن صالِحِي قَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم، ومِنَّةً عَلى النَّوْعِ بِتَفْضِيلِ أصْلِهِمْ عَلى مَخْلُوقاتِ هَذا العالَمِ، وبِمَزِيَّتِهِ بِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى وكَيْفَ نَشَأتْ عَداوَةُ الشَّيْطانِ لَهُ ولِنَسْلِهِ، لِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِاتِّهامِ شَهَواتِها ولِمُحاسَبَتِها عَلى دَعَواتِها.
فَهَذِهِ المِنَّةُ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها كانَتْ مُناسِبَةً لِلتَّخَلُّصِ إلى مِنَّةٍ عُظْمى تَخُصُّ الفَرِيقَ الرّابِعَ وهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ هم أشَدُّ النّاسِ مُقاوَمَةً لِهُدى القُرْآنِ، وأنْفَذُ الفِرَقِ قَوْلًا في عامَّةِ العَرَبِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ هم أهْلُ العِلْمِ ومَظِنَّةُ اقْتِداءِ العامَّةِ لَهم مِن قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] الآياتِ، فَأطْنَبَ في تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ وأيّامِهِ لَهم، ووَصَفَ ما لاقَوْا بِهِ نِعَمَهُ الجَمَّةَ مِنَ الِانْحِرافِ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ انْحِرافًا بَلَغَ بِهِمْ حَدَّ الكُفْرِ وذَلِكَ جامِعٌ لِخُلاصَةِ تَكْوِينِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ وجامِعَتُهم في عَهْدِ مُوسى، ثُمَّ ما كانَ مِن أهَمِّ أحْداثِهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَفَوْا مُوسى إلى أنْ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الإسْلامِ بِالحَسَدِ والعَداوَةِ حَتّى عَلى المَلَكِ جِبْرِيلَ، وبَيانِ أخْطائِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُلْقِي في النُّفُوسِ شَكًّا في تَأهُّلِهِمْ لِلِاقْتِداءِ بِهِمْ. وذَكَرَ مِن ذَلِكَ نَمُوذَجًا مِن أخْلاقِهِمْ مِن تَعَلُّقِ الحَياةِ ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ومُحاوَلَةُ العَمَلِ بِالسِّحْرِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلَخْ وأذى النَّبِيءِ بِمُوَجَّهِ الكَلامِ ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ثُمَّ قُرِنَ اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ في قَرْنِ حَسَدِهِمُ المُسْلِمِينَ والسُّخْطِ عَلى الشَّرِيعَةِ الجَدِيدَةِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، ثُمَّ ما أُثِيرَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى وادِّعاءُ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ هو المُحِقُّ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] إلى يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ خُصَّ المُشْرِكُونَ بِأنَّهم أظْلَمُ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ لِأنَّهم مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وسَعَوْا بِذَلِكَ في خَرابِهِ وأنَّهم تَشابَهُوا في ذَلِكَ هم واليَهُودُ والنَّصارى واتَّحَدُوا في كَراهِيَةِ الإسْلامِ.
وانْتَقَلَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ إلى فَضائِلِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبانِيهِ، ودَعْوَتِهِ لِذُرِّيَّتِهِ بِالهُدى (p-٢٠٥)والِاحْتِرازِ عَنْ إجابَتِها في الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم، وأنَّ الإسْلامَ عَلى أساسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وهو التَّوْحِيدُ، وأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لَيْسَتا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، وأنَّ مِن ذَلِكَ الرُّجُوعَ إلى اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ آيَةً عَلى أنَّ الإسْلامَ هو القائِمُ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ، وذِكْرِ شَعائِرِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، وإبْكاتِ أهْلِ الكِتابِ في طَعْنِهِمْ عَلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وأنَّ العِنايَةَ بِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ أجْدَرُ مِنَ العِنايَةِ بِاسْتِقْبالِ الجِهاتِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وذُكِّرُوا بِنَسْخِ الشَّرائِعِ لِصَلاحِ الأُمَمِ وأنَّهُ لا بِدَعَ في نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ أوِ الإنْجِيلِ بِما هو خَيْرٌ مِنهُما.
ثُمَّ عادَ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِآثارِ صَنْعَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ، ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في يَوْمٍ يَتَبَرَّءُونَ فِيهِ مِن قادَتِهِمْ، وإبْطالِ مَزاعِمِ دِينِ الفَرِيقَيْنِ في مُحَرَّماتٍ مِنَ الأكْلِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقَدْ كَمَّلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ صِنْفٍ مِنَ النّاسِ قَلِيلٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يُظْهِرُوا الإسْلامَ ولَكِنَّهم أظْهَرُوا مَوَدَّةَ المُسْلِمِينَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٤] ولَمّا قَضى حَقَّ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأبْدَعِ بَيانٍ وأوْضَحِ بُرْهانٍ، انْتَقَلَ إلى قِسْمِ تَشْرِيعاتِ الإسْلامِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ثُمَّ تَفْصِيلًا: القِصاصُ، الوَصِيَّةُ، الصِّيامُ، الِاعْتِكافُ، الحَجُّ، الجِهادُ، ونِظامُ المُعاشَرَةِ والعائِلَةُ، المُعامَلاتُ المالِيَّةُ، والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والصَّدَقاتُ، والمُسْكِراتُ، واليَتامى، والمَوارِيثُ، والبُيُوعُ والرِّبا، والدُّيُونُ، والإشْهادُ، والرَّهْنُ، والنِّكاحُ، وأحْكامُ النِّساءِ، والعِدَّةُ، والطَّلاقُ، والرَّضاعُ، والنَّفَقاتُ، والأيْمانُ. وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِالدُّعاءِ المُتَضَمِّنِ لِخَصائِصِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ وذَلِكَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ فَكانَ هَذا الخِتامُ تَذْيِيلًا وفَذْلَكَةً ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآياتِ.
وكانَتْ في خِلالِ ذَلِكَ كُلِّهِ أغْراضٌ شَتّى سَبَقَتْ في مَعْرِضِ الِاسْتِطْرادِ في مُتَفَرِّقِ المُناسَباتِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ القارِئِ والسّامِعِ، كَما يُسْفِرُ وجْهُ الشَّمْسِ إثْرَ نُزُولِ الغُيُوثِ الهَوامِعِ، وتَخْرُجُ بَوادِرُ الزَّهْرِ عَقِبَ الرُّعُودِ القَوارِعِ، مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ورَحْمَتِهِ وسَماحَةِ الإسْلامِ، وضَرْبِ أمْثالٍ أوْ كَصَيِّبٍ واسْتِحْضارِ نَظائِرَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] (p-٢٠٦)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ، ومَعانِي الإيمانِ والإسْلامِ، وتَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ١٥٣] والكَمالاتِ الأصْلِيَّةِ، والمَزايا التَّحْسِينِيَّةِ، وأخْذِ الأعْمالِ والمَعانِي مِن حَقائِقِها وفَوائِدِها لا مِن هَيْئاتِها، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالمُصْطَلَحاتِ إذا لَمْ تَرْمِ إلى غاياتٍ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ونِظامِ المُحاجَّةِ، وأخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والرُّسُلِ وتَفاضُلِهِمْ، واخْتِلافِ الشَّرائِعِ.
ibn_atiyyah — المحرر الوجيز
و﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ الزُبَيْرِ: "صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". و"الَّذِينَ" جَمْعُ الَّذِي، وأصْلُهُ "لَذَّ"، حُذِفَتْ مِنهُ الياءُ لِلتَّنْوِينِ، كَما تُحْذَفُ مِن عَمَّ وقاضٍ فَلَمّا دَخَلَتْهُ الألِفُ واللامُ ثَبَتَتِ الياءُ و"الَّذِي" اسْمٌ مُبْهَمٌ ناقِصٌ مُحْتاجٌ إلى صِلَةٍ وعائِدٍ، وهو مَبْنِيٌّ في إفْرادِهِ وجَمْعِهِ، مُعَرَّبٌ في تَثْنِيَتِهِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعَرِّبُ جَمْعَهُ فَيَقُولُ في الرَفْعِ: "اللَذُونَ"، وكُتِبَ الَّذِي بِلامٍ واحِدَةٍ في الإفْرادِ والجَمْعِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِمْ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ أرادَ صِراطَ النَبِيَّيْنِ، والصَدِّيقِينَ، والشُهَداءِ، والصالِحِينَ. وانْتَزَعُوا ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا،﴾ [النساء: ٦٦] ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ والصالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]
فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَؤُلاءِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو المَطْلُوبُ في آيَةِ الحَمْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وحَكى مَكِّيُّ وغَيْرُهُ عن فِرْقَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ مُؤْمِنُو بَنِي إسْرائِيلَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ أصْحابُ مُوسى قَبْلَ أنْ يُبَدِّلُوا، وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ سَواءٌ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دُعامَةَ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ خاصَّةً. وحَكى مَكِّيٌّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ.
(p-٨٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ تَقَدَّمَ ما حَكاهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مِن أنَّهُ فَسَّرَ ( الصِراطَ المُسْتَقِيمَ ) بِذَلِكَ، وعَلى ما حَكى مَكِّيُّ يَنْتَقِضُ الأوَّلَ، ويَكُونُ ( الصِراطَ المُسْتَقِيمَ ) طَرِيقُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا أقْوى في المَعْنى، لِأنَّ تَسْمِيَةَ أشْخاصِهِمْ طَرِيقًا تَجُوزُ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "الهاءِ" مِن "عَلَيْهِمْ" فَقَرَأ حَمْزَةُ "عَلَيْهِمْ" بِضَمِّ الهاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وكَذَلِكَ "لَدَيْهِمْ" و"إلَيْهِمْ"، وقَرَأ الباقُونَ في جَمِيعِها بِكَسْرِ الهاءِ، واخْتَلَفُوا في "المِيمِ"، فَرُوِيَ عن نافِعٍ: التَخْيِيرُ بَيْنَ ضَمِّها وسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ لا يَعِيبُ ضَمَّ المِيمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قِراءَتَهُ كانَتْ بِالإسْكانِ، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ يَصِلُ المِيمَ بِواوٍ انْضَمَّتِ الهاءُ قَبْلَها أوِ انْكَسَرَتْ فَيَقْرَأُ: "عَلَيْهِمُو وقُلُوبِهِمُو، وسَمْعِهُمُو، وأبْصارِهُمُو". وقَرَأ ورْشٌ الهاءَ مَكْسُورَةً والمِيمَ مَوْقُوفَةً، إلّا أنْ تَلْقى المِيمُ ألِفًا أصْلِيَّةً فَيَلْحَقُ في اللَفْظِ واوًا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وكانَ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، يَكْسِرُونَ ويُسَكِّنُونَ "المِيمَ"، فَإذا لَقِيَ المِيمُ حَرْفَ ساكِنٍ اخْتَلَفُوا، فَكانَ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ يَمْضُونَ عَلى كَسْرِ الهاءِ وضَمِّ المِيمِ ( عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ ) و﴿مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٣] وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَكْسِرُ الهاءَ والمِيمَ فَيَقُولُ: "عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ" و"إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ"، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وكانَ الكِسائِيُّ يَضُمُّ الهاءَ والمِيمَ مَعًا "عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ"، و"مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ" قالَ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُوسى: وكُلُّ هَذا الِاخْتِلافِ في كَسْرِ الهاءِ وضَمِّها إنَّما هو في الهاءِ الَّتِي قَبْلَها كَسْرَةٌ أو ياءٌ ساكِنَةٌ، فَإذا جاوَزَتْ هَذَيْنِ لَمْ يَكُنْ في الهاءِ إلّا الضَمُّ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ المِيمِ هاءٌ قَبْلَها كَسْرَةٌ أو ياءٌ ساكِنَةٌ لَمْ يَجُزْ في المِيمِ إلّا الضَمُّ أوِ التَسْكِينُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: مِنكم وأنْتُمْ.
(p-٩٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَكى صاحِبُ الدَلائِلِ قالَ: قَرَأ بَعْضُهم "عَلَيْهِمُو"بِواوٍ وضَمَّتَيْنِ، وبَعْضُهم بِضَمَّتَيْنِ وألْقى الواوَ، وبَعْضُهم بِكَسْرَتَيْنِ وألْحَقَ الياءَ، وبَعْضُهم بِكَسْرَتَيْنِ وألْقى الياءَ، وبَعْضُهم بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّ المِيمِ، قالَ: وذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ الأئِمَّةِ ورُؤَساءِ اللُغَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَكى أحْمَدُ بْنُ مُوسى "عَلَيْهِمُو وعَلَيْهِمْ" بِضَمِّ المِيمِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ إلى الواوِ، و"عَلَيْهِمْ" بِسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ "عَلَيْهِمِي"، وقُرِئَ "عَلَيْهِمْ" بِكَسْرِ المِيمِ دُونَ إشْباعٍ إلى الياءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ "عَلَيْهِمْ" بِكَسْرِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ. وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها بِضَمِّ الهاءِ إلّا الأخِيرَةُ، وبِإزاءِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها قِراءَةٌ بِكَسْرِ الهاءِ فَيَجِيءُ في الجَمِيعِ عَشْرُ قِراءاتٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالِّينَ﴾. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الراءِ مِن "غَيْرِ"، فَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِخَفْضِ الراءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، ورُوِيَ عنهُ الخَفْضُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والخَفْضُ عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى البَدَلِ مِنَ "الَّذِينَ"، أو عَلى الصِفَةِ لِلنَّكِرَةِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ غَيْرِكَ، وإنَّما وقَعَ هُنا صِفَةً لِ "الَّذِينَ" لِأنَّ "الَّذِينَ" هُنا لَيْسَ بِمَقْصُودِ قَصْدِهِمْ، فالكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: إنِّي لَأمُرُّ بِالرَجُلِ مِثْلِكَ فَأُكْرِمُهُ، قالَ: (p-٩١)والنَصْبُ في الراءِ عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى الحالِ كَأنَّكَ قُلْتَ: أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ، أو عَلى الِاسْتِثْناءِ كَأنَّكَ قُلْتَ: إلّا المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ النَصْبُ عَلى: أعْنِي، وحُكِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الخَلِيلِ.
ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِمَن يَنْصِبُ -أنَّ "غَيْرَ" نَكِرَةٌ، فَكُرِهَ أنْ يُوصَفَ بِها المَعْرِفَةُ. والِاخْتِيارُ الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ الكَسْرُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، فَأُولى القِراءَتَيْنِ ما لَمْ يَخْرُجْ عن إجْماعِ قُرّاءِ الأمْصارِ. قالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ السَرّاجِ: "والَّذِي عِنْدِي أنَّ "غَيْرَ" في هَذا المَوْضِعِ مَعَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ". وهَذا شَيْءٌ فِيهِ نَظَرٌ ولَبْسٌ، فَلْيَفْهَمْ عَنِّي ما أقُولُ: اعْلَمْ أنَّ حُكْمَ كُلِّ مُضافٍ إلى مَعْرِفَةٍ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، وإنَّما تَنَكَّرَتْ "غَيْرُ" و"مِثْلُ" مَعَ إضافَتِهِما إلى المَعارِفِ مِن أجْلِ مَعْناهُما، وذَلِكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ غَيْرَكَ"، فَكُلُّ شَيْءٍ سِوى المُخاطَبِ فَهو غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ مِثْلَكَ" فَما هو مِثْلُهُ لا يُحْصى، لِكَثْرَةِ وُجُوهِ المُماثَلَةِ، فَإنَّما صارا نَكِرَتَيْنِ مِن أجْلِ المَعْنى، فَأمّا إذا كانَ شَيْءٌ مَعْرِفَةٌ لَهُ ضِدُّ واحِدٍ وأرَدْتَ إثْباتَهُ، ونَفِيَ ضِدِّهِ، وعَلِمَ ذَلِكَ السامِعُ فَوَصَفْتَهُ بِغَيْرٍ وأضَفْتَ "غَيْرَ" إلى ضِدِّهِ فَهو مَعْرِفَةٌ، كَقَوْلِكَ: "عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُكُونِ"، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾، لِأنَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ لا يُعاقِبُهُ إلّا مَن غَضِبَ عَلَيْهِ، ومَن لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِ فَهو الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ، فَمَتى كانَتْ "غَيْرُ" عَلى هَذِهِ الصِفَةِ وقُصِدَ بِها هَذا المَقْصِدَ فَهي مَعْرِفَةٌ).
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
أبْقى أبُو بَكْرٍ "الَّذِينَ" عَلى حَدِّ التَعْرِيفِ، وجَوَّزَ نَعْتَها بِـ "غَيْرِ" لِما بَيَّنَهُ مِن تَعَرُّفِ "غَيْرِ" في هَذا المَوْضِعِ، وغَيْرُ أبِي بَكْرٍ وقَفَ مَعَ تَنَكُّرِ "غَيْرِ"، وذَهَبَ إلى تَقْرِيبِ "الَّذِينَ" مِنَ النَكِرَةِ، إذْ هو اسْمٌ شائِعٌ لا يُخْتَصُّ بِهِ مُعَيَّنٌ، وعَلى هَذا جَوَّزَ نَعْتَها بِالنَكِرَةِ.
و﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليَهُودُ، و"الضالُّونَ" النَصارى، وهَكَذا قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، (p-٩٢)وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ورَوى ذَلِكَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مَن كِتابِ اللهِ تَعالى، لِأنَّ ذِكْرَ غَضَبِ اللهِ عَلى اليَهُودِ مُتَكَرِّرٌ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ( وباءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مِن لَعَنَهُ اللهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، والغَضَبُ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللهِ تَعالى، وغَضَبُ اللهِ تَعالى عِبارَةٌ عن إظْهارِهِ عَلَيْهِمْ مِحَنًا، وعُقُوباتٍ، وذِلَّةً، ونَحْوَ ذَلِكَ. مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ أبْعَدَهم عن رَحْمَتِهِ بُعْدًا مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ. والنَصارى كانَ مُحَقِّقُوهم عَلى شِرْعَةٍ قَبْلَ وُرُودِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ورَدَ ضَلُّوا، وأمّا غَيْرُ مُحَقِّقِيهِمْ فَضَلالُهم مُتَقَرِّرٌ مُنْذُ تَفَرَّقَتْ أقْوالُهم في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عن سَواءِ السَبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] قالَ مَكِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ حِكايَةً: دَخَلَتْ "لا" في قَوْلِهِ: ﴿وَلا الضالِّينَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ أنَّ الضالِّينَ عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ" قالَ: وقِيلَ: هي مُؤَكَّدَةٌ بِمَعْنى غَيْرِ: وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ "لا" زائِدَةٌ، وقالَ: هي هُنا عَلى نَحْوِ ما هي عَلَيْهِ في قَوْلِ الراجِزِ:
؎ فَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا......................................
أرادَ: أنْ تَسْخَرَ. وفي قَوْلِ الأحْوَصِ:(p-٩٣)
؎ ويُلْحِينُنِي في اللهْوِ ألّا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلٍ
وقالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ ويُلْحِينُنِي في اللهْوِ أنْ أُحِبَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَيْتُ الأحْوَصِ إنَّما مَعْناهُ: إرادَةُ ألّا أُحِبَّهُ فَـ "لا" فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ.
قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وإنَّما جازَ أنْ تَكُونَ "لا" بِمَعْنى الحَذْفِ، لِأنَّها تَقَدَّمَها الجَحْدُ في صَدْرِ الكَلامِ، فَسِيقَ الكَلامُ الأخِيرُ مُناسِبًا لِلْأوَّلِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ما كانَ يُرْضِي رَسُولَ اللهِ فِعْلُهم ∗∗∗ والطَيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضالِّينَ"، ورُوِيَ عنهُما في "الراءِ" النَصْبُ والخَفْضُ في الحَرْفَيْنِ. قالَ الطَبَرِيُّ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: ألَيْسَ الضَلالُ مِن صِفَةِ اليَهُودِ كَما أنَّ النَصارى عَلَيْهِمْ غَضَبٌ؟ فَلِمَ خَصَّ كُلَّ فَرِيقٍ بِذِكْرِ شَيْءٍ مُفْرَدٍ؟ قِيلَ: هم كَذَلِكَ، ولَكِنَّ وسْمَ اللهِ لِعِبادِهِ كُلَّ فَرِيقٍ بِما قَدْ تَكَرَّرَتِ العِبارَةُ عنهُ، وفَهِمَ بِهِ أمْرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا غَيْرُ شافٍ، والقَوْلُ في ذَلِكَ أنَّ أفاعِيلَ اليَهُودِ مِنَ اعْتِدائِهِمْ، وتَعَنُّتِهِمْ، وكُفْرِهِمْ، مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآياتِ، وقَتْلِهِمُ -الأنْبِياءَ أُمُورٌ تُوجِبُ الغَضَبَ في عُرْفِنا، فَسَمّى تَعالى ما أحاطَ بِهِمْ غَضَبًا، والنَصارى لَمْ يَقَعْ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، إنَّما ضَلُّوا مِن أوَّلِ كُفْرِهِمْ، دُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم ما يُوجِبُ غَضَبًا خاصًّا بِأفاعِيلِهِمْ، بَلْ هو الَّذِي يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ (p-٩٤)وَإنِ اجْتَهَدَ، فَلِهَذا تَقَرَّرَتِ العِبارَةُ عَنِ الطائِفَتَيْنِ بِما ذَكَرَ.
ولَيْسَ في العِبارَةِ بـِ "الضالِّينَ" تَعَلُّقٌ لِلْقَدَرِيَّةِ في أنَّهم أضَلُّوا أنْفُسَهُمْ، لِأنَّ هَذا إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: تَهَدَّمَ الجِدارُ، وتَحَرَّكَتِ الشَجَرَةُ، والهادِمُ والمُحَرِّكُ غَيْرُهُما، وكَذَلِكَ النَصارى، خَلَقَ اللهُ الضَلالَ فِيهِمْ وضَلُّوا هم بِتَكَسُّبِهِمْ.
وقَرَأ أيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ: "الضَألِّينَ" بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، كَأنَّهُ فَرَّ مِنِ التِقاءِ الساكِنَيْنِ، وهي لُغَةٌ. وحَكى أبُو زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقْرَأُ: "فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جَأْنٌّ"، فَظَنَنْتُهُ قَدْ لَحَنَ حَتّى سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ دَأْبَةً وشَأْبَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎ ...................................... ∗∗∗ إذا ما العَوالِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ولِلْأرْضِ أمّا سُودُها فَتَجَلَّلَتْ ∗∗∗ بَياضًا، وأمّا بِيضُها فادْهَأمَّتْ
(p-٩٥)وَأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ عَدَدَ آيِ سُورَةِ الحَمْدِ سَبْعُ آياتٍ: "العالَمِينَ": آيَةُ "الرَحِيمِ" آيَةُ "الدِينِ": آيَةُ "نَسْتَعِينُ": آيَةُ "المُسْتَقِيمَ": آيَةُ "أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ": آيَةُ "وَلا الضالِّينَ": آيَةُ.
وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ ما ورَدَ مِن خِلافٍ ضَعِيفٍ في ذَلِكَ.
***
(p-٩٦)القَوْلُ في آمِينَ
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا قالَ الإمامُ: "وَلا الضالِّينَ"، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَماءِ تَقُولُ: آمِينَ، فَمَن وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». ورُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَلَّمَ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فاتِحَةَ الكِتابِ وقْتَ نُزُولِها فَقَرَأها قالَ لَهُ: قُلْ آمِينَ». وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: آمِينَ" خاتَمُ رَبِّ العالَمِينَ، يَخْتِمُ بِها دُعاءَ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ. ورُوِيَ « "أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فَقالَ: أوجَبَ إنْ خَتَمَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: بِأيِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "بِآمِينَ)».
ومَعْنى "آمِينَ" عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ: اللهُمَّ اسْتَجِبْ، أو أجِبْ يا رَبِّ، ونَحْوُ هَذا، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ، ونَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ وغَيْرُهُ. وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى. رُوِيَ ذَلِكَ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٍ، وهِلالِ بْنِ يُسافَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ "آمِينَ" اسْمُ خاتَمٍ يُطْبَعُ بِهِ كُتُبُ أهْلِ الجَنَّةِ الَّتِي تُؤْخَذُ بِالإيمانِ.
فَمُقْتَضى هَذِهِ الآثارِ أنَّ كُلَّ داعٍ يَنْبَغِي لَهُ في آخِرِ دُعائِهِ أنْ يَقُولَ: "آمِينَ". وكَذَلِكَ كَلُّ قارِئٍ لِلْحَمْدِ في غَيْرِ صَلاةٍ، لَكِنْ لَيْسَ بِجَهْرِ التَنْزِيلِ، وأمّا في الصَلاةِ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَقُولُها كُلُّ مُصَلٍّ مِن إمامٍ وفَذٍّ ومَأْمُومٍ قَرَأها أو سَمِعَها، وقالَ مالِكٌ في (p-٩٧)المُدَوَّنَةِ: لا يَقُولُ الإمامُ "آمِينَ"، ولَكِنْ يَقُولُها مِن خَلْفِهِ ويُخْفُونَ، ويَقُولُها الفَذُّ. وقَدْ رُوِيَ عن مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ الإمامَ يَقُولُها أسَرَّ أمْ جَهَرَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ الإمامَ لا يُؤَمِّنُ في الجَهْرِ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤَمِّنُ، وقالَ ابْنُ بَكِيرٍ: هو مُخَيَّرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الخِلافُ إنَّما هو في الإمامِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ في الفَذِّ، ولا في المَأْمُومِ. إلّا ابْنُ نافِعٍ قالَ في كِتابِ ابْنِ حارِثٍ: لا يَقُولُها المَأْمُومُ إلّا إنْ سَمِعَ الإمامَ يَقُولُ: "وَلا الضالِّينَ"، وإذا كانَ بِبُعْدٍ لا يَسْمَعُهُ فَلا يَقُولُ، وقالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يَتَحَرّى قَدْرَ القِراءَةِ ويَقُولُ: "آمِينَ".
وهِيَ لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وكَأنَّ الفَتْحَ مَعَ الياءِ أخَفُّ مِن سائِرِ الحَرَكاتِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "آمِينَ" فَيَمُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ آمِينَ آمِينَ لا أرْضى بِواحِدَةٍ حَتّى أُبَلِّغَها ألْفَيْنِ آمِينا
ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ بِالقَصْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَباعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذْ سَألَتُهُ ∗∗∗ أمِينَ فَزادَ اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «فَمَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ» فَقِيلَ: في الإجابَةِ، وقِيلَ: في خُلُوصِ النِيَّةِ، وقِيلَ: في الوَقْتِ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ المَعْنى فَمَن وافَقَ في الوَقْتِ مَعَ خُلُوصِ النِيَّةِ والإقْبالِ عَلى الرَغْبَةِ إلى اللهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، والإجابَةُ تُتْبَعُ حِينَئِذٍ لِأنَّ مَن هَذِهِ حالُهُ فَهو عَلى الصِراطِ المُسْتَقِيمِ.
ibn_juzayy — التسهيل لعلوم التنزيل
وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.
الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن".
الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده.
الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.
الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.
الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة"
والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله.
الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.
الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.
الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.
الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣].
الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.
الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.
الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.
الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.
الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.
الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.
الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.
الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.
الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
ibn_qayyim — تفسير ابن القيم
ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:
مُنعَمٌ عليه بحصولها، واستمرار حظّه من النعم بحسب حظه من تفاصيلها وأقسامها.
وضالٌّ لم يُعطَ هذه الهداية ولم يُوفَّق لها.
ومغضوب عليه عرفَها ولم يُوفَّق للعمل بموجبها.
فالأول المنعم عليه قائم بالهدى ودين الحق علمًا وعملًا، والضالّ منسلخٌ عنه علمًا وعملًا، والمغضوب عليه عارفٌ به علمًا، منسلخ منه عملًا، والله الموفق للصواب.
* (فائدة)
وَأما المُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الحق علما وبالانقياد إلَيْهِ وإيثاره على ما سواهُ عملا وهَؤُلاء هم الَّذين على سَبِيل النجاة ومن سواهُم على سَبِيل الهَلاك ولِهَذا أمرنا الله سُبْحانَهُ أن نقُول كل يَوْم ولَيْلَة عدَّة مَرّات ﴿اهدنا الصِّراط المُسْتَقيم صِراط الَّذين أنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم ولا الضّالّين﴾
فَإن العَبْد مُضْطَر كل الِاضْطِرار إلى أن يكون عارِفًا بِما يَنْفَعهُ في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثرا مرِيدا لما يَنْفَعهُ مجتنبا لما يضرّهُ فبمجموع هذَيْن يكون قد هدي إلى الصِّراط المُسْتَقيم فَإن فاتَهُ معرفَة ذَلِك سلك سَبِيل الضّالّين وإن فاتَهُ قَصده واتباعه سلك سَبِيل المغضوب عَلَيْهِم وبِهَذا يعرف قدر هَذا الدُّعاء العَظِيم وشدَّة الحاجة إلَيْهِ وتوقف سَعادَة الدُّنْيا والآخِرَة عَلَيْهِ
والعَبْد مفتقر إلى الهِدايَة في كل لَحْظَة ونَفس في جَمِيع ما يَأْتِيهِ ويذره فَإنَّهُ بَين أُمُور لا يَنْفَكّ عَنْها
أحدها أُمُور قد أتاها على غير وجه الهِدايَة جهلا فَهو مُحْتاج إلى أن يطْلب الهِدايَة إلى الحق فِيها
أو يكون عارِفًا بالهداية فِيها فَأتاها على غير وجهها عمدا فَهو مُحْتاج إلى التَّوْبَة مِنها
أو أُمُور لم يعرف وجه الهِدايَة فِيها علما ولا عملا ففاتته الهِدايَة إلى علمها ومعرفتها وإلى قَصدها وإرادتها وعملها
أو أُمُور قد هدي إلَيْها من وجه دون وجه فَهو مُحْتاج إلى تَمام الهِدايَة فِيها
أو أُمُور قد هدي إلى أصْلها دون تفاصيلها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة التَّفْصِيل
أو طَرِيق قد هدي أليها وهو مُحْتاج إلى هِدايَة أُخْرى فِيها فالهداية إلى الطَّرِيق شَيْء والهِدايَة في نفس الطَّرِيق شَيْء آخر ألا ترى أن الرجل يعرف أن طَرِيق البَلَد الفُلانِيّ هو طَرِيق كَذا وكَذا ولَكِن لا يحسن أن يسلكه فَإن سلوكه يحْتاج إلى هِدايَة خاصَّة في نفس السلوك كالسير في وقت كَذا دون وقت كَذا وأخذ الماء في مفازة كَذا مِقْدار كَذا والنُّزُول في مَوضِع كَذا دون كَذا فَهَذِهِ هِدايَة في نفس السّير قد يهملها من هو عارِف بِأن الطَّرِيق هي هَذِه فَيهْلك ويَنْقَطِع عَن المَقْصُود.
وَكَذَلِكَ أيْضا ثمَّ أُمُور هو مُحْتاج إلى أن يحصل لَهُ فِيها من الهِدايَة في المُسْتَقْبل مثل ما حصل لَهُ في الماضِي
وَأُمُور هو خال عَن اعْتِقاد حق أو باطِل فِيها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة الصَّواب فِيها
وَأُمُور يعْتَقد أنه فِيها على هدى وهو على ضَلالَة ولا يشْعر فَهو مُحْتاج إلى انْتِقاله عَن ذَلِك الِاعْتِقاد بهداية من الله
وَأُمُور قد فعلها على وجه الهِدايَة وهو مُحْتاج إلى أن يهدي غَيره إلَيْها ويرشده وينصحه فإهماله
ذَلِك يفوت عَلَيْهِ من الهِدايَة بِحَسبِهِ كَما أن هدايته للْغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ باب الهِدايَة فَإن الجَزاء من جنس العَمَل فَكلما هدى غَيره وعلمه هداه الله وعلمه فَيصير هاديا مهديا كَما في دُعاء النَّبِي ﷺ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره اللَّهُمَّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين غير ضالِّينَ ولا مضلين سلما لأوليائك حَربًا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك
وَقد أثنى الله سُبْحانَهُ على عباده المُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أن يجعلهم أئِمَّة يهتدى بهم فَقالَ تَعالى في صِفات عباده ﴿والَّذين يَقُولُونَ رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إمامًا﴾
قالَ ابْن عَبّاس يهتدى بِنا في الخَيْر.
وَقالَ أبُو صالح يقْتَدى بهدانا.
وَقالَ مَكْحُول أئِمَّة في التَّقْوى يَقْتَدِي بِنا المتقون.
* (فصل)
المَوْضِعُ السّابِعُ: مِن مَعْرِفَةِ نَفْسِ المَسْئُولِ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ
وَلا تَكُونُ الطَّرِيقُ صِراطًا حَتّى تَتَضَمَّنَ خَمْسَةَ أُمُورٍ: الِاسْتِقامَةَ، والإيصالَ إلى المَقْصُودِ، والقُرْبَ، وسَعَتَهُ لِلْمارِّينَ عَلَيْهِ، وتَعَيُّنَهُ طَرِيقًا لِلْمَقْصُودِ، ولا يَخْفى تَضَمُّنُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِهَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ.
فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِقامَةِ يَتَضَمَّنُ قُرْبَهُ، لِأنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ هو أقْرَبُ خَطٍّ فاصِلٍ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، وكُلَّما تَعَوَّجَ طالَ وبَعُدَ، واسْتِقامَتُهُ تَتَضَمَّنُ إيصالَهُ إلى المَقْصُودِ، ونَصْبُهُ لِجَمِيعِ مَن يَمُرُّ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ سَعَتَهُ، وإضافَتُهُ إلى المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ووَصْفُهُ بِمُخالَفَةِ صِراطِ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ يَسْتَلْزِمُ تَعَيُّنَهُ طَرِيقًا.
والصِّراطُ تارَةً يُضافُ إلى اللَّهِ، إذْ هو الَّذِي شَرَعَهُ ونَصَبَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَولِهِ ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢] وتارَةً يُضافُ إلى العِبادِ كَما في الفاتِحَةِ، لِكَوْنِهِمْ أهْلَ سُلُوكِهِ، وهو المَنسُوبُ لَهُمْ، وهُمُ المارُّونَ عَلَيْهِ.
(المَوْضِعُ الثّامِنُ: مِن ذِكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَمْيِيزِهِمْ عَنْ طائِفَتَيِ الغَضَبِ والضَّلالِ)
فانْقَسَمَ النّاسُ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ والعَمَلِ بِهِ إلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إمّا أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالحَقِّ، وإمّا جاهِلًا بِهِ، والعالِمُ بِالحَقِّ إمّا أنْ يَكُونَ عامِلًا بِمُوجَبِهِ أوْ مُخالِفًا لَهُ، فَهَذِهِ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ لا يَخْرُجُونَ عَنْها ألْبَتَّةَ، فالعالِمُ بِالحَقِّ العامِلُ بِهِ هو المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي زَكّى نَفْسَهُ بِالعِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وهو المُفْلِحُ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] والعالِمُ بِهِ المُتَّبِعُ هَواهُ هو المَغْضُوبُ عَلَيْهِ، والجاهِلُ بِالحَقِّ هو الضّالُّ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِ ضالٌّ عَنْ هِدايَةِ العَمَلِ، والضّالُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لِضَلالِهِ عَنِ العِلْمِ المُوجِبِ لِلْعَمَلِ، فَكُلٌّ مِنهُما ضالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ تارِكَ العَمَلِ بِالحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أوْلى بِوَصْفِ الغَضَبِ وأحَقُّ بِهِ، ومِن هُنا كانَ اليَهُودُ أحَقَّ بِهِ، وهو مُتَغَلِّظٌ في حَقِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] وقالَ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] والجاهِلُ بِالحَقِّ أحَقُّ بِاسْمِ الضَّلالِ، ومِن هُنا وُصِفَتِ النَّصارى بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] فالأُولى في سِياقِ الخِطابِ مَعَ اليَهُودِ، والثّانِيَةُ في سِياقِهِ مَعَ النَّصارى، وفي التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ ابْنِ حَبّانَ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، والنَّصارى ضالُّونَ».
فَفِي ذِكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وهم مَن عَرَفَ الحَقَّ واتَّبَعَهُ والمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم مَن عَرَفَهُ واتَّبَعَ هَواهُ والضّالِّينَ وهم مَن جَهِلَهُ ما يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، لِأنَّ انْقِسامَ النّاسِ إلى ذَلِكَ هو الواقِعُ المَشْهُودُ، وهَذِهِ القِسْمَةُ إنَّما أوْجَبَها ثُبُوتُ الرِّسالَةِ.
وَأضافَ النِّعْمَةَ إلَيْهِ، وحَذَفَ فاعِلَ الغَضَبِ لِوُجُوهٍ:
مِنها: أنَّ النِّعْمَةَ هي الخَيْرُ والفَضْلُ، والغَضَبَ مِن بابِ الِانْتِقامِ والعَدْلِ، والرَّحْمَةَ تَغْلِبُ الغَضَبَ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ أكْمَلَ الأمْرَيْنِ، وأسْبَقَهُما وأقْواهُما، وهَذِهِ طَرِيقَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ الخَيْراتِ والنِّعَمِ إلَيْهِ، وحَذْفِ الفاعِلِ في مُقابَلَتِهِما، كَقَوْلِ مُؤْمِنِي الجِنِّ ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] ومِنهُ قَوْلُ الخَضِرِ في شَأْنِ الجِدارِ واليَتِيمَيْنِ ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ [الكهف: ٨٢] وقالَ في خَرْقِ السَّفِينَةِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقَوْلَهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلَهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قالَ ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وَفِي تَخْصِيصِهِ لِأهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِالنِّعْمَةِ ما دَلَّ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ هي المُوجِبَةُ لِلْفَلاحِ الدّائِمِ، وأمّا مُطْلَقُ النِّعْمَةِ فَعَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَكُلُّ الخَلْقِ في نِعْمَةٍ، وهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في مَسْألَةِ: هَلْ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ مِن نِعْمَةٍ أمْ لا؟
فالنِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ لِأهْلِ الإيمانِ، ومُطْلَقُ النِّعْمَةِ تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والنِّعْمَةُ مِن جِنْسِ الإحْسانِ، بَلْ هي الإحْسانُ، والرَّبُّ تَعالى إحْسانُهُ عَلى البَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وَأمّا الإحْسانُ المُطْلَقُ فَلِلَّذِينِ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُنْفَرِدُ بِالنِّعَمِ ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فَأُضِيفَ إلَيْهِ ما هو مُنْفَرِدٌ بِهِ، وإنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِهِ فَلِكَوْنِهِ طَرِيقًا ومَجْرًى لِلنِّعْمَةِ، وأمّا الغَضَبُ عَلى أعْدائِهِ فَلا يَخْتَصُّ بِهِ تَعالى، بَلْ مَلائِكَتُهُ وأنْبِياؤُهُ ورُسُلُهُ وأوْلِياؤُهُ يَغْضَبُونَ لِغَضَبِهِ، فَكانَ في لَفْظَةِ " ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] " بِمُوافَقَةِ أوْلِيائِهِ لَهُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإنْعامِ، وأنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ مِنهُ وحْدَهُ، هو المُنْفَرِدُ بِها ما لَيْسَ في لَفْظَةِ " المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ".
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ في حَذْفِ فاعِلِ الغَضَبِ مِنَ الإشْعارِ بِإهانَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، وتَحْقِيرِهِ وتَصْغِيرِ شَأْنِهِ ما لَيْسَ في ذِكْرِ فاعِلِ النِّعْمَةِ مِن إكْرامِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ والإشادَةِ بِذِكْرِهِ، ورَفْعِ قَدْرِهِ ما لَيْسَ في حَذْفِهِ، فَإذا رَأيْتَ مَن قَدْ أكْرَمَهُ مَلِكٌ وشَرَّفَهُ ورَفَعَ قَدْرَهُ، فَقُلْتَ: هَذا الَّذِي أكْرَمَهُ السُّلْطانُ، وخَلَعَ عَلَيْهِ وأعْطاهُ ما تَمَنّاهُ، كانَ أبْلَغَ في الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِن قَوْلِكَ: هَذا الَّذِي أُكْرِمَ وخُلِعَ عَلَيْهِ وشُرِّفَ وأُعْطِيَ.
وَتَأمَّلْ سِرًّا بَدِيعًا في ذِكْرِ السَّبَبِ والجَزاءِ لِلطَّوائِفِ الثَّلاثَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأخْصَرِهِ، فَإنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ إنْعامَهُ بِالهِدايَةِ الَّتِي هي العِلْمُ النّافِعُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهي الهُدى ودِينُ الحَقِّ، ويَتَضَمَّنُ كَمالَ الإنْعامِ بِحُسْنِ الثَّوابِ والجَزاءِ، فَهَذا تَمامُ النِّعْمَةِ، ولَفْظُ " ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] " يَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ.
وَذِكْرُ غَضَبِهِ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ أيْضًا أمْرَيْنِ: الجَزاءُ بِالغَضَبِ الَّذِي مُوجَبُهُ غايَةُ العَذابِ والهَوانِ، والسَّبَبُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ غَضَبَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ أرْحَمُ وأرْأفُ مِن أنْ يَغْضَبَ بِلا جِنايَةٍ مِنهم ولا ضَلالٍ، فَكَأنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِضَلالِهِمْ، وذِكْرُ الضّالِّينَ مُسْتَلْزِمٌ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ وعِقابِهِ لَهُمْ، فَإنَّ مَن ضَلَّ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ الَّتِي هي مُوجَبُ ضَلالِهِ وغَضَبِ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فاسْتَلْزَمَ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ لِلسَّبَبِ والجَزاءِ أبْيَنَ اسْتِلْزامٍ، واقْتَضاهُ أكْمَلَ اقْتِضاءٍ في غايَةِ الإيجازِ والبَيانِ والفَصاحَةِ، مَعَ ذِكْرِ الفاعِلِ في أهْلِ السَّعادَةِ، وحَذْفِهِ في أهْلِ الغَضَبِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ في أهْلِ الضَّلالِ.
وَتَأمَّلِ المُقابَلَةَ بَيْنَ الهِدايَةِ والنِّعْمَةِ، والغَضَبِ والضَّلالِ، فَذِكْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ في مُقابَلَةِ المُهْتَدِينَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، يَقْرِنُ بَيْنَ الضَّلالِ والشَّقاءِ، وبَيْنَ الهُدى والفَلاحِ، فالثّانِي كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] والأوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقَوْلِهِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] فَهَذا الهُدى والسَّعادَةُ، ثُمَّ قالَ ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٤] فَذَكَرَ الضَّلالَ والشَّقاءَ.
فالهُدى والسَّعادَةُ مُتَلازِمانِ، والضَّلالُ والشَّقاءُ مُتَلازِمانِ.
* [فَصْلٌ: ذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللّامِ، وتَعْرِيفًا بِالإضافَةِ]
وَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللّامِ، وتَعْرِيفًا بِالإضافَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ واخْتِصاصَهُ، وأنَّهُ صِراطٌ واحِدٌ، وأمّا طُرُقُ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْمَعُها ويُفْرِدُها، كَقَوْلِهِ ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فَوَحَّدَ لَفْظَ الصِّراطِ وسَبِيلِهِ، وجَمَعَ السُّبُلَ المُخالِفَةَ لَهُ،
«وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، وقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» وهَذا لِأنَّ الطَّرِيقَ المُوَّصِلَ إلى اللَّهِ واحِدٌ، وهو ما بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، ولَوْ أتى النّاسُ مِن كُلِّ طَرِيقٍ، واسْتَفْتَحُوا مِن كُلِّ بابٍ، فالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ مَسْدُودَةٌ، والأبْوابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إلّا مِن هَذا الطَّرِيقِ الواحِدِ، فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ أنَّهُ مِن بابِ إقامَةِ الأدَواتِ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَقامَتْ أداةُ " عَلى " مَقامَ " إلى "، والثّانِي: أنَّهُ أرادَ التَّفْسِيرَ عَلى المَعْنى، وهو الأشْبَهُ بِطَرِيقِ السَّلَفِ، أيْ صِراطٌ مُوَّصِلٌ إلَيَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ، لا يُعَرَّجُ عَلى شَيْءٍ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الحَسَنِ وأبْيَنُ مِنهُ، وهو مِن أصَحِّ ما قِيلَ في الآيَةِ، وقِيلَ: عَلَيَّ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُهُ وتَعْرِيفُهُ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، والقَوْلانِ نَظِيرُ القَوْلَيْنِ في آيَةِ النَّحْلِ، وهي ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] والصَّحِيحُ فِيها كالصَّحِيحِ في آيَةِ الحِجْرِ: أنَّ السَّبِيلَ القاصِدَ وهو المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ:
؎مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُشَقْلَبُ
أيْ مَمَرُّنا عَلَيْهِمْ، وإلَيْهِمْ وُصُولُنا، وقالَ الآخَرُ:
؎فَهُنَّ المَنايا أيُّ وادٍ سَلَكْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْها طَرِيقِي أوْ عَلَيَّ طَرِيقُها
فَإنْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ الألْيَقُ بِهِ أداةَ إلى الَّتِي هي لِلِانْتِهاءِ، لا أداةَ عَلى الَّتِي هي لِلْوُجُوبِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ الوُصُولَ قالَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهم ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وقالَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] وقالَ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقالَ لَمّا أرادَ الوُجُوبَ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] وقالَ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقالَ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] ونَظائِرُ ذَلِكَ.
قِيلَ: في أداةِ عَلى سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو الإشْعارُ بِكَوْنِ السّالِكِ عَلى هَذا الصِّراطِ عَلى هُدًى، وهو حَقٌّ، كَما قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، وصِراطُهُ حقٌّ، ودِينُهُ حَقٌ، فَمَنِ اسْتَقامَ عَلى صِراطِهِ فَهو عَلى الحَقِّ والهُدى، فَكانَ في أداةِ " عَلى " عَلى هَذا المَعْنى ما لَيْسَ في أداةِ إلى فَتَأمَّلْهُ، فَإنَّهُ سِرٌّ بَدِيعٌ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ عَلى في ذَلِكَ أيْضًا؟ وكَيْفَ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُسْتَعْلِيًا عَلى الحَقِّ، وعَلى الهُدى؟
قُلْتُ: لِما فِيهِ مِنِ اسْتِعْلائِهِ وعُلُوِّهِ بِالحَقِّ والهُدى، مَعَ ثَباتِهِ عَلَيْهِ، واسْتِقامَتِهِ إلَيْهِ، فَكانَ في الإتْيانِ بِأداةِ " عَلى " ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّهِ وثُبُوتِهِ واسْتِقامَتِهِ، وهَذا بِخِلافِ الضَّلالِ والرَّيْبِ، فَإنَّهُ يُؤْتى فِيهِ بِأداةِ " في " الدّالَّةِ عَلى انْغِماسِ صاحِبِهِ، وانْقِماعِهِ وتَدَسُّسِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ٣٩] وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠].
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فَإنَّ طَرِيقَ الحَقِّ تَأْخُذُ عُلُوًّا صاعِدَةً بِصاحِبِها إلى العَلِيِّ الكَبِيرِ، وطَرِيقَ الضَّلالِ تَأْخُذُ سُفْلًا، هاوِيَةً بِسالِكِها في أسْفَلِ سافِلِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ إنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] كَما قالَ: تَقُولُ طَرِيقُكَ عَلَيَّ، ومَمَرُّكَ عَلَيَّ، لِمَن تُرِيدُ إعْلامَهُ بِأنَّهُ غَيْرُ فائِتٍ لَكَ، ولا مُعْجِزٍ، والسِّياقُ يَأْبى هَذا، ولا يُناسِبُهُ لِمَن تَأمَّلَهُ، فَإنَّهُ قالَهُ مُجِيبًا لِإبْلِيسَ الَّذِي قالَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِي إلى إغْوائِهِمْ، ولا طَرِيقَ لِي عَلَيْهِمْ.
فَقَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ أتَمَّ التَّقْرِيرِ، وأخْبَرَ أنَّ الإخْلاصَ صِراطٌ عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ، فَلا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي الَّذِينَ هم عَلى هَذا الصِّراطِ، لِأنَّهُ صِراطٌ عَلَيَّ، ولا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ إلى هَذا الصِّراطِ، ولا الحَوْمِ حَوْلَ ساحَتِهِ، فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مَحْفُوظٌ بِاللَّهِ، فَلا يَصِلُ عَدُوُّ اللَّهِ إلى أهْلِهِ.
فَلْيَتَأمَّلِ العارِفُ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، ولْيَنْظُرْ إلى هَذا المَعْنى، ويُوازِنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، أيُّهُما ألْيَقُ بِالآيَتَيْنِ، وأقْرَبُ إلى مَقْصُودِ القُرْآنِ وأقْوالِ السَّلَفِ؟
وَأمّا تَشْبِيهُ الكِسائِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَلا يَخْفى الفَرْقُ بَيْنَهُما سِياقًا ودِلالَةً، فَتَأمَّلْهُ، ولا يُقالُ في التَّهْدِيدِ: هَذا طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَيَّ، لِمَن لا يَسْلُكُهُ، ولَيْسَتْ سَبِيلُ المُهَدَّدِ مُسْتَقِيمَةً، فَهو غَيْرُ مُهَدَّدٍ بِصِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، وسَبِيلُهُ الَّتِي هو عَلَيْها لَيْسَتْ مُسْتَقِيمَةً عَلى اللَّهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا القَوْلُ ألْبَتَّةَ.
وَأمّا مَن فَسَّرَهُ بِالوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُ اسْتِقامَتِهِ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، فالمَعْنى صَحِيحٌ، لَكِنْ في كَوْنِهِ هو المُرادَ بِالآيَةِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ حَذْفٌ في غَيْرِ مَوْضِعِ الدِّلالَةِ، ولَمْ يُؤَلَّفِ الحَذْفُ المَذْكُورُ لِيَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ إذا حُذِفَ، بِخِلافِ عامِلِ الظَّرْفِ إذا وقَعَ صِفَةً فَإنَّهُ حَذْفٌ مَأْلُوفٌ مَعْرُوفٌ، حَتّى إنَّهُ لا يُذْكَرُ ألْبَتَّةَ، فَإذا قُلْتَ: لَهُ دِرْهَمٌ عَلَيَّ، كانَ الحَذْفُ مَعْرُوفًا مَأْلُوفًا، فَلَوْ أرَدْتَ: عَلَيَّ نَقْدُهُ، أوْ عَلَيَّ وزْنُهُ وحِفْظُهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ وحَذَفْتَ لَمْ يَسُغْ، وهو نَظِيرُ: عَلَيَّ بَيانُهُ المُقَدَّرِ في الآيَةِ، مَعَ أنَّ الَّذِي قالَهُ السَّلَفُ ألْيَقُ بِالسِّياقِ، وأجَلُّ المَعْنَيَيْنِ وأكْبَرُهُما.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ أحْمَدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: وهُما نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٢] قالَ: فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ في هَذا المَعْنى.
قُلْتُ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] " إلّا مَعْنى الوُجُوبِ، أيْ عَلَيْنا بَيانُ الهُدى مِنَ الضَّلالِ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ النَّحْلِ إلّا هَذا المَعْنى كالبَغَوِيِّ، وذَكَرَ في الحِجْرِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في بَسِيطِهِ المَعْنَيَيْنِ في سُورَةِ النَّحْلِ، واخْتارَ شَيْخُنا قَوْلَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ.
* [فَصْلٌ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو صِراطُ اللَّهِ]
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو صِراطُ اللَّهِ، وهو يُخْبِرُ أنَّ الصِّراطَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما ذَكَرْنا، ويُخْبِرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وهَذا في مَوْضِعَيْنِ مِنَ القُرْآنِ: في هُودٍ، والنَّحْلِ، قالَ في هُودٍ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقالَ في النَّحْلِ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]
فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ، ولا تَنْطِقُ ولا تَعْقِلُ، وهي كَلٌّ عَلى عابِدِها، يَحْتاجُ الصَّنَمُ إلى أنْ يَحْمِلَهُ عابِدُهُ، ويَضَعَهُ ويُقِيمَهُ ويَخْدِمَهُ، فَكَيْفَ يُسَوُّونَهُ في العادَةِ بِاللَّهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والتَّوْحِيدِ؟ وهو قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، غَنِيٌّ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَقَوْلُهُ صِدْقٌ ورُشْدٌ ونُصْحٌ وهُدًى، وفِعْلُهُ حِكْمَةٌ وعَدْلٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، هَذا أصَحُّ الأقْوالِ في الآيَةِ، وهو الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ غَيْرَهُ، ومَن ذَكَرَ غَيْرَهُ قَدَّمَهُ عَلى الأقْوالِ، ثُمَّ حَكاها بَعْدَهُ كَما فَعَلَ البَغْوِيُّ، فَإنَّهُ جَزَمَ بِهِ، وجَعَلَهُ تَفْسِيرَ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ الكَلْبِيُّ: يَدُلُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قُلْتُ: ودِلالَتُهُ لَنا عَلى الصِّراطِ هي مِن مُوجَبِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّ دِلالَتَهُ بِفِعْلِهِ وقَوْلِهِ، وهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، فَلا يُناقِضُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
قالَ: وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قُلْتُ: وهَذا حَقٌّ لا يُناقِضُ القَوْلَ الأوَّلَ، فالَلَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ورَسُولُهُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَفْعَلُ إلّا مُقْتَضاهُ ومُوجَبَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَثَلُ مَضْرُوبًا لِإمامِ الكُفّارِ وهادِيهِمْ، وهو الصَّنَمُ الَّذِي هو أبْكَمُ، لا يَقْدِرُ عَلى هُدًى ولا خَيْرٍ، ولِإمامِ الأبْرارِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَكُونُ مَضْرُوبًا لِمَعْبُودِ الكُفّارِ ومَعْبُودِ الأبْرارِ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، فَبَعْضُهم ذَكَرَ هَذا، وبَعْضُهم ذَكَرَ هَذا، وكِلاهُما مُرادٌ مِنَ الآيَةِ، قالَ، وقِيلَ: كِلاهُما لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، يَرْوِيهِ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ عَطاءٌ: الأبْكَمُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: حَمْزَةُ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
قُلْتُ: والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، ولا يُناقِضُ القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، فَإنَّ اللَّهَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ورَسُولَهُ وأتِّباعَ رَسُولِهِ، وضِدُّ ذَلِكَ: مَعْبُودُ الكُفّارِ وهادِيهِمْ، والكافِرُ التّابِعُ والمَتْبُوعُ والمَعْبُودُ، فَيَكُونُ بَعْضُ السَّلَفِ ذَكَرَ أعْلى الأنْواعِ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الهادِيَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ المُسْتَجِيبَ القابِلَ، وتَكُونُ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
وَأمّا آيَةُ هُودٍ: فَصَرِيحَةٌ لا تَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا، وهو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو سُبْحانُهُ أحَقُّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ أقْوالَهُ كُلَّها صِدْقٌ ورُشْدٌ وهُدًى وعَدْلٌ وحِكْمَةٌ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وأفْعالُهُ كُلُّها مَصالِحُ وحِكَمٌ، ورَحْمَةٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ، فالشَّرُّ لا يَدْخُلُ في أفْعالِ مَن هو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أوْ أقْوالِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في أفْعالِ مَن خَرَجَ عَنْهُ وفي أقْوالِهِ.
وَفِي دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ» ولا يُلْتَفَتُ إلى تَفْسِيرِ مَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: والشَّرُّ لا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْكَ، أوْ لا يَصْعَدُ إلَيْكَ، فَإنَّ المَعْنى أجَلُّ مِن ذَلِكَ، وأكْبَرُ وأعْظَمُ قَدْرًا، فَإنَّ مَن أسْماؤُهُ كُلُّها حُسْنى، وأوْصافُهُ كُلُّها كَمالٌ، وأفْعالُهُ كُلُّها كَمالٌ، وأقْوالُهُ كُلُّها صِدْقٌ وعَدْلٌ يَسْتَحِيلُ دُخُولُ الشَّرِّ في أسْمائِهِ أوْ أوْصافِهِ، أوْ أفْعالِهِ أوْ أقْوالِهِ، فَطابِقْ بَيْنَ هَذا المَعْنى وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وتَأمَّلْ كَيْفَ ذَكَرَ هَذا عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦] أيْ هو رَبِّي، فَلا يُسَّلِمُنِي ولا يُضَيِّعُنِي، وهو رَبُّكم فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيَّ ولا يُمَكِّنُكم مِنِّي، فَإنَّ نَواصِيَكم بِيَدِهِ، لا تَفْعَلُونَ شَيْئًا بِدُونِ مَشِيئَتِهِ، فَإنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ بِيَدِهِ، لا يُمْكِنُها أنْ تَتَحَرَّكَ إلّا بِإذْنِهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِيها، ومَعَ هَذا فَهو في تَصَرُّفِهِ فِيها وتَحْرِيكِهِ لَها، ونُفُوذِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ فِيها عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِن ذَلِكَ إلّا بِحِكْمَةٍ وعَدْلٍ ومَصْلَحَةٍ، ولَوْ سَلَّطَكم عَلَيَّ فَلَهُ مِنَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ ما لَهُ الحَمْدُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَسْلِيطُ مَن هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَظْلِمُ ولا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ.
فَهَكَذا تَكُونُ المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، لا مَعْرِفَةَ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، والقَدَرِيَّةِ الجَبْرِيَّةِ، نُفاةِ الحُكْمِ والمَصالِحِ والتَّعْلِيلِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ سُبْحانَهُ.
* [فَصْلٌ: رَفِيقُ طالِبِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ]
وَلَمّا كانَ طالِبُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طالِبَ أمْرٍ أكْثَرُ النّاسِ ناكِبُونَ عَنْهُ، مُرِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقٍ مُرافِقُهُ فِيها في غايَةِ القِلَّةِ والعِزَّةِ، والنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلى وحْشَةِ التَّفَرُّدِ، وعَلى الأُنْسِ بِالرَّفِيقِ، نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الرَّفِيقِ في هَذِهِ الطَّرِيقِ، وأنَّهم هُمُ الَّذِينَ ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَأضافَ الصِّراطَ إلى الرَّفِيقِ السّالِكِينَ لَهُ، وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِيَزُولَ عَنِ الطّالِبِ لِلْهِدايَةِ وسُلُوكِ الصِّراطِ وحْشَةُ تَفَرُّدِهِ عَنْ أهْلِ زَمانِهِ وبَنِي جِنْسِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ رَفِيقَهُ في هَذا الصِّراطِ هُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلا يَكْتَرِثُ بِمُخالَفَةِ النّاكِبِينَ عَنْهُ لَهُ، فَإنَّهم هُمُ الَأقَلُّونَ قَدْرًا،
وَإنْ كانُوا الأكْثَرِينَ عَدَدًا، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " عَلَيْكَ بِطَرِيقِ الحَقِّ، ولا تَسْتَوْحِشْ لِقِلَّةِ السّالِكِينَ، وإيّاكَ وطَرِيقَ الباطِلِ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ "، وكُلَّما اسْتَوْحَشْتَ في تَفَرُّدِكَ فانْظُرْ إلى الرَّفِيقِ السّابِقِ، واحْرِصْ عَلى اللَّحاقِ بِهِمْ، وغُضَّ الطَّرْفَ عَمَّنْ سِواهُمْ، فَإنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وإذا صاحُوا بِكَ في طَرِيقِ سَيْرِكَ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ، فَإنَّكَ مَتى التَفَتَّ إلَيْهِمْ أخَذُوكَ وعاقُوكَ.
وَقَدْ ضَرَبْتُ لِذَلِكَ مَثَلَيْنِ، فَلْيَكُونا مِنكَ عَلى بالٍ:
المَثَلُ الأوَّلُ: رَجُلٌ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ إلى الصَّلاةِ، لا يُرِيدُ غَيْرَها، فَعَرَضَ لَهُ في طَرِيقِهِ شَيْطانٌ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَألْقى عَلَيْهِ كَلامًا يُؤْذِيهِ، فَوَقَفَ ورَدَّ عَلَيْهِ، وتَماسَكا، فَرُبَّما كانَ شَيْطانُ الإنْسِ أقْوى مِنهُ، فَقَهَرَهُ، ومَنَعَهُ عَنِ الوُصُولِ إلى المَسْجِدِ، حَتّى فاتَتْهُ الصَّلاةُ، ورُبَّما كانَ الرَّجُلُ أقْوى مِن شَيْطانِ الإنْسِ، ولَكِنِ اشْتَغَلَ بِمُهاوَشَتِهِ عَنِ الصَّفِّ الأوَّلِ، وكَمالِ إدْراكِ الجَماعَةِ، فَإنِ التَفَتَ إلَيْهِ أطْمَعَهُ في نَفْسِهِ، ورُبَّما فَتَرَتْ عَزِيمَتُهُ، فَإنْ كانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ وعِلْمٌ زادَ في السَّعْيِ والجَمْزِ بِقَدْرِ التِفاتِهِ أوْ أكْثَرَ، فَإنْ أعْرَضَ عَنْهُ واشْتَغَلَ لِما هو بِصَدَدِهِ، وخافَ فَوْتَ الصَّلاةِ أوِ الوَقْتِ لَمْ يَبْلُغْ عَدُوُّهُ مِنهُ ما شاءَ.
المَثَلُ الثّانِي: الظَّبْيُ أشَدُّ سَعْيًا مِنَ الكَلْبِ، ولَكِنَّهُ إذا أحَسَّ بِهِ التَفَتَ إلَيْهِ فَيَضْعُفُ سَعْيُهُ، فَيُدْرِكُهُ الكَلْبُ فَيَأْخُذُهُ.
والقَصْدُ: أنَّ في ذِكْرِ هَذا الرَّفِيقِ ما يُزِيلُ وحْشَةَ التَّفَرُّدِ، ويَحُثُّ عَلى السَّيْرِ والتَّشْمِيرِ لِلَّحاقِ بِهِمْ.
وَهَذِهِ إحْدى الفَوائِدِ في دُعاءِ القُنُوتِ " «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَن هَدَيْتَ» " أيْ أدْخِلْنِي في هَذِهِ الزُّمْرَةِ، واجْعَلْنِي رَفِيقًا لَهم ومَعَهم.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ إلى مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالهِدايَةِ أيْ قَدْ أنْعَمْتَ بِالهِدايَةِ عَلى مَن هَدَيْتَ، وكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنكَ، فاجْعَلْ لِي نَصِيبًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، واجْعَلْنِي واحِدًا مِن هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَهو تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِإحْسانِهِ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَما يَقُولُ السّائِلُ لِلْكَرِيمِ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ في جُمْلَةِ مَن تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ، وعَلِّمْنِي في جُمْلَةِ مَن عَلَّمْتَهُ، وأحْسِنْ إلَيَّ في جُمْلَةِ مَن شَمِلْتَهُ بِإحْسانِكَ.
* [فصل: صِحَّةُ الفَهْمِ نِعْمَةٌ]
صِحَّةُ الفَهْمِ وحُسْنُ القَصْدِ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عَبْدِهِ، بَلْ ما أُعْطِيَ عَبْدٌ عَطاءً بَعْدَ الإسْلامِ أفْضَلُ ولا أجَلُّ مِنهُما، بَلْ هُما ساقا الإسْلامِ، وقِيامُهُ عَلَيْهِما، وبِهِما يَأْمَنُ العَبْدُ طَرِيقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ فَسَدَ قَصْدُهم وطَرِيقُ الضّالِّينَ الَّذِينَ فَسَدَتْ فُهُومُهُمْ، ويَصِيرُ مِن المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ حَسُنَتْ أفْهامُهم وقُصُودُهُمْ، وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِينَ أُمِرْنا أنْ نَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَنا صِراطَهم في كُلِّ صَلاةٍ، وصِحَّةُ الفَهْمِ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ العَبْدِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ، والحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ، والغَيِّ والرَّشادِ، ويَمُدُّهُ حُسْنَ القَصْدِ، وتَحَرِّي الحَقَّ، وتَقْوى الرَّبِّ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويَقْطَعُ مادَّتُهُ اتِّباعَ الهَوى، وإيثارَ الدُّنْيا، وطَلَبَ مَحْمَدَةِ الخَلْقِ، وتَرْكَ التَّقْوى.
* [فَصْلٌ: في بَيانِ تَضَمُّنِ الفاتحة لِلرَّدِّ عَلى الرّافِضَةِ]
وَذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخِرِها.
وَوَجْهُ تَضَمُّنِهِ إبْطالَ قَوْلِهِمْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قَسَّمَ النّاسَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ واتَّبَعُوهُ، ومَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ
وَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ ورَفَضُوهُ، وضالُّونَ وهُمُ الَّذِينَ جَهِلُوهُ فَأخْطَئُوهُ.
فَكُلُّ مَن كانَ أعْرَفَ لِلْحَقِّ، وأتْبَعَ لَهُ كانَ أوْلى بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وَلا رَيْبَ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم هم أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الرَّوافِضِ، فَإنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَهِلُوا الحَقَّ وعَرَفَهُ الرَّوافِضُ، أوْ رَفَضُوهُ وتَمَسَّكَ بِهِ الرَّوافِضُ.
ثُمَّ إنّا رَأيْنا آثارَ الفَرِيقَيْنِ تَدُلُّ عَلى أهْلِ الحَقِّ مِنهُما، فَرَأيْنا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَحُوا بِلادَ الكُفْرِ، وقَلَبُوها بِلادَ إسْلامٍ، وفَتَحُوا القُلُوبَ بِالقُرْآنِ والعِلْمِ والهُدى، فَآثارُهم تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ورَأيْنا الرّافِضَةَ بِالعَكْسِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، فَإنَّهُ قَطٌّ ما قامَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدُوٌّ مِن غَيْرِهِمْ إلّا كانُوا أعْوانَهم عَلى الإسْلامِ، وكَمْ جَرُّوا عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ مِن بَلِيَّةٍ؟ وهَلْ عاثَتْ سُيُوفُ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ مِن عَسْكَرِ هُولاكُو وذَوِيهِ مِنَ التَّتارِ إلّا مِن تَحْتِ رُءُوسِهِمْ؟ وهَلْ عُطِّلَتِ المَساجِدُ، وحُرِّقَتِ المَصاحِفُ، وقُتِلَ سَرَواتُ المُسْلِمِينَ وعُلَماؤُهم وعُبّادُهم وخَلِيفَتُهُمْ، إلّا بِسَبَبِهِمْ ومِن جَرّائِهِمْ؟ ومُظاهَرَتُهم لِلْمُشْرِكِينَ والنَّصارى مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وآثارُهم في الدِّينِ مَعْلُومَةٌ.
فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؟ وأيُّهم أحَقُّ بِالغَضَبِ والضَّلالِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ ولِهَذا فَسَّرَ السَّلَفُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وأهْلَهُ: بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهو كَما فَسَّرُوهُ، فَإنَّهُ صِراطُهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ صِراطِ نَبِيِّهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وغَضِبَ عَلى أعْدائِهِمْ، وحُكِمَ لِأعْدائِهِمْ بِالضَّلالِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ الرِّياحِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وهُما مِن أجَلِّ التّابِعِينَ
" الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصاحِباهُ "
وَقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا في قَوْلِهِ " ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ "
وَهَذا حَقٌّ، فَإنَّ آلَهُ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، ولا خِلافَ بَيْنَهُمْ، ومُوالاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وثَناؤُهم عَلَيْهِما، ومُحارَبَةُ مَن حارَبا، ومُسالَمَةُ مَن سالَما مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الأُمَّةِ خاصِّها وعامِّها، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ.
وَلا رَيْبَ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هم أتْباعُهُ، والمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، وأتْبَعُ الأُمَّةِ لَهُ وأطْوَعَهم أصْحابُهُ وأهْلُ بَيْتِهِ، وأتْبَعُ الصَّحابَةِ لَهُ السَّمْعُ والبَصَرُ، أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأشَدُّ الأُمَّةِ مُخالَفَةً لَهُ هُمُ الرّافِضَةُ، فَخِلافُهم لَهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الأُمَّةِ، ولِهَذا يُبْغِضُونَ السُّنَّةَ وأهْلَها، ويُعادُونَها ويُعادُونَ أهْلَها، فَهم أعْداءُ سُنَّتِهِ ﷺ، وأهْلِ بَيْتِهِ وأتْباعُهُ مِن بَنِيهِمْ أكْمَلُ مِيراثًا؟ بَلْ هم ورَثَتُهُ حَقًّا.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ طَرِيقُ أصْحابِهِ وأتْباعِهِ، وطَرِيقُ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ طَرِيقُ الرّافِضَةِ.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِها يُرَدُّ عَلى الخَوارِجِ، فَإنَّ مُعاداتَهُمُ الصَّحابَةَ مَعْرُوفَةٌ.
* (فصل نفيس)
حكى الأستاذ أبو القاسم الرماني رواية عن يونس: أنه حكى الإعمال في ﴿لكنْ﴾ مع تخفيفها وكان يستغرب هذه الرواية.
واعلم أن ﴿لكنْ﴾ لا تكون حرف عطف مع دخول الواو عليها لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف فمتى رأيت حرفا من حروف العطف مع الواو فالواو هي العاطفة دونه، فمن ذلك (إما) إذا قلت: إما زيد وإما عمرو، وكذلك (لا) إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو ودخلت ﴿لا﴾ لتوكيد النفي ولئلا يتوهم أن الواو جامعة وأنك نفيت قيامهما في وقت واحد ولا تكون ﴿لا﴾ عاطفة إلا بعد إيجاب وشرط آخر وهو أن يكون الكلام قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها كقولك: جاءني رجل لا امرأة، ورجل عالم لا رجل جاهل.
ولو قلت مررت برجل لا زيد. لم يجز وكذلك: مررت برجل لا عاقل. لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني وهي لا تدخل إلا لتوكيد نفي فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ (غير) فتقول مررت برجل غير زيد ورجل غير عالم.
ولا تقول برجل غير امرأة، ولا بطويل غير قصير لأن في مفهوم الخطاب ما يغنيك عن مفهوم النفي الذي في غير، وذلك المعنى الذي دل عليه المفهوم حتى قلت بطويل لا قصير.
وأما إذا كانا اسمين معرفين نحو مررت بزيد لا عمرو فجائز هنا دخول غير لجمود الاسم العلم فإنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها كرجل فإنه بمنزلة قولك ذَكَر.
ولذلك دل بمفهومه على انتقال الخبر عن المرأة ويجوز أيضا مررت بزيد لا عمرو لأنه اسم مخصوص بشخص وكأنه حين خصصته بالذكر نفيت المرور عن عمرو ثم أكدت ذلك النفي بـ لا وأما الكلام المنفي فلا يعطف عليه بـ لا لأن نفيك الفعل عن زيد إذا قلت ما قام زيد لا يفهم منه نفيه عن عمرو فيؤكد بـ لا.
فإن قلت أكد بها النفي المتقدم قيل لك وأي شيء يكون حينئذ إعراب عمرو وهو اسم مفرد ولم يدخل عليه عاطف يعطف على ما قبله فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي بخبر فتقول ما قام زيد ولا عمرو وهو القائم.
أما إن أردت تشريكهما في النفي فلا بد من الواو إما وحدها وإما مع ﴿لا﴾ فلا تكون الواو عاطفة ومعها ﴿لا﴾
وأما قوله: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فإن معنى النفي موجود في غير.
فإن قيل: فهلا قال: ﴿لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾؟
قيل في ذكر غير بيان للفضلة للذين أنعم عليهم وتحصيله لنفي صفة الضلال والغضب عنهم وأنهم الذين أنعم عليهم بالنبوة والهدى دون غيرهم ولو قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين لم يكن في ذلك إلا تأكيد نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما تقول هذا غلام زيد لا عمرو أكدت نفي الإضافة عن عمرو بخلاف قولك هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث وكأنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره وهي نفي الصفة المذمومة عن الفقيه فافهمه.
فإن قيل: وأي شيء أكدت ﴿لا﴾ حتى أدخلت عليها الواو وقد قلت إنها لا تؤكد المنفي المتقدم وإنما تؤكد نصبا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ما كقولك جاءني رجل عالم لا جاهل؟
فالجواب أنك حين قلت ما جاءني زيد لم يدل الكلام على نفي المجيء عن عمرو كما تقدم فلما عطفت بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن عمرو كما انتفى عن الأول لقيام الواو مقام تكرار حرف النفي فدخلت ﴿لا﴾ لتوكيد النفي عن الثاني.
(فائدة بديعة)
قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
فيها عشرون مسألة:
أحدها: ما فائدة البدل في الدعاء والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان والبدل القصد به بيان الاسم الأول
الثانية: ما فائدة تعريف ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ باللام وهلا أخبر عنه بمجرد اللفظ دونها كما قال: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟
الثالثة: ما معنى ﴿الصِّراطَ﴾ ومن أي شيء اشتقاقه ولم جاء على وزن فعال ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن الكريم بهذا اللفظ، وفي سورة الأحقاف ذكر بلفظ الطريق فقال: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟
الرابعة: ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيين والصديقين فلم عدل إلى لفظ المبهم دون المفسر؟
الخامسة: ما الحكمة في التعبير عنهم بلفظ الذي مع صلتها دون أن يقال المنعم عليهم وهو أخصر كما قال: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وما الفرق؟
السادسة: لم فرق بين المنعم عليهم والمغضوب عليهم فقال في أهل النعمة الذين أنعمت وفي أهل الغضب المغضوب بحذف الفاعل؟
السابعة: لم قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فعدى الفعل بنفسه ولم يعده بـ ﴿إلى﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ الثامنة: أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يقتضي أن نعمته مختصة بالأولين دون المغضوب عليهم ولا الضالين وهذا حجة لمن ذهب إلى أنه لا نعمة له على كافر فهل هذا استدلال صحيح أم لا؟
التاسعة: أن يقال لم وصفهم بلفظ غير وهلا قال تعالى لا المغضوب عليهم كما قال والضالين وهذا كما تقول مررت بزيد لا عمرو وبالعاقل لا الأحمق؟
العاشرة: كيف جرت غير صفة على الموصوف وهي لا تتعرف بالإضافة وليس المحل محل عطف بيان إذ بابه الإعلام ولا محل لذلك إذ المقصود في باب البدل هو الثاني والأول توطئة وفي باب الصفات المقصود الأول والثاني بيان وهذا شأن هذا الموضع فإن المقصود ذكر المنعم عليهم ووصفهم بمغايرتهم معنى الغضب والضلال؟
الحادية عشرة: إذا ثبت ذلك في البدل فالصراط المستقيم مقصود الإخبار عنه بذلك وليس في نية الطرح فكيف جاء صراط الذين أنعمت عليهم بدلا منه وما فائدة البدل هنا؟
الثانية عشرة: أنه قد ثبت في الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد وابن أبي حاتم: "تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود والنصارى بأنهم الضالون" حسن فما وجه هذا التقسيم والاختصاص وكل من الطائفتين ضال مغضوب عليه؟ الثالثة عشرة: لم قدم المغضوب عليهم في اللفظ على الضالين؟
الرابعة عشرة: لم أتى في أهل الغضب بصيغة مفعول المأخوذة من فعل ولم يأت في أهل الضلال بذلك فيقال المضلين بل أتى فيهم بصيغة فاعل المأخوذة من فعل؟
الخامسة عشرة: ما فائدة العطف بـ ﴿لا﴾ هنا ولو قيل: المغضوب عليهم والضالين لم يختل الكلام وكان أوجز؟
السادسة عشرة: إذ قد عطف بها فيأتي العطف بها مع الواو للمنفى نحو ما قام زيد ولا عمرو وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وأما بدون الواو فبابها الإيجاب نحو مررت بزيد لا عمرو؟
السابعة عشرة: هل الهداية هنا هداية التعريف والبيان أو هداية التوفيق والإلهام؟
الثامنة عشرة: كل مؤمن مأمور بهذا الدعاء أمرا لازما لا يقوم غيره مقامه ولا بد منه وهذا إنما نسأله في الصلاة بعد هدايته فما وجه السؤال لأمر حاصل وكيف يطلب تحصيل الحاصل؟
التاسعة عشرة: ما فائدة الإتيان بضمير الجمع في (اهدنا) والداعي يسأل ربه لنفسه في الصلاة وخارجها ولا يليق به ضمير الجمع ولهذا يقول: "رب اغفر لي وارحمني وتب عليَّ"؟
العشرون: ما حقيقة ﴿الصراط المستقيم﴾ الذي يتصوره العبد وقت سؤاله؟
فهذه أربع مسائل حقها أن تقدم أولا ولكن جر الكلام إليها بعد ترتيب المسائل الست عشرة.
الجواب بعون الله وتعليمه: أنه لا علم لأحد من عباده إلا ما علمه ولا قوة له إلا بإعانته.
(فائدة البدل في الدعاء)
لقد وردت الآية في معرض التعليم للعباد والدعاء حق الداعي أن يستشعر عند دعائها ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به إذ الدعاء مخ العبادة والمخ لا يكون إلا في عظم والعظم في لحم ودم فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجا بالثناء فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبا بالخير تصريحا من الداعي بمعتقده وتوسلا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته فإذا قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا والداعي يجب عليهم اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه فلذلك أبدل وبين لهم ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان ففي ضمن هذا الدعاء المهم الإخبار بفائدتين جليلتين إحداهما فائدة الخبر والفائدة الثانية فائدة لازم الخبر فأما فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وأنه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامته.
وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسله بهذا الإقرار إلى ربه فهذه أربع فوائد الدعاء بالهداية إليه والخبر عنه بذلك والإقرار والتصديق لشأنه والتوسل إلى المدعو إليه بهذا التصديق وفيه فائدة خامسة وهي أن الداعي إنما أمر بذلك لحاجته إليه وأن سعادته وفلاحه لا تتم إلا به فهو مأمور بتدبير ما يطلب وتصور معناه فذكر له من أوصافه ما إذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلبا له وأعظم رغبة فيه وأحرص على دوام الطلب والسؤال له فتأمل هذه النكت البديعة.
* (فصل)
وأما المسألة الثانية وهي تعريف (الصراط) باللام.
اعلم أن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره ألا ترى أن قولك جالس فقيها أو عالما ليس كقولك جالس الفقيه أو العالم ولا قولك أكلت طيبا كقولك أكلت الطيب ألا ترى إلى قوله ﷺ: "أنت الحق ووعدك الحق
وقولك الحق" ثم قال: ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق " رواه البخاري ومسلم فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه فإذا عرفت هذا فلو قال اهدنا صراطا مستقيما لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراط ما مستقيم على الإطلاق وليس المراد ذلك بل المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقا إلى رضوانه وجنته وهو دينه الذي لا دين له سواه فالمطلوب أمر معين في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر واللام هنا للعهد العلمي الذهني وهو أنه طلب الهداية إلى سر معهود قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميزه عن سائر طرق الضلال فلم يكن بد من التعريف.
فإن قيل: لم جاء منكرا في قوله لنبيه ﷺ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟
فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجئ معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل وهذا بخلاف قوله اهدنا الصراط المستقيم فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله ﷺ أعلم فأنزل الله على رسوله ﷺ هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما
في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الإستقامة إذ الألف واللام تنبيء أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصلة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر أو ما قرب به في الوهم ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن
أما قوله أن المراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول ﷺ وأخبر النبي ﷺ أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك؟ بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونصب (دينا) هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا.
وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين
والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر
والثالث: هدايته الصراط المستقيم
والرابع: إتمام نعمته عليه
والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾
في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فهذا الهدى
ثم قال: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر
وقال تعالى: ﴿ألم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾
فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم ومن هذا قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة.
وأما جوابه الثاني عن قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال إنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة؟
بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة فتأمله. هنا وفي نظائره.
* (فصل)
وأما المسألة الثالثة: وهي اشتقاق الصراط
فالمشهور أنه من صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته بلعا سهلا فسمي الطريق صراطا لأنه يسترط المارة فيه والصراط ما جمع خمسة أوصاف أن يكون طريقا مستقيما سهلا مسلوكا واسعا موصلا إلى المقصود فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطا ولا الصعب المشتق ولا المسدود غير الموصول ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك قال جرير:
؎أمير المؤمنين على صراط ∗∗∗ إذا أعوج الموارد مستقيم
وبنوا الصراط على زنة فعال لأنه مشتمل على سالكه اشتمال الحلق على الشيء المسروط وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب يأتي لثلاثة معان أحدها: المصدر كالقتال والضراب والثاني: المفعول نحو الكتاب والبناء والغراس والثالث: أنه يقصد به قصد الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسداد لما يخمر به ويغطى ويسد به فهذا آلة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود ومن هذا القسم الثالث إله بمعنى مألوه وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نكتة بديعة وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدقا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله ﷺ في قوله لقومه: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ الطريق لأنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه فذكر الطريق هاهنا إذا أولى لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه والله أعلم ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر.
* (فصل)
وأما المسألة الرابعة: وهي إضافته إلى الموصول المبهم دون أن يقول صراط النبيين والمرسلين
ففيه ثلاث فوائد: إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا فإن استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى هذا الصراط فبه صاروا من أهل النعمة وهذا كما يعلق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لما فيه من الإنعام باستحقاق ما علق عليها من الحكم بها وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا الباب مطرد فالإتيان بالاسم موصولا على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاص الفائدة الثانية: إشارة إلى أن نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هدى إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه فالسائل مستشعر سؤاله الهداية وطلب الإنعام من الله عليه والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يتضمن الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إليه والثاني يتضمن الطلب والإرادة وأن تكون منه الفائدة الثالثة: أن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة أن المسئول الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا أجل مطلوب وأعظم مسئول ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجيرا وقرنه بأنفاسه فإنه لم يدع شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه ولما كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضا متكررا في اليوم والليلة لا يقوم غيره مقامه ومن ثم يعلم تعين الفاتحة في الصلاة وأنها ليس منها عوض يقوم مقامها.
* (فصل)
وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل المنعم عليهم كما قال المغضوب عليهم فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وقال في الإحسان ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى ولما جاء إلى ذكر المرض قال وإذا مرضت ولم يقل أمرضني وقال فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ فأضاف العيب إلى نفسه وقال في الغلامين: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ إلى آخرها ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكُمْ﴾ إلى آخرها ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وتأمل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع وقال في حق المؤمنين: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾
الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾
الفائدة الثالثة: أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشرك أحد في نعمته فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من غضب عليه ويرضى عمن رضي عنه فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه وهذا حقيقة العبودية واليهود قد غضب الله عليهم فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم فحذف فاعل الغضب وقال المغضوب عليهم لما كان للمؤمنين نصيب من غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإن لله وحده فتأمل هذه النكت البديعة الفائدة الرابعة: أن المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها وأما أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب وإن كانتا بمعنى الذين فليست مثل الذين في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى فإن قولك: الذين فعلوا معناه القوم الذين فعلوا وقولك الضاربون والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا فتأمل ذلك فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم بخلاف المغضوب عليهم فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الالتفات إليهم والمعول عليه من الأجوبة ما تقدم.
* (فصل)
المسألة السابعة: وهي تعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف (إلى)
فجوابها أن فعل الهداية يتعدى بنفسه تارة وبحرف إلى تارة وباللام تارة والثلاثة في القرآن فمن المعدى بنفسه هذه الآية وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ومن المعدى بـ إلى قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومن المعدى باللام قوله في قول أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ والفروق لهذه المواضع تدق جدا عن أفهام العلماء ولكن نذكر قاعدة تشير إلى الفرق وهي أن الفعل المعدى بالحروف المتعددة لا بد أن لا يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به وأن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيشربون الفعل المتعدى به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فإنهم يضمنون يشرب معنى يروي فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما: بالتصريح به والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها ومنه قوله في السحاب شربن بماء البحر حتى روين ثم ترفعن وصعدن وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري وأن يقال يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم فإذا قال يشرب بها دل على الشرب بصريحه وعلى الري بخلاف الباء فتأمله.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء ولكن ضمن معنى يهم فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة وهذا باب واسع لو تتبعناه لطال الكلام فيه.
ويكفي المثالان المذكوران فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عدي بـ إلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية ومتى عدي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين فإذا قلت هديته لكذا فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ونحو هذا وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله وهو التعرف والبيان والإلهام فالقائل إذا قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو طالب من الله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلهمه إياه ويقدره عليه فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه فجرد الفعل من الحرف وأتى به مجردا معدي بنفسه ليتضمن هذه المراتب كلها ولو عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معنى الحرف فتأمله: فإنه من دقائق اللغة وأسرارها.
* (فصل)
وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم
فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟
فمن ناف محتج بهذه وبقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾
فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه، وبقوله لعباده المؤمنين ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة، فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي؟
ومن مثبت محتج بقوله ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقوله لليهود: ﴿يا بَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا خطاب لهم في حال كفرهم، وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ (٨١) فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ (٨٣)﴾
وهذا نص صريح لا يحتمل صرفا.
واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله، وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته، وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته.
وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم، ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم، فهذه غير مشتركة.
ومطلق النعمة عام مشترك فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة للكافر أخطأ، وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب.
وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب والله الموفق للصواب.
وأما قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ فإنما يذكرهم بنعمته على آبائهم، ولهذا يعددها واحدة واحدة بأن أنجاهم من آل فرعون، وأن فرق بهم البحر، وأن وعد موسى أربعين ليلة، فضلوا بعده، ثم تاب عليهم وعفا عنهم، وبأن ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من نعمه التي يعددها عليهم، وإنما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته والإيمان برسله، والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرا، فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه، وهذا لا يدل على أن نعمته المطلقة التامة حاصلة لهم في حال كفرهم والله أعلم.
* (فصل)
المسألة التاسعة: وهي أنه قال ﴿غير المغضوب﴾ ولم يقل لا المغضوب عليهم
فيقال لا ريب أن "لا" يعطف بها بعد الإيجاب كما تقول جاءني زيد لا عمرو وجاءني العالم لا الجاهل وأما غير فهي تابع لما قبلها وهي صفة ليس إلا كما سيأتي وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع والوصف فتقول لو أخرج الكلام مخرج العطف وقيل: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لا المغضوب عليهم لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما هو مقتضى العطف فإنك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم وأما الإتيان بلفظ غير فهي صفة لما قبلها فأفاد الكلام معها وصفهم بشيئين أحدهما أنهم منعم عليهم والثاني: أنهم غير مغضوب عليهم فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم فإنه يتضمن صفتين ثبوتية وهي كونهم منعما عليهم وصفة سلبية وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب وأنهم مغايرون لأهله ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء لأنه يزول منها معنى الوصفية المقصود وفيها فائدة أخرى وهي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام فكأنه قيل لهم المنعم عليهم غيركم لا أنتم وقيل: للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة فتأمله.
وتأمل كيف قال المغضوب عليهم ولا الضالين ولم يقل اليهود والنصارى مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريدا لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال فلا يثبت لمغضوب عليه ولا ضال فتبارك من أودع كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد.
* (فصل)
وأما المسألة العاشرة: وهي جريان ﴿غير﴾ صفة على المعرفة وهي لا تتعرف بالإضافة
ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن غير هنا بدل لا صفة وبدل النكرة من
المعرفة جائز وهذا فاسد من وجوه ثلاثة
أحدها أن باب البدل المقصود فيه الثاني والأول توطئة له ومهاد أمامه وهو المقصود بالذكر فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ المقصود هو أهل الاستطاعة خاصة وذكر الناس قبلهم توطئة وقولك أعجبني زيد علمه إنما وقع الإعجاب على علمه وذكرت صاحبه توطئة لذكره وكذا قوله ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ المقصود إنما هو السؤال عن القتال في الشهر الحرام لا عن نفس الشهر وهذا ظاهر جدا في بدل البعض وبدل الاشتمال ويراعى في بدل الكل من الكل ولهذا سمي بدلا إيذانا بأنه المقصود فقوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ المقصود: لنسفعا بالناصية الكاذبة الخاطئة وذكر المبدل منه توطئة لها وإذا عرف هذا فالمقصود هنا ذكر المنعم عليهم وإضافة الصراط إليهم ومن تمام هذا المقصود وتكميله الإخبار بمغايرتهم للمغضوب عليهم فجاء ذكر غير المغضوب مكملا لهذا المعنى ومتمما ومحققا لأن أصحاب الصراط المسئول هدايته هم أهل النعمة فكونهم غير مغضوب عليهم وصف محقق وفائدته فائدة الوصف المبين للموصوف المكمل له وهذا واضح الوجه الثاني أن البدل يجري مجرى توكيد المبدل وتكريره وتثنيته ولهذا كان في تقدير تكرار العامل وهو المقصود بالذكر كما تقدم فهو الأول بعينه ذاتا ووصفا وإنما ذكر بوصف آخر مقصود بالذكر كقوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولهذا يحسن الاقتصار عليه دون الأول ولا يكون مخلا بالكلام ألا ترى أنك لو قلت في غير القرآن لله حج البيت على من استطاع إليه السبيل لكان كاملا مستقيما لا خلل فيه ولو قلت في دعائك رب اهدني صراط من أنعمت عليه من عبادك لكان مستقيما وإذا كان كذلك فلو قدر الاقتصار على غير وما في حيزها لاختل الكلام وذهب معظم المقصود منه إذ المقصود إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم لا إضافته إلى غير المغضوب عليهم بل أتى بلفظ غير زيادة في وصفهم والثناء عليهم فتأمله.
الوجه الثالث: أن غير لا يعقل ورودها بدلا وإنما ترد استثناء أو صفة أو حالا وسر ذلك أنها لم توضع مستقلة بنفسها بل لا تكون إلا تابعة لغيرها ولهذا قلما يقال جاءني غير زيد ومررت بغير عمرو والبدل لا بدل أن يكون مستقلا بنفسه كما تبين أنه المقصود ونكتة الفرق أنك في باب البدل قاصد إلى الثاني متوجه إليه قد جعلت الأول سلما ومرقاة إليه فهو موضع قصدك ومحط إرادتك وفي باب الصفة بخلاف ذلك إنما أنت قاصد الموصوف موضح له بصفته فجعل هذه النكتة معيارا على باب البدل والوصف ثم زن بها غير المغضوب عليهم هل يصح أن يكون بدلا أو وصفا الجواب الثاني أن غير هاهنا صح جريانه صفة على المعرفة لأنها موصولة والموصول مبهم غير معين ففيه رائحة من النكرة لإبهامه فإنه غير دال على معين فصلح وصفه بـ غير لقربه من النكرة وهذا جواب صاحب الكشاف.
فإن قلت: كيف صح أن يقع (غير) صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف قلت: الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه فهو كقوله:
؎ولقد أمر على اللئيم يسبني ∗∗∗ فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
ومعنى قوله: لا توقيت فيه أي لا تعيين لواحد من واحد كما تعين المعرفة بل هو مطلق في الجنس فجرى مجرى النكرة واستشهاده بالبيت معناه أن الفعل نكرة وهو يسبني وقد أوقعه صفة للئيم المعرفة باللام لكونه غير معين فهو في قوة النكرة فجاز أن ينعت بالنكرة وكأنه قال على لئيم يسبني وهذا استدلال ضعيف فإن قوله: يسبني حال منه لا وصف والعامل فيه فعل المرور المعني أمر على اللئيم سابا لي أي أمر عليه في هذه الحال فأتجاوزه ولا أحتفل بسبه الجواب الثالث: وهو الصحيح أن غير هاهنا قد تعرفت بالإضافة فأن المانع لها من تعريفها شدة إبهامها أو عمومها في كل مغاير للمذكور فلا يحصل بها تعيين ولهذا تجري صفة على النكرة فتقول رجل غيرك يقول كذا ويفعل كذا فتجري صفة للنكرة مع إضافتها إلى المعرفة ومعلوم أن هذا الإبهام يزول لوقوعها بين متضادين يذكر أحدهما ثم تضيفها إلى الثاني فيتعين بالإضافة ويزول الإبهام الذي يمنع تعريفها بالإضافة كما قال:
؎نحن بنو عمرو الهجان الأزهر ∗∗∗ النسب المعروف غير المنكر
أفلا تراه أجرى غير المنكر صفة على النسب كما أجرى عليه المعرف لأنهما صفتان معينتان فلا إبهام في غير لأن مقابلها المعروف وهو معرفة وضده المنكر متميز متعين كتعين المعرف أعني تعين الجنس وهكذا قوله صراط الذين أنعمت عليهم فالمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم فإذا كان الأول معرفة كانت غير معرفة لإضافتها إلى محصل متميز غير مبهم فاكتسب منه التعريف وينبغي أن تتفطن هاهنا لنكتة لطيفة في غير تكشف لك حقيقة أمرها ف أين تكون معرفة وأين تكون نكرة وهي أن غيرا هي نفس ما تكون تابعة له وضد ما هي مضافة إليه فهي واقعة على متبوعها وقوع الاسم المرادف على مرادفه فإن المعرف هو تفسير غير المنكر والمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم هذا حقيقة اللفظة فإذا كان متبوعها نكرة لم تكن إلا نكرة وإن أضيفت كما إذا قلت رجل غيرك فعل كذا وكذا وإذا كان متبوعها معرفة لم تكن إلا معرفة كما إذا قيل المحسن غير المسيء محبوب معظم عند الناس والبر غير الفاجر مهيب والعادل غير الظالم مجاب الدعوة فهذا لا تكون فيه غير إلا معرفة ومن ادعى فيها التنكير هنا غلط وقال ما لا دليل عليه إذ لا إبهام فيها بحال فتأمله.
فإن قلت: عدم تعريفها بالإضافة له سبب آخر وهي أنها بمعنى مغاير اسم فاعل من غاير كمثل بمعنى مماثل وشبه بمعنى مشابه وأسماء الفاعلين لا تعرف بالإضافة وكذا ما ناب عنها قلت اسم الفاعل إنما لا يتعرف بالإضافة إذا أضيف إلى معموله لأن الإضافة في تقدير الانفصال نحو هذا ضارب زيد غدا وليست غير بعاملة فيما بعدها عمل اسم الفاعل في المفعول حتى يقال الإضافة في تقدير الانفصال بل إضافتها إضافة محضة كإضافة غيرها من النكرات ألا ترى أن قولك غيرك بمنزلة قولك سواك ولا فرق بينهما والله أعلم.
* (فصل)
وأما المسألة الحادية عشرة: وهي ما فائدة إخراج الكلام في قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مخرج البدل مع أن الأول في نية الطرح؟
فالجواب: أن قولهم الأول في البدل في نية الطرح كلام لا يصح أن يؤخذ على إطلاقه بل البدل نوعان نوع يكون الأول فيه في نية الطرح وهو بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال لأن المقصود هو الثاني لا الأول وقد تقدم ونوع لا ينوي فيه طرح الأول وهو بدل الكل من الكل بل يكون الثاني بمنزلة التذكير والتوكيد وتقوية النسبة مع ما تعطيه النسبة الإسنادية إليه من الفائدة المتجددة الزائدة على الأول فيكون فائدة البدل التوكيد والإشعار بحصول وصف المبدل للمبدل منه فإنه لما قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فكأن الذهن طلب المعرفة ما إذا كان هذا الصراط مختصا بنا أم سلكه غيرنا ممن هداه الله فقال: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا كما إذا دللت رجلا على طريق لا يعرفها وأردت توكيد الدلالة وتحريضه على لزومها وأن لا يفارقها فأنت تقول هذه الطريق الموصلة إلى مقصودك ثم تزيد ذلك عنده توكيدا وتقوية فتقول وهي الطريق التي سلكها الناس والمسافرون وأهل النجاة أفلا ترى كيف أفاد وصفك لها بأنها طريق السالكين الناجين قدرا زائدا على وصفك لها بأنها طريق موصلة وقريبة سهلة مستقيمة فإن النفوس مجبولة على التأسي والمتابعة فإذا ذكر لها من تتأسى به في سلوكها أنست واقتحمتها فتأمله.
* (فصل)
وأما المسألة الثانية عشرة: وهي ما وجه تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود و ﴿الضالين﴾ بالنصارى مع تلازم وصفي الغضب والضلال؟
فالجواب أن يقال هذا ليس بتخصيص يقتضي نفي كل صفة عن أصحاب الصفة الأخرى فإن كل مغضوب عليه ضال وكل ضال مغضوب عليه لكن ذكر كل طائفة بأشهر وصفيها وأحقها به وألصقه بها وأن ذلك هو الوصف الغالب عليهما وهذا مطابق لوصف الله اليهود بالغضب في القرآن والنصارى بالضلال فهو تفسير للآية بالصفة التي وصفهم بها في ذلك الموضع أما اليهود فقال تعالى في حقهم: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفي تكرار هذا الغضب هنا أقوال أحدها: أنه غضب متكرر في مقابلة تكرر كفرهم برسول ﷺ الله والبغي عليه ومحاربته فاستحقوا بكفرهم غضبا وبالبغي والصد عنه غضبا آخر ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ فالعذاب الأول بكفرهم والعذاب الذي زادهم إياه بصدهم الناس عن سبيله القول الثاني: أن الغضب الأول بتحريفهم وتبديلهم وقتلهم الأنبياء والغضب الثاني بكفرهم بالمسيح القول الثالث: أن الغضب الأول بكفرهم بالمسيح والغضب الثاني بكفرهم بمحمد ﷺ والصحيح في الآية أن التكرار هنا ليس المراد به التثنية التي تشفع الواحد بل المراد غضب بعد غضب بحسب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد ﷺ ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبا على حدته وهذا كما في قوله: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي كرة بعد كرة لا مرتين فقط وقصد التعدد في قوله: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ أظهر ولا ريب أن تعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة وتحريفهم وتبديلهم يستدعي غضبا وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبا آخر وقتلهم إياهم يستدعي غضبا آخر وتكذبيهم المسيح وطلبهم قتله ورميهم أمه بالبهتان العظيم يستدعي غضبا وتكذبيهم النبي ﷺ يستدعي غضبا ومحاربتهم له وأذاهم لأتباعه يقتضي غضبا وصدهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبا فهم الأمة الغضبية أعاذنا الله من غضبه فهي الأمة التي باءت بغضب الله المضاعف المتكرر وكانوا أحق بهذا الاسم والوصف من النصارى وقال تعالى في شأنهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ وهو أشد ما يكون من الغضب وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ وأما وصف النصارى بالضلال ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ فهذا خطاب للنصارى لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ فوصفهم بأنهم قد ضلوا أولا ثم أضلوا كثيرا وهم أتباعهم فهذا قبل مبعث النبي محمد ﷺ حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلوا أتباعهم فلما بعث النبي ﷺ ازدادوا ضلالا آخر بتكذيبهم له وكفرهم به فتضاعف الضلال في حقهم هذا قول طائفة منهم الزمخشري وغيره وهو ضعيف فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع فوصفهم بثلاث صفات إحداها أنهم قد ضلوا من قبلهم والثانية: أضلوا أتباعهم والثالثة: أنهم ضلوا عن سواء السبيل فهذه صفات لأسلافهم الذين نهي هؤلاء عن اتباع أهوائهم فلا يصح أن يكون وصفا للموجودين في زمن النبي ﷺ لأنهم هم المنهيون أنفسهم لا المنهي عنهم فتأمله.
وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق وهي نظير الآية التي تقدمت في تكرار الغضب في حق اليهود ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من اليهود ووجه تكرار هذا الضلال أن الضلال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده ويعبد من لا ينبغي أن يعبده وقد يصيب مقصودا حقا لكن يضل في طريق طلبة والسبيل الموصلة إليه فالأول ضلال في الغاية والثاني ضلال في الوسيلة ثم إذا دعا غيره إلى ذلك فقد أضله وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة فضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به وضلوا عن السبيل الموصلة إليه فلا اهتدوا إلى المطلوب ولا إلى الطريق الموصل إليه ودعوا أتباعهم إلى ذلك فضلوا عن الحق وعن طريقه وأضلوا كثيرا فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص الوصفين والذي يحقق ذلك أن اليهود إنما أتوا من فساد الإرادة والحسد وإيثار ما كان لهم على قومهم من السحت والرياسة فخافوا أن يذهب بالإسلام فلم يؤتوا من عدم العلم بالحق فإنهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولهذا لم يوبخهم الله تعالى ويقرعهم إلا بإراداتهم الفاسدة من الكبر والحسد وإيثار السحت والبغي وقتل الأنبياء ووبخ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى يتركب منها فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غير عليه بعد معرفته فلم يكن ضلالا محضا وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبا عليهم ضالين ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة فيعلمه ويعرفه ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال كان السلف يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى وهذا كما قالوا فإن من فسد من العلماء فاستعمل أخلاق اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكفر واللي والكتمان والتحريف والتحيل على المحارم وتلبيس الحق بالباطل فهذا شبهه باليهود ظاهر وأما من فسد من العباد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله ﷺ وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلة الربوبية وجاوز ذلك إلى نوع من الحلول أو الإتحاد فشبهه بالنصارى ظاهر فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين إنه قريب مجيب.
* [فصل: تقديم ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ والضالين﴾]
وأما المسألة الثالثة عشرة: وهو تقديم (المغضوب عليهم) على (الضالين) فلوجوه:
أحدها أنهم متقدمون عليهم بالزمان الثاني أنهم كانوا هم الذين يلون النبي ﷺ من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة والنصارى كانت ديارهم نائية عنه ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السور الثالث أن اليهود أغلظ كفرا من النصارى ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحق وأهم بالتقديم وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم الرابع وهو أحسنها أنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني التي يذكر فيها الشيء ومقابله فذكر المغضوب عليهم مع المنعم عليهم فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضالين فقولك الناس منعم عليه ومغضوب عليه فكن من المنعم عليهم أحسن من قولك منعم عليه وضال فصل اسم المفعول في المغضوب واسم الفاعل في الضال.
* (فصل)
وأما المسألة الرابعة عشرة: وهي أنه أتى في أهل الغضب باسم المفعول وفي (الضالين) باسم الفاعل
فجوابهما ظاهر فإن أهل الغضب من غضب الله عليهم وأصابهم غضبه فهم مغضوب عليهم.
وأما أهل الضلال فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه ولهذا استحقوا العقوبة عليه، ولا يليق أن يقال ولا المضلين مبنيا للمفعول لما في رائحته من إقامة عذرهم وأنهم لم يكتسبوا الضلال من أنفسهم بل فعل فيهم ولا حجة في هذا للقدرية فإنا نقول إنهم هم الذين ضلوا وإن كان الله أضلهم بل فيه رد على الجبرية الذين لا ينسبون إلى العبد فعلا إلا على جهة المجاز لا الحقيقة فتضمنت الآية الرد عليهم كما تضمن قوله اهدنا الصراط المستقيم الرد على القدرية ففي الآية إبطال قول الطائفتين والشهادة لأهل الحق أنهم هم المصيبون وهم المثبتون للقدر توحيدا وخلقا والقدرة لإضافة أفعال العباد إليهم عملا وكسبا وهو متعلق الأمر والعمل كما أن الأول متعلق الخلق والقدرة فاقتضت الآية إثبات الشرع والقدر والمعاد والنبوة فإن النعمة والغضب هو ثوابه وعقابه فالمنعم عليهم رسله وأتباعهم ليس إلا وهدى أتباعهم إنما يكون على أيديهم فاقتضى إثبات النبوة بأقرب طريق وأبينهما وأدلها على عموم الحاجة وشدة الضرورة إليها وأنه لا سبيل للعبد أن يكون من المنعم عليهم إلا بهداية الله له ولا تنال هذه الهداية إلا على أيدي الرسل وأن هذه الهداية لها ثمرة وهي النعمة التامة المطلقة في دار النعيم ولخلافها ثمرة وهي الغضب المقتضي للشفاء الأبدي فتأمل كيف اشتملت هذه الآية مع وجازتها واختصارها على أهم مطالب الدين وأجلها والله الهادي إلى سواء السبيل وهو أعلم.
* (فصل)
وأما المسألة الخامسة عشرة: وهي ما فائدة زيادة (لا) بين المعطوف والمعطوف عليه
ففي ذلك أربع فوائد:
أحدها: أن ذكرها تأكيد للنفي الذي تضمنه غير فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف عليها بـ (لا) مع الواو فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين أو غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
الفائدة الثانية: أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كل نوع بمفرده فلو لم يذكر لا وقيل: غير المغضوب عليهم والضالين أوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين لا ما غاير كل نوع بمفرده فإذا قيل ولا الضالين كان صريحا في أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو فإنما نفيت القيام عنهما ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده.
الفائدة الثالثة: رفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم وأنهما صنف واحد وصفوا بالغضب والضلال ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ إلى آخرها فإن هذه صفات المؤمنين ومثل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ونظائره فلما دخلت (لا) علم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر وكانت لا أولى بهذا المعنى من (غير) لوجوه:
أحدها: أنها أقل حروفا
الثاني: التفادي من تكرار اللفظ
الثالث: الثقل الحاصل بالنطق بـ (غير) مرتين من غير فصل إلا بكلمة مفردة ولا ريب أنه ثقيل على اللسان
الرابع: أن (لا) إنما يعطف بها بعد النفي فالإتيان بها مؤذن بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم كما نفى عنهم الضلال و (غير) وإن أفهمت هذا فلا أدخل في النفي منها وقد عرف بهذا جواب المسألة السادسة عشرة وهي أن (لا) إنما يعطف بها في النفي.
* (فصل)
وأما المسألة السابعة عشرة: وهي أن الهداية هنا من أي أنواع الهدايات؟
فاعلم أن أنواع الهداية أربعة:
أحدها الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجمال المسخر لما خلق له فله هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها وكذلك كل عضو له هداية تليق به فهدى الرجلين للمشي واليدين للبطش والعمل واللسان للكلام والأذن للاستماع والعين لكشف المرئيات وكل عضو لما خلق له وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه مراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو فتبارك الله رب العالمين.
وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء ومن تأمل بعض هدايته المثبوتة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته بل يتركه معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثبه ولا يعاقبه وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله ولهذا أنكر ذلك على من زعمه ونزه نفسه عنه وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه وأنه يتعالى عنه فقال تعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ فنزه نفسه عن هذا الحسبان فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها.
النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا ومنها قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وفي قوله: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾
وفي قول النبي ﷺ: "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له "
رواه مسلم وأحمد والبيهقي.
وفي قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾
وقال أهل الجنة فيها: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقال تعالى عن أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾
إذا عرف هذا فالهداية المسئولة في قوله: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام طلب التعريف والبيان والتوفيق.
فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له وكذلك الإلهام والتوفيق؟
قلنا: لقد أجيب عنها بأن المراد التثبيت ودوام الهداية.
واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور هو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها الأمر الأول معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى مرضيا له فيؤثره وكونه مغضوبا له مسخوطا عليه فيجتنبه فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازما عليه ومريدا لترك جميع ما نهى الله عازما على تركه بعد خطوره بالبال مفصلا وعازما على تركه من حيث الجملة مجملا فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة الأمر الثالث أن يكون قائما به فعلا وتركا فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها
أحدها: أمور هدي إليها جملة ولم يهتد إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها
الثاني: أمرو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها
الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلا من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها وإذا كان كذلك فإنما يقال كيف يسأل الهداية وهي موجودة له ثم يجاب عن ذلك بأن المراد التثبيت والدوام عليها إذا كانت هذه المراتب حاصلة له بالفعل فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه وما لا يريده من رشده أكثر مما يريده ولا سبيل له إلى فعله إلا بأن يخلق الله فاعليه فيه فالمسئول هو أصل الهداية على الدوام تعليما وتوفيقا وخلقا للإرادة فيه وإقدارا له وخلقا للفاعلية وتثبيتا له على ذلك فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه.
* (فصل)
أما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ ضمير جمع
فقد قال بعض الناس في جوابه: إن كل عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه فاستضعفه جدا وهو كما قال: "فإن الإنسان اسم للجملة لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائه" والقائل إذا قال: "اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدني" سائل من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألة تخصه يفرد لها لفظه فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك فيكون هذا أحسن وأعظم موقعا عند الملك من أن يقول أنا عبدك ومملوكك ولهذا لو قال أنا وحدي مملوكك استدعى مقته فإذا قال أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدا وأنا واحد منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد فتأمله.
وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ونحو دعاء آخر البقرة وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن الكريم.
* (فصل)
المسألة العشرون: وهي ما هو (الصراط المستقيم)؟
فنذكر فيه قولا وجيزا فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول وهذا معنى قول بعض العارفين: "إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته" وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهادي ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها وهي معنى قول من قال علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا علما وعملا ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس وقول من قال: حب أبي بكر وعمر وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم.
والله أعلم.
[الجَهْرِ بِـ (آمِينَ) في الصَّلاةِ]
تَرْكُ السُّنَّةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ في الجَهْرِ بِآمِينَ في الصَّلاةِ كَقَوْلِهِ في الصَّحِيحَيْنِ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»
وَلَوْلا جَهْرُهُ بِالتَّأْمِينِ لَما أمْكَنَ المَأْمُومُ أنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ ويُوافِقَهُ في التَّأْمِينِ.
وَأصْرَحُ مِن هَذا حَدِيثُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرٌ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٌ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قالَ ولا الضّالِّينَ قالَ آمِينَ، ورَفَعَ بِها صَوْتَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «وَطَوَّلَ بِها»
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَدْ خالَفَ شُعْبَةُ سُفْيانَ في هَذا الحَدِيثِ فَقالَ: «وَخَفَضَ بِها صَوْتَهُ»
وَحُكْمُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ وحُفّاظِهِ في هَذا لِسُفْيانَ فَقالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ في هَذا البابِ أصَحُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ، أخْطَأ شُعْبَةُ في هَذا الحَدِيثِ في مَواضِعَ، فَقالَ: " عَنْ حُجْرٌ أبِي العَنْبَسِ "
وَإنَّما كُنْيَتُهُ أبُو السَّكَنِ، وزادَ فِيهِ عَلْقَمَةُ بْنُ وائِلٍ، وإنَّما هو حُجْرٌ بْنُ عَنْبَسٍ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٌ، لَيْسَ فِيهِ عَلْقَمَةُ، وقالَ: «وَخَفَضَ بِها صَوْتَهُ»
والصَّحِيحُ أنَّهُ جَهَرَ بِها.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وسَألْت أبا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ سُفْيانَ وشُعْبَةَ هَذا، فَقالَ: حَدِيثُ سُفْيانَ أصَحُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ، وقَدْ رَوى العَلاءُ بْنُ صالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ نَحْوَ رِوايَةِ سُفْيانَ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: كَذا قالَ شُعْبَةُ: «وَأخْفى بِها صَوْتَهُ» ويُقالُ: إنّهُ وهَمَ فِيهِ؛ لِأنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ ومُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وغَيْرَهُما رَوَوْهُ عَنْ سَلَمَةَ فَقالُوا: «وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ»
وَهُوَ الصَّوابُ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: لا أعْلَمُ اخْتِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ أنَّ سُفْيانَ وشُعْبَةَ إذا اخْتَلَفا فالقَوْلُ قَوْلُ سُفْيانَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: لَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن شُعْبَةَ، ولا يَعْدِلُهُ عِنْدِي أحَدٌ، وإذا خالَفَهُ سُفْيانُ أخَذْت بِقَوْلِ سُفْيانَ، وقالَ شُعْبَةُ: سُفْيانُ أحْفَظُ مِنِّي؛ فَهَذا تَرْجِيحٌ لِرِوايَةِ سُفْيانَ، وتَرْجِيحٌ ثانٍ: وهو مُتابَعَةُ العَلاءِ بْنِ صالِحٍ ومُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ لَهُ، وتَرْجِيحٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ أبا الوَلِيدِ الطَّيالِسِيَّ - وحَسْبُك بِهِ رَواهُ عَنْ شُعْبَةَ بِوِفاقِ الثَّوْرِيِّ في مَتْنِهِ، فَقَدْ اخْتُلِفَ عَلى شُعْبَةَ كَما تَرى.
قالَ البَيْهَقِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فَعادَ إلى الصَّوابِ في مَتْنِهِ، وتَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ في إسْنادِهِ، وتَرْجِيحٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الرِّوايَتَيْنِ لَوْ تَقاوَمَتا لَكانَتْ رِوايَةُ الرَّفْعِ مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةٍ وكانَتْ أوْلى بِالقَبُولِ، وتَرْجِيحٌ خامِسٌ: وهو مُوافَقَتُها وتَفْسِيرُها لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «وَإذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا، فَإنَّ الإمامَ يَقُولُ آمِينَ والمَلائِكَةُ تَقُولُ: آمِينَ، فَمَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ». وتَرْجِيحٌ سادِسٌ: وهو ما رَواهُ الحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ» ولِأبِي داوُد بِمَعْناهُ، وزادَ بَيانًا فَقالَ: «قالَ آمِينَ حَتّى يَسْمَعَ مَن يَلِيه مِن الصَّفِّ الأوَّلِ» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قالَ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: آمِينَ يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ، ويَأْمُرُ بِذَلِكَ».
وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهِهِ قالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ إذا قَرَأ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾»
وَعَنْهُ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ ولا الضّالِّينَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ»
وَعِنْدَ أبِي داوُد عَنْ «بِلالٍ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ».
قالَ الرَّبِيعُ: سُئِلَ الشّافِعِيُّ عَنْ الإمامِ: هَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِآمِينَ؟ قالَ: نَعَمْ، ويَرْفَعُ بِها مَن خَلْفَهُ أصْواتَهُمْ، فَقُلْت: وما الحُجَّةُ؟ فَقالَ: أنْبَأنا مالِكٌ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ، ثُمَّ قالَ: فَفي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا» دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَجْهَرَ بِآمِينَ؛ لِأنَّ مَن خَلْفَهُ لا يَعْرِفُونَ وقْتَ تَأْمِينِهِ إلّا بِأنْ يَسْمَعَ تَأْمِينَهُ، ثُمَّ بَيَّنَهُ ابْنُ شِهابٍ فَقالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ»، فَقُلْت لِلشّافِعِيِّ: فَإنّا نَكْرَهُ لِلْإمامِ أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ، فَقالَ: هَذا خِلافُ ما رَوى صاحِبُنا وصاحِبُكم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا وعِنْدَهم عِلْمٌ إلّا هَذا الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْ مالِكٍ فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَدِلَّ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْهَرُ بِآمِينَ، وأنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَجْهَرَ بِها، فَكَيْفَ ولَمْ يَزَلْ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؟ ورَوى وائِلُ بْنُ حُجْرٌ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ يَقُولُ آمِينَ يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ» ويَحْكِي مَدَّهُ إيّاها.
وَكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِلْإمامِ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ، وكانَ يُؤَذِّنُ لَهُ، أنْبَأنا مُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: كُنْت أسْمَعُ الأئِمَّةَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ومَن بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ ومَن خَلَفَهم آمِينَ، حَتّى إنّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً.
وَقَوْلُهُ: «كانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِلْإمامِ لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» يُرِيدُ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي رافِعٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، فاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أنْ لا يَسْبِقَهُ بِالضّالِّينَ، حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلى الصَّفِّ، فَكانَ مَرْوانُ إذا قالَ: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (آمِينَ) يَمُدُّ بِها صَوْتَهُ، وقالَ: إذا وافَقَ تَأْمِينُ أهْلِ الأرْضِ تَأْمِينَ أهْلِ السَّماءِ غُفِرَ لَهم. وقالَ عَطاءٌ: أدْرَكْت مِائَتَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَسْجِدِ إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] سَمِعْت لَهم رَجَّةً بِآمِينَ. فَرُدَّ هَذا كُلُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] واَلَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ هو الَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِينِ، واَلَّذِينَ أُمِرُوا بِها رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ الآيَةِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ ما.
((الجزء الثاني))
jazairi — أيسر التفاسير
﴿صِراطَ ٱلَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
شرح الكلمات:
الصراط: تقدم بيانه.
الذين أنعمت عليهم: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وكل من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته، ومعرفة محابه، ومساخطه، والتوفيق لفعل المحاب وترك المكاره.
معنى الآية:
لما سأل المؤمن له ولإخوانه الهداية إلى الصراط المستقيم، وكان الصراط مجملاً بيّنه بقوله صراط الذين أنعمت عليهم وهو المنهج القويم المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى والجنة وهو الإسلام القائم على الإيمان والعلم والعمل مع اجتناب الشرك والمعاصي.
هداية الآية:
من هداية الآية ما يلي:
١- الاعتراف بالنعمة.
٢- طلب حسن القدوة.
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم ولا ٱلضَّآلِّينَ﴾
شرح الكلمات:
غير: لفظ يستثنى به كإلاّ.
المغضوب عليهم: من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وافسادهم في الأرض كاليهود.
الضالين: من اخطأوا طريق الحق فعبدوا الله بما لم يشرعه كالنصارى.
معنى الآية:
لما سأل المؤمن ربَّه الصراط المستقيم وبينه بأنه صراط من أنعم عليهم بنعمة الإيمان والعلم والعمل. ومبالغة في طلب الهداية إلى الحق، وخوفاً من الغواية استثنى كلاً من طريق المغضوب عليهم، والضالين.
هداية الآية:
من هداية الآية:
الترغيب في سلوك سبيل الصالحين: والترهيب من سلوك سبيل الغاوين.
[تنبيه أول]: كلمة آمين ليست من الفاتحة: ويستحب أن يقولها الإمام إذا قرأ الفاتحة يمد بها صوته ويقولها المأموم، والمنفرد كذلك لقول الرسول ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا. أي قولوا آمين بمعنى اللهم استجب دعاءنا، ويستحب الجهر بها، لحديث ابن ماجة: «كان النبي ﷺ إذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد». [تنبيه ثان]: قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة، أمّا المنفرد والإمام فلا خلاف في ذلك، وأمّا المأموم فإن الجمهور من الفقهاء على أنه يسن له قراءتها في السريِّة دون الجهرية لحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ويكون مخصصاً لعموم حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
katheer — تفسير القرآن العظيم
قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِيمَا إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إِلَى آخِرِهَا أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: "هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". وَقَوْلُهُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مُفَسِّرٌ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ النُّحَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [[في جـ، ط، ب: "أنعم".]] هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩، ٧٠] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ، مِنْ مَلَائِكَتِكَ، وَأَنْبِيَائِكَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ؛ وَذَلِكَ نَظِيرُ مَا قَالَ رَبُّنَا تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٦٩] .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ النَّبِيُّونَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ وَكِيع: هُمُ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَالتَّفْسِيرُ الْمُتَقَدِّمُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعَمُّ، وَأَشْمَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "غَيْرِ" بِالْجَرِّ عَلَى النَّعْتِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وَالْعَامِلُ: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ وَالْمَعْنَى] [[زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.]] اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُمْ وَنَعْتُهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ، غَيْرِ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، [وَهُمُ] [[زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.]] الَّذِينَ فَسَدَتْ إِرَادَتُهُمْ، فَعَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ، وَلَا صِرَاطِ الضَّالِّينَ وَهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا الْعِلْمَ فَهُمْ هَائِمُونَ فِي الضَّلَالَةِ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ، وأكد الكلام بلا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ثَمّ مَسْلَكَيْنِ فَاسِدَيْنِ، وَهُمَا طَرِيقَتَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّ ﴿غَيْرَ﴾ هَاهُنَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُنْقَطِعًا لِاسْتِثْنَائِهِمْ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، وَمَا أَوْرَدْنَاهُ أَوْلَى، لِقَوْلِ الشَّاعِرِ [[هو النابغة الذبياني، والبيت في تفسير الطبري (١/١٧٩) .]] كأنَّك مِنْ جِمال بَنِي أقَيش ... يُقَعْقَعُ عِنْدَ [[في جـ: "بين".]] رِجْلَيْه بشَنِّ
أَيْ: كَأَنَّكَ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ، فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَاكْتَفَى بِالصِّفَةِ [[في ط: "واكتفى بالمضاف إليه".]] ، وَهَكَذَا، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
katheer
قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد :
( اهدنا الصراط المستقيم )
إلى آخرها أن الله يقول : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . وقوله :
( صراط الذين أنعمت عليهم )
مفسر للصراط المستقيم . وهو بدل منه عند النحاة ، ويجوز أن يكون عطف بيان ، والله أعلم .
و الذين أنعمت عليهم ) هم المذكورون في سورة النساء ، حيث قال :
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما )
[ النساء : 69 ، 70 ]
.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك ، من ملائكتك ، وأنبيائك ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى :
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم )
الآية
[ النساء : 69 ]
.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس :
( صراط الذين أنعمت عليهم )
قال : هم النبيون . وقال ابن جريج ، عن ابن عباس : هم المؤمنون . وكذا قال مجاهد . وقال وكيع : هم المسلمون . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه . والتفسير المتقدم ، عن ابن عباس أعم ، وأشمل ، والله أعلم .
وقوله تعالى :
( غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
[ قرأ الجمهور : غير بالجر على النعت ، قال الزمخشري : وقرئ بالنصب على الحال ، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب ، ورويت عن ابن كثير ، وذو الحال الضمير في
( عليهم )
والعامل :
( أنعمت )
والمعنى ]
اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم ، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله ، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره ، غير صراط المغضوب عليهم ،
[ وهم ]
الذين فسدت إرادتهم ، فعلموا الحق وعدلوا عنه ، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق ، وأكد الكلام ب
" لا "
ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين ، وهما طريقتا اليهود والنصارى .
وقد زعم بعض النحاة أن
( غير )
هاهنا استثنائية ، فيكون على هذا منقطعا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم ، وما أوردناه أولى ، لقول الشاعر : كأنك من جمال بني أقيش يقعقع عند رجليه بشن
أي : كأنك جمل من جمال بني أقيش ، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة ، وهكذا ، غير المغضوب عليهم ) أي : غير صراط المغضوب عليهم .
اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف ، وقد دل عليه سياق الكلام ، وهو قوله تعالى :
( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم )
ثم قال تعالى :
( غير المغضوب عليهم )
ومنهم من زعم أن
( لا )
في قوله :
( ولا الضالين )
زائدة ، وأن تقدير الكلام عنده : غير المغضوب عليهم والضالين ، واستشهد ببيت العجاج :
في بئر لا حور سرى وما شعر
أي في بئر حور . والصحيح ما قدمناه . ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب
" فضائل القرآن "
، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : أنه كان يقرأ : غير المغضوب عليهم وغير الضالين . وهذا إسناد صحيح ،
[ وكذا حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك ]
وهو محمول على أنه صدر منه على وجه التفسير ، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بها لتأكيد النفي ،
[ لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم ) ]
، وللفرق بين الطريقتين ، لتجتنب كل منهما ؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به ، واليهود فقدوا العمل ، والنصارى فقدوا العلم ؛ ولهذا كان الغضب لليهود ، والضلال للنصارى ، لأن من علم وترك استحق الغضب ، بخلاف من لم يعلم . والنصارى لما كانوا قاصدين شيئا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه ؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه ، وهو اتباع الرسول الحق ، ضلوا ، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه ، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب
[ كما قال فيهم :
( من لعنه الله وغضب عليه )
]
[ المائدة : 60 ]
وأخص أوصاف النصارى الضلال
[ كما قال :
( قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " ]
)
[ المائدة : 77 ]
، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار .
[ وذلك واضح بين ]
. قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت سماك بن حرب ، يقول : سمعت عباد بن حبيش ، يحدث عن عدي بن حاتم ، قال : جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا عمتي وناسا ، فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوا له ، فقالت : يا رسول الله ، ناء الوافد وانقطع الولد ، وأنا عجوز كبيرة ، ما بي من خدمة ، فمن علي من الله عليك ، قال : من وافدك ؟ قالت : عدي بن حاتم ، قال : الذي فر من الله ورسوله ! قالت : فمن علي ، فلما رجع ، ورجل إلى جنبه ، ترى أنه علي ، قال : سليه حملانا ، فسألته ، فأمر لها ، قال : فأتتني فقالت : لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها ، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه ، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي ، وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر ، فقال : يا عدي ، ما أفرك أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله ؟ قال : ما أفرك أن يقال : الله أكبر ، فهل شيء أكبر من الله عز وجل ؟ . قال : فأسلمت ، فرأيت وجهه استبشر ، وقال : المغضوب عليهم اليهود ، وإن الضالين النصارى . وذكر الحديث ، ورواه الترمذي ، من حديث سماك بن حرب ، وقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه . قلت : وقد رواه حماد بن سلمة ، عن سماك ، عن مري بن قطري ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله :
( غير المغضوب عليهم )
قال : هم اليهود
( ولا الضالين )
قال : النصارى هم الضالون . وهكذا رواه سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم به . وقد روي حديث عدي هذا من طرق ، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن بديل العقيلي ، أخبرني عبد الله بن شقيق ، أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى ، وهو على فرسه ، وسأله رجل من بني القين ، فقال : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ قال : المغضوب عليهم - وأشار إلى اليهود - والضالون هم النصارى . وقد رواه الجريري وعروة ، وخالد الحذاء ، عن عبد الله بن شقيق ، فأرسلوه ، ولم يذكروا من سمع النبي صلى الله عليه وسلم . ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر ، فالله أعلم .
وقد روى ابن مردويه ، من حديث إبراهيم بن طهمان ، عن بديل بن ميسرة ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال : اليهود ،
[ قال ]
قلت : الضالين ، قال : النصارى . وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
( غير المغضوب عليهم )
هم اليهود ، ولا الضالين ) هم النصارى .
وقال الضحاك ، وابن جريج ، عن ابن عباس :
( غير المغضوب عليهم )
اليهود ، ولا الضالين )
[ هم ]
النصارى .
وكذلك قال الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد ، وقال ابن أبي حاتم : ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا .
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون ، الحديث المتقدم ، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة :
( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين )
[ البقرة : 90 ]
، وقال في المائدة قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل )
[ المائدة : 60 ]
، وقال تعالى :
( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )
[ المائدة : 78 ، 79 ]
.
وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل ؛ أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف ، قالت له اليهود : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله . فقال : أنا من غضب الله أفر . وقالت له النصارى : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله فقال : لا أستطيعه . فاستمر على فطرته ، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين ، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى ، وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية ؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك ، وكان منهم ورقة بن نوفل ، حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي ، رضي الله عنه .
( مسألة )
: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما ؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس ، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ، ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة ، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم . وأما حديث : أنا أفصح من نطق بالضاد فلا أصل له والله أعلم .
"فصل"
اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات فضلها ، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه ، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا ، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين ، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه ، والتبرؤ من حولهم وقوتهم ، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى ، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل ، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم ، وهو الدين القويم ، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة ، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين .
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة ، والتحذير من مسالك الباطل ؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة ، وهم المغضوب عليهم والضالون . وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى :
( صراط الذين أنعمت عليهم )
وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى :
( غير المغضوب عليهم )
وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة ، كما قال تعالى :
( ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم )
الآية
[ المجادلة : 14 ]
، وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به ، وإن كان هو الذي أضلهم بقدره ، كما قال تعالى :
( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا )
[ الكهف : 17 ]
. وقال :
( من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون )
[ الأعراف : 186 ]
. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال ، لا كما تقوله الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم ، من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه ، ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن ، ويتركون ما يكون فيه صريح في الرد عليهم ، وهذا حال أهل الضلال والغي ، وقد ورد في الحديث الصحيح : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم . يعني في قوله تعالى :
( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه )
[ آل عمران : 7 ]
، فليس - بحمد الله - لمبتدع في القرآن حجة صحيحة ؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل مفرقا بين الهدى والضلال ، وليس فيه تناقض ولا اختلاف ؛ لأنه من عند الله تنزيل من حكيم حميد .
"فصل"
يستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها : آمين
[ مثل : يس ]
، ويقال : أمين . بالقصر أيضا
[ مثل : يمين ]
، ومعناه : اللهم استجب ، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود ، والترمذي ، عن وائل بن حجر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ :
( غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
فقال : آمين ، مد بها صوته ، ولأبي داود : رفع بها صوته ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن . وروي عن علي ، وابن مسعود وغيرهم .
وعن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال : آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول ، رواه أبو داود ، وابن ماجه ، وزاد : يرتج بها المسجد ، والدارقطني وقال : هذا إسناد حسن .
وعن بلال أنه قال : يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين . رواه أبو داود . ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق أنهما شددا الميم من
" آمين "
مثل :
( آمين البيت الحرام )
[ المائدة : 2 ]
.
قال أصحابنا وغيرهم : ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة ، ويتأكد في حق المصلي ، وسواء كان منفردا أو إماما أو مأموما ، وفي جميع الأحوال ؛ لما جاء في الصحيحين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه ولمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال أحدكم في الصلاة : آمين ، والملائكة في السماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى ، غفر له ما تقدم من ذنبه .
[ قيل : بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان ، وقيل : في الإجابة ، وقيل : في صفة الإخلاص ]
. وفي صحيحمسلم عن أبي موسى مرفوعا : إذا قال ، يعني الإمام :
( ولا الضالين )
، فقولوا : آمين . يجبكم الله . وقال جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قلت : يا رسول الله ، ما معنى آمين ؟ قال : رب افعل . وقال الجوهري : معنى آمين : كذلك فليكن ، وقال الترمذي : معناه : لا تخيب رجاءنا ، وقال الأكثرون : معناه : اللهم استجب لنا ، وحكى القرطبي عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن كيسان : أن آمين اسم من أسماء الله تعالى وروي عن ابن عباس مرفوعا ولا يصح ، قاله أبو بكر بن العربي المالكي . وقال أصحاب مالك : لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم ، لما رواه مالك عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وإذا قال ، يعني الإمام :
( ولا الضالين )
، فقولوا : آمين . الحديث . واستأنسوا - أيضا - بحديث أبي موسى : وإذا قرأ :
( ولا الضالين )
، فقولوا : آمين .
وقد قدمنا في المتفق عليه : إذا أمن الإمام فأمنوا وأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤمن إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية حكمه ، وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به ، قولا واحدا ، وإن أمن الإمام جهرا فالجديد أنه لا يجهر المأموم وهو مذهب أبي حنيفة ، ورواية عن مالك ؛ لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة . والقديم أنه يجهر به ، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، والرواية الأخرى عن مالك كما تقدم : حتى يرتج المسجد .
ولنا قول آخر ثالث : إنه إن كان المسجد صغيرا لم يجهر المأموم ، لأنهم يسمعون قراءة الإمام ، وإن كان كبيرا جهر ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد ، والله أعلم .
وقد روى الإمام أحمد في مسنده ، عن عائشة ، رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عنده اليهود ، فقال : إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين ، ورواه ابن ماجه ، ولفظه : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين ، وله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول : آمين ، فأكثروا من قول : آمين وفي إسناده طلحة بن عمرو ، وهو ضعيف .
وروى ابن مردويه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : آمين : خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين . وعن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء ، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى ، كان موسى يدعو ، وهارون يؤمن ، فاختموا الدعاء بآمين ، فإن الله يستجيبه لكم .
قلت : ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :
( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون )
[ يونس : 88 ، 89 ]
، فذكر الدعاء عن موسى وحده ، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمن ، فنزل منزلة من دعا ، لقوله تعالى :
( قد أجيبت دعوتكما )
[ يونس : 89 ]
، فدل ذلك على أن من أمن على دعاء فكأنما قاله ؛ فلهذا قال من قال : إن المأموم لا يقرأ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها ؛ ولهذا جاء في الحديث : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ، وكان بلال يقول : لا تسبقني بآمين . فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية ، والله أعلم .
ولهذا قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن الحسن ، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا جرير ، عن ليث بن أبي سليم ، عن كعب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال الإمام :
( غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
فقال : آمين ، فتوافق
" آمين "
أهل الأرض
" آمين "
أهل السماء ، غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه ، ومثل من لا يقول : آمين ، كمثل رجل غزا مع قوم ، فاقترعوا ، فخرجت سهامهم ، ولم يخرج سهمه ، فقال : لم لم يخرج سهمي ؟ فقيل : إنك لم تقل : " آمين .
makki — الهداية إلى بلوغ النهاية
قوله: ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
صراط بدل من الأول.
والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصدِّيقون والصالحون بدلالة قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
وقيل: هم أصحاب النبي [عليه السلام]، قاله الحسن.
وقيل: هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل قوله: ﴿يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. فلذلك قال هنا: ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وقيل: هم المسلمون.
وقال أبو العالية: "هم محمد [عليه السلام] وأبو بكر وعمر".
وقال قتادة: "هم الأنبياء خاصة".
وقال ابن عباس: "هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا".
وهذا دعاء أمر الله عز وجل رسول الله ﷺ والمؤمنين أن يدعوا به وألا يكونوا مثل المغضوب عليهم - وهم اليهود -، ولا مثل الضالين - وهم النصارى -، ولا على صراطهم.
ودخلت "لا" في قوله: ﴿وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ لئلا يتوهم أن ﴿ٱلضَّآلِّينَ﴾ عطف على ﴿ٱلَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ﴾. فبدخول "لا" امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ لا تقع "لا" إلا بعد نفي أو ما هو في معنى النفي.
وقيل: "لا" زائدة.
وقيل: هي تأكيد بمعنى: "غير".
ولم يجمع ﴿ٱلْمَغْضُوبِ﴾، لأنه في معنى الذين غضب عليهم فلا ضمير فيه إذ لا يتعدى إلا بحرف جر. فلو قدرت فيه ضميراً، كنت قد عديته إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وهذا ليس يحسن فيه. إنما تقول: "غضبت على زيد" و "غضب على زيد". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل. وكذلك ﴿عَلَيْهِم﴾ في موضع رفع يقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله. والهاء والميم يعودان على الألف واللام.
والغضب من الله البعد من رحمته. والضلال الحيرة.
"و ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ﴾" خفض على النعت "للذين" من قوله ﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ﴾، وحَسَنٌ ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار كالنكرة، فجاز نعته "بغير"، و"غير" نكرة وإن أضيفت إلى معرفة. ويجوز أن تخفض "غير" على البدل من [الذين. وقد قرئ] بالنصب على الحال أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في كتاب: "مشكل الإعراب" بأشبع من هذا.
ويقول المأموم إذا سمع ﴿وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾: آمين. ويقولها وحده. واختلف في قول الإمام إياها عن مالك.
و (آمين)، قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.
وقيل: هو دعاء بمعنى: "اللَّهم استجب".
وقال ابن عباس والحسن: "معنى "آمين": كذلك يكون". وهي تمد وتقصر لغتان.
والمؤمن داع. فقد قال الله لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]. وموسى كان هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال: "اللهم استجب" فهو داع بالإجابة، وهو مبني لوقوعه موقع الدعاء وبني على حركة لالتقاء الساكنين وكان الفتح أولى به لأن قبل آخره ياء.
وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] قال: "إِذَا قَالَ الإمَامُ ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمينَ، فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، أي من وافقه في الإجابة.
mawardi — النكت والعيون
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخِرِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أرْشِدْنا ودُلَّنا.
والثّانِي: مَعْناهُ وفِّقْنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَأمّا الصِّراطُ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّبِيلُ المُسْتَقِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ
والثّانِي: أنَّهُ الطَّرِيقُ الواضِحُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٨٦] وقالَ الشّاعِرُ:
؎ ... ... ... ∗∗∗ ∗∗∗ فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القاصِدِ
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِن مُسْتَرَطِ الطَّعامِ، وهو مَمَرُّهُ في الحَلْقِ.
وَفي الدُّعاءِ بِهَذِهِ الهِدايَةِ، ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم دَعَوْا بِاسْتِدامَةِ الهِدايَةِ، وإنْ كانُوا قَدْ هُدُوا.
والثّانِي: مَعْناهُ زِدْنا هِدايَةً. (p-٥٩)
والثّالِثُ: أنَّهم دَعَوْا بِها إخْلاصًا لِلرَّغْبَةِ، ورَجاءً لِثَوابِ الدُّعاءِ.
واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ، ويُرْوى نَحْوُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الطَّرِيقُ الهادِي إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأخْيارُ أهْلِ بَيْتِهِ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ. (p-٦٠)
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ السّالِفَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ وهو قَوْلُ وكِيعٍ.
والخامِسُ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ، ومَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: (صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَنِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (هُمُ اليَهُودُ وعَنِ الضّالِّينَ فَقالَ: (هُمُ النَّصارى)» . (p-٦١)
وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.
وَفي غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الغَضَبُ المَعْرُوفُ مِنَ العِبادِ.
والثّانِي: أنَّهُ إرادَةُ الِانْتِقامِ، لِأنَّ أصْلَ الغَضَبِ في اللُّغَةِ هو الغِلْظَةُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: أنَّ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ هو ذَمُّهُ لَهم.
والرّابِعُ: أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العُقُوبَةِ سُمِّيَ غَضَبًا، كَما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً.
والضَّلالُ ضِدُّ الهُدى، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ بِالغَضَبِ، لِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً.
وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضّالِّينَ) .
mawsua_mathur — موسوعة التفسير المأثور
<h3>﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ - قراءات</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٨٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عمر بن الخطاب</span> -من طريق الأسود بن يزيد- أنّه كان يقرأ: (سِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ)[[أخرجه أبو عبيد ص١٦٢، وسعيد بن منصور (١٧٦، ١٧٧)، وابن أبي داود في المصاحف ص٥١، من طرقٍ، وعندهم ﴿صراط﴾ بالصاد. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري.
و(سِراطَ مَن أنْعَمْتَ) قراءة شاذة، وتروى أيضًا عن ابن مسعود وغيره. انظر: مختصر ابن خالويه ص٩.
و(وغَيْرِ الضَّآلِينَ) كذلك قراءة شاذة، تروى أيضًا عن أُبَي وغيره. انظر: البحر المحيط ١/١٥٠.]]<span class=comment-ref>٢٥</span>. (١/٨١)</p>
</div>
<div><span class=comment-ref>٢٥</span> <span class="comment-type-1">وجَّه</span> <u>ابنُ كثير</u> (١/٢٢٤) هذه القراءة بقوله: «وهو محمول على أنه صَدَرَ منه على وجْهِ التفسير».</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٨٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن الزبير</span> -من طريق محمد بن عقبة اليَشْكُرِيّ، عن أبيه- أنّه قرأ: (صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ) في الصلاة[[أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٦٢، وابن أبي داود في المصاحف ص٨٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن الأنباري.]]. (١/٨٢)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٨٦<span class="dash">-</span></span> عن إبراهيم، قال: كان <span class="name-2">علقمة بن قيس</span>= (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٨٧<span class="dash">-</span></span> <span class="name-2">والأسود بن يزيد</span> يقرآنها: (صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ)[[أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٩٠. وفي الدر: عكرمة، بدل: علقمة.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٨٨<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">الحسن البصري</span> أنه كان يقرأ: (عَلَيْهِمِي) بكسر الهاء والميم، وإثبات الياء[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.
والقراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٩، والمحتسب ١/٤٤.]]. (١/٨٢)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٨٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">عبد الله بن كثير</span> أنّه كان يقرأ: ‹أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُو› بكسر الهاء، وضم الميم، مع إلحاق الواو[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.
‹عَلَيْهِمُو› بإلحاق واو في اللفظ وصلًا قراءة متواترة، قرأ بها ابن كثير، وأبو جعفر، وهي وجه عن قالون، وقرأ حمزة ويعقوب ‹عَلَيْهُمْ› بضم الهاء وإسكان الميم، وقرأ بقية العشرة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بكسر الهاء وإسكان الميم، وهي الوجه الثاني لقالون. انظر: الإتحاف ص١٦٤.]]. (١/٨٢)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">أبي إسحاق [السبيعي]</span> أنّه قرأ: (عَلَيْهُمُ) بضم الهاء والميم، من غير إلحاق واو[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.
والقراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٩، والمحتسب ١/٤٤.]]. (١/٨٢)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩١<span class="dash">-</span></span> عن [<span class="name-3">حُمَيْد</span>] <span class="name-3">الأعرج</span> أنه كان يقرأ: (عَلَيْهُمُو) بضم الهاء والميم، وإلحاق الواو[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.
والقراءة شاذة، تروى أيضًا عن الأعرج. انظر: مختصر ابن خالويه ص٩، والمحتسب ١/٤٤.]]. (١/٨٢)</p>
</div>
<h3>﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ - عدّ الآية</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">أبي هريرة</span>، قال: ﴿أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ الآية السادسة[[تفسير الثعلبي ١/١٠١.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<h3>﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ - تفسير الآية</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾، يقول: طريق من أنعمتَ عليهم من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٧، وابن أبي حاتم ١/٣١ (٣٨) بنحوه.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾، قال: المؤمنين[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٨.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> أنّه قال: هم قوم موسى وعيسى ﵉ قبل أن يُغَيِّرُوا دينهم[[تفسير الثعلبي ١/١٣٢ وفيه: قبل أن يغيروا نعم الله عليهم، وتفسير البغوي ١/٥٤.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">أبي العالية رفيع بن مهران</span> قوله: هم الرسول ﷺ، وأبو بكر وعمر ﵄[[تفسير البغوي (ط: إحياء التراث) ١/٧٦.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span> -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾، قال: هم المؤمنون[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٣١ (٣٩).]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٨<span class="dash">-</span></span> وقال <span class="name-2">عكرمة مولى ابن عباس</span>: ﴿أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ بالثبات على الإيمان، والاستقامة[[تفسير الثعلبي ١/١٢٢، وتفسير البغوي ١/٥٤.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٩٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">شهر بن حَوْشَب</span>، قال: هم أصحاب النبي ﷺ، وأهل بيته[[تفسير الثعلبي ١/١٢٢.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">الربيع بن أنس</span> -من طريق أبي جعفر الرازي- في قوله: ﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾، قال: النبيون[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠١<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان</span>: ﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾، يعني: دُلَّنا على طريق الذين أنعمت عليهم، يعني: النبيين الذين أنعم الله عليهم بالنبوة، كقوله سبحانه: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [النساء:٦٩][[تفسير البغوي ١/٥٢.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">عبد الرحمن بن زيد بن أسلم</span> -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾، قال: النبي ﷺ، ومَن معه[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٨.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">وكيع</span> -من طريق الحسين- قال: ﴿أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾: المسلمين[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٨.]]<span class=comment-ref>٢٦</span>. (ز)</p>
</div>
<div><span class=comment-ref>٢٦</span> بيَّن <u>ابنُ جرير</u> (١/١٧٦-١٧٧)، و<u>ابنُ عطية</u> (١/٨٧)، و<u>ابنُ تيمية</u> (١/١١٦-١١٧)، و<u>ابنُ كثير</u> (١/٢٢٣) أنّ المراد بالمُنْعَم عليهم: هم المذكورون في قوله تعالى:﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]؛ <span class="mustanad">لعموم ذلك القول وشموله</span>.</div>
<h3>﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ - قراءات</h3>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٤<span class="dash">-</span></span> عن إسماعيل بن مسلم، قال: في حرف <span class="name-1">أبي بن كعب</span>: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ. آمين. بِسْمِ اللهِ)[[عزاه السيوطي إلى ابن شاهين في السنة.
والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصاحف.]]. (١/٩٢)</p>
</div>
<h3>﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ - تفسير الآية</h3>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٥<span class="dash">-</span></span> عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: «<b>إنّ المغضوب عليهم: اليهود، وإنّ الضّالِّين: النصارى</b>»[[أخرجه أحمد ٣٢/١٢٣ (١٩٣٨١)، والترمذي ٥/٢١٥ (٣١٨٦)، وابن جرير ١/١٩٤، وابن أبي حاتم ١/٣١ (٤٠)، وابن حبان ٥/٢١٧ (٣١٨٧) ١٦/١٨٣ (٧٢٠٦).
قال الترمذي: «حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب، عن عدي بن حاتم». وقال الهيثمي في المجمع ٥/٣٣٥ (٩٧١٩): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عباد بن حبيش، وهو ثقة».]]. (١/٨٥)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٦<span class="dash">-</span></span> عن عبد الله بن شَقِيقٍ العُقَيْلِي، قال: أخبرني مَن سَمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القرى على فرسٍ له، وسأله رجل من بني بَلْقَيْن، فقال: مَن المغضوب عليهم، يا رسول الله؟ قال: <b>«اليهود».</b> قال: فمن الضالون؟ <b>قال: «النصارى»</b>[[أخرجه أحمد ٣٣/٤٦٠ (٢٠٣٥١)، ٣٤/٣٣٩ (٢٠٧٣٦)، وأبو يعلى (٧١٧٩)، وابن جرير ١/١٨٧.
قال البوصيري في إتحاف الخيرة (١/٩٧): «رجاله ثقات». وقال الهيثمي في المجمع ٦/٣١٣: «رجال الجميع رجال الصحيح». وصححه الألباني في الصحيحة (٦٢٦٣).]]. (١/٨٤)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٧<span class="dash">-</span></span> عن عبد الله بن شَقِيقٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم؟ قال: «<b>اليهود</b>». قلتُ: الضالين؟ قال: «<b>النصارى</b>»[[أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١/١٤٢-.
وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الفتح ٨/١٥٩.]]. (١/٨٥)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٨<span class="dash">-</span></span> عن إسماعيل بن أبي خالد، أنّ النبي ﷺ قال: «<b>المغضوب عليهم: اليهود. والضالون: هم النصارى</b>»[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/٥٣٧ (١٧٩)، وتَمّام في فوائده ١/١٧٧ (٤١٨) مرسلًا.
وقد جاء موصولًا من وجه آخر عن عدي بن حاتم، وله شواهد صحيحة؛ فالحديث بها حسن.]]. (١/٨٥)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٠٩<span class="dash">-</span></span> عن الشَّرِيد، قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألْيةِ[[ألْية اليد: اللحمة التي في أصل الإبهام. لسان العرب (ألا).]] يدي، قال: <b>«أتَقْعُد قِعْدَة المغضوب عليهم</b>؟!»[[أخرجه أحمد ٣٢/٢٠٤ (١٩٤٥٤)، وأبو داود ٧/٢١٦ (٤٨٤٨)، وابن حبان ١٢/٤٨٨ (٥٦٧٤)، والحاكم ٤/٢٩٩ (٧٧٠٣).
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٤/٢٦٣ (٤٨٤٨): «صحيح».]]. (١/٨٦)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي</span> ﷺ -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-= (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١١<span class="dash">-</span></span> و<span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: المغضوب عليهم: اليهود. والضالين: النصارى[[أخرجه ابن جرير ١/١٨٨، ١٩٦.]]. (١/٨٦)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾ يعني: اليهود الذين غضب الله عليهم، ﴿وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ قال: وغير طريق النصارى الذين أضلَّهم الله بفِرْيَتِهم عليه. قال: يقول: فأَلْهِمْنا دينَك الحقَّ، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا، كما غضبت على اليهود، ولا تُضِلَّنا كما أضللت النصارى، فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك[[أخرجه ابن جرير ١/١٨٨، ١٩٦.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طرق- قال: ﴿المغضوب عليهم﴾: اليهود، ﴿وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾: النصارى[[أخرجه ابن جرير ١/١٨٨، ١٨٩، ١٩٦ من طريق الضحاك وابن جريج والسدي.]]. (١/٨٦)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">سعيد بن جبير</span>: ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾، قال: اليهود، والنصارى[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٨٤)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span> -من طريق سفيان-، مثله[[أخرجه ابن جرير ١/١٨٩، ١٩٥، ١٩٦.]]. (١/٨٧)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span>: ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ قال: النصارى[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٨٤)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">عكرمة مولى ابن عباس</span>، قال: ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾ قال: اليهود، ﴿ٱلضّاۤلِّینَ﴾ قال: النصارى[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٨٤)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٨<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">الربيع بن أنس</span> -من طريق أبي جعفر الرازي- في قوله: ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ قال: النصارى[[أخرجه ابن جرير ١/١٩٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٨٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢١٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">زيد بن أسلم</span> -من طريق ابنه عبد الرحمن- قال: ﴿المغضوب عليهم﴾: اليهود، ﴿الضالين﴾: النصارى[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١/٥٤ (١١٨)، وابن جرير ١/١٨٩، ١٩٦، ١٩٧ من طريقه.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٢٠<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان</span>: ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾ يعني: دُلَّنا على دين غير اليهود الذين غضب الله عليهم فجعل منهم القردة والخنازير، ﴿وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ يقول: ولا دين المشركين، يعني: النصارى[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٦.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٢١<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">عبد الرحمن بن زيد بن أسلم</span> -من طريق ابن وهب- قال: ﴿غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾: اليهود، ﴿وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾: النصارى[[أخرجه ابن جرير ١/١٨٩، ١٩٦، ١٩٧.]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٢٢<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-2">الحسن البصري</span>: المغضوب عليهم: اليهود، والضالون: النصارى[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/١١٩- وجاء عقبه: وهذا دعاء أمر الله رسوله أن يدعو به، وجعله سنة له وللمؤمنين.]]<span class=comment-ref>٢٧</span>. (ز)</p>
</div>
<div><span class=comment-ref>٢٧</span> <span class="comment-type-1">وجَّهَ</span> <u>ابنُ عطية</u> (١/٩١-٩٢)، و<u>ابنُ تيمية</u> (١/١١٩-١٢٠)، و<u>ابنُ القيم</u> (١/٧٩-٨٠)، و<u>ابنُ كثير</u> (١/٢٢٤-٢٢٧) تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود، وتفسير ﴿الضالين﴾ بالنصارى بأنّه الوصف الغالب عليهما في القرآن؛ فاليهود يعرفون الحق ولا يعملون به، والنصارى يعبدون بلا علم.</div>
<div>
<p><span class="item-no">٢٢٣<span class="dash">-</span></span> قال إسماعيل بن مسلم: كان <span class="name-2">الحسن البصري</span> إذا سُئِل عن «آمين»: ما تفسيرها؟ قال: هو: اللهم استجب[[عزاه السيوطي إلى ابن شاهين في السنة.
<b>وقد عقد السيوطي ١/٨٧-٩٣ مبحثًا في (ذكر آمين) وما ورد في معناها وفضائلها.</b>]]<span class=comment-ref>٢٨</span>. (١/٩٢)</p>
</div>
<div><span class=comment-ref>٢٨</span> قال <u>ابنُ عطية</u> (١/٩٧): «فمقتضى هذه الآثار: أنّ كلّ داعٍ ينبغي له في آخر دعائه أن يقول: آمين. وكذلك كل قارئ للحمد في غير صلاة، لكن ليس بجهر الترتيل، وأما في الصلاة فهناك خلاف في الإمام، ولم يُختلَف في الفَذِّ، ولا في المأموم».</div>
mukhtasar — المختصر في تفسير القرآن الكريم
طريق الذين أنعمت عليهم من عبادك بهدايتهم، كالنبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا، غير طريق المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه كاليهود، وغير طريق الضالين عن الحق الذين لم يهتدوا إليه لتفريطهم في طلب الحق والاهتداء إليه كالنصارى.
* من فوائد الآيات:
• افتتح الله تعالى كتابه بالبسملة، ليرشد عباده أن يبدؤوا أعمالهم وأقوالهم بها طلبًا لعونه وتوفيقه.
• من هدي عباد الله الصالحين في الدعاء البدء بتمجيد الله والثناء عليه سبحانه ثم ليشرع في الطلب.
• تحذير المسلمين من التقصير في طلب الحق كالنصارى الضالين، أو عدم العمل بالحق الذي عرفوه كاليهود المغضوب عليهم.
• دلَّت السورة على أن كمال الإيمان يكون بإخلاص العبادة لله تعالى وطلب العون منه وحده دون سواه.
muyassar — التفسير الميسر
طريق الذين أنعمت عليهم، من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، فهم أهل الهداية والاستقامة، ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، وهم اليهود، ومن كان على شاكلتهم، ولا تجعلنا من الضالين، وهم الذين لم يهتدوا عن جهل منهم، فضلوا الطريق، وهم النصارى، ومن اتبع سنتهم. وفي هذا الدعاء شفاء لقلب المسلم من مرض الجحود والجهل والضلال، ودلالة على أن أعظم نعمة على الإطلاق هي نعمة الإسلام، فمن كان أعرف للحق وأتبع له، كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله ﷺ هم أولى الناس بذلك بعد الأنبياء عليهم السلام، فدلت الآية على فضلهم، وعظيم منزلتهم، رضي الله عنهم. ويستحب للقارئ أن يقول في الصلاة بعد قراءة الفاتحة: (آمين)، ومعناها: اللهم استجب، وليست آية من سورة الفاتحة باتفاق العلماء؛ ولهذا أجمعوا على عدم كتابتها في المصاحف.
nasafi — مدارك التنزيل وحقائق التأويل
(p-٣٣)﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِراطِ، وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ. وفائِدَتُهُ: التَأْكِيدُ والإشْعارُ بِأنَّ الصِراطَ المُسْتَقِيمَ تَفْسِيرُهُ صِراطُ المُسْلِمِينَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ شَهادَةً لِصِراطِ المُسْلِمِينَ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكُدِهِ. وهُمُ المُؤْمِنُونَ، أوِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، أوْ قَوْمُ مُوسى قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا.
﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالِّينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ أنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي: أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ سَلِمُوا مِن غَضَبِ اللهِ والضَلالِ، أوْ صِفَةٌ لِلَّذِينِ، يَعْنِي: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ النِعْمَةِ المُطْلَقَةِ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ، وبَيْنَ السَلامَةِ مِن غَضَبِ اللهِ والضَلالِ. وإنَّما ساغَ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلَّذِينِ، وهو مَعْرِفَةٌ، وغَيْرٌ لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، لِأنَّهُ إذا وقَعَ بَيْنَ مُتَضادَّيْنِ، وكانا مَعْرِفَتَيْنِ، تَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، نَحْوُ: عَجِبَتْ مِنَ الحَرَكَةِ غَيْرِ السُكُونِ، والمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ مُتَضادّانِ، ولِأنَّ الَّذِينَ قَرِيبٌ مِنَ النَكِرَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ، وغَيْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَرِيبٌ مِنَ المَعْرِفَةِ، لِلتَّخْصِيصِ الحاصِلِ لَهُ بِإضافَتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما فِيهِ إبْهامٍ مِن وجْهٍ، واخْتِصاصٍ مِن وجْهٍ، فاسْتَوَيا. وعَلَيْهِمُ الأُولى- مَحَلُّها النَصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ومَحَلُّ الثانِيَةِ الرَفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وغَضَبُ اللهِ: إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ المُكَذِّبِينَ، وإنْزالُ العُقُوبَةِ بِهِمْ، وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يَفْعَلُهُ المَلِكُ إذا غَضِبَ عَلى ما تَحْتَ يَدِهِ. وقِيلَ: المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائِدَةُ: ٦٠]. والضالُّونَ: هُمُ النَصارى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ [المائِدَةُ: ٧٧] و"لا" زائِدَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِلتَّوْكِيدِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هي بِمَعْنى غَيْرٍ.
"آمِينَ": صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ الَّذِي هو اسْتَجِبْ، كَما أنَّ رُوَيْدَ اسْمٌ لِأمْهِلْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: «سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَعْنى "آمِينَ"، فَقالَ: "افْعَلْ". » وهو مَبْنِيٌّ، وفِيهِ لُغَتانِ مَدُّ ألِفِهِ وقَصْرُها، وهو الأصْلُ، والمَدُّ بِإشْباعِ الهَمْزَةِ، قالَ:(p-٣٤)
؎ ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قالَ آمِينا
وَقالَ:
؎ آمِينَ، فَزادَ اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
قالَ ﷺ: « "لَقَّنَنِي جِبْرِيلُ آمِينَ عِنْدَ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقالَ: إنَّهُ كالخَتْمِ عَلى الكِتابِ". » ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في المَصاحِفِ.
qannuji — فتح البيان في مقاصد القرآن
(صراط الذين أنعمت عليهم) بدل كل من كل، وفائدته التوكيد والتنصيص على أن صراط المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة والاستواء على آكد وجه وأبلغِهِ بحيث لا يذهب الوهم عند ذكره إلا إليه، والإنعام إيصال النعمة والإحسان إلى الغير إذا كان من العقلاء، ونعم الله تعالى مع استحالة إحصائها ينحصر أصولها في دنيوي وأخروي، وأطلقه ليشمل كل إنعام، فإن نعمة الإسلام عنوان النعم كلها، فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها.
ثم المراد بالوصول هم الأربعة المذكورة في سورة النساء حيث قال (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى الذين لم يغيروا ولم يبدلوا وقيل هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته وقيل هم الأنبياء خاصة وقيل مطلق المؤمنين، والأول أولى، وفيه الإشارة إلى الإقتداء بالسلف الصالح وهو غير التقليد.
(غير المغضوب عليهم) بدل كل من كل أي غير صراط الذين غضبت عليهم وهم اليهود لقوله تعالى فيهم (ومن لعنه الله وغضب عليه) قال القرطبي الغضب في اللغة الشدة وفي صفة الله إرادة العقوبة فهو صفة ذاته أو نفس العقوبة، ومنها حديث أن الصدقة لتطفىء غضب الرب فهو صفة فعله، وغضب الله لا يلحق عصاة الؤمنين، وإنما يلحق الكافرين، والعدول عن إسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرى على منهاج الآداب التنزيلية في نسبة النعم والخيرات إليه عز وجل دون أضدادها، وفي (عليهم) عشر لغات وكلها صواب، قاله ابن الأنباري.
(ولا الضآلين) لا زائدة قاله الطبري والزمخشري وقيل هي تأكيد، حكاه مكي والمهدوي وقيل بمعنى غير قاله الكوفيون والمحلي أي وغير الضالين عن الهدى، وهم النصارى لقوله عز وجل (وقد ضلوا من قبل) الآية.
وأصل الضلال الغيبوبة والهلاك ومنه ضل اللبن في الماء أي غاب وقال القرطبي هو في لسان العرب الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن المغضوب عليهم هم اليهود [[يراجع تفسير القرطبي فقد أورد معاني كثيرة حول هذه الآية. 1/ 150.]]، وإن الضالين النصارى " ورواه أبو الشيخ عن عبد الله شقيق مرفوعاً، وابن مردويه عن أبي ذر مثله، وبه قال ربيع ابن أنس ومجاهد وابن جبير، وإنما سموا بها الاختصاص كل منهما بما غلب عليه، وقيل أراد المغضوب عليهم بالبدعة، والضالين عن السنة قاله القرطبي، وقيل اللفظ يعم الكفار والعصاة والمبتدعة لقول الله تعالى: في القاتل عمداً (وغضب الله عليه) وقال: (فماذا بعد الحق إلاّ الضلال) وقال: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا) وقيل غير ذلك.
وأنت خبير بأن جعل الموصول عبارة عما ذكر من طائفة غير معينة مخل ببدلية ما أضيف إليه مما قبله، فالمصير إلى التفسير النبوي متعين وهو الذي أطبق عليه أئمة التفسير من السلف، قال ابن أبي حاتم لا أعلم خلافاً بين المفسرين في هذا التفسير، ويشهد له آيات من القرآن كما تقدم.
قال القرطبي: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هي مناط الدين أحدها علم الأصول وإليه الإشارة بقوله (الحمد لله إلى الرحيم) ومعرفة النبوات وهي قوله (أنعمت عليهم) ومعرفة المعاد هي قوله (مالك يوم الدين) وثانيها علم الفروع وأعظمه العبادات وهي (إياك نعبد) والعبادة مالية وبدنية وثالثها علم الأخلاق وهو قوله (إياك نستعين إلى المستقيم) ورابعها علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة السعداء منهم والأشقياء وهو المراد بقوله (أنعمت عليهم) إلى آخر السورة انتهى ملخصاً.
وللإمامين الغزالي والرازي في تقرير اشتمالها على علوم القرآن بسط كثير حتى استخرج الرازي منها عشرة آلاف مسألة، وأول السورة مشتمل على الحمدَلَة وآخرها على الذم للمعرضين عن الإيمان، وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله، ورأس الآفات وأُس المخالفات هو الإعراض عنه والبعد عن طاعته، وعاقبة ذلك الغضب والضلال.
واعلم أن السنة الصحيحة الصريحة الثابتة تواتراً قد دلت على مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة، فمن ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال آمين مد بها صوته.
ولأبي داود رفع بها صوته، وقد حسنه الترمذي، وأخرجه أيضاً النسائي وابن أبي شيبة وابن ماجة والحاكم وصححه، وفي لفظ من حديثه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال " رب اغفر لي آمين " أخرجه الطبراني [[جزء من حديث صحيح الجامع/3480. " رب اغفر لي ".]].
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا قرأ يعني الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يحبكم الله " وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " إذا أمَّن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " [[مسلم/410 - البخاري/474.]] زاد الجرجاني في أماليه " وما تأخر " قيل هم الحفظة، وقيل غيرهم من الملائكة، ويعني الذنوب الصغائر دون الكبائر.
وفي الباب أحاديث بين صحيح منها وضعيف.
وآمين اسم فعل بمعنى اللهم اسمع واستجب لنا وتقبل، عند أكثر أهل العلم قاله القرطبي وفي الصحاح معناه كذلك فليكن، وبه قال ابن عباس، وعنه قال: قلت يا رسول الله ما معنى آمين [[صحيح الجامع الصغير/388.]] قال: " رب افعل " أخرجه جويبر في تفسيره، وعن هلال بن يساف ومجاهد قالا آمين اسم من أسماء الله، وقال الترمذي معناه لا تخيب رجانا، وقيل هو خاتم الله على عباده يدفع به عنهم الآثام، رواه الطبراني عن علي بسند ضعيف وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كالختم على الكتاب، رواه أبو داود، والأول أولى.
قيل وليس من القرآن إجماعاً بدليل أنه لم يثبت في المصاحف، وفيه لغتان المد وهو اسم عجمي لأنه بزنة قابيل وهابيل، والقصر على وزن يمين، قال مجنون ليلى:
يارب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبداً قال آمينا
أي بالمد وقال جبير لما سأل فطحلاً:
تباعد عني فطحل إذ سألته ... آمين فزاد الله ما بيننا بعدا
فذكره مقصوراً قال الجوهري وتشديد الميم خطأ، ولكنه روى عن الحسن وجعفر الصادق التشديد وبه قال الحسن بن الفضل من أم إذا قصد أي نحن قاصدون خيرك يا الله.
وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف لاجتماع الساكنين ويقال منه أمن فلان تأميناً وهذه الكلمة لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون، كذا ذكر الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك مرفوعاً، وقيل بل هي خاصة بهذه الأمة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين [[صحيح الجامع 5489.]] " أخرجه ابن ماجة، وفي الباب أحاديث.
وقد اختلف أهل العلم في الجهر بها وفي أن الإمام يقولها أم لا. وذلك مبين في مواطنه، وكذلك اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة فذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد إلى وجوبها وإنها متعينة في الصلاة لا تجزيء إلا بها لقوله - صلى الله عليه وسلم - " لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب [[صحيح الجامع/7388.]] " أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت، وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تتعين على المصلي بل الواجب عليه قراءة آية من القرآن طويلة أو ثلاث آيات قصار لقوله تعالى (فاقرؤا ما تيسر منه) والأول أرجح ويدل عليه حديث أبي هريرة قال. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تجزيء صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " [[الدارقطني1/ 321 (صحيح المعنى).]] أخرجه الدارقطني، وقال إسناده صحيح، والكلام في هذا يطول، وقد بينه الشوكاني في نيل الأوطار، وأوضحناه في مسك الختام، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر الأعراف شيء مما يتعلق بهذا المقام.
هذا وقد اتفق أهل العلم على أن أعظم المقصود من تنزيل الكتاب العزيز هو إخلاص التوحيد لله عز وجل، وقطع علائق الشرك كائنة ما كانت وذلك لا يحتاج إلى أن تنقل فيه أقوال الرجال، أو يستدل عليه بالأدلة، فإنه الأمر الذي بعث الله لأجله رسله، وأنزل فيه كتبه، وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، ومن شك في هذا فعليه بالتفكر بالقرآن الكريم فإنه سيجده من أعظم مقاصده وأكبر موارده، فإن عجز عن ذلك فلينظر في سورة من سوره.
فإن قلت: أريد منك مثالاً أقتدي به وأمشي على طريقته وأهتدي إلى التفكر الذي أرشدتني إليه بتقديم النظر فيه فنقول: ها نحن نقرب لك المسافة ونسهل عليك ما استصعبته هذه فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها كل مصلٍ في كل صلاة ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلم له فإن فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعاً.
الأول: قوله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم) فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخراً ليفيد اختصاص البداية باسم الله تعالى لا باسم غيره، وفي هذا المعنى ما لا يخفى من إخلاص التوحيد.
الثاني: والثالث: الإسم الشريف أعني لفظ الله عز وجل، فإن مفهومه كما حققه علماء هذا الشأن الواجب الوجود المختص بجميع المحامد، فكان في هذا المفهوم إشارة إلى إخلاص التوحيد أحدهما تفرده بواجب الوجود، وثانيهما اختصاصه بجميع المحامد، فاستفيد من الاسم الشريف الذي أضيف إليه لفظ اسم هذان الأمران.
الرابع: تحلية الرحمن باللام فإنها من أدوات الاختصاص سواء كانت موصولة كما هو شأن آلة التعريف إذا دخلت على المشتقات أو لمجرد التعريف كما يكون إذا دخلت على غيرها من الأسماء والصفات، وقد أوضح هذا المعنى أهل البيان بما لا مزيد عليه.
الخامس: اللام الداخلة على قوله الرحيم والكلام فيها كالكلام في الرحمن.
السادس: اللام الداخلة على قوله (الحمد لله) فإنها تفيد أن كل حمد له لا يشاركه فيه غيره، وفي هذا أعظم دلالة على إخلاص توحيده.
السابع: لام الاختصاص الداخلة على الإسم الشريف، وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الإختياري لقصد التعظيم فلا ثناء إلا عليه، ولا جميل إلا منه، ولا تعظيم إلا له، وفي هذا من أدلة إخلاص التوحيد ما لا يقادر قدره.
الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر قوله (رب العالمين) فإن لفظ الرب باعتبار معناه اللغوي مشعر أتم إشعار باخلاص توحيده هذا باعتبار معناه الإفرادي دون الإضافي، ثم في معناه الإضافي دلالة أخرى: فإن كونه رب العالمين يدل على ذلك أبلغ دلالة: ثم في لفظ العالمين معنى ثالث لما تقرر لغة وشرعاً أن العالم هو اسم لما عدا الله عز وجل؛ فيدخل في هذا كل شيء غير الله سبحانه فلا رب غيره؛ وكل ما عداه فهو مربوب؛ وصيغ الحصر إذا تتبعتها من كتب المعاني والبيان والتفسير والأصول بلغت ثلاث عشرة صيغة فصاعداً، ومن شك في هذا فليتبع كشاف الزمخشري فإنه سيجد فيه ما ليس له ذكر في كتب المعاني والبيان كالقلب فإنه جعله من مقتضيات الحصر، ولعله ذكر ذلك عند تفسيره للطاغوت وغير ذلك مما لا يقتضي المقام بسطه، ومع الإحاطة بصيغ الحصر المذكورة تكثر الأدلة الدالة على إخلاص التوحيد وإبطال الشرك بجميع أقسامه، ولو أراد رجل أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة لكان مجلداً ضخماً.
ثم في تعريفه باللام معنى رابع كمثل ما قدمنا فإنها تفيد زيادة الإختصاص وتقرر ذلك المفهوم في هذا الموضع، ثم في صيغة الجمع معنى خامس بزيادة تأكيد وتقرير، فإن العالم إن كان اسماً لما عدا الله لم يكن جمعه إلا لمثل هذا المعنى، وعلى فرض انهدامه باللام فهو لا يقتضي ذهاب هذا المعنى المستفاد من أصل الجمع.
الثالث عشر والرابع عشر قوله (الرحمن الرحيم) وتقرير الكلام فيهما كما سلف.
الخامس عشر والسادس عشر: قوله (مالك يوم الدين) فإن لفظ مالك معناه الإفرادي من غير نظر إلى معناه الإضافي يفيد استحقاقه بإخلاص توحيده، ثم في معناه الإضافي إلى يوم الدين معنى ثان، فإن من كان له الملك في مثل هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء لكل العباد وفيه لمجتمع العالم أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، جنهم وإنسهم، وملائكتهم، فيه إشارة إلى استحقاقه إخلاص توحيده.
السابع عشر: ما يستفاد من نفس لفظ الدين من غير نظر إلى كونه مضافاً إليه.
الثامن عشر: ما يستفاد من تعريفه، فإن في ذلك زيادة إحاطة وشمول فإن ذلك الملك إذا كان في يوم هو يوم الدين الذي يشتمل على كل دين كان من له هذا الملك حقيقاً بأن يخلص العباد توحيده ويفردونه بالعبادة كما تفرد بملك يوم له هذا الشأن.
فإن قلت إن هذين المعنيين في لفظ (الدين) باعتبار أصله وباعتبار تعريفه قد أخذا في المعنى الإضافي حسبما ذكرته سابقاً. قلت لا تزاحم بين المقتضيات ولا يستنكر النظر إلى الشيء باعتبار معناه الإفرادي تارة وباعتبار معناه الإضافي أخرى، وليس ذلك بممنوع ولا محجور عند من يعرف العلم الذي تستفاد منه دقائق العربية وأسرارها وهم أهل علم المعاني والبيان.
التاسع عشر: والموفى والحادي والعشرون قوله (إياك نعبد) فإن تقديم الضمير معمولاً للفعل الذي بعده يفيد اختصاص العبادة به، ومن اختص بالعبادة فهو الحقيق بإخلاص توحيده، ثم مادة هذا الفعل أعني لفظ نعبد تفيد معنى آخر، ثم المجيء بنون الجماعة الموجبة لكون هذا الكلام صادراً عن كل من تقوم به العبادة من العابدين كذلك، فكانت الدلالات في هذه الجملة ثلاثاً (الأولى) في (إياك) مع النظر إلى الفعل الواقع بعده (الثانية) ما تفيده مادة نعبد مع ملاحظة كونها واقعة لمن ذلك الضمير عبارة عنه وإشارة إليه (الثالثة) ما تفيده النون مع ملاحظة الأمرين المذكورين ولا تزاحم بين المقتضيات.
الثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون: قوله (وإياك نستعين) فإن تقديم الضمير معمولاً لهذا الفعل له معنى، ثم مادة هذا الفعل لها معنى آخر فإن من كان لا يستعان بغيره لا ينبغي أن يكون له شريك، بل يجب إفراده بالعبادة وإخلاص توحيده إذ وجود من لا يستعان به كعدمه. وتقرير الكلام في الثلاث الدلالات كتقريره في إياك نعبد فلا نعيده. الخامس والعشرون والسادس والعشرون والسابع والعشرون: قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) فإن طلب الهداية منه وحده باعتبار كون هذا الفعل واقعاً بعد الفعلين اللذين تقدم معمولهما فكان له حكمهما وإن كان قد تغير أسلوب الكلام في الجملة، حيث لم يقل نستهدي أو نطلب الهداية حتى يصح أن يكون ذلك الضمير المتقدم المنصوب معمولاً له تقديراً، لكن مع بقاء المخاطبة وعدم الخروج عما يقتضيه لم يقطع النظر عن ذلك الضمير الواقع على تلك الصورة لتوسطه بين هذا الفعل؛ أعني اهدنا وبين من أسند اليه، ثم في ضمير الجماعة معنى يشير إلى استحقاقه سبحانه إخلاص التوحيد على الوجه الذي قدمناه في الفعلين السابقين. ثم في كون هذه الهداية هي هداية الصراط المستقيم التي هي الهداية بالحقيقة، ولا اعتبار بهداية إلى صراط لا استقامة فيه معنى ثالث يشير إلى ذلك المدلول.
الثامن والعشرون: قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) فإن من يهدى إلى هذا الصراط الذي هو صراط من أنعم الله عليهم يستحق أن لا يشتغل بغيره ولا ينظر إلى سواه، لأن الإيصال إلى طرائق النعم هو المقصود من المشي والمراد بحركات السائرين، وذلك كناية عن الوصول إلى النعم نفسها إذ لا اعتبار بالوصول إلى طرائقها من دون وصول إليها، فكان وقوع الهداية على الصراط المستقيم نعمة بمجردها، لأن الاستقامة إذا تصورت عند تصور الاعوجاج كان فيها راحة بهذا الاعتبار، فكيف إذا كان ذلك كناية عن طريق الحق، فكيف إذا كان حقاً موصلاً إلى الفوز بنعم الله سبحانه.
التاسع والعشرون: قوله (غير المغضوب عليهم) ووجه ذلك أن الوصول إلى النعم قد يكون منغصاً مكدراً بشيء من غضب المنعم سبحانه، فإذا صفا ذلك عن هذا الكدر وانضم إلى الظفر بالنعم الظفر بما هو أحسن منها موقعاً عند العارفين، وأعظم قدراً في صدور المتقين، وهو رضا رب العالمين، كان في ذلك من البهجة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ولا الوقوف على حقيقته ولا تصور معناه. وإذا كان المولى لهذه النعمة والمتفضل بها هو الله تعالى ولا يقدر على ذلك غيره ولا يتمكن منه سواه، فهو المستحق لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة.
الموفى ثلاثين: قوله (ولا الضآلين) ووجهه أن الوصول إلى النعم مع الرضا قد يكون مشوباً بشيء من الغواية، مكدراً بنوع من أنواع المخالفة وعدم الهداية، وهذا باعتبار أصل الوصول إلى نعمة من النعم مع رضا المنعم بها فإنه لا يستلزم سلب كون المنعم عليه على ضلالة لا باعتبار هذه النعمة الخاصة من هذا المنعم عز وجل.
ولما كان الأمر في الأصل هكذا كان في وصول النعم إلى المنعم عليه من المنعم بها مع كونه راضياً عليه غير غاضب عنه، إذا كان ذلك الوصول مصحوباً بكون صاحبه على ضلالة في نفسه قصور عن وصولها إلى من كان جامعاً بين كونه واصلاً إلى المنعم فائزاً برضا المنعم عليه خالصاً من كدر كونه في نفسه على ضلالة، وتقرير الدلالة من هذا الوجه على إخلاص التوحيد كتقريرها في الوجه الذي قبله.
فهذه ثلاثون دليلاً مستفادة من سورة الفاتحة باعتبار ما يستفاد من تراكيبها العربية مع ملاحظة ما يفيده ما اشتملت عليه من تلك الدقائق والأسرار التي هي راجعة إلى العلوم الآلية، وداخلة فيما تقتضيه تلك الألفاظ بحسب المادة والهيئة والصورة مع قطع النظر عن التفسير بمعنى خاص قاله بعض السلف، أو وقف عنده من بعدهم من الخلف.
فإن قلت [[المقصود القارىء.]] هذه الأدلة التي استخرجتها من هذه السورة المباركة وبلغت بها إلى هذا العدد وجعلتها ثلاثين دليلاً على مدلول واحد، لم نجد لك فيها سلفاً ولا سبقك بها غيرك.
قلت: هذي شكاة ظاهر عنك عارها، واعتراض غير واقع موقعه، ولا مصادف محزه، فإن القرآن عربي، وهذا الاستخراج لما ذكرناه من الأدلة هو على مقتضى اللغة العربية، وبحسب ما تقتضيه علومها التي دونها الثقات، ورواها العدول الإثبات، وليس هذا من التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه، والزجر لفاعله، بل من الفهم الذي يعطاه الرجل في كتاب الله كما أشار إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كلامه المشهور، وما كان من هذا القبيل فلا يحتاج فيه إلى سلف، وكفى بلغة العرب وعلومها المدونة بين ظهراني الناس وعلى ظهر البسيطة سلفاً.
وبالجملة فهذه ثلاثون موضعاً في فاتحة الكتاب يفيد كل واحد منها إخلاص التوحيد مع أن فاتحة الكتاب ليست الا سبع آيات، فما ظنك بما في سائر الكتاب العزيز، فذكرنا لهذه المواضع في فاتحة الكتاب كالبرهان على ما ذكرناه من أن في الكتاب العزيز من ذلك ما يطول تعداده وتتعسر الإحاطة به.
qasimi — محاسن التأويل
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ ] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾
أيْ: بِطاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]
(p-٢٤)"غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ" قالَ الأصْفَهانِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الجُمْلَةَ لِأنَّ الكُفّارَ قَدْ شارَكُوا المُؤْمِنِينَ في إنْعامِ كَثِيرٍ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ بِالوَصْفِ أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ لَيْسَ هو النِّعَمُ العامَّةُ، بَلْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ خاصَّةٌ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ: كُلُّ مَن حادَ عَنْ جادَّةِ الإسْلامِ مِن أيِّ فِرْقَةٍ ونِحْلَةٍ، وتَعْيِينُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ فِرْقَةً مِنهم مِن بابِ تَمْثِيلِ العامِّ بِأوْضَحِ أفْرادِهِ وأشْهَرِها، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ: لا أعْلَمُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ اخْتِلافًا في أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ اليَهُودُ، والضّالِّينَ النَّصارى.
(فَوائِدُ): الأُولى: يُسْتَحَبُّ لِمَن يَقْرَأُ الفاتِحَةَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "آمِينَ"؛ ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، أوْ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ، أوْ كَذَلِكَ فافْعَلْ: ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في المَصاحِفِ، والدَّلِيلُ عَلى اسْتِحْبابِ التَّأْمِينِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ فَقالَ: «آمِينَ»» مَدَّ بِها صَوْتَهُ. ولِأبِي داوُدَ: رَفَعَ بِها صَوْتَهُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وفي البابِ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِمْ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ. قالَ: «آمِينَ» حَتّى يَسْمَعَ مَن يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ». رَواهُ أبُو داوُدَ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا أمَّنَ (p-٢٥)الإمامُ فَأمِّنُوا، فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»» .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي مُوسى مَرْفُوعًا: ««إذا قالَ - يَعْنِي الإمامَ - ولا الضّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ»» .
الثّانِيَةُ: في ذِكْرِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ العُلُومِ.
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ - وهي سَبْعُ آياتٍ – عَلى حَمْدِ اللَّهِ تَعالى وتَمْجِيدِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ: بِذِكْرِ أسْمائِهِ الحُسْنى المُسْتَلْزِمَةِ لِصِفاتِهِ العُلْيا، وعَلى ذِكْرِ المَعادِ وهو يَوْمُ الدِّينِ، وعَلى إرْشادِ عَبِيدِهِ إلى سُؤالِهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ والتَّبَرُّؤِ مِن حَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، وإلى إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، وتَوْحِيدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، تَبارَكَ وتَعالى، وتَنْزِيهِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ نَظِيرٌ أوْ مُماثِلٌ، وإلى سُؤالِهِمْ إيّاهُ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ -وهُوَ الدِّينُ القَوِيمُ- وتَثْبِيتُهم عَلَيْهِ حَتّى يُفْضِيَ بِهِمْ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ في جِوارِ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ.
واشْتَمَلَتْ عَلى التَّرْغِيبِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّحْذِيرِ مِن مَسالِكِ الباطِلِ لِئَلّا يُحْشَرُوا مَعَ سالِكِيها يَوْمَ القِيامَةِ، وهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالُّونَ.
قالَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ في تَفْسِيرِهِ:
الفاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُجْمَلِ ما في القُرْآنِ. وكُلُّ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيها، ولَسْتُ أعْنِي بِهَذا ما يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالإشارَةِ ودَلالَةِ الحُرُوفِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ أسْرارَ (p-٢٦)القُرْآنِ في الفاتِحَةِ، وأسْرارَ الفاتِحَةِ في البَسْمَلَةِ، وأسْرارَ البَسْمَلَةِ في الباءِ، وأسْرارَ الباءِ في نُقْطَتِها ! فَإنَّ هَذا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ، ولا هو مَعْقُولٌ في نَفْسِهِ، وإنَّما هو مِن مُخْتَرَعاتِ الغُلاةِ الَّذِينَ ذَهَبَ بِهِمُ الغُلُوُّ إلى إعْدامِ القُرْآنِ خاصَّتَهُ، وهي البَيانُ - قالَ - وبَيانُ ما أُرِيدُ: أنَّ ما نَزَلَ القُرْآنُ لِأجْلِهِ أُمُورٌ:
أحَدُها التَّوْحِيدُ: لِأنَّ النّاسَ كانُوا كُلُّهم وثَنِيِّينَ - وإنْ كانَ بَعْضُهم يَدَّعِي التَّوْحِيدَ - .
ثانِيها: وعْدُ مَن أخَذَ بِهِ، وتَبْشِيرُهُ بِحُسْنِ المَثُوبَةِ، ووَعِيدُ مَن لَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وإنْذارُهُ بِسُوءِ العُقُوبَةِ، والوَعْدُ يَشْمَلُ ما لِلْأُمَّةِ وما لِلْأفْرادِ، فَيَعُمُّ نِعَمَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وسَعادَتَهُما. والوَعِيدُ - كَذَلِكَ - يَشْمَلُ نِقَمَهُما وشَقاءَهُما، فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ: بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ، والعِزَّةِ، والسُّلْطانِ، والسِّيادَةِ. وأوْعَدَ المُخالِفِينَ: بِالخِزْيِ والشَّقاءِ في الدُّنْيا. كَما وعَدَ في الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ والنَّعِيمِ وأوْعَدَ بِنارِ الجَحِيمِ.
ثالِثُها: العِبادَةُ الَّتِي تُحْيِي التَّوْحِيدَ في القُلُوبِ وتُثَبِّتُهُ في النُّفُوسِ.
رابِعُها: بَيانُ سَبِيلِ السَّعادَةِ وكَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِيهِ، المُوَصِّلِ إلى نِعَمِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
خامِسُها: قَصَصُ مَن وقَفَ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، وأخَذَ بِأحْكامِ دِينِهِ، وأخْبارُ الَّذِينَ تَعَدَّوْا حُدُودَهُ ونَبَذُوا أحْكامَ دِينِهِ ظِهْرِيًّا لِأجْلِ الِاعْتِبارِ، واخْتِيارِ طَرِيقِ المُحْسِنِينَ.
هَذِهِ هي الأُمُورُ الَّتِي احْتَوى عَلَيْها القُرْآنُ، وفِيها حَياةُ النّاسِ وسَعادَتُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ، والفاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها إجْمالًا بِغَيْرِ ما شَكٍّ ولا رَيْبٍ.
فَأمّا التَّوْحِيدُ فَفي قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لِأنَّهُ ناطِقٌ بِأنَّ كُلَّ حَمْدٍ وثَناءٍ يَصْدُرُ عَنْ نِعْمَةٍ ما فَهو لَهُ تَعالى، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا إذا كانَ سُبْحانَهُ مَصْدَرَ كُلِّ نِعْمَةٍ في الكَوْنِ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ، ومِنها نِعْمَةُ الخَلْقِ والإيجادِ والتَّرْبِيَةِ والتَّنْمِيَةِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِلْزامِ العِبارَةِ لِهَذا المَعْنى فَصَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: "رَبِّ العالَمِينَ" . ولَفْظُ "رَبِّ" لَيْسَ مَعْناهُ المالِكَ والسَّيِّدَ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ مَعْنى التَّرْبِيَةِ والإنْماءِ. وهو صَرِيحٌ بِأنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ يَراها الإنْسانُ في (p-٢٧)نَفْسِهِ وفي الآفاقِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. فَلَيْسَ في الكَوْنِ مُتَصَرِّفٌ بِالإيجادِ والإشْقاءِ، والإسْعادِ سِواهُ. ثُمَّ إنَّ التَّوْحِيدَ أهَمُّ ما جاءَ لِأجْلِهِ الدِّينُ. ولِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ في الفاتِحَةِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ إلَيْهِ، بَلِ اسْتَكْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ" فاجْتَثَّ بِذَلِكَ جُذُورَ الشِّرْكِ والوَثَنِيَّةِ الَّتِي كانَتْ فاشِيَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ، وهي اتِّخاذُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعْتَقِدُ لَهُمُ السُّلْطَةُ الغَيْبِيَّةُ، يُدْعَوْنَ لِذَلِكَ مَن دُونِ اللَّهِ، ويُسْتَعانُ بِهِمْ عَلى قَضاءِ الحَوائِجِ في الدُّنْيا، ويَتَقَرَّبُ بِهِمْ إلى اللَّهِ زُلْفى، وجَمِيعُ ما في القُرْآنِ مِن آياتِ التَّوْحِيدِ ومُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ هو تَفْصِيلٌ لِهَذا الإجْمالِ.
"وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ: فالأوَّلُ مِنهُما مَطْوِيٌّ في "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ في أوَّلِ الكِتابِ، وهي الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. وعْدٌ بِالإحْسانِ – لا سِيَّما وقَدْ كَرَّرَها مَرَّةً ثانِيَةً- تَنْبِيهًا لَنا عَلى أنَّ أمْرَهُ إيّانا بِتَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ رَحْمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِنا، لِأنَّهُ لِمَصْلَحَتِنا ومَنفَعَتِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ مَعًا، لِأنَّ مَعْنى الدِّينِ الخُضُوعُ، أيْ: إنَّ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ السُّلْطانَ المُطْلَقَ، والسِّيادَةَ الَّتِي لا نِزاعَ فِيها، لا حَقِيقَةَ ولا ادِّعاءَ؛ وإنَّ العالَمَ كُلَّهُ يَكُونُ فِيهِ خاضِعًا لِعَظَمَتِهِ -ظاهِرًا وباطِنًا - يَرْجُو رَحْمَتَهُ، ويَخْشى عَذابَهُ، وهَذا يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، أوْ مَعْنى الدِّينِ الجَزاءُ وهو: إمّا ثَوابٌ لِلْمُحْسِنِ، وإمّا عِقابٌ لِلْمُسِيءِ، وذَلِكَ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وزِدْ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ "الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ" وهو الَّذِي مَن سَلَكَهُ فازَ، ومَن تَنَكَّبَهُ هَلَكَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.
وأمّا العِبادَةُ، فَبَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ في مَقامِ التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] أوْضَحَ مَعْناها بَعْضَ الإيضاحِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أيْ: إنَّهُ قَدْ وضَعَ لَنا صِراطًا سَيُبَيِّنُهُ ويُحَدِّدُهُ. ويَكُونُ مَناطُ السَّعادَةِ في الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، والشَّقاءِ في الِانْحِرافِ عَنْهُ، وهَذِهِ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ هي رُوحُ العِبادَةِ، ويُشْبِهُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: (p-٢٨)﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] فالتَّواصِي بِالحَقِّ والصَّبْرِ هو كَمالُ العِبادَةِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ. والفاتِحَةُ بِجُمْلَتِها تَنْفُخُ رُوحَ العِبادَةِ في المُتَدَبِّرِ لَها، ورُوحُ العِبادَةِ هي إشْرابُ القُلُوبِ خَشْيَةَ اللَّهِ، وهَيْبَتَهُ، والرَّجاءَ لِفَضْلِهِ، لا الأعْمالُ المَعْرُوفَةُ مِن فِعْلٍ وكَفٍّ وحَرَكاتِ اللِّسانِ والأعْضاءِ. فَقَدْ ذُكِرَتِ العِبادَةُ في الفاتِحَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الصَّلاةِ وأحْكامِها، والصِّيامِ وأيّامِهِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّوحُ في المُسْلِمِينَ قَبْلَ أنْ يُكَلَّفُوا بِهَذِهِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وقَبْلَ نُزُولِ أحْكامِها الَّتِي فُصِّلَتْ في القُرْآنِ تَفْصِيلًا ما؛ وإنَّما الحَرَكاتُ والأعْمالُ مِمّا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى حَقِيقَةِ العِبادَةِ، ومُخُّ العِبادَةِ الفِكْرُ والعِبْرَةُ؛ وأمّا الأخْبارُ والقِصَصُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ هُنالِكَ قَوْمًا تَقَدَّمُوا، وقَدْ شَرَعَ اللَّهُ شَرائِعَ لِهِدايَتِهِمْ، وصائِحٌ يَصِيحُ: ألا فانْظُرُوا في الشُّؤُونِ العامَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها واعْتَبِرُوا بِها، كَما قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ يَدْعُوهُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ القَصَصَ إنَّما هو لِلْعِظَةِ والِاعْتِبارِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَن دُونِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ ضَلَّ عَنْ صِراطِ اللَّهِ، وفَرِيقٌ جاحِدُهُ، وعانَدَ مَن يَدْعُو إلَيْهِ، فَكانَ مَحْفُوفًا بِالغَضَبِ الإلَهِيِّ، والخِزْيِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وباقِي القُرْآنِ يُفَصِّلُ لَنا في أخْبارِ الأُمَمِ هَذا الإجْمالَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُفِيدُ العِبْرَةَ، فَيَشْرَحُ حالَ الظّالِمِينَ الَّذِينَ قاوَمُوا الحَقَّ، وحالَ الَّذِينَ حافَظُوا عَلَيْهِ وصَبَرُوا عَلى ما أصابَهم في سَبِيلِهِ.
فَتَبَيَّنَ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ: أنَّ الفاتِحَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ إجْمالًا عَلى الأُصُولِ الَّتِي يُفَصِّلُها (p-٢٩)القُرْآنُ تَفْصِيلًا. فَكانَ إنْزالُها أوَّلًا مُوافِقًا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الإبْداعِ، وعَلى هَذا تَكُونُ الفاتِحَةُ جَدِيرَةً بِأنْ تُسَمّى "أُمَّ الكِتابِ" .
الثّالِثَةُ: مِمّا صَحَّ في فَضْلِها مِنَ الأخْبارِ: ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:
«كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ فَدَعانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقالَ: «ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]» ؟ - ثُمَّ قالَ لِي: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ السُّوَرِ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ؟» ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي، فَلَمّا أرادَ أنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَقُلْ «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ سُورَةٍ في القُرْآنِ» . قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أنَّ القِصَّةَ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وفي آخِرِهِ:
««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها، إنَّها السَّبْعُ المَثانِي»» .
واسْتُدِلَّ بِهَذا الحَدِيثِ وأمْثالِهِ عَلى تَفاضُلِ بَعْضِ الآياتِ والسُّوَرِ عَلى بَعْضٍ، كَما هو المَحْكِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ مِنهم: إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وابْنُ الحَضّارِ مِنَ المالِكِيَّةِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ واضِحٌ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنّا في مَسِيرٍ لَنا فَنَزَلْنا، فَجاءَتْ جارِيَةٌ فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، وإنَّ نَفَرَنا غَيَبٌ، (p-٣٠)فَهَلْ مِنكم واقٍ ؟ فَقامَ مَعَها رَجُلٌ ما كُنّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ. فَرَقاهُ، فَبَرَأ، فَأمَرَ لَهُ بِثَلاثِينَ شاةً، وسَقانا لَبَنًا؛ فَلَمّا رَجَعَ قُلْنا لَهُ: أكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً، أوْ كُنْتَ تَرْقِي ؟ قالَ: لا، ما رَقَيْتُ إلّا بِأُمِّ الكِتابِ. قُلْنا: لا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتّى نَأْتِيَ، أوْ نَسْألَ، النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ، ذَكَرْناهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «وما كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقْيَةٌ ؟ اقْمِسُوا واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»» . وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، وفي بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ: أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ هو الَّذِي رَقى ذَلِكَ السَّلِيمَ - يَعْنِي اللَّدِيغَ، يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ تَفاؤُلًا - .
ورَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:
«بَيْنَما جِبْرِيلُ قاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: «هَذا بابٌ مِنَ السَّماءِ فُتِحَ اليَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلّا اليَوْمَ. فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ. فَقالَ: هَذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلّا اليَوْمَ. فَسَلَّمَ وقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما، لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ؛ فاتِحَةُ الكِتابِ وخَواتِيمُ البَقَرَةِ، لَمْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنهُما إلّا أُعْطِيتَهُ»» .
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ - ثَلاثًا - غَيْرُ تَمامٍ» فَقِيلَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: إنّا نَكُونُ وراءَ الإمامِ. فَقالَ: اقْرَأْ بِها في نَفْسِكَ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«قالَ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وقالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي - فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ»» .
ويَكْفِي مِن شَرْحِ الفاتِحَةِ هَذا المِقْدارُ الجَلِيلُ، واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
qortobi
صراط الذين أنعمت عليهم
صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء ; كقولك : جاءني زيد أبوك . ومعناه : أدم هدايتنا ، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به . وقيل : هو صراط آخر ، ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه ; قاله جعفر بن محمد . ولغة القرآن الذين في الرفع والنصب والجر ، وهذيل تقول :
( اللذون )
في الرفع ، ومن العرب من يقول :
( اللذو )
، ومنهم من يقول
( الذي )
وسيأتي .
وفي
( عليهم )
عشر لغات ; قرئ بعامتها :
" عليهم "
بضم الهاء وإسكان الميم .
" وعليهم "
بكسر الهاء وإسكان الميم . و
" عليهمي "
بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة . و
" عليهمو "
بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة . و
" عليهمو "
بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم و
" عليهم "
بضم الهاء والميم من غير زيادة واو . وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء . وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء :
" عليهمي "
بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم ; حكاها الحسن البصري عن العرب . و
" عليهم "
بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء . و
" عليهم "
بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو . و
" عليهم "
بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم . وكلها صواب ; قاله ابن الأنباري .
قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما
" صراط من أنعمت عليهم "
. واختلف الناس في المنعم عليهم ; فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وانتزعوا ذلك من قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم ، وهو المطلوب في آية الحمد ; وجميع ما قيل إلى هذا يرجع ، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان .
وفي هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ، لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه ، طاعة كانت أو معصية ; لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله ، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه ; وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم ; فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية ، ولا كرروا السؤال في كل صلاة ; وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه ، وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا : صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم ، وكذلك يدعون فيقولون : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا الآية .
غير المغضوب عليهم ولا الضالين
اختلف في المغضوب عليهم و الضالين من هم ؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود ، والضالين النصارى ; وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه ، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ، والترمذي في جامعه . وشهد لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود : وباءوا بغضب من الله . وقال : وغضب الله عليهم وقال في النصارى : قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل . وقيل : المغضوب عليهم المشركون . و الضالين المنافقون .
وقيل : المغضوب عليهم هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة ; و الضالين عن بركة قراءتها . حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره ; وليس بشيء . قال الماوردي : وهذا وجه مردود ، لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف ، لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم . وقيل : المغضوب عليهم باتباع البدع ; و الضالين عن سنن الهدى .
قلت : وهذا حسن ; وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن . و
( عليهم )
في موضع رفع ، لأن المعنى غضب عليهم . والغضب في اللغة الشدة . ورجل غضوب أي شديد الخلق . والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها . والغضبة : الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض ; سميت بذلك لشدتها . ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة ، فهو صفة ذات ، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته ; أو نفس العقوبة ، ومنه الحديث : إن الصدقة لتطفئ غضب الرب فهو صفة فعل .
ولا الضالين الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ; ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب . ومنه : أئذا ضللنا في الأرض أي غبنا بالموت وصرنا ترابا ; قال :
ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا
والضلضلة : حجر أملس يردده الماء في الوادي . وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه ، قال : أو غضبة في هضبة ما أمنعا
قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب
" غير المغضوب عليهم وغير الضالين "
وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين ; فالخفض على البدل من
( الذين )
أو من الهاء والميم في
( عليهم )
; أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف ، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام ; فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه ; أو لأن
( غير )
تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما ، كما تقول : الحي غير الميت ، والساكن غير المتحرك ، والقائم غير القاعد ، قولان : الأول للفارسي ، والثاني للزمخشري . والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين ، أو من الهاء والميم في عليهم ، كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم . أو على الاستثناء ، كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم . ويجوز النصب بأعني ; وحكي عن الخليل .
( لا )
في قوله ولا الضالين اختلف فيها ، فقيل هي زائدة ; قاله الطبري . ومنه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد . وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين ، حكاه مكي والمهدوي . وقال الكوفيون :
" لا "
بمعنى غير ، وهي قراءة عمر وأبي ; وقد تقدم .
الأصل في الضالين : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة . وقرأ أيوب السختياني : ولا الضألين بهمزة غير ممدودة ; كأنه فر من التقاء الساكنين وهي لغة . حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ :
" فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن "
فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة . قال أبو الفتح : وعلى هذه اللغة قول كثير :
إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت
نجز تفسير سورة الحمد ; ولله الحمد والمنة .
qortobi — الجامع لأحكام القرآن
قوله تعالى:
التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. صِرَاطٌ بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، كَقَوْلِكَ: جَاءَنِي زَيْدٌ أَبُوكَ. وَمَعْنَاهُ: [[أي قوله تعالى: اهْدِنَا وما بعده.]] أَدِمْ هِدَايَتَنَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُهْدَى إِلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ يُقْطَعُ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ صِرَاطٌ آخَرُ، وَمَعْنَاهُ العلم بالله عز وجل والفهم عنه، قال جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَلُغَةُ الْقُرْآنِ "الَّذِينَ" فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، وَهُذَيْلٌ تَقُولُ: اللَّذُونَ فِي الرَّفْعِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: اللَّذُو [[قال أبو حيان في البحر: واستعماله بحذف النون جائز. كذا في اللسان.]]، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الَّذِي [[أي إفرادا أو جمعا في الرفع والنصب والجر، كما يؤخذ من لسان العرب.]] وَسَيَأْتِي. وَفِي "عَلَيْهِمْ" عَشْرُ لُغَاتٍ، قُرِئَ بِعَامَّتِهَا: "عَلَيْهِمْ" بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ. "وَعَلَيْهِمْ" بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ. وَ "عَلَيْهِمِي" بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْمِيمِ وَإِلْحَاقِ يَاءٍ بَعْدَ الْكَسْرَةِ. وَ "عَلَيْهِمُو" بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ وَاوٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ. وَ "عَلَيْهُمُو" بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ كِلْتَيْهِمَا وَإِدْخَالِ وَاوٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَ "عَلَيْهُمُ" بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ وَاوٍ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ مَأْثُورَةٌ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ. وَأَوْجُهٌ أَرْبَعَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنِ العرب غير محكية عن القراء: "عَلَيْهُمِي" بِضَمِّ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَإِدْخَالِ يَاءٍ بَعْدَ الْمِيمِ، حَكَاهَا الْحَسَنُ [[في بعض نسخ الأصل: (الأخفش البصري) وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة.]] الْبَصْرِيُّ عَنِ الْعَرَبِ. وَ "عَلَيْهُمِ" بِضَمِّ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ يَاءٍ. وَ "عَلَيْهِمُ" بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ مِنْ غَيْرِ إِلْحَاقِ وَاوٍ. وَ "عَلَيْهِمِ" بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْمِيمِ وَلَا يَاءَ بَعْدَ الْمِيمِ. وَكُلُّهَا صَوَابٌ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الْمُوفِيَةُ الثَّلَاثِينَ قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ أَرَادَ صِرَاطَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَانْتَزَعُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [[راجع ج ٥ ص ٢٧١.]] " [النساء: ٦٩]. فَالْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي آيَةِ الْحَمْدِ، وَجَمِيعُ مَا قِيلَ إِلَى هَذَا يَرْجِعُ، فَلَا مَعْنَى لِتَعْدِيدِ الْأَقْوَالِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْإِمَامِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ إِرَادَةَ الْإِنْسَانِ كَافِيَةٌ فِي صُدُورِ أَفْعَالِهِ مِنْهُ، طَاعَةً كَانَتْ أَوْ مَعْصِيَةً، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَهُمْ خَالِقٌ لِأَفْعَالِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ فِي صُدُورِهَا عَنْهُ إِلَى رَبِّهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِذْ سَأَلُوهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيْهِمْ وَالِاخْتِيَارُ بِيَدِهِمْ دُونَ رَبِّهِمْ لَمَا سَأَلُوهُ الْهِدَايَةَ، وَلَا كَرَّرُوا السُّؤَالَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَكَذَلِكَ تَضَرُّعُهُمْ إِلَيْهِ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ مَا يُنَاقِضُ الْهِدَايَةَ حَيْثُ قَالُوا: "صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" [الفاتحة: الآية]. فَكَمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ سَأَلُوهُ أَلَّا يُضِلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ يَدْعُونَ فَيَقُولُونَ:" رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [[راجع ج ٤ ص ١٩.]] " [آل عمران: ٨] الْآيَةَ. الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) اخْتُلِفَ فِي "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَ "الضَّالِّينَ" مَنْ هُمْ فَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ النَّصَارَى، وَجَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَقِصَّةِ إِسْلَامِهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. وَشَهِدَ لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود: "وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ" [البقرة: ٦١ وآل عمران: ١١٢]. وقال:" [[راجع ج ١٦ ص ٢٦٥]] وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" [الفتح: ٦] وَقَالَ فِي النَّصَارَى:" قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [[راجع ج ٦ ص ٢٥٢]] " [المائدة: ٧٧]. وَقِيلَ: "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" الْمُشْرِكُونَ. وَ "الضَّالِّينَ" الْمُنَافِقُونَ. وَقِيلَ: "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" هُوَ مَنْ أَسْقَطَ فَرْضَ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَ "الضَّالِّينَ" عَنْ بَرَكَةِ قِرَاءَتِهَا. حَكَاهُ السُّلَمِيُّ فِي حَقَائِقِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا وَجْهٌ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ مَا تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ وَتَقَابَلَتْ فِيهِ الْآثَارُ وَانْتَشَرَ فِيهِ الْخِلَافُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ. وَقِيلَ: "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" بِاتِّبَاعِ الْبِدَعِ، وَ "الضَّالِّينَ" عَنْ سُنَنِ الْهُدَى. قُلْتُ: وَهَذَا حَسَنٌ، وَتَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى وَأَعْلَى وَأَحْسَنُ. وَ "عَلَيْهِمْ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى غَضِبَ عَلَيْهِمْ. وَالْغَضَبُ فِي اللُّغَةِ الشِّدَّةُ. وَرَجُلٌ غَضُوبٌ أَيْ شَدِيدُ الْخُلُقِ. وَالْغَضُوبُ: الْحَيَّةُ الْخَبِيثَةُ لِشِدَّتِهَا. وَالْغَضْبَةُ: الدَّرَقَةُ مِنْ جِلْدِ الْبَعِيرِ يُطْوَى بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّتِهَا. وَمَعْنَى الْغَضَبُ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِرَادَةُ الْعُقُوبَةِ، فَهُوَ صِفَةُ ذَاتٍ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، أَوْ نَفْسُ الْعُقُوبَةِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) فَهُوَ صِفَةُ فِعْلٍ. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ "وَلَا الضَّالِّينَ" الضَّلَالُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الذَّهَابُ عَنْ سَنَنِ الْقَصْدِ وَطَرِيقِ الْحَقِّ، وَمِنْهُ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ أي غاب. ومنه: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أَيْ غِبْنَا بِالْمَوْتِ وَصِرْنَا تُرَابًا، قَالَ:
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرَكَ الدِّيَارُ ... عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا
وَالضُّلَضِلَةُ: حَجَرٌ أَمْلَسُ يُرَدِّدُهُ الْمَاءُ فِي الْوَادِي. وَكَذَلِكَ الْغَضْبَةُ: صَخْرَةٌ فِي الْجَبَلِ مُخَالِفَةٌ لَوْنِهِ، قَالَ:
أَوْ غَضْبَةٌ فِي هَضْبَةٍ مَا أَمْنَعَا
الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ" وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِي الرَّاءِ النَّصْبُ وَالْخَفْضُ فِي الْحَرْفَيْنِ، فَالْخَفْضُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ "الَّذِينَ" أَوْ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي "عَلَيْهِمْ"، أَوْ صِفَةٌ لِلَّذِينَ وَالَّذِينَ مَعْرِفَةٌ وَلَا تُوصَفُ الْمَعَارِفُ بِالنَّكِرَاتِ وَلَا النَّكِرَاتُ بِالْمَعَارِفِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ لَيْسَ بِمَقْصُودِ قَصْدِهِمْ فَهُوَ عَامٌّ، فَالْكَلَامُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: إِنِّي لَأَمُرُّ بِمِثْلِكَ فَأُكْرِمُهُ، أَوْ لِأَنَّ "غَيْرِ" تَعَرَّفَتْ لِكَوْنِهَا بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَا وَسَطَ بَيْنَهُمَا، كَمَا تَقُولُ: الْحَيُّ غَيْرُ الْمَيِّتِ، وَالسَّاكِنُ غَيْرُ الْمُتَحَرِّكِ، وَالْقَائِمُ غَيْرُ الْقَاعِدِ، قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِلْفَارِسِيِّ، وَالثَّانِي لِلزَّمَخْشَرِيِّ. وَالنَّصْبُ فِي الرَّاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَلَى الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ، أَوْ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي عَلَيْهِمْ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لَا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ. أَوْ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: إِلَّا الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِأَعْنِي، وَحُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ. الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ "لَا" فِي قَوْلِهِ "وَلَا الضَّالِّينَ" اخْتُلِفَ فِيهَا، فَقِيلَ هِيَ زَائِدَةٌ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [[راجع ج ٧ ص ١٧٠]] " [الأعراف: ١٢]. وَقِيلَ: هِيَ تَأْكِيدٌ دَخَلَتْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الضَّالِّينَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ، حَكَاهُ مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: "لَا" بِمَعْنَى غَيْرِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عُمَرَ وَأُبَيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ الْأَصْلُ فِي "الضَّالِّينَ": الضَّالِلِينَ حُذِفَتْ حَرَكَةُ اللَّامِ الْأُولَى ثُمَّ أُدْغِمَتِ اللَّامُ فِي اللَّامِ فَاجْتَمَعَ سَاكِنَانِ مَدَّةُ الْأَلِفِ وَاللَّامُ الْمُدْغَمَةُ. وَقَرَأَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: "وَلَا الضَّأْلِينَ" بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، كَأَنَّهُ فَرَّ مِنَ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهِيَ لُغَةٌ. حَكَى أَبُو زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقْرَأُ:" فيومئذ لا يسئل [[راجع ج ١٧ ص ١٧٤]] عن ذنبه إنس ولا جأن" [الرحمن: ٣٩] فَظَنَنْتُهُ قَدْ لَحَنَ حَتَّى سَمِعْتُ مِنَ الْعَرَبِ: دَأَبَّةٌ وَشَأَبَّةٌ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
إِذَا مَا الْعَوَالِي بِالْعَبِيطِ احْمَأَرَّتْ [[كذا ورد هذا الشطر في جميع نسخ الأصل وتفسير ابن عطية وأبي حيان والبيت كما في ديوانه واللسان مادة (جنن):
وأنت ابن ليلى خير قومك مشهدا ... إذا ما احمأرّت بالعبيط العوامل
وهو من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان. وعوالي الرماح: أسنتها واحدتها عالية. والعبيط: الدم الطري. واحمر الشيء واحمار بمعى.]]
نُجِزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَمْدِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة.
razi — مفاتيح الغيب
الفَصْلُ الثّامِنُ
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ
الفائِدَةُ الأُولى: في حَدِّ النِّعْمَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّها عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المَفْعُولَةِ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، قالُوا وإنَّما زِدْنا هَذا القَيْدَ لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لا يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ الشُّكْرُ بِالإحْسانِ وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأنَّ جِهَةَ اسْتِحْقاقِ الشُّكْرِ غَيْرُ جِهَةِ الذَّنْبِ والعِقابِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما ؟ ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ بِإنْعامِهِ الشُّكْرَ، والذَّمَّ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ.
ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الحَدِّ المَذْكُورِ فَنَقُولُ: أمّا قَوْلُنا: ”المَنفَعَةُ“ فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: ”المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ“ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا حَقًّا وقَصَدَ الفاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ لا يَكُونُ نِعْمَةً، وذَلِكَ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها.
إذا عَرَفْتَ حَدَّ النِّعْمَةِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلى الخَلْقِ مِنَ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ثُمَّ إنَّ النِّعْمَةَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: نِعْمَةٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِإيجادِها، نَحْوَ أنْ خَلَقَ ورَزَقَ.
وثانِيها: نِعْمَةٌ وصَلَتْ مِن جِهَةِ غَيْرِ اللَّهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، وفي الحَقِيقَةِ فَهي أيْضًا إنَّما وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، والخالِقُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ، والخالِقُ لِداعِيَةِ الإنْعامِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أجْرى تِلْكَ النِّعْمَةَ عَلى يَدِ ذَلِكَ العَبْدِ كانَ ذَلِكَ العَبْدُ مَشْكُورًا، ولَكِنَّ المَشْكُورَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى ولِهَذا قالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] فَبَدَأ بِنَفْسِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إنْعامَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِ اللَّهِ.
وثالِثُها: نِعَمٌ وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ إلَيْنا بِسَبَبِ طاعَتِنا، وهي أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وفَّقَنا لِلطّاعاتِ وأعانَنا عَلَيْها وهَدانا إلَيْها وأزاحَ الأعْذارَ عَنّا وإلّا لَما وصَلْنا إلى شَيْءٍ مِنها، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الفَرْعُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى العَبِيدِ هو أنْ خَلَقَهم أحْياءً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَقْلُ والنَّقْلُ، أمّا العَقْلُ فَهو أنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ نِعْمَةً إلّا إذا كانَ بِحَيْثُ يُمْكُنُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ولا يُمْكُنُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ (p-٢٠٩)الحَياةِ، فَإنَّ الجَمادَ والمَيِّتَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، فَثَبَتَ أنَّ أصْلَ جَمِيعِ النِّعَمِ هو الحَياةُ، وأمّا النَّقْلُ فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَبَدَأ بِذِكْرِ الحَياةِ وثَنّى بِذِكْرِ الأشْياءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ جَمِيعِ النِّعَمِ هو الحَياةُ.
الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى الكافِرِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ ونِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ. واحْتَجَّ الأصْحابُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ: أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ. إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ لَكانُوا داخِلِينَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ طَلَبًا لِصِراطِ الكُفّارِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلى الكُفّارِ، فَإنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ”الصِّراطَ“ يَدْفَعُ ذَلِكَ، قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَكانَ التَّقْدِيرُ اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ.
والآيَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ عَذابِ الآخِرَةِ عَلى الدَّوامِ قَلِيلَةٌ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، ومِثْلُ هَذا لا يَكُونُ نِعْمَةً، بِدَلِيلِ أنَّ مَن جَعَلَ السُّمَّ في الحَلْواءِ لَمْ يَعُدِ النَّفْعُ الحاصِلُ مِنهُ نِعْمَةٌ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ حَقِيرٌ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ الضَّرَرِ الكَثِيرِ، فَكَذا هَهُنا.
وأمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعَمًا كَثِيرَةً فَقَدِ احْتَجُّوا بِآياتٍ:
إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الكُلِّ طاعَةُ اللَّهِ لِمَكانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ وشَرْحِ النِّعَمِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَوْ لَمْ تَحْصُلِ النِّعَمُ لَمْ يَلْزَمِ الشُّكْرُ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى الشُّكْرِ مَحْذُورٌ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ لا يُمْكِنُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ النِّعْمَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ واللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَن هم فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٩] ولا شَكَّ أنَّ رَأْسَ الصِّدِّيقِينَ ورَئِيسَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أمَرَنا أنْ نَطْلُبَ الهِدايَةَ الَّتِي كانَ عَلَيْها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وسائِرُ الصِّدِّيقِينَ، ولَوْ كانَ أبُو بَكْرٍ ظالِمًا لَما جازَ الِاقْتِداءُ بِهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْناهُ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ وهَذِهِ النِّعْمَةُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها نِعْمَةَ الدُّنْيا أوْ نِعْمَةَ الدِّينِ، ولَمّا بَطَلَ الأوَّلُ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ نِعْمَةُ الدِّينِ، فَنَقُولُ: كُلُّ نِعْمَةٍ (p-٢١٠)دِينِيَّةٍ سِوى الإيمانِ فَهي مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ الإيمانِ، وأمّا النِّعْمَةُ الَّتِي هي الإيمانُ فَيُمْكِنُ حُصُولُها خالِيًا عَنْ سائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو نِعْمَةُ الإيمانِ، فَرَجَعَ حاصِلُ القَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهُ طَلَبٌ لِنِعْمَةِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَنَقُولُ: يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْكامٌ:
الحُكْمُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ نِعْمَةُ الإيمانِ، ولَفْظُ الآيَةِ صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ الإيمانِ والمُعْطِيَ لِلْإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ولِأنَّ الإيمانَ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُهُ هو العَبْدَ لَكانَ إنْعامُ العَبْدِ أشْرَفَ وأعْلى مِن إنْعامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ إنْعامَهُ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ.
الحُكْمُ الثّانِي: يَجِبُ أنْ لا يَبْقى المُؤْمِنُ مُخَلَّدًا في النّارِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذا الإنْعامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ العِقابِ المُؤَبَّدِ لَكانَ قَلِيلَ الفائِدَةِ فَما كانَ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ رِعايَةُ الصَّلاحِ والأصْلَحِ في الدِّينِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الإرْشادُ واجِبًا عَلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنْعامًا؛ لِأنَّ أداءَ الواجِبِ لا يَكُونُ إنْعامًا، وحَيْثُ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى إنْعامًا عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ.
الحُكْمُ الرّابِعُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإنْعامِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْدَرَ المُكَلَّفَ عَلَيْهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ وأزاحَ أعْذارَهُ وعِلَلَهُ عَنْهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلَمّا خَصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ المُكَلَّفِينَ بِهَذا الإنْعامِ مَعَ أنَّ هَذا الإقْدارَ وإزاحَةَ العِلَلِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْعامِ لَيْسَ هو الإقْدارَ عَلَيْهِ وإزاحَةَ المَوانِعِ عَنْهُ.
* * *
الفَصْلُ التّاسِعُ
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وفِيهِ فَوائِدُ
الفائِدَةُ الأُولى: المَشْهُورُ أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] والضّالِّينَ: هُمُ النَّصارى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وقِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُنْكِرِي الصّانِعِ والمُشْرِكِينَ أخْبَثُ دِينًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَكانَ الِاحْتِرازُ عَنْ دِينِهِمْ أوْلى، بَلِ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ عَلى كُلِّ مَن أخْطَأ في الأعْمالِ الظّاهِرَةِ وهُمُ الفُسّاقُ، ويُحْمَلُ الضّالُّونَ عَلى كُلِّ مَن أخْطَأ في الِاعْتِقادِ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والتَّقْيِيدُ خِلافُ الأصْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الكُفّارُ، والضّالُّونَ هُمُ المُنافِقُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ في خَمْسِ آياتٍ مِن أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ [البقرة: ٨] فَكَذا هَهُنا بَدَأ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ ضالِّينَ امْتَنَعَ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ.
(p-٢١١)الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ يُخالِفُ قَوْلَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا عَلى اعْتِقادِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ لَكانَ قَدْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] ولَوْ كانُوا ضالِّينَ لَما جازَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ، ولا الِاقْتِداءُ بِطَرِيقِهِمْ، ولَكانُوا خارِجِينَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا بِهَذِهِ الآيَةِ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: الغَضَبُ تَغَيُّرٌ يَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيانِ دَمِ القَلْبِ لِشَهْوَةِ الِانْتِقامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لَكِنْ هَهُنا قاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، وهي أنَّ جَمِيعَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ - أعْنِي الرَّحْمَةَ والفَرَحَ والسُّرُورَ والغَضَبَ والحَياءَ والغَيْرَةَ والمَكْرَ والخِداعَ والتَّكَبُّرَ والِاسْتِهْزاءَ - لَها أوائِلُ، ولَها غاياتٌ، ومِثالُهُ الغَضَبُ فَإنَّ أوَّلَهُ غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ، وغايَتَهُ إرادَةُ إيصالِ الضَّرَرِ إلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَلَفْظُ الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى لا يُحْمَلُ عَلى أوَّلِهِ الَّذِي هو غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ بَلْ عَلى غايَتِهِ الَّذِي هو إرادَةُ الإضْرارِ، وأيْضًا الحَياءُ لَهُ أوَّلٌ وهو انْكِسارٌ يَحْصُلُ في النَّفْسِ، ولَهُ غَرَضٌ وهو تَرْكُ الفِعْلِ، فَلَفْظُ الحَياءِ في حَقِّ اللَّهِ يُحْمَلُ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ لا عَلى انْكِسارِ النَّفْسِ، وهَذِهِ قاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ في هَذا البابِ.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْقَبائِحِ بِاخْتِيارِهِمْ وإلّا لَكانَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ذُكِرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ كَوْنِهِمْ ضالِّينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عِلَّةٌ لِكَوْنِهِمْ ضالِّينَ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ صِفَةُ اللَّهِ مُؤَثِّرَةً في صِفَةِ العَبْدِ، أمّا لَوْ قُلْنا إنَّ كَوْنَهم ضالِّينَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أنْ تَكُونَ صِفَةُ العَبْدِ مُؤَثِّرَةً في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أوَّلُ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَمْدِ لِلَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ والمَدْحِ لَهُ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الذَّمِّ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ والإقْرارِ بِطاعَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَطْلَعَ الخَيْراتِ وعُنْوانَ السَّعاداتِ هو الإقْبالُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَطْلَعَ الآفاتِ ورَأْسَ المَخافاتِ هو الإعْراضُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والبَعْدُ عَنْ طاعَتِهِ والِاجْتِنابُ عَنْ خِدْمَتِهِ.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ ثَلاثُ فِرَقٍ: أهْلُ الطّاعَةِ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وأهْلُ المَعْصِيَةِ وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وأهْلُ الجَهْلِ في دِينِ اللَّهِ والكُفْرِ وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ولا الضّالِّينَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ العُصاةِ عَلى ذِكْرِ الكَفَرَةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَحْتَرِزُ عَنِ الكُفْرِ، أمّا قَدْ لا يَحْتَرِزُ عَنِ الفِسْقِ فَكانَ أهَمَّ فَلِهَذا السَّبَبِ قُدِّمَ.
الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ غَضَبَ اللَّهِ إنَّما تَوَلَّدَ عَنْ عِلْمِهِ بِصُدُورِ القَبِيحِ والجِنايَةِ عَنْهُ، فَهَذا العِلْمُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ قَدِيمٌ، أوْ مُحْدَثٌ، فَإنْ كانَ هَذا العِلْمُ قَدِيمًا فَلِمَ خَلَقَهُ ولِمَ أخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ مِن دُخُولِهِ في الوُجُودِ إلّا العَذابَ الدّائِمَ، ولِأنَّ مَن كانَ غَضْبانَ عَلى الشَّيْءِ كَيْفَ يُعْقَلُ إقَدامُهُ عَلى إيجادِهِ وعَلى تَكْوِينِهِ ؟ وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ حادِثًا كانَ البارِي تَعالى مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَفْتَقِرَ إحْداثُ ذَلِكَ العِلْمِ إلى سَبْقِ عِلْمٍ آخَرَ، ويَتَسَلْسَلَ، وهو مُحالٌ، وجَوابُهُ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، وهو أنَّ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ وأنْ (p-٢١٢)يَكُونَ مِنَ الضّالِّينَ فَلَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فَما الفائِدَةُ في أنْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ”﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾“ ؟ والجَوابُ: الإيمانُ إنَّما يَكْمُلُ بِالرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا»، فَقَوْلُهُ ”﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾“ يُوجِبُ الرَّجاءَ الكامِلَ، وقَوْلُهُ ”﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾“ يُوجِبُ الخَوْفَ الكامِلَ، وحِينَئِذٍ يَقْوى الإيمانُ بِرُكْنَيْهِ وطَرَفَيْهِ ويَنْتَهِي إلى حَدِّ الكَمالِ.
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المَقْبُولِينَ طائِفَةً واحِدَةً وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، والمَرْدُودِينَ فَرِيقَيْنِ: المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، والضّالِّينَ ؟ والجَوابُ أنَّ الَّذِينَ كَمُلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، فَإنِ اخْتَلَّ قَيْدُ العَمَلِ فَهُمُ الفَسَقَةُ وهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وإنِ اخْتَلَّ قَيْدُ العِلْمِ فَهُمُ الضّالُّونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] وهَذا آخِرُ كَلامِنا في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّفْصِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
saadi — تيسير الكريم الرحمن
وهذا الصراط المستقيم هو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
﴿غَيْرِ﴾ صراط ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾ الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم. فهذه السورة على إيجازها، قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: ﴿اللَّهِ﴾ ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ ﴿الْحَمْدُ﴾ كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وأن الجزاء يكون بالعدل، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل. وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [والضلال] في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالحمد لله رب العالمين.
saadi
وهذا الصراط المستقيم هو:
{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
{ غَيْرِ }
صراط
{ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ }
الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط
{ الضَّالِّينَ }
الذين تركوا الحق على جهل وضلال, كالنصارى ونحوهم. فهذه السورة على إيجازها, قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن, فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله:
{ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة, يؤخذ من لفظ:
{ اللَّهِ }
ومن قوله:
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ }
وتوحيد الأسماء والصفات, وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى, التي أثبتها لنفسه, وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه, وقد دل على ذلك لفظ
{ الْحَمْدُ }
كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله:
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }
لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله:
{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }
وأن الجزاء يكون بالعدل, لأن الدين معناه الجزاء بالعدل. وتضمنت إثبات القدر, وأن العبد فاعل حقيقة, خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع
[والضلال]
في قوله:
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }
لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع
[وضال]
فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى, عبادة واستعانة في قوله:
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
فالحمد لله رب العالمين.
samaani — تفسير السمعاني
قَوْله ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ ، قد قَرَأَ عمر رَضِي الله عَنهُ: " صِرَاط من أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَغير الضَّالّين " وَلكنه فِي الشواذ، وَالْمَعْرُوف هُوَ الْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة.
وَقيل: " الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم " هم الْأَنْبِيَاء. وَقيل: كل من ثبته الله على الْإِيمَان من النَّبِيين وَالْمُؤمنِينَ كَافَّة.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي: هم الرَّسُول، وَأَبُو بكر، وَعمر.
وَأما قَوْله: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ . آمين. فالمغضوب عَلَيْهِم هم الْيَهُود، والضالون هم النَّصَارَى.
وروى عَن عدي بن حَاتِم أَنه جَاءَ إِلَى النَّبِي ليسلم، وَقَالَ: " يَا رَسُول الله، من المغضوب عَلَيْهِم؟ فَقَالَ: الْيَهُود. وَقَالَ: فَمن الضالون؟ فَقَالَ النَّصَارَى. قَالَ عدي: أشهد أَنِّي حنيف مُسلم. قَالَ عدي: فَرَأَيْت وَجه رَسُول الله يَتَهَلَّل، ويبتسم؛ فَرحا بِإِسْلَامِي ".
وَأما " آمين " فَلَيْسَ من الْقُرْآن. وَالسّنة للقارىء أَن يقف وَقْفَة، ثمَّ يَقُول: آمين.
وَفِيه لُغَتَانِ: آمين بِالْمدِّ، وَأمين بِالْقصرِ. وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ استجب. وَقيل: إِنَّه طَابع الدُّعَاء.
samarqandi — بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال:
حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.
وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل:
لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.
وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.
وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال:
اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر:
أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال:
أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم:
فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.
سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب.
فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.
وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال:
الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل:
(الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.
وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم:
الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.
وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.
والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.
قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.
قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.
وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي.
ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.
قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل:
أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.
وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.
قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم.
أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال:
حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.
وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى:
من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .
«آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل:
تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
وقال الآخر:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا
وصلى الله على سيدنا محمد.
shawkani — فتح القدير
انْتَصَبَ ( صِراطَ ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وفائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وفائِدَتُهُ الإيضاحُ، والَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ النِّساءِ حَيْثُ قالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠] وأطْلَقَ الإنْعامَ لِيَشْمَلَ كُلَّ إنْعامٍ، و﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَتَيْنِ نِعْمَةَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِن ذَلِكَ، وصَحَّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِ لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعارِفِ لِما فِيها مِنَ الإبْهامِ، لِأنَّها هُنا غَيْرُ مُبْهَمَةٍ لِاشْتِهارِ المُغايِرَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ.
والغَضَبُ في اللُّغَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: الشِّدَّةُ، ورَجُلٌ غَضُوبٌ: أيْ شَدِيدُ الخُلُقِ، والغَضُوبُ: الحَيَّةُ الخَبِيثَةُ لِشِدَّتِها.
قالَ: ومَعْنى الغَضَبِ في صِفَةِ اللَّهِ: إرادَةُ العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ ذاتِهِ، أوْ نَفْسُ العُقُوبَةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» فَهو صِفَةُ فِعْلِهِ.
قالَ في الكَشّافِ: هو إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ وإنْزالُ العُقُوبَةِ بِهِمْ، وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يَفْعَلُهُ المَلِكُ إذا غَضِبَ عَلى مَن تَحْتَ يَدِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ عَلَيْهِمُ الأُولى وعَلَيْهِمُ الثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
و" لا " في قَوْلِهِ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( غَيْرِ )، والضَّلالُ في لِسانِ العَرَبِ قالَ القُرْطُبِيُّ: هو الذَّهابُ عَنْ سَنَنِ القَصْدِ وطَرِيقِ الحَقِّ، ومِنهُ ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ: أيْ غابَ، ومِنهُ ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أيْ غِبْنا بِالمَوْتِ وصِرْنا تُرابًا.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وأبُو سَعِيدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الصّالِحِينَ " وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَرَأ كَذَلِكَ.
وأخْرَجَ الأنْبارِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمِي بِكَسْرِ الهاءِ والمِيمِ وإثْباتِ الياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " عَلَيْهُمُو " بِضَمِّ الهاءِ والمِيمِ وإلْحاقِ الواوِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " عَلَيْهِمُو " بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّ المِيمِ مَعَ إلْحاقِ الواوِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ الهاءِ والمِيمِ مِن غَيْرِ إلْحاقِ الواوِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ والأسْوَدِ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ كَقِراءَةِ عُمَرَ السّابِقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: طَرِيقُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ الَّذِينَ أطاعُوكَ وعَبَدُوكَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ (p-٢٠)بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ النَّبِيُّونَ.
﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ اليَهُودُ.
﴿ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ النَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَغَوِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «" أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو بِوادِي القُرى عَلى فَرَسٍ لَهُ، وسَألَهُ رَجُلٌ مِن بَنِي القَيْنِ فَقالَ: مَنِ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اليَهُودُ، قالَ: فَمَنِ الضّالُّونَ ؟ قالَ: النَّصارى» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: " كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُحاصِرُ أهْلَ وادِي القُرى فَقالَ لَهُ رَجُل " إلى آخِرِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ النَّبِيَّ كالأوَّلِ.
وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي القَيْنِ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ أنَّهُ قالَ: " أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في تَفْسِيرِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «المَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ اليَهُودُ، والضّالُّونَ النَّصارى» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ، وإنَّ الضّالِّينَ النَّصارى» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ «قالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنا جالِسٌ هَكَذا، وقَدْ وضَعْتُ يَدِي اليُسْرى خَلْفَ ظَهْرِي واتَّكَأْتُ عَلى ألْيَةِ يَدِي فَقالَ: أتَقْعُدُ قَعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ؟» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَدِيٍّ هَذا مِن طُرُقٍ، ولَهُ ألْفاظٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُها انْتَهى.
والمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيِّنٌ، وهو الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ مِنَ السَّلَفِ.
قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ، والضّالِّينَ بِالنَّصارى.
ويَشْهَدُ لِهَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ آياتٌ مِنَ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في خِطابِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] .
وقالَ في المائِدَةِ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وفي السِّيرَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ هو وجَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ إلى الشّامِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الحَنِيفَ قالَ اليَهُودُ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنا حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ، فَقالَ: أنا مِن غَضَبِ اللَّهِ أفِرُّ، وقالَتْ لَهُ النَّصارى: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنا حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن سَخَطِ اللَّهِ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُهُ، فاسْتَمَرَّ عَلى فِطْرَتِهِ وجانَبَ عِبادَةَ الأوْثانِ.
* * *
[ فائِدَةٌ في مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ بَعْدَ قِراءَةِ الفاتِحَةِ ] اعْلَمْ أنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الثّابِتَةَ تَواتُرًا، قَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فَقالَ آمِينْ مَدَّ بِها صَوْتَهُ» ولِأبِي داوُدَ " رَفَعَ بِها صَوْتَهُ " وقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وفي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ.
وفِي لَفْظٍ أنَّهُ قالَ: آمِينْ ثَلاثَ مَرّاتٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: «لَمّا أقْرَأ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاتِحَةَ الكِتابِ فَبَلَغَ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: قُلْ آمِينْ، فَقالَ: آمِينْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا قالَ: ولا الضّالِّينَ قالَ: آمِينْ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إذا قَرَأ - يَعْنِي الإمامَ - ( ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ ) فَقُولُوا آمِينْ يُحِبُّكُمُ اللَّهُ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما حَسَدَتْكُمُ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ ما حَسَدَتْكم عَلى السَّلامِ والتَّأْمِينِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ حُسَّدٌ، حَسَدُوكم عَلى ثَلاثَةٍ: إفْشاءِ السَّلامِ، وإقامَةِ الصَّفِّ، وآمِينْ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما حَسَدَتْكُمُ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ ما حَسَدَتْكم عَلى آمِينْ، فَأكْثِرُوا مِن قَوْلِ آمِينْ، ووَجْهُ ضَعْفِهِ أنَّ في إسْنادِهِ طَلْحَةَ بْنَ عَمْرٍو وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قَرَأ فاتِحَةَ الكِتابِ ثُمَّ قالَ آمِينْ لَمْ يَبْقَ مَلَكٌ في السَّماءِ مُقَرَّبٌ إلّا اسْتَغْفَرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ بِلالٍ أنَّهُ قالَ: " «يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَسْبِقْنِي بِآمِينْ " ومَعْنى آمِينْ: اسْتَجِبْ» .
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: مَعْنى آمِينْ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ: اللَّهُ اسْتَجِبْ لَنا، وُضِعَ مَوْضِعَ الدُّعاءِ.
وقالَ في الصِّحاحِ مَعْنى آمِينْ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ.
وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ما مَعْنى آمِينْ ؟ قالَ: رَبِّ افْعَلْ» .
وأخْرَجَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسافٍ ومُجاهِدٍ قالا: ( آمِينْ ) اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْناهُ لا تُخَيِّبْ رَجاءَنا.
وفِيهِ لُغَتانِ، المَدُّ عَلى وزْنِ (p-٢١)فاعِيلَ كَياسِينَ.
والقَصْرُ عَلى وزْنِ يَمِينٍ، قالَ الشّاعِرُ في المَدِّ:
؎يا رَبُّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبَدًا ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قالَ آمِينا
وقالَ آخَرُ: آمِينْ آمِينْ لا أرْضى بِواحِدَةٍ حَتّى أُبَلِّغَها ألْفَيْنِ آمِينا قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَشْدِيدُ المِيمِ خَطَأٌ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وجَعْفَرٍ الصّادِقِ والحُسَيْنِ بْنِ فَضْلٍ التَّشْدِيدُ مِن أمَّ إذا قَصَدَ: أيْ نَحْنُ قاصِدُونَ نَحْوَكَ، حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ مِثْلُ أيْنَ وكَيْفَ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، وتَقُولُ مِنهُ: أمَّنَ فُلانٌ تَأْمِينًا.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الجَهْرِ بِها، وفي أنَّ الإمامَ يَقُولُها أمْ لا ؟ وذَلِكَ مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.
suyuti_durr — الدر المنثور في التفسير بالمأثور
﴿صِراط الَّذِينَ أنْعَمْت عَلَيْهِمْ﴾ بِالهِدايَةِ ويُبْدَل مِن الَّذِينَ لِصِلَتِهِ بِهِ. ﴿غَيْر المَغْضُوب عَلَيْهِمْ﴾ وهُمْ اليَهُود ﴿ولا﴾ وغَيْر ﴿الضّالِّينَ﴾ وهُمْ النَّصارى ونُكْتَة البَدَل إفادَة أنَّ المُهْتَدِينَ لَيْسُوا يَهُودَ ولا نَصارى واللَّه أعْلَم بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِع والمَآب وصَلّى اللَّه عَلى سَيِّدنا مُحَمَّد وعَلى آله وصَحْبه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
tabary — جامع البيان
القول في تأويل قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ .
وقوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، إبانةٌ عن الصراط المستقيم، أيُّ الصراط هو؟ إذْ كان كلّ طريق من طرُق الحق صراطًا مستقيمًا. فقيل لمحمد ﷺ: قُلْ يا محمد: اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، بطاعتك وعبادتك، من مَلائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين.
وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) [سورة النساء: ٦٦-٦٩] .
قال أبو جعفر: فالذي أمِر محمدٌ ﷺ وأمّتُه أن يسألوا ربَّهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وَصف الله جلّ ثناؤه صفتَه. وذلك الطريق، هو طريق الذي وَصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سَلكه فاستقام فيه طائعًا لله ولرسوله ﷺ، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك رُوِي الخبر عن ابن عباس وغيره.
١٨٨ - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "صراطَ الذين أنعمت عليهم" يقول: طَريقَ من أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبَدُوك [[الخبر ١٨٨ - ضعف هذا الإسناد مفصل في: ١٣٧. وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٥٢. وانظر أيضًا: ١٧٩.]] .
١٨٩ - حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر عن ربيع: "صراط الذين أنعمتَ عليهم"، قال: النبيّون [[الأثر ١٨٩ - ربيع: هو ابن أنس البكري. وسبق شرح هذا الإسناد إليه: ١٦٤. والأثر نقله ابن كثير ١: ٥٣، والسيوطي ١: ١٦.]] .
١٩٠ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: "أنعمت عليهم " قال: المؤمنين [[الخبر ١٩٠ - هذا كالخبر ١٨٣ منقطع بين ابن جريج وابن عباس. وقد نقله ابن كثير ١: ٥٣، والسيوطي ١: ١٦، ولكن وقع فيه "ابن حميد" بدل "ابن جرير".]] .
١٩١- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: "أنعمت عليهم"، المسلمين [[الأثر ١٩١ - وهذا نقله ابن كثير أيضًا ١: ٥٣.]] .
١٩٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله " صراط الذين أنعمت عليهم "، قال: النبيّ ﷺ ومن معه [[الأثر ١٩٢ - مضى هذا الإسناد: ١٨٥. وأما نص الأثر، فهو عند ابن كثير ١: ٥٣. وقال بعد هذه الروايات: "والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل". يعني الخبر ١٨٨.]] .
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول: "صراط الذين أنعمت عليهم"، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟
فإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر؟ وقد علمتَ أنّ قول القائل لآخر: "أنعمت عليك"، مقتضٍ الخبرَ عمَّا أنعمَ به عليه، فأين ذلك الخبرُ في قوله: "صراط الذين أنعمت عليهم"؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟
قيل له: قد قدّمنا البيان -فيما مضى من كتابنا هذا- عن إجراء العرب في منطقها ببعضٍ من بعض، إذا كان البعضُ الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيًا منه. فقوله: "صراط الذين أنعمتَ عليهم" من ذلك. لأن أمرَ الله جل ثناؤه عبادَه بمسألته المعونةَ، وطلبهم منه الهدايةَ للصراط المستقيم، لما كان متقدّمًا قولَه: "صراطَ الذين أنعمت عليهم"، الذي هو إبانةٌ عن الصراط المستقيم وإبدالٌ منه -كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمَرنا بمسألته الهدايةَ لطريقهم، هو المنهاجُ القويمُ والصراطُ المستقيم، الذي قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفًا، فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين- مغنيًا عن تكراره.
كما قال نابغة بني ذبيان:
كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بشَنِّ [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]]
يريد: كأنك من جمال بني أقيش، جملٌ يُقعقع خلف رجليه بشنّ، فاكتفى بما ظهر من ذكر "الجمال" الدال على المحذوف، من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب:
تَرَى أَرْباقَهُمْ مُتَقَلِّدِيها ... إِذا صَدِئَ الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ [[ديوانه: ١٣١ والنقائض: ٧٧٣، ويأتي في تفسير آية سورة الشعراء: ٤ (١٩: ٣٨ بولاق) ، وهو هناك "على الكتاب"، وهو خطأ. يهجو جريرا وقومه بني كليب بن يربوع. الأرباق: جمع ربق، والربق جمع ربقة: وهو الحبل تشد به الغنم الصغار لئلا ترضع. وتقالد السيف: وضع نجاده على منكبه. والكماة، جمع كمى: وهو البطل الشديد البأس. يصف بني كليب بأنهم رعاء أخساء بخلاء، لا هم لهم إلا رعية الغنم، والأبطال في الحرب يصلون حرها الأيام الطوال حتى يصدأ حديد الدروع على أبدانهم من العرق.]]
يريد: متقلديها هم، فحذف "هم "، إذ كان الظاهرُ من قوله أرباقَهُم، دالا عليها.
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله: "صراط الذين أنعمت عليهم".
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ .
قال أبو جعفر: والقرَأةُ مجمعةٌ على قراءة " غير " بجر الراء منها [[في المطبوعة "والقراء مجمعة"، والقَرَأَة: جمع قارئ. انظر ما مضى: ٥١ في التعليق، و ٦٤ تعليق: ٤ و: ١٠٩ تعليق: ١.]] . والخفضُ يأتيها من وجهين:
أحدهما: أن يكون "غير" صفة لِ"الذين" ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان " الذين " خفضًا، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكون " غير " نعتًا لِـ " الذين "، و " الذين " معرفة و"غير" نكرة، لأن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء التي هي أماراتٌ بين الناس، مثل: زيد وعمرو، وما أشبه ذلك [[يعني بقوله: "المعرفة المؤقتة" المعرفة المحددة، وهو العلم الشخصي الذي يعين مسماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد. فقولك "زيد" يعين تعيينًا مطلقًا أو محددًا. والمعرف بالألف واللام إنما يعين مسماه ما دامت فيه "ال"، فإذا فارقته فارقه التعيين. وانظر معاني الفراء ١: ٧.]] ؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل: الرجل والبعير، وما أشبه ذلك. فلما كان " الذين " كذلك صفتُها، وكانت "غير" مضافةً إلى مجهول من الأسماء، نظيرَ " الذين "، في أنه معرفة غير موقتة، كما " الذين " معرفة غير مؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون "غير المغضوب عليهم" نعتًا لِ "الذين أنعمت عليهم" كما يقال: " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل"، يراد: لا أجلس إلا إلى مَن يعلم، لا إلى مَن يجهل.
ولو كان "الذين أنعمت عليهم" مَعرفة موقتة. كان غير جائز أن يكون "غير المغضوب عليهم" لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة مؤقَّتة بنكرة- أن تُلْزِم نَعتها النكرةَ إعرابَ المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأ في كلامهم أن يقال: "مررت بعبد الله غير العالم"، فتخفض " غير "، إلا على نية تكرير الباء التي أعرَبتْ عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مَرَرتُ بعبد الله، مررت بغيرِ العالم. فهذا أحد وجهي الخفض في: "غير المغضوب عليهم".
والوجهُ الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت "غير" مخفوضةً بنية تكرير "الصراط" الذي خُفِض "الذين" عليها، فكأنك قلت: صراطَ الذين أنعمت عليهم، صراطَ غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في "غير المغضوب عليهم"، وإن اختلفا باختلاف مُعرِبَيْهما، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أنَّ من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق، فقد سلم من غضب رَبه ونجا من الضلال في دينه.
فسواءٌ - إذ كان سَبب قوله: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم" غيرَ جائزٍ أن يرتاب، مع سماعه ذلك من تاليه، في أن الذين أنْعم الله عليهم بالهداية للصِّراط غيرُ غاضب ربُّهم عليهم، مع النعمة التي قد عظمت مِنَّته بها عليهم في دينهم؛ ولا أن يكونوا ضُلالا وقد هداهم الحقَّ ربُّهم. إذْ كان مستحيلا في فِطَرِهم اجتماعُ الرضَى من الله جلّ ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة، واجتماعُ الهدى والضلال له في وقت واحد - أوُصِف [[سياق العبارة: "سواء. . . أوصف القوم. . . أم لم يوصفوا"، وما بين هذين فصل طويل كدأب أبي جعفر في بيانه.]] القوم؛ معَ وَصْف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم، وإنعامه عَليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم، بأنهم غيرُ مغضوب عليهم ولا هم ضَالُّون؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصِّفة الظاهرة التي وُصفوا بها، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يصرِّح وصفَهُم به.
هذا، إذا وجَّهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير "الصراطِ" الخافضِ "الذين"، ولم نجعل "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" من صفة "الذين أنعمت عليهم"، بل إذا حملناهم غيرَهم. وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَمًا عليهما في أدْيانهم.
فأمّا إذا وجهنا "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" إلى أنها من نَعت، "الذين أنعمت عليهم". فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذْ كان الصريحُ من معناه قد أغنى عن الدليل.
وقد يجوز نصب " غير " في "غير المغضوب عليهم"، وإن كنتُ للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القُرّاء. وإنَّ ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا، فرأيٌ للحق مخالف. وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المسلمين مُتجانفٌ. وإن كان له - لو كانت جائزًا القراءةُ به [[في المطبوعة: "لو كانت القراءة جائزة به "، بدلوه ليوافق عبارتهم، دون عبارة الطبري]] - في الصواب مخرجٌ.
وتأويل وجه صوابه إذا نصبتَ: أن يوجَّه إلى أن يكون صفةً للهاء والميم اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين ". لأنها وإن كانت مخفوضة بِ " على "، فهي في محل نصب يقوله: " أنعمت ". فكأن تأويل الكلام -إذا نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم"-: صراطَ الذين هَدَيتهم إنعامًا منك عليهم، غيرَ مغَضوبٍ عليهم، أي لا مغضوبًا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ، كالنصب في " غير " في قولك: مررت بعبد الله غيرَ الكريم ولا الرشيدِ، فتقطع "غيرَ الكريم" من "عبد الله"، إذْ كان "عبدُ الله" معرفة مؤقتة، و"غير الكريم" نكرة مجهولة.
وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يزعم أنّ قراءة مَنْ نصب " غير " في "غير المغضوب عليهم"، على وَجه استثناءِ "غير المغضوب عليهم" من معاني صفة "الذين أنعمت عليهم"، كأنه كان يرى أنّ معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا: اهدنا الصراط المستقيم، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، إلا المغضوبَ عَليهم -الذين لم تُنعم عليهم في أديانهم ولم تَهْدهم للحق- فلا تجعلنا منهم. كما قال نابغة بني ذبيان:
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالا أُسَائِلُها ... عَيَّت جَوابًا، ومَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ [[ديوانه: ٢٣، ويأتي في تفسير آية البقرة: ٣٥ (١: ١٨٦ بولاق) ، وآية النساء: ١١٤ (٥: ١٧٨) ، وآية يونس: ٩٨ (١١: ١١٧) وآية سورة الليل: ٢٠ (٣٠: ١٤٦) . يقال: لقيته أصيلالا وأصيلانًا، إذا لقيته بالعشي. وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأصلان (بضم فسكون) ، ثم صغروا الجمع فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا. فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه. وعى في منطقه: عجز عن الكلام.]] إلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهُا ... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ [[أواري جمع آري (مشدد الياء) : وهو محبس الدابة ومأواها ومربطها، من قولهم: تأرى بالمكان أقام وتحبس. ولأيا: بعد جهد ومشقة وإبطاء. والنؤى: حفرة حول الخباء تعلى جوانبها بالتراب، فتحجز الماء لا يدخل الخباء، والمظلومة: يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم، وليس بموضع تحويض لبعدها عن مواطئ السابلة. فلذلك سماها مظلومة، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والجلد: الأرض الصلبة، يعني أنها لا تنبت شيئًا فلا يرعاها أحد.]]
والأواريُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَاد "أحد" في شيء. فكذلك عنده، استثنى "غير المغضوب عليهم" من "الذين أنعمت عليهم"، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء.
وأما نحِويُّو الكوفيين، فأنكروا هذا التأويل واستخفُّوه [[في المطبوعة: "واستخطئوه"، واستخفوه: رأوه خفيفا لا وزن له.]] ، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة، لكان خطأ أن يقال: "ولا الضالين".
لأن " لا " نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا: لم نجد في شيء من كلام العرب استثناءً يُعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء، وبالجحد على الجحد، فيقولون في الاستثناء: قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك.
وفي الجحد: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا في كلام العرب، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزولُه، علمنا -إذ كان قولُه"ولا الضالين" معطوفًا على قوله"غير المغضوب عليهم" -أن " غير " بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل من وجَّهها إلى الاستثناء خطأ.
فهذه أوجه تأويل "غير المغضوب عليهم"، باختلاف أوجه إعراب ذلك.
وإنما اعترضْنا بما اعترضنا في ذلك من بَيان وُجوه إعرابه- وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويل آي القرآن- لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله. فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وُجوه تأويله، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصَّوابُ من القول في تأويله وقراءته عندنا، القول الأول، وهو قراءةُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بخفض الراء من " غير ". بتأويل أنها صفة لِ "الذين أنعمت عليهم" ونعتٌ لهم -لما قد قدمنا من البيان- إن شئتَ، وإن شئت فبتأويلِ تكرار " صراط ". كلُّ ذلك صوابٌ حَسنٌ.
فإن قال لنا قائل: فمنْ هؤلاء المغضوبُ عليهم، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟
قيل: هم الذين وصفهم الله جَلّ ثناؤه في تنزيله فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة: ٦٠] . فأعلمنا جلّ ذكره ثَمَّة [[بدلوها في المطبوعة إلى "بمنه"؛ وثم وثمة (بفتح الثاء) : إشارة للبعيد بمنزلة "هنا" للقريب.]] ، ما أحَلَّ بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا، منّهً منه علينا، وجه السبيل إلى النجاة من أن يَحِلَّ بنا مثل الذي حَلّ بهم من المَثُلات، ورأفة منه بنا [[المثلات جمع مثلة (بفتح فضم ففتح) : وهي العقوبة والتنكيل.]] .
فإن قيل: وما الدليلُ على أنهم أولاء الذين وصفَهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت؟ قيل:
١٩٣ - حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: المغضوبُ عليهم، اليهود [[الحديث ١٩٣ - هذا إسناد صحيح، وسيأتي بعض هذا الحديث أيضًا بهذا الإسناد ٢٠٧. وتخريجه سيأتي في ١٩٥.]] .
١٩٤- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حُبيش يحدث، عن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: إنّ المغضوبَ عليهم اليهود [[الحديث ١٩٤ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. عباد بن حبيش، بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ولآخره شين معجمة، الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٧٨. وبعض الحديث سيأتي أيضًا ٢٠٨ بهذا الإسناد.]] .
١٩٥- حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مُرِّي بن قَطَريّ، عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله جلّ وعزّ "غير المغضوب عليهم" قال: هم اليهود [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩.
وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] .
١٩٦ - حدثنا حُميد بن مَسْعَدة السّامي، قال: حدثنا بشر بن المفضَّل، قال: حدثنا الجُرَيْري، عن عبد الله بن شَقِيق: أنّ رُجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصرٌ واديَ القُرَى، فقال: مَنْ هؤلاء الذين تحاصرُ يا رسول الله؟ قال: هؤلاء المغضوب عليهم، اليهود [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] .
١٩٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَّية، عن سعيد الجُرَيْري، عن عروة، عن عبد الله بن شَقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.
١٩٨- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن بُدَيْل العقيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شَقيق: أنه أخبره من سمع النبي ﷺ -وهو بوادي القُرَى، وهو عَلى فَرسه، وسأله رجل من بني القَين فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ - قال: المغضوبُ عليهم. وأشار إلى اليهود [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة.
وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] .
١٩٩- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شقيق، أنّ رجلا سأل النبي ﷺ، فذكر نحوه
٢٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "غير المغضوب عليهم"، يعني اليهودَ الذين غَضب الله عليهم [[الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.]] .
٢٠١- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس -وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: "غير المغضوب عليهم"، هم اليهود [[الخبر ٢٠١ - ابن كثير ١: ٥٥، والدر المنثور ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٥. وسيأتي باقيه: ٢١٧.]] .
٢٠٢- حدثنا ابن حميد الرازي، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد، قال: "غير المغضوب عليهم"، قال: هم اليهود.
٢٠٣- حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا عبد الله، عن أبي جعفر، عن ربيع: "غير المغضوب عليهم"، قال: اليهود.
٢٠٤- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: "غير المغضوب عليهم" قال: اليهود.
٢٠٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: "غير المغضوب عليهم"، اليهود.
٢٠٦- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن زيد، عن أبيه، قال: "المغضوب عليهم"، اليهود [[الآثار ٢٠٢ - ٢٠٦: في ابن كثير، والدر المنثور، الشوكاني، كالذي مضى. وسيأتي باقيها: ٢١٤، ٢١٦، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠.]] .
قال أبو جعفر: واختُلِف في صفة الغضب من الله جلّ ذكره:
فقال بعضهم: غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه، إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه، إمّا في دنياه، وإمّا في آخرته، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٥٥] .
وكما قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) [سورة المائدة: ٦٠] .
وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذم منه لهم ولأفعالهم، وشتم لهم منه بالقول.
وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه -وإن كان كذلك من جهة الإثبات [[الإثبات: مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى كما وصف نفسه، وإثبات القدر بلا تأويل، خلافا لأهل القدر، وهم نفاته، وللجهمية والمعطلة للصفات.]] - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها [[بعد هذا الموضع من نسخة دار الكتب المصرية رقم: ١٠٠ تفسير، ما نصه:
"وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
-على الأصل المنقول منه-
سمعت وأحمد ومحمد والحسن بني عبد الله بن أحمد الفرغاني في يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلثمائة. ومحمد بن محمد الطوسي".]] .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن " لا " مع " الضالين " أدخلت تتميما للكلام، والمعنى إلغاؤها، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج: فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ [[ديوانه: ١٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢٥ والخزانة ٢: ٩٥، وأمالي الشجري ٢: ٢٣١، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٦. والقائل بأنها زائدة من البصريين هو أبو عبيدة.]]
ويتأوله بمعنى: في بئر حور سرى، أي في بئر هلكة، وأن " لا " بمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم:
فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا ... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا [[نسبه شارح القاموس عن الصاغاني لأبي النجم وقال: روايته: "إذا رأت ذا الشيبة القفندرا"
وضبطوا "الشمط" بفتح الميم، أي الشيب، وجائز أن يكون أبو النجم قاله "الشمط" بكسر الميم على أنه فرح، طرح ألف "أشمط"، كما فعلوا في أشعث وشعث. وأحدب وحدب، وأتعس وتعس، وأحول وحول، في الصفات المشبهة من العيوب الظاهرة والحلي. وانظر الفائق للزمخشري ٢: ٣٢٦ فقد عدد ألفاظًا غيرها. وكأن الصاغاني أبى من رواية "الشمط" بفتحتين، لأن القفندر: هو الصغير الرأس القبيح المنظر.
والبيت برواية البري في مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢٦، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٥، واللسان (قفندر) ، ثم انظر أمالي الشجري ٢: ٢٣١، وغيرها.]]
وهو يريد: فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص:
وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لا أُحِبَّه ... وَللَّهْوُ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ [[الكامل ١: ٤٩، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٦، ولحاه يلحاه لحيًا: عذله ولامه.]]
يريد: وَيلحينني في اللهو أن أحبه، وبقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢] ، يريد أن تسجد. وحُكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول " غير " التي " مع "المغضوب عليهم "، أنها بمعنى " سوى [[هو أبو عبيدة كما أسلفنا في أول هذه الفقرة. وأشار إليه الفراء في معاني القرآن: ٨ بقوله: "وقد قال بعض من لا يعرف العربية. . . "، وكذلك فعل الطبري من قبل في مواضع. وانظر اللسان (غير) .]] . فكأنّ معنى الكلام كانَ عنده: اهدنا الصراط المستقيمَ، صراط الذين أنعمتَ عليهم، الذين همُ سوى المغضوب والضالين.
وكان بعضُ نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله [[يعني الفراء الكوفي في كتابه معاني القرآن: ٨، أو غيره من كتبه.]] ، ويزعمُ أن " غير " التي " مع المغضوب عليهم "، لو كانت بمعنى سوى، لكان خطأ أن يعطف عليها بـ " لا "، إذْ كانت " لا " لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل: "عندي سِوَى أخيك ولا أبيك"، لأن سِوَى ليست من حروف النفي والجحود. ويقول: لما كان ذلك خطأ في كلام العرب، وكان القرآن بأفصحِ اللغات من لغات العرب، كان معلومًا أن الذي زَعمه القائل: أن "غير" مع "المغضوب عليهم" بمعنى: سوى المغضوب عليهم، خطأ. إذ كان قد كرّ عليه الكلامَ بـ " لا ". وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي بمعنى الجحد. إذْ كان صحيحًا في كلام العرب، وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعملا فيهم: "أخوك غير مُحسِن ولا مُجْمِل"، يراد بذلك أخوك لا محسن، ولا مجمل، ويَستنكرُ أن تأتي " لا " بمعنى الحذف في الكلام مُبتدأً، ولمَّا يتقدمها جحد. ويقول: لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مُبتدأ، قبل دلالة تدلّ ذلك من جحد سابق، لصحَّ قول قائل قال: "أردْتُ أن لا أكرم أخاك"، بمعنى: أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول: ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك، دلالةٌ واضحة على أنَّ " لا " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف، ولَمَّا يتقدَّمها جحد. وكان يتأوّل في " لا " التي في بيت العجاج، الذي ذكرنا أن البصْريّ استشهد به، بقوله: إنها جَحْدٌ صحيح، وأنّ معنى البيت: سَرَى في بئر لا تُحيرُ عليه خيرًا، ولا يتبيَّن له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يشعُر بذلك ولا يدري به [[عبارة الفراء في معاني القرآن: "كأنك قلت: إلى غير رشد توجه وما درى".]] . من قولهم: "طحنت الطَّاحنة فما أحارت شيئًا"، أي لم يتبيَّن لها أثرُ عملٍ. ويقول في سائر الأبيات الأخر، أعني مثل بَيت أبي النجم:
فما ألُوم البيضَ أن لا تسخَرَا
إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام، فكان الكلام الآخر مُواصِلا للأول، كما قال الشاعر:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُ ... وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ [[الشعر لجرير يهجو الأخطل، ديوانه ٢٦٣، ونقائض جرير والأخطل: ١٧٤، وأضداد ابن الأنباري: ١٨٦، ثم تفسير آية سورة البقرة: ١٥٨.]]
فجازَ ذلك، إذْ كان قد تقدَّم الجحدُ في أوّل الكلام.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلام العرب ابتداءُ الكلام من غير جحد تقدَّمه بـ " لا " التي معناها الحذف، ولا جائزٍ العطفُ بها على " سوى "، ولا على حرف الاستثناء. وإنما لِـ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة: أحدها الاستثناء، والآخر الجحد، والثالث سوى. فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الإلغاء مُبتدأ [[في المخطوطة: "فإذا ثبت خط أن لا يكون بمعنى الإلغاء" غير منقوطة، ولم يحسن طابعو المطبوعة قراءتها فجعلوها: "فإذا بطل حظ لا أن تكون بمعنى الإلغاء". وقد صححنا ما في المخطوطة من تقديم "لا" على "يكون".]] ، وفسدَ أن يكون عطفًا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم "، لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء، ولم يَجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى " سوى "، وكانت " لا " موجودة عطفًا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قَبلها -صحَّ [[جواب قوله "فإذا ثبت خطأ. . . ".]] وثبت أن لا وجهَ لـ " غير "، التي مع " المغضوب عليهم "، يجوز توجيهها إليه على صحَّة إلا بمعنى الجحد والنفي، وأن لا وَجه لقوله: " ولا الضالين "، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم ".
فتأويلُ الكلام إذًا - إذْ كان صحيحًا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا- اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.
فإن قال لنا قائل: ومَن هؤلاء الضَّالُّون الذين أمرنا اللهُ بالاستعاذة بالله أن يَسْلُكَ بنا سبيلهم، أو نَضِلَّ ضلالهم؟
قيل: هم الذين وصَفهم الله في تنزيله فقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [سورة المائدة: ٧٧] .
فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟
قيل:
٢٠٧- حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن عدي بن أبي حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: "ولا الضالين" قال: النصارى [[هذه الأحاديث والأخبار والآثار ٢٠٧ - ٢٢٠، في تفسير (الضالين) ، سبقت أوائلها في تفسير (المغضوب عليهم) ، مع تخريجها، في الأرقام ١٩٣ - ٢٠٦، مع شيء من التقديم والتأخير.]] .
٢٠٨- حدثنا محمد بن المثنى، أنبأنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن سِمَاك، قال: سمعت عبّاد بن حُبيش يحدث، عن عدي بن حاتم، قال: قالَ لي رسول الله ﷺ: "إن الضَّالين: النَّصارى ".
٢٠٩ - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مُصْعَب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مُرّيّ بن قَطَريّ، عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله: "ولا الضالين"، قال: النصارى هم الضالون.
٢١٠- حدثنا حُميد بن مَسعدة السَّامي، قال: حدثنا بشر بن المفضَّل، قال: حدثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصرٌ واديَ القُرَى قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضّالون: النصارى.
٢١١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابنُ عُلَيَّة، عن سعيد الجُرَيري، عن عروة، يعني ابن عبد الله بن قيس، عن عبد الله بن شقيق، عن رسول الله ﷺ بنحوه [[الحديث ٢١١ - سبق هذا الإسناد ١٩٧ ولم ينسب فيه "عروة" هذا، وفي التعليق على الحديث ١٩٨ إشارة ابن كثير إلى رواية "عروة"، ولم يذكر نسبه أيضًا. وقد بين الطبري هنا أنه "عروة بن عبد الله بن قيس". وأنا أرجح أن كلمة "قيس" محرفة من الناسخين عن كلمة "قشير".
فإني لم أجد في التراجم قط من يسمى "عروة بن عبد الله بن قيس"، ويبعد جدا أن لا يذكروه، وهو يروي عن رجل من كبار التابعين. والذي في هذه الطبقة، هو "عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الكوفي"، مترجم في التهذيب ٧: ١٨٦، والتاريخ الكبير للبخاري ٤ / ١ / ٣٤، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٩٧، والثقات لابن حبان: ٥٧٤، والكنى للدولابي ٢: ١٣٥. وذكر الأخيران قولا آخر في اسم جده، أنه "بشير". و "أبو مهل": بفتح الميم والهاء، كما ذكره الذهبي في المشتبه: ٥٠٨.]] .
٢١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بُدَيْل العُقَيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شقيق، أنه أخبره من سَمع النبي ﷺ وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القَين، فقال: يا رسولَ الله، من هؤلاء؟ - قال: هؤلاء الضَّالون "، يعني النصارى.
٢١٣ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، أن رجلا سأل النبي ﷺ، وهو محاصرٌ وادي القُرى وهو على فرس: من هؤلاء؟ قال: الضالّون. يعني النصارى.
٢١٤- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: "ولا الضالين" قال: النصارى.
٢١٥- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "ولا الضالين" قال: وَغير طريقِ النَّصارى الذين أضلَّهم الله بِفرْيَتهمْ عليه. قال: يقول: فألهِمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، حتى لا تغضَبَ علينا كما غضبتَ على اليهود، ولا تضلَّنا كما أضللتَ النصارى فتعذّبنا بما تعذِّبهم به. يقول امنعْنا من ذلك برفْقِك ورَحمتك وقدرتك.
٢١٦- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الضالين النصارى.
٢١٧- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: "ولا الضالين"، هم النصارى.
٢١٨- حدثني أحمد بن حازم الغِفاري، قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع: "ولا الضالين"، النصارى.
٢١٩- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: "ولا الضالين"، النصارى.
٢٢٠- حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه. قال: الضالين، النصارى.
* * *
قال أبو جعفر: فكلّ حائدٍ عن قَصْد السبيل، وسالكٍ غيرَ المنهج القويم، فضَالٌّ عند العرب، لإضلاله وَجهَ الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارَى ضُلالا لخطئهم في الحقِّ مَنهجَ السبيل، وأخذهم من الدِّين في غير الطريق المستقيم.
فإن قال قائل: أوَ ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟
قيل: بلى!
فإن قال: كيف خَصّ النصارَى بهذه الصفة، وَخصّ اليهودَ بما وصفَهم به من أنهم مغضوب عليهم؟
قيل: كلا الفريقين ضُلال مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن الله جلّ ثناؤه وَسم كل فريق منهم من صِفَته لعباده بما يعرفونه به، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسمِّ واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفاتِ الذمّ زياداتٌ عليه.
فيظنُّ بعض أهل الغباء من القدريّة أن في وصف الله جلّ ثناؤه النصارى بالضّلال، بقوله: "ولا الضالين"، وإضافته الضَّلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضلَّلون، كالذي وَصف به اليهود أنهم المغضوبُ عليهم -دلالةً على صحة ما قاله إخوانُه من جهلة القدرية، جهلا منه بسَعَة كلام العرب وتصاريف وُجوهه.
ولو كان الأمر على ما ظَنّه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكونَ شأنُ كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ، لا يجوزُ أن يكون فيه سببٌ لغيره، وأنْ يكون كلُّ ما كان فيه من ذلك لغيره سببٌ، فالحقُّ فيه أن يكون مضافًا إلى مُسبِّبه، ولو وَجب ذلك، لوجبَ أن يكون خطأ قولُ القائل: " تحركت الشجرةُ "، إذْ حرَّكتها الرياح؛ و " اضطربت الأرض "، إذْ حرَّكتها الزلزلة، وما أشبهَ ذلك من الكلام الذي يطولُ بإحصائه الكتاب.
وفي قول الله جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [سورة يونس: ٢٢]-بإضافته الجريَ إلى الفلك، وإن كان جريها بإجراء غيرِها إيَّاها- ما دلّ على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله: "ولا الضالين"، وادّعائه أنّ في نسبة الله جلّ ثناؤه الضلالةَ إلى من نَسبها إليه من النصارى، تصحيحًا لما ادَّعى المنكرون: أن يكون لله جلّ ثناؤه في أفعال خلقه سببٌ من أجله وُجدت أفعالهم، مع إبانة الله عزّ ذكره نصًّا في آيٍ كثيرة من تنزيله، أنه المضلُّ الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣] . فأنبأ جلّ ذكره أنه المضلّ الهادي دون غيره.
ولكنّ القرآن نزلَ بلسان العرب، على ما قدَّمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وُجد منه -وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد منه- أحيانًا، وأحيانًا إلى مسبِّبه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيرُه. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويُوجِده الله جلّ ثناؤه عَيْنًا مُنْشَأةً؟ بل ذلك أحرى أن يُضاف إلى مكتسبِه؛ كسبًا له، بالقوة منه عليه، والاختيار منه له -وَإلى الله جلّ ثناؤه، بإيجاد عينِه وإنشائها تدبيرًا. ﴿مسألة يَسأل عنها أهل الإلحاد الطَّاعنون في القرآن﴾
إن سألَنا منهم سائل فقال: إنك قد قدَّمتَ في أول كتابك هذا في وصْف البيان: بأنّ أعلاه درجة وأشرفَه مرتبة، أبلغُه في الإبانة عن حاجة المُبين به عن نفسه، وأبينُه عن مُراد قائله، وأقربُه من فهم سامعه. وقلتَ، مع ذلك: إنّ أوْلى البيان بأن يكون كذلك، كلامُ الله جل ثناؤه، لِفَضْله على سائر الكلام وبارتفاع دَرَجته على أعلى درجات البيان [[انظر ما مضى: ٩ - ١١.]] ، فما الوجه -إذ كان الأمر على ما وصفت- في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان، وذلك قوله: ﴿مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين﴾ ، إذْ كان لا شك أنّ من عَرف: مَلك يوم الدين، فقد عَرَفه بأسمائه الحسنى وصفاته المُثْلى. وأنّ من كان لله مطيعًا، فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه مُتَّبع، وعن سبيل من غَضِب عليه وضَلَّ مُنْعَدِل. فما في زيادة الآيات الخمس الباقية، من الحكمة التي لم تَحْوِها الآيتان اللتان ذكرنا؟
قيل له: إنّ الله تعالى ذكرُه جَمع لنبينا محمد ﷺ ولأمته -بما أنزل إليه من كتابه- معانيَ لم يجمعْهُنّ بكتاب أنزله إلى نبيّ قبله، ولا لأمَّة من الأمم قبلهم. وذلك أنّ كُلّ كتاب أنزله جلّ ذكرُه على نبيّ من أنبيائه قبله، فإنما أنزل ببعض المعاني التي يحوي جميعَها كتابُه الذي أنزله إلى نبينا محمد ﷺ. كالتَّوراة التي هي مواعظ وتفصيل، والزَّبُور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير -لا مُعجزةَ في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتابُ الذي أنزل على نبيِّنا محمد ﷺ، يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرًا من المعاني التي سائرُ الكتب غيرِه منها خالٍ.
وقد قدَّمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب [[انظر ما مضى: ٧١]] .
ومن أشرفِ تلك المعاني التي فَضَل بها كتابُنا سائرَ الكتب قبله، نظْمُه العجيبُ ورصْفُه الغريب [[في المطبوعة "ووصفه". ورصف الشيء ضم بعضه إلى بعض ونظمه حتى يكون مستويا محكما منضدا.]] وتأليفُه البديع؛ الذي عجزتْ عن نظم مثْلِ أصغرِ سورة منه الخطباء، وكلَّت عن وَصْف شكل بعضه البلغاء، وتحيَّرت في تأليفه الشُّعراء، وتبلَّدت -قصورًا عن أن تأتيَ بمثله- لديه أفهامُ الفُهماء، فلم يجدوا له إلا التسليمَ والإقرار بأنه من عند الواحد القهار. مع ما يحوي، مَع ذلك، من المعاني التي هي ترغيب وترهيب، وأمرٌ وزجرٌ، وقَصَص وجَدَل ومَثَل، وما أشبهَ ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.
فمهما يكن فيه من إطالة، على نحو مَا في أمِّ القرآن [[في المخطوطة: "آية القرآن" غير منقوطة.]] ، فلِما وصفتُ قبلُ من أن الله جل ذكره أرادَ أن يجمعَ - برَصْفه العجيب ونظْمِه الغريب، المنعدِلِ عن أوزان الأشعار، وسجْع الكُهَّان وخطب الخطباء ورَسائل البلغاء، العاجز عن رَصْف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العباد - الدلالةَ [["الدلالة" مفعول "أن يجمع. . . "، ثم عطف عليها بعد، ما سننبه له.]] على نبوة نبينا محمد ﷺ؛ وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه، تنبيهَ [[هذه جميعًا معطوفة على قوله "الدلالة"، كما ذكرنا آنفًا.]] العباد على عَظمته وسلطانه وقدرته وعِظم مَملكته، ليذكرُوه بآلائه، ويحمدوه على نعمائه، فيستحقوا به منه المزيدَ، ويستوجبوا عليه الثوابَ الجزيل؛ وبما فيه من نَعْتِ من أنعم عليه بمعرفته، وتفضَّل عليه بتوفيقه لطاعته، تعريفَ [[هذه جميعًا معطوفة على قوله "الدلالة"، كما ذكرنا آنفًا.]] عباده أن كل ما بهم من نعمة، في دينهم ودنياهم، فمنه، ليصرفوا رَغبتهم إليه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دُون ما سواهُ من الآلهة والأنداد، وبما فيه من ذكره ما أحلّ بمن عَصَاه منْ مَثُلاته، وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته -ترهيبَ [[هذه جميعًا معطوفة على قوله "الدلالة"، كما ذكرنا آنفًا.]] عباده عن ركوب معاصيه، والتعرُّضِ لما لا قِبَل لهم به من سَخَطه، فيسلكَ بهم في النكال والنَّقِمات سبيلَ من ركب ذلك من الهُلاك.
فذلك وَجْه إطالة البيان في سورة أم القرآن، وفيما كان نظيرًا لها من سائر سور الفرقان. وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة.
* * *
٢٢١- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي السائب مولى زُهْرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال العبد: "الحمد لله ربّ العالمين"، قال الله: "حمدني عبدي". وإذا قال: "الرحمن الرحيم"، قال: "أثنى عليّ عبدي". وإذا قال: "مالكِ يوم الدين"، قال: "مجَّدني عبدي. فهذا لي". وإذا قَال: "إيّاك نَعبُد وإيّاكَ نستعين" إلى أن يختم السورة، قال: "فذاكَ لهُ [[الحديث ٢٢١ - المحاربي: هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد، وهو ثقة، أخرج له الجماعة.
محمد بن إسحاق: هو ابن يسار، صاحب السيرة، ثقة معروف، تكلم فيه بعضهم بغير حجة وبغير وجه. العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة -بضم الحاء وفتح الراء-: تابعي ثقة. أبو السائب مولى زهرة: تابعي ثقة، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل". والحديث رواه الطبري بعد هذا موقوفًا بإسنادين. وسنذكر تخريجه في آخرهما: ٢٢٣.]] .
٢٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، قال: إذا قال العبد: "الحمد لله"، فذكر نحوه، ولم يرفعه [[الحديث ٢٢٢ - عبدة: هو ابن سليمان الكلابي، من شيوخ أحمد وإسحاق، قال أحمد: "ثقة ثقة وزيادة، مع صلاح في بدنه".]] .
٢٢٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الوليد بن كثير، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرَقَة، عن أبي السائب، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، مثله [[الحديث ٢٢٣ - أبو أسامة: هو حماد بن أسامة. الوليد بن كثير المخزومي: ثقة ثبت أخرج له الجماعة.
وهذا الحديث -بإسناديه الموقوفين- مرفوع حكمًا، وإن كان في هاتين الروايتين موقوفًا لفظًا. فإن هذا مما لا يعلم بالرأي، ولا يدخل فيه مناط الاجتهاد.
ثم إن الرفع زيادة من الثقة، وهي مقبولة. وفوق هذا كله، فإنه لم ينفرد برفعه راويه في الإسناد الأول، وهو المحاربي، بل ورد بأسانيد أخر مرفوعًا.
وهو قطعة من حديث طويل، رواه مالك في الموطأ: ٨٤ - ٨٥ عن العلاء بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد مرفوعًا. وكفى بمالك حجة في التوثق من رفعه لفظا فوق رفعه حكمًا. وكذلك رواه مسلم ١: ١٦٦ (٤: ١٠١ - ١٠٤ من شرح النووي) ، من طريق مالك، ومن طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق ابن جريج، ومن طريق أبي أويس -كلهم عن العلاء عن أبي السائب، به مرفوعًا. وزاد أبو أويس عن العلاء قال: "سمعت من أبي ومن أبي السائب، وكانا جليسي أبي هريرة. . . "، فذكره مرفوعا.
ونسبه السيوطي ١: ٦ لسفيان بن عيينة في تفسيره، وأبي عبيدة في فضائله، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، وغيرهم. وذكر ابن كثير ١: ٢٤ - ٢٥ بعض طرقه مفصلة.]] .
٢٢٤- حدثني صالح بن مسمار المروزي، قال: حدثنا زيد بن الحُبَاب، قال: حدثنا عَنْبسة بن سعيد، عن مُطَرِّف بن طَرِيف، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله عز وجلّ: "قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي نِصْفين، وله ما سَأل". فإذا قال العبد: "الحمدُ لله ربّ العالمين" قال الله: "حمدَني عَبدي"، وإذا قال: "الرحمن الرحيم"، قال: "أثنى عليّ عَبدي"، وإذا قال: "مالكِ يَومِ الدين" قال: "مجَّدني عَبدي" قال: "هذا لي، وما بقي" [[الحديث ٢٢٤ - هذا إسناد جيد صحيح. صالح بن مسمار السلمي المروزي: ثقة، روى عنه مسلم في صحيحه، وقال أبو حاتم: "صدوق"، كما في كتاب ابنه ٢ / ١ / ٤١٥، وذكره ابن حبان في الثقات. عنبسة بن سعيد الضريس الرازي قاضي الري: ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم، وصرح البخاري في الكبير ٤ / ١ / ٣٥ بأنه يروي عن مطرف. و "الضريس": بضم الضاد المعجمة وآخره سين مهملة، كما ضبطه الحافظ في التقريب. مطرف بن طريف: ثقة ثبت، أخرج له الجماعة. سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: ثقة لا يختلف فيه، كما قال ابن عبد البر، وهو من شيوخ مالك. وروايته عن جابر متصلة، لأنه يروي عن أبيه "إسحاق بن كعب" يوم الحرة سنة ٦٣، وقد عاش جابر بعدها أكثر من عشر سنين.
والحديث ذكره السيوطي ١: ٦ ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما. وذكره ابن كثير ١: ٢٥ عن هذا الموضع من الطبري - ووقع في إسناده غلط مطبعي - وقال: "وهذا غريب من هذا الوجه" ّ ولعله يريد أنه لم يروه أحد من حديث جابر إلا بهذا الإسناد. وليس من ذلك باس، وقد ثبت معناه من حديث أبي هريرة، فهو شاهد قوي لصحته.]] . "آخرُ تفسيرِ سُورَةِ فَاتِحةُ الكتابِ".
tabary
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
(7)
صراط الذين أنعمت عليهم
وقوله :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
إبانة عن الصراط المستقيم أي الصراط هو , إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطا مستقيما , فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم , صراط الذين أنعمت عليهم , بطاعتك وعبادتك من ملائكتك , وأنبيائك , والصديقين , والشهداء , والصالحين . وذلك نظير ما قال ربنا جل ثناؤه في تنزيله :
{ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين }
4 66 : 69 قال أبو جعفر : فالذي أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أن يسألوه ربهم من الهداية للطريق المستقيم , هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته . وذلك الطريق هو طريق الذي وصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله , ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم , أن يورده مواردهم , والله لا يخلف الميعاد . وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس وغيره . 158 - حدثنا محمد بن العلاء , قال : حدثنا عثمان بن سعيد , قال : حدثنا بشر بن عمار , قال : حدثنا أبو روق , عن الضحاك , عن ابن عباس :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
يقول : طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين , الذين أطاعوك وعبدوك. 159 - وحدثني أحمد بن حازم الغفاري , قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر عن ربيع :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
قال : النبيون. 160 - وحدثني القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس :
{ أنعمت عليهم }
قال : المؤمنين. 161 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : قال وكيع
{ أنعمت عليهم }
: المسلمين . 162 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
قال : النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه . قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم وتوفيقه إياهم لها . أولا يسمعونه يقول :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟ فإن قال قائل : وأين تمام هذا الخبر , وقد علمت أن قول القائل لآخر : أنعمت عليك , مقتض الخبر عما أنعم به عليه , فأين ذلك الخبر في قوله :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟ قيل له : قد قدمنا البيان فيما مضى من كتابنا هذا عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض إذا كان البعض الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيا منه , فقوله :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
من ذلك ; لأن أمر الله جل ثناؤه عباده بمسألته المعونة وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم لما كان متقدما قوله :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
الذي هو إبانة عن الصراط المستقيم , وإبدال منه , كان معلوما أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم هو المنهاج القويم والصراط المستقيم الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفا , فكان ظاهر ما ظهر من ذلك مع قرب تجاور الكلمتين مغنيا عن تكراره كما قال نابغة بني ذبيان : كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن يريد كأنك من جمال بني أقيش جمل يقعقع خلف رجليه بشن , فاكتفى بما ظهر من ذكر الجمال الدال على المحذوف من إظهار ما حذف . وكما قال الفرزدق بن غالب : ترى أرباقهم متقلديها إذا صدئ الحديد على الكماة يريد : متقلديها هم , فحذف
" هم "
إذ كان الظاهر من قوله :
" وأرباقهم "
دالا عليها . والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى , فكذلك ذلك في قوله :
{ صراط الذين أنعمت عليهم }
غير المغضوب عليهم
القول في تأويل قوله تعالى :
{ غير المغضوب عليهم }
قال أبو جعفر : والقراء مجمعة على قراءة
" غير "
بجر الراء منها. والخفض يأتيها من وجهين : أحدهما أن يكون غير صفة للذين ونعتا لهم فتخفضها , إذ كان
" الذين "
خفضا وهي لهم نعت وصفة ; وإنما جاز أن يكون
" غير "
نعتا ل
" الذين "
, و
" الذين "
معرفة وغير نكرة ; لأن
" الذين "
بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء التي هي أمارات بين الناس , مثل : زيد وعمرو , وما أشبه ذلك ; وإنما هي كالنكرات المجهولات , مثل : الرجل والبعير , وما أشبه ذلك ; فما كان
" الذين "
كذلك صفتها , وكانت غير مضافة إلى مجهول من الأسماء نظير
" الذين "
في أنه معرفة غير موقتة كما
" الذين "
معرفة غير مؤقتة , جاز من أجل ذلك أن يكون :
{ غير المغضوب عليهم }
نعتا ل
{ الذين أنعمت عليهم }
كما يقال : لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل , يراد : لا أجلس إلا إلى من يعلم , لا إلى من يجهل . ولو كان
{ الذين أنعمت عليهم }
معرفة موقتة كان غير جائز أن يكون
{ غير المغضوب عليهم }
لها نعتا , وذلك أنه خطأ في كلام العرب إذا وصفت معرفة مؤقتة بنكرة أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها , إلا على نية تكرير ما أعرب المنعت بها . خطأ في كلامهم أن يقال : مررت بعبد الله غير العالم , فتخفض
" غير "
إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله , فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مررت بعبد الله , مررت بغير العالم . فهذا أحد وجهي الخفض في :
{ غير المغضوب عليهم }
والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها أن يكون
" الذين "
بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وجه إلى ذلك , كانت غير مخفوضة بنية تكرير الصراط الذي خفض الذين عليها , فكأنك قلت : صراط الذين أنعمت عليهم صراط غير المغضوب عليهم . وهذان التأويلان في غير المغضوب عليهم , وإن اختلفا باختلاف معربيهما , فإنهما يتقارب معناهما ; من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق فقد سلم من غضب ربه ونجا من الضلال في دينه , فسواء - إذ كان سامع قوله :
{ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم }
غير جائز أن يرتاب مع سماعه ذلك من تاليه في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط , غير غاضب ربهم عليهم مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم , ولا أن يكونوا ضلالا وقد هداهم للحق ربهم , إذ كان مستحيلا في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد - أوصف القوم مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون , أم لم يوصفوا بذلك ; لأن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها قد أنبأت عنهم أنهم كذلك وإن لم يصرح وصفهم به. هذا إذا وجهنا
" غير "
إلى أنها مخفوضة على نية تكرير الصراط الخافض الذين , ولم نجعل
{ غير المغضوب عليهم ولا الضالين }
من صفة
{ الذين أنعمت عليهم }
بل إذا حملناهم غيرهم ; وإن كان الفريقان لا شك منعما عليهما في أديانهم . فأما إذا وجهنا :
{ غير المغضوب عليهم ولا الضالين }
إلى أنها من نعمة
{ الذين أنعمت عليهم }
فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال , إذ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل , وقد يجوز نصب
" غير "
في
{ غير المغضوب عليهم }
وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء . وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرا مستفيضا , فرأي للحق مخالف وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المسلمين متجانف , وإن كان له -لو كانت القراءة جائزة به - في الصواب مخرج . وتأويل وجه صوابه إذا نصبت : أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في
" عليهم "
العائدة على
" الذين "
, لأنها وإن كانت مخفوضة ب
" على "
, فهي في محل نصب بقوله :
" أنعمت "
. فكأن تأويل الكلام إذا نصبت
" غير "
التي مع
" المغضوب عليهم "
: صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم غير مغضوب عليهم , أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين . فيكون النصب في ذلك حينئذ كالنصب في
" غير "
في قولك : مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد , فتقطع غير الكريم من عبد الله , إذ كان عبد الله معرفة مؤقتة وغير الكريم نكرة مجهولة . وقد كان بعض نحويي البصريين يزعم أن قراءة من نصب
" غير "
في
{ غير المغضوب عليهم }
على وجه استثناء
{ غير المغضوب عليهم }
من معاني صفة
{ الذين أنعمت عليهم }
كأنه كان يرى أن معنى الذين قرءوا ذلك نصبا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق , فلا تجعلنا منهم ; كما قال نابغة بني ذبيان : وقفت فيها أصيلالا أسائلها أعيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأواري معلوم أنها ليست من عداد أحد في شيء . فكذلك عنده استثنى
{ غير المغضوب عليهم }
من
{ الذين أنعمت عليهم }
وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء . وأما نحويو الكوفيين فأنكروا هذا التأويل واستخطئوه , وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة لكان خطأ أن يقال :
{ ولا الضالين }
لأن
" لا "
نفي وجحد , ولا يعطف بجحد إلا على جحد ; وقالوا : لم نجد في شيء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد , وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء , وبالجحد على الجحد فيقولون في الاستثناء : قام القوم إلا أخاك وإلا أباك ; وفي الجحد : ما قام أخوك , ولا أبوك ; وأما قام القوم إلا أباك ولا أخاك , فلم نجده في كلام العرب ; قالوا : فلما كان ذلك معدوما في كلام العرب وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله , علمنا إذ كان قوله :
{ ولا الضالين }
معطوفا على قوله :
{ غير المغضوب عليهم }
أن
" غير "
بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء , وأن تأويل من وجهها إلى الاستثناء خطأ . فهذه أوجه تأويل
{ غير المغضوب عليهم }
. باختلاف أوجه إعراب ذلك . وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه , وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن , لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله , فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه , لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته . والصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا القول الأول , وهو قراءة :
{ غير المغضوب عليهم }
بخفض الراء من
" غير "
بتأويل أنها صفة ل
{ الذين أنعمت عليهم }
ونعت لهم ; لما قد قدمنا من البيان إن شئت , وإن شئت فبتأويل تكرار وصراط
" كل ذلك صواب حسن . فإن قال لنا قائل : فمن هؤلاء المغضوب عليهم الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم ؟ قيل : هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في تنزيله فقال :
{ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل }
5 60 فأعلمنا جل ذكره بمنه ما أحل بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه , ثم علمنا , منه منه علينا , وجه السبيل إلى النجاة , من أن يحل بنا مثل الذي حل بهم من المثلات , ورأفة منه بنا . فإن قيل : وما الدليل على أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت ؟ قيل : 163 - حدثني أحمد بن الوليد الرملي , قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي , قال : حدثنا سفيان بن عيينة , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن الشعبي , عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المغضوب عليهم : اليهود . * - وحدثنا محمد بن المثنى , قال : حدثنا محمد بن جعفر , قال : حدثنا شعبة عن سماك بن حرب , قال : سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "
إن المغضوب عليهم : اليهود
". * - وحدثني علي بن الحسن , قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن , قال : حدثنا محمد بن مصعب , عن حماد بن سلمة , عن سماك بن حرب , عن مري بن قطري , عن عدي بن حاتم قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله جل وعز :
{ غير المغضوب عليهم }
قال : "
هم اليهود
" . 164 -وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي , قال : حدثنا بشر بن المفضل , قال : حدثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر وادي القرى فقال : من هؤلاء الذين تحاصر يا رسول الله ؟ قال : "
هؤلاء المغضوب عليهم : اليهود
" . * - وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : حدثنا ابن علية , عن سعيد الجريري , عن عروة , عن عبد الله بن شقيق , أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. 165 - وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أنبأنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر , عن بديل العقيلي , قال : أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين , فقال : يا رسول الله من هؤلاء ؟ قال : "
المغضوب عليهم " وأشار إلى اليهود . * - وحدثنا القاسم بن الحسن , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثنا خالد الواسطي , عن خالد الحذاء , عن عبد الله بن شقيق , أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر نحوه 166 - وحدثنا أبو كريب , قال : حدثنا عثمان بن سعيد , قال : حدثنا بشر بن عمار , قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك , عن ابن عباس :
{ غير المغضوب عليهم }
يعني اليهود الذين غضب الله عليهم . 167 -وحدثني موسى بن هارون الهمداني , قال : حدثنا عمرو بن طلحة , قال : حدثنا أسباط بن نصر , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
{ غير المغضوب عليهم }
هم اليهود . 168 -وحدثنا ابن حميد الرازي , قال : حدثنا مهران , عن سفيان , عن مجاهد , قال :
{ غير المغضوب عليهم }
قال : هم اليهود . 169 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري , قال : حدثنا عبد الله , عن أبي جعفر , عن ربيع :
{ غير المغضوب عليهم }
قال : اليهود . 170 - وحدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس :
{ غير المغضوب عليهم }
قال : اليهود . 171 -وحدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب . قال : قال ابن زيد :
{ غير المغضوب عليهم }
اليهود . 172 - وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : حدثني ابن زيد , عن أبيه , قال :
{ المغضوب عليهم }
اليهود. قال أبو جعفر : واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره ; فقال بعضهم : غضب الله على من غضب عليه من خلقه إحلال عقوبته بمن غضب عليه , إما في دنياه , وإما في آخرته , كما وصف به نفسه جل ذكره في كتابه فقال :
{ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين }
43 55 وكما قال :
{ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير }
وقال بعضهم : غضب الله على من غضب عليه من عباده ذم منه لهم ولأفعالهم , وشتم منه لهم بالقول . وقال بعضهم : الغضب منه معنى مفهوم , كالذي يعرف من معاني الغضب . غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبات , فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم ; لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات , ولكنه له صفة كما العلم له صفة , والقدرة له صفة على ما يعقل من جهة الإثبات , وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد التي هي معارف القلوب وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها .ولا الضالين
القول في تأويل قوله تعالى :
{ ولا الضالين }
قال أبو جعفر : كان بعض أهل البصرة يزعم أن
" لا "
مع
" الضالين "
أدخلت تتميما للكلام والمعنى إلغاؤها , ويستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج : في بئر لا حور سرى وما شعر ويتأوله بمعنى : في بئر حور سرى , أي في بئر هلكة , وأن
" لا "
بمعنى الإلغاء والصلة . ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم : فما ألوم البيض أن لا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا وهو يريد : فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص : ويلحينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل يريد : ويلحينني في اللهو أن أحبه. وبقوله تعالى :
{ ما منعك ألا تسجد }
7 12 يريد أن تسجد . وحكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول
" غير "
التي
" مع المغضوب عليهم "
أنها بمعنى
" سوى "
, فكان معنى الكلام كان عنده : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم الذين هم سوى المغضوب والضالين . وكان بعض نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله , ويزعم أن
" غير "
التي
" مع المغضوب عليهم "
لو كانت بمعنى
" سوى "
لكان خطأ أن يعطف عليها ب
" لا "
, إذ كانت
" لا "
لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل : عندي سوى أخيك , ولا أبيك ; لأن
" سوى "
ليست من حروف النفي والجحود ; ويقول : لما كان ذلك خطأ في كلام العرب , وكان القرآن بأفصح اللغات من لغات العرب. كان معلوما أن الذي زعمه القائل أن
" غير مع المغضوب "
عليهم بمعنى :
" سوى المغضوب عليهم "
خطأ , إذ كان قد كر عليه الكلام ب
" لا "
. وكان يزعم أن
" غير "
هنالك إنما هي بمعنى الجحد . إذ كان صحيحا في كلام العرب وفاشيا ظاهرا في منطقها توجيه
" غير "
إلى معنى النفي ومستعملا فيهم : أخوك غير محسن ولا مجمل , يراد بذلك أخوك لا محسن , ولا مجمل , ويستنكر أن تأتي
" لا "
بمعنى الحذف في الكلام مبتدأ ولما يتقدمها جحد , ويقول : لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مبتدأ قبل دلالة تدل , على ذلك من جحد سابق , لصح قول قائل قال : أردت أن لا أكرم أخاك , بمعنى : أردت أن أكرم أخاك . وكان يقول : ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك دلالة واضحة على أن
" لا "
تأتي مبتدأة بمعنى الحذف , ولما يتقدمها جحد. وكان يتأوله في
" لا "
التي في بيت العجاج الذي ذكرنا أن البصري استشهد به بقوله إنها جحد صحيح , وأن معنى البيت : سرى في بئر لا تحير عليه خيرا , ولا يتبين له فيها أثر عمل , وهو لا يشعر بذلك ولا يدري به. من قولهم : طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا ; أي لم يتبين لها أثر عمل. ويقول في سائر الأبيات الأخر , أعني مثل بيت أبي النجم : فما ألوم البيض أن لا تسخرا إنما جاز أن تكون
" لا "
بمعنى الحذف , لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام , فكان الكلام الآخر مواصلا للأول , كما قال الشاعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر فجاز ذلك , إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام. قال أبو جعفر : وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأول , إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه ب
" لا "
التي معناها الحذف , ولا جائز العطف بها على
" سوى "
, ولا على حرف الاستثناء . وإنما ل
" غير "
في كلام العرب معان ثلاثة : أحدها الاستثناء , والآخر الجحد , والثالث سوى , فإذا ثبت خطأ
" لا "
أن يكون بمعنى الإلغاء مبتدأ وفسد أن يكون عطفا على
" غير "
التي مع
" المغضوب عليهم "
, لو كانت بمعنى
" إلا "
التي هي استثناء , ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى
" سوى "
, وكانت
" لا "
موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها , صح وثبت أن لا وجه ل
" غير "
التي مع
" المغضوب عليهم "
يجوز توجيهها إليه على صحة إلا بمعنى الجحد والنفي , وأن لا وجه لقوله :
" ولا الضالين "
, إلا العطف على
" غير المغضوب عليهم "
. فتأويل الكلام إذا إذ كان صحيحا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم ولا الضالين . فإن قال لنا قائل : ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم , أو نضل ضلالهم ؟ قيل : هم الذين وصفهم الله في تنزيله , فقال :
{ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل }
5 77 فإن قال : وما برهانك على أنهم أولاء ؟ قيل : 173 - حدثنا أحمد بن الوليد الرملي , قال : حدثنا عبد الله بن جعفر , قال : حدثنا سفيان بن عيينة , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن الشعبي , عن عدي بن أبي حاتم , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
{ ولا الضالين }
قال :
" النصارى "
* -حدثنا محمد بن المثنى , أنبأنا محمد بن جعفر , أنبأنا شعبة عن سماك , قال : سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم , قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن الضالين : النصارى "
. * - وحدثني علي بن الحسن , قال : حدثنا مسلم وعبد الرحمن , قالا : حدثنا محمد بن مصعب , عن حماد بن سلمة , عن سماك بن حرب , عن مري بن قطري , عن عدي بن حاتم , قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله
{ ولا الضالين }
قال :
" النصارى هم الضالون "
. 174 -وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي , قال : حدثنا بشر بن المفضل , قال : حدثنا الجريري , عن عبد الله بن شقيق : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر وادي القرى قال : قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الضالون : النصارى
" . * - وحدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : حدثنا ابن علية , عن سعيد الجريري , عن عروة , يعني ابن عبد الله بن قيس , عن عبد الله بن شقيق , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه . * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : حدثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر عن بديل العقيلي , قال : أخبرني عبد الله بن شقيق , أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال : يا رسول الله من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الضالون "
, يعني النصارى . * - وحدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين , قال : حدثنا خالد الواسطي , عن خالد الحذاء , عن عبد الله بن شقيق , أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم , وهو محاصر وادي القرى وهو على فرس من هؤلاء ؟ قال :
" الضالون "
يعني النصارى . 175 - وحدثنا محمد بن حميد , قال : حدثنا مهران , عن سفيان , عن مجاهد :
{ ولا الضالين }
قال : النصارى . 176 -وحدثنا أبو كريب , قال : حدثنا عثمان بن سعيد , عن بشر بن عمار , قال : حدثنا أبو روق , عن الضحاك , عن ابن عباس :
{ ولا الضالين }
قال : وغير طريق النصارى الذين أضلهم الله بفريتهم عليه . قال : يقول : فألهمنا دينك الحق , وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له , حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلنا كما أضللت النصارى فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك . 177 - وحدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس الضالين : النصارى . 178 - وحدثني موسى بن هارون الهمداني , قال : حدثنا عمرو بن حماد , قال : حدثنا أسباط بن نصر , عن إسماعيل السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن محمد الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ولا الضالين : هم النصارى . 179 - وحدثني أحمد بن حازم الغفاري , قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر , عن ربيع : ولا الضالين : النصارى . 180 -وحدثني يونس بن عبد الأعلى , قال أخبرنا ابن وهب , قال : قال عبد الرحمن بن زيد :
{ ولا الضالين }
النصارى . 181 -وحدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب , قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد , عن أبيه . قال :
{ ولا الضالين }
النصارى . قال أبو جعفر : وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم فضال عند العرب لإضلاله وجه الطريق , فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضلالا لخطئهم في الحق منهج السبيل , وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم . فإن قال قائل : أوليس ذلك أيضا من صفة اليهود ؟ قيل : بلى. فإن قال : كيف خص النصارى بهذه الصفة , وخص اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم ؟ قيل : إن كلا الفريقين ضلال مغضوب عليهم , غير أن الله جل ثناؤه وسم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به إذا ذكره لهم , أو أخبرهم عنه , ولم يسم واحدا من الفريقين إلا بما هو له صفة على حقيقته , وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه. وقد ظن بعض أهل الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله :
{ ولا الضالين }
وإضافته الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه , وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنهم المغضوب عليهم , دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية جهلا منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه . ولو كان الأمر على ما ظنه الغبي الذي وصفنا شأنه لوجب أن يكون شأن كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره , وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب فالحق فيه أن يكون مضافا إلى مسببه , ولو وجب ذلك لوجب أن يكون خطأ قول القائل :
" تحركت الشجرة "
إذا حركتها الرياح , و
" اضطربت الأرض "
إذا حركتها الزلزلة , وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب . وفي قول الله جل ثناؤه :
{ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم }
10 22 بإضافته الجري إلى الفلك , وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها , ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله :
{ ولا الضالين }
وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى تصحيحا لما ادعى المنكرون أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجله وجدت أفعالهم , مع إبانة الله عز ذكره نصا في آي كثيرة من تنزيله أنه المضل الهادي ; فمن ذلك قوله جل ثناؤه :
{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون }
45 23 فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره. ولكن القرآن نزل بلسان العرب , على ما قد قدمنا البيان عنه في أول الكتاب . ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه , وإن كان مسببه غير الذي وجد منه أحيانا , وأحيانا إلى مسببه , وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبا ويوجده الله جل ثناؤه عينا منشأة ؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه كسبا له بالقوة منه عليه والاختيار منه له , وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرا . مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن إن سألنا منهم سائل فقال : إنك قد قدمت في أول كتابك هذا في وصف البيان بأن أعلاه درجة وأشرفه مرتبة , أبلغه في الإبانة عن حاجة المبين به عن نفسه وأبينه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه , وقلت مع ذلك إن أولى البيان بأن يكون كذلك كلام الله جل ثناؤه بفضله على سائر الكلام وبارتفاع درجته على أعلى درجات البيان . فما الوجه إذ كان الأمر على ما وصفت في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات ؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان , وذلك قوله :
{ مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين }
إذ كان لا شك أن من عرف :
{ ملك يوم الدين }
فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى . وأن من كان لله مطيعا , فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه متبع , وعن سبيل من غضب عليه وضل منعدل , فما في زيادة الآيات الخمس الباقية من الحكمة التي لم تحوها الآيتان اللتان ذكرنا ؟ قيل له : إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله ولا لأمة من الأمم قبلهم . وذلك أن كل كتاب أنزله جل ذكره على نبي من أنبيائه قبله , فإنما أنزل ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , كالتوراة التي هي مواعظ وتفصيل , والزبور الذي هو تحميد وتمجيد , والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير ; لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحوي معاني ذلك كله , ويزيد عليه كثيرا من المعاني التي سائر الكتب غيره منها خال , وقد قدمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب . ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله : نظمه العجيب , ورصفه الغريب , وتأليفه البديع , الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء , وكلت عن وصف شكل بعضه البلغاء , وتحيرت في تأليفه الشعراء , وتبلدت قصورا عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء . فلم يجدوا له إلا التسليم , والإقرار بأنه من عند الواحد القهار , مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب , وترهيب , وأمر , وزجر , وقصص , وجدل , ومثل , وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء. فمهما يكن فيه من إطالة على نحو ما في أم القرآن , فلما وصفت قبل من أن الله جل ذكره أراد أن يجمع - برصفه العجيب , ونظمه الغريب , المنعدل عن أوزان الأشعار , وسجع الكهان , وخطب الخطباء , ورسائل البلغاء , العاجز عن وصف مثله جميع الأنام , وعن نظم نظيره كل العباد - الدلالة على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ; وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه , تنبيه للعباد على عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مملكته , ليذكروه بآلائه ويحمدوه على نعمائه , فيستحقوا به منه المزيد ويستوجبوا عليه الثواب الجزيل . وبما فيه من نعت من أنعم عليه بمعرفته , وتفضل عليه بتوفيقه لطاعته , تعريف عباده أن كل ما بهم من نعمة في دينهم ودنياهم فمنه , ليصرفوا رغبتهم إليه , ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والأنداد , وبما فيه من ذكره ما أحل بمن عصاه من مثلاته , وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته ; ترهيب عباده عن ركوب معاصيه , والتعرض لما لا قبل لهم به من سخطه , فيسلك بهم في النكال والنقمات سبيل من ركب ذلك من الهلاك. فذلك وجه إطالة البيان في سورة أم القرآن , وفيما كان نظيرا لها من سائر سور الفرقان , وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة . 182 - حدثنا أبو كريب , قال : حدثنا المحاربي , عن محمد بن إسحاق , قال : حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب , عن أبي السائب مولى زهرة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين , قال الله : حمدني عبدي , وإذا قال : الرحمن الرحيم , قال : أثنى علي عبدي , وإذا قال : مالك يوم الدين , قال : مجدني عبدي , فهذا لي . وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين - إلى أن يختم السورة - قال : فذاك له "
. * - حدثنا أبو كريب , قال : حدثنا عبدة , عن ابن إسحاق , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبي السائب , عن أبي هريرة , قال : إذا قال العبد : الحمد لله , فذكر نحوه , ولم يرفعه . * -حدثنا أبو كريب , قال : حدثنا أبو أسامة , قال : حدثنا الوليد بن كثير , قال : حدثني العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة , عن أبي السائب , عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. 183 - حدثني صالح بن مسمار المروزي , قال : حدثنا زيد بن الحباب , قال : حدثنا عنبسة بن سعيد , عن مطرف بن طريف , عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة , عن جابر بن عبد الله الأنصاري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وله ما سأل , فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين , قال الله : حمدني عبدي , وإذا قال الرحمن الرحيم , قال : أثنى علي عبدي , وإذا قال : مالك يوم الدين , قال : مجدني عبدي , قال : هذا لي وله ما بقي "
. آخر تفسير سورة
thaalabi — الجواهر الحسان
وقوله تعالى: اهْدِنَا: رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغ الأمر كلها، فإِذا كانت من الأعلى، فهي أَمْرٌ.
والهِدَايَةُ في اللغة: الإرشادُ، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإِرشاد وكلها إِذا تأملت راجِعةٌ إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خَلْقِ الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5] ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: 46] ، وإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: 56] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [الأنعام: 125] الآية، قال أبو المعالي [[عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالي بن أبي محمد الجويني، ولد سنة (419) ، وتفقه على والده، وقعد للتدريس بعده، وحصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الأسفراييني الإسكاف، وصار إماما، حضر درسه الأكابر، وتفقه به جماعة من الأئمة. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، ومن تصانيفه: النهاية والغياثي والإرشاد، وغيرهما. مات سنة (478) .
انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 255) ، «طبقات السبكي» (3/ 249) ، «وفيات الأعيان» (2/ 341) ، و «الأنساب» (3/ 430) ، «شذرات الذهب» (3/ 358) ، «النجوم الزاهرة» (5/ 121) ، و «معجم البلدان» (2/ 193) .]] : فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد [[ينظر: ص 486.]] .
8 أوقد جاء الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] أي: داع/ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] .
وقد جاء الهدى بمعنى الإِلهام من ذلك قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50] .
قال المفسِّرون: ألهم الحيواناتِ كلَّها إِلى منافعها.
وقد جاء الهدى بمعنى البيان من ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: 17] قال المفسِّرون: معناه: بيَّنَّا لهم.
قال أبو المعالي [[ينظر: «الإرشاد» ص (190) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 73) .]] : معناه: دعوناهُمْ، وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: 12] ، أي: علينا أنْ نبيِّن.
وفي هذا كله معنى الإِرشاد.
قال أبو المعالي: وقد ترد الهدايةُ، والمراد بها إِرشاد المؤمنين إِلى مسالك الجِنَانِ والطرقِ المفضيةِ إِلَيْهَا كقوله تعالى في صفة المجاهدين: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: 4- 5] ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: 23] ، معناه: فاسلكوهم إِليها.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 73) .]] : وهذه الهدايةُ بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضدُّ الضلالِ، وهي الواقعة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ على صحيح التأويلات، وذلك بيِّن من لفظ «الصِّرَاط» والصراط في اللغة: الطريقُ الواضِحُ ومن ذلك قول جَرِيرٍ [[جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى بن بدر الكلبي، اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد سنة (28) هـ. ومات سنة 110 هـ. في «اليمامة» . وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءا مرّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفا، وهو من أغزل الناس شعرا.
ينظر: «الأعلام» (2/ 19) ، «وفيات الأعيان» (1/ 102) ، «الشعر والشعراء» (179) ، و «خزانة الأدب» (1/ 36) .]] : [الوافر]
أَمِيرُ المُؤْمِنيِنَ على صِرَاطٍ ... إِذَا اعوج المَوَارِدُ مستقيم [[البيت في مدح هشام بن عبد الملك، ينظر: ديوانه (507) ، «شرح الديوان» لمحمد بن حبيب (1/ 218) ، «المحتسب» (1/ 43) ، «مجاز القرآن» (1/ 24) ، «تفسير الطبري» (1/ 56) ، «تفسير القرطبي» (1/ 103) ، «اللسان» (سرط) ، «الجمهرة» (2/ 330) ، «الدر المصون» (1/ 78) .
والموارد: الطرق، واحدها موردة.]] واختلف المفسِّرون في المعنى الذي استعير له «الصِّراط» في هذا الموضع: فقال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: الصراط المستقيم هنا القرآنُ [[أخرجه ابن جرير (1/ 173) (176) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 59) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 41) ، عن علي مرفوعا، وابن كثير (1/ 27) ، عن علي موقوفا عليه.
وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري: والإسناد إلى علي بن أبي طالب فيه انهيار.]] ، وقال جابرٌ: هو الإِسلام، يعني الحنيفيَّة [[أخرجه ابن جرير (178) ، وصححه الحاكم (2/ 259) ، ووافقه الذهبي. وذكره الماوردي في تفسيره (1/ 59) ، والبغوي (1/ 41) ، وابن كثير (1/ 27) ، قال: صحيح، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 40) وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، والمحاملي في «أماليه» ، والحاكم. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.]] .
وقال محمَّد بن الحنفيَّة [[محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، الإمام المعروف ب «ابن الحنفية» أمه خولة بنت جعفر الحنفية، نسب إليها. عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه: إبراهيم، وعبد الله، والحسن، وعمرو بن دينار، وخلق. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية. قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين.
ينظر: «الخلاصة» (2/ 440) ، و «تهذيب التهذيب» (9/ 354) ، و «الكاشف» (3/ 80) ، و «الثقات» (5/ 347) .]] : هو دينُ اللَّه الذي لا يَقْبَلُ مِن العِبَادِ غيره [[ذكره الماوردي في «تفسيره» (ص 59) ، وابن كثير (ص 27) ، وقال: صحيح.]] .
وقال أبو العالية: هو رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بَكْر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريق محمد ﷺ وأبي بكر وعمر [[أخرجه ابن جرير (1/ 105) برقم (184) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 59) ، والبغوي (1/ 41) ، وابن كثير (1/ ص 27، 28) ، وقال: صحيح. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 41) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم في «المستدرك» ، عن ابن عباس، وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.]] ، وهذا قويٌّ في المعنى، إلاَّ أنَّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوُّز، ويجتمع من هذه الأقوال كلِّها أنَّ الدعوة هي أنْ يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام وهو حالُ رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه.
وهذا الدعاء إِنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قوله: اهْدِنَا فيما هو حاصل عندهم: التثبيتُ والدوام، وفيما ليس بحاصل، إِما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة عليه: طلب الإرشاد إليه، فكلّ داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله، وأفعاله، ومعتقداته واختلف في المشار إِليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم، وقول ابن عبَّاس، وجمهور من المفسِّرين: أنه أراد صراط النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالِحِين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ... الآية [النساء: 66] إلى قوله: رَفِيقاً [[أخرجه ابن جرير (1/ 106) برقم (188) ، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري (1/ 178) (188) : في إسناده ضعف. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 75) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 42) .]] .
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، اعلم أنَّ حكم كل مضافٍ إلى معرفة أنْ يكون معرفة، وإنما تنكَّرت «غَيْرٌ» و «مِثْلٌ» [[هذا يكون في الإضافة المحضة المعنوية لا الإضافة غير المحضة اللفظية.]] مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إِذا قلْتَ: رأيتُ غَيْرَكَ، فكلُّ شيء سوى المخاطَبِ، فهو غيره وكذلك إِنْ قُلْتَ: رأيْتُ مثْلَكَ، فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة.
والْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهودُ، والضالُّون: النصارى قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد [[أخرجه الطبري (1/ 111- 114) بأرقام (200- 201- 202- 205- 214- 219) عن ابن زيد، ومجاهد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ. وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (1/ 77) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 42- 43) .
وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني روى عن أبيه، وعن وكيع وابن وهب، وقتيبة، وخلق. ضعّفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وغيرهم. توفي سنة (182) هـ.
ينظر: «الخلاصة» (2/ 133) (4094) ، «الجرح والتعديل» (2/ 232- 233) ، و «المغني» (2/ 380) .]] .
وروى ذلك عديّ بن حاتم [[هو: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعلب بن عمرو بن عوث بن طيّ ... وقيل في نسبه غير ذلك، أبو الطريف. وقيل: أبو وهب، الطائي.
وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بكرمه وجوده المثل، وكان هو أيضا كريما جوادا، وقد أسلم بعد أن كان نصرانيا. وروى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وثبت هو وقومه بعد موت النبي ﷺ وردت كثير من العرب، فجاء إلى أبي بكر بصدقة قومه. وأخباره في الكلام كثيرة، وسيرته بين الصحابة شهيرة. توفي سنة (67) وقيل غير ذلك.
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 8) ، «الإصابة» (4/ 228) ، «الثقات» (1/ 316) ، «الاستيعاب» (1057) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 376) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 322) ، «التاريخ الكبير» (7/ 43) ، «التاريخ الصغير» (1/ 148) ، «الجرح والتعديل» (7/ 2) .]] عن النبيّ ﷺ [[أخرجه الترمذي (5/ 204) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، حديث (2954) . -- وأحمد (4/ 378- 379) ، وابن حبان (1715- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 99- 100) ، رقم (237) ، والطبري في «تفسيره» (1/ 193- شاكر) ، رقم (208) والبيهقي في «دلائل النبوة» (5/ 340) ، كلهم من طريق سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم به مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث سماك بن حرب، وروى شعبة، عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ الحديث بطوله.
وصححه ابن حبان.
وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 43) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقد ورد هذا الحديث مرسلا.
أخرجه سعيد بن منصور (179) ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، أن رسول الله ﷺ قال لعدي بن حاتم: «المغضوب عليهم: اليهود، والنصارى هم الضالون» .
وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 43) ، وزاد نسبته إلى سفيان بن عيينة في «تفسيره» . وللحديث طرق أخرى ضعيفة أخرجها الطبري في «تفسيره» (1/ 193) .
وللحديث أيضا شاهد من حديث أبي ذر، أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 30) . وحسنه الحافظ في «الفتح» (8/ 9) فقال: وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر.]] ، وذلك بيِّن من كتاب اللَّه لأنَّ ذِكْرَ 8 ب غضَبِ اللَّه على اليهود متكرِّر فيه كقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ/ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 112] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية [المائدة: 60] وغضب اللَّه تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محناً وعقوباتٍ وذِلَّةً، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعْداً مؤكَّداً مبالغاً فيه، والنصارى كان محقِّقوهم على شِرْعَةٍ قبل ورود شرعِ محمَّد ﷺ، فلما ورد، ضلُّوا، وأما غير متحقِّقيهم، فضلالتهم متقرِّرة منذ تفرَّقت أقوالهم في عيسى عليه السلام، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .
وأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبْعُ آيات العالمين آية، الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيفٌ.
(القَوْلُ فِي «آمِينَ» )
روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا «آمِينَ» ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ فِي السَّماءِ تَقُولُ: «آميِنَ» ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه» [[أخرجه مالك (1/ 88) ، كتاب «الصلاة» ، باب التأمين خلف الإمام، الحديث (47) ، وأحمد (2/ 440) ، والبخاري (2/ 266) ، كتاب «الأذان» ، باب جهر المأموم بالتأمين، الحديث (782) ، ومسلم-- (1/ 310) ، كتاب «الصلاة» ، باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير، الحديث (87/ 415) ، وأبو داود (1/ 575) ، كتاب «الصلاة» ، باب التأمين وراء الإمام، الحديث (935) ، والنسائي (2/ 144) ، كتاب «الافتتاح» ، باب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة به بزيادة: «فإنه من وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذنبه» .
وأخرجه عبد الرزاق (2/ 97) ، كتاب «الصلاة» ، باب آمين، الحديث (2644) بزيادة، فقال: ثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وأخرجه أحمد (2/ 233) ، والنسائي (2/ 144) ، كتاب «الافتتاح» ، باب جهر الإمام بآمين، من طريق معمر به.]] .
ت: وخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ من طريق أبي موسى رضي اللَّه عنه عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليُؤمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: «آمِينَ» ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ ... »
الحديثَ [[أخرجه مسلم (2/ 283: 286- الأبي) ، كتاب «الصلاة» ، باب التشهد في الصلاة، حديث (62/ 404) ، وأبو داود (1/ 319- 320) ، كتاب «الصلاة» ، باب التشهد، حديث (972) ، والنسائي (2/ 196) ، كتاب «التطبيق» ، باب قوله، ربنا لك الحمد، حديث (1064) . وابن ماجة (1/ 276) ، كتاب «الصلاة» ، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، حديث (847) ، وأحمد (4/ 393، 394، 401، 405، 415) ، وابن خزيمة (1584، 1593) ، والبيهقي (2/ 96) ، كلهم من طريق حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا.]] . انتهى.
ومعنى «آمِينَ» عند أكثر أهل العلم: اللَّهُمَّ، استجب، أو أجبْ [[«آمين» ليست من القرآن إجماعا، ومعناها: استجب، فهي اسم فعل مبني على الفتح. وقيل: ليس اسم فعل، بل هو من أسماء الباري تعالى، والتقدير: يا آمين، وقد ضعف أبو البقاء هذا القول بوجهين:
أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يبنى على الضم لأنه منادى مفرد معرفة.
والثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية.
وفي «آمين» لغتان: المد والقصر، تقول العرب: آمين، وأمين، قال الشاعر: [الطويل]
تباعد عنّي فطحلّ إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وقال المجنون: [البسيط]
يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 54) ، و «الوسيط» (1/ 70) ، و «الدر المصون» (1/ 86) ، و «الزاهر» (1/ 161) ، و «غرائب النيسابوري» (1/ 75) ، وابن كثير (1/ 31) .]] يَا رَبِّ.
ومقتضى الآثار أنَّ كل داع ينبغي له في آخر دعائه أنْ يقول: «آمِينَ» ، وكذلك كل قارئ للحمدِ في غير صلاة، وأما في الصلاة، فيقولها المأموم والفَذُّ، وفي الإمام في الجهر اختلاف [[ذهب جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الجهر بالتأمين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال عطاء: كنت أسمع الأئمة- وذكر ابن الزّبير ومن بعده- يقولون: آمين، ويقول من خلفه:
آمين، حتى إنّ للمسجد للجّة.
ينظر: «شرح السنة» (2/ 208) .]] .
واختلف في معنى قوله ﷺ: «فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ» ، فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجَّح أنَّ المعنى: فمن وافق في الوقْتِ مع خلوصِ النيةِ والإِقبالِ على الرغبة إِلى اللَّه بقلْبٍ سليمٍ فالإِجابة تتبع حينئذ لأِنَّ من هذه حاله، فهو على الصراط المستقيم.
وفي «صحيح مُسْلِمٍ» وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت النبيّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ:
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أثنى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهدنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» [[تقدم تخريجه.]] انتهى، وعند مالك: «فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي» .
وأسند أبو بكر بن الخَطِيبِ [[أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد سنة (392) ، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر ابن الصباغ، وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب. قال ابن ماكولا: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله.
وقال الشيرازي: كان أبو بكر يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. مات (463) .
انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 240) ، «طبقات السبكي» (3/ 12) ، «وفيات الأعيان» (1/ 76) .]] عن نافعٍ [[نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني عن ابن عمر، وأنس. وعنه ابن أخيه مالك بن أنس، والزهري. وثقه أبو حاتم وغيره. قال الواقدي: هلك في إمارة أبي العباس.
ينظر: «تاريخ الإسلام» (5/ 307) ، «الثقات» (5/ 471) ، «تراجم الأحبار» (4/ 139) ، «تاريخ أسماء الثقات» (1473) ، «سير الأعلام» (5/ 283) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1404) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 409) (737) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (3/ 89) ، «الكاشف» (3/ 197) .]] عن ابن عُمَرَ [[عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن-- عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. أبو عبد الرحمن. القرشي، العدوي. ولد سنة: (3) من البعثة النبوية توفي سنة: (84) .
ينظر ترجمته في: «الإصابة» (4/ 107) ، «أسد الغابة» (3/ 340) ، «الثقات» (3/ 209) ، «شذرات الذهب» (2/ 15) ، «الجرح والتعديل» (5/ 107) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 203) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 325) ، «تقريب التهذيب» (1/ 435) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 328) .]] قال: قال النبيُّ ﷺ: «من كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» انتهى من «تَارِيخِ بَغْدَاد» ولم يذكر في سنده مَطْعَناً.
وقال ابن العربيِّ [[محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، ولد (468) هـ.، من حفاظ الحديث بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، صنف كتبا في الحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، والأدب، والتاريخ، وولي قضاء إشبيلية، من مؤلفاته «أحكام القرآن» و «المحصول» ، و «الناسخ والمنسوخ» ، وغيرها كثير، توفي (543) هـ.
ينظر: «طبقات الحفاظ» للسيوطي، «وفيات» (1/ 489) ، «نفح الطيب» (1/ 340) ، «قضاة الأندلس» (105) ، «جذوة الاقتباس» (2160) ، «الأعلام» (6/ 230) .]] في «أحكامه» [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 5) .]] : والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها على المأمومِ فيما أسر فيه، وتحريمها فيما جهر فيه، إذا سمع/ الإِمام لِمَا عليه من وجوب الإِنصاتِ 9 أوالاستماع، فإِنْ بَعُدَ عن الإِمام، فهو بمنزلة صلاة السرِّ. انتهى.
نجز تفسير سورة الحَمْدِ، والحَمْدُ للَّه بجميع محامده كلِّها ما علمْتُ منها، وما لم أعلم.
thalabi — الكشف والبيان
صِراطَ بدل من الأول الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني: طريق الذين أنعمت عليهم بالتوفيق والرعاية، والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله:
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» .
قال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى من قبل أن يغيّروا نعم الله عليهم.
وقال شهر بن حوشب هم أصحاب الرسول صلّى الله عليه ورضي عنهم وأهل بيته (عليهم السلام) . وقال عكرمة: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) بالثبات على الإيمان والاستقامة.
وقال علي بن الحسين بن داود: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء. وقال.. [[بياض في المخطوط.]] .. بن.. [[بياض في المخطوط.]] ..: بما قد سنّه محمد ﷺ. وقال الحسين بن الفضل: يعني أتممت عليهم النعمة فكم من منعم عليه.. [[بياض في المخطوط.]] ...
وأصل النعمة المبالغة والزيادة، يقال: دققت الدواء فأنعمت دقّه أي بالغت في دقه، ومنه
قول العرب النبي صلّى الله عليه وآله «إن أهل الجنة يتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب الدرّي الشرقي أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» [[الجامع الصغير: 2/ 203.]] [32] .
أي زادا عليه. وقال أبو عمرو: بالغا في الخير.
وقرأ الصادق: (صراط من أنعمت عليهم) ، وبه قرأ عمرو بن الزبير وعلي
، حرف اللام يجر ما بعده. وفي عَلَيْهِمْ سبع قراءات:
الأولى: عَلَيْهِمْ- بكسر الهاء وجزم الميم- وهي قراءة العامّة.
والثانية:
عليهُمْ- بضم الهاء وجزم الميم- وهي قراءة الأعمش وحمزة. وروي ذلك عن النبي ﷺ وعمر (رضي الله عنه) .
والثالثة: عليهُمُ- بضم الهاء والميم وإلحاق الواو- وهي قراءة عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق.
والرابعة: عليهمو- بكسر الهاء وضم الميم وإلحاق الواو- وهي قراءة ابن كثير والأعرج.
والخامسة: عليهِمِ- بكسر الهاء والميم وإلحاق الياء- وهي قراءة الحسن.
والسادسة: عليهِمُ- بكسر الهاء وضم الميم مضمومة مختلسة- وهي رواية عبد الله بن عطاء الخفّاف عن أبي عمرو.
والسابعة: عليهِمِ- بكسر الهاء والميم- وهي قراءة عمرو بن حامد.
فمن ضمّ الهاء ردّه إلى الأصل لأنه لو أفرد كان مضموما عند الابتداء به، ومن كسره فلأجل الياء الساكنة. ومن كسر الهاء وجزم الميم فإنه يستثقل الضمّ مع مجاورة الياء الساكنة، والياء أخت الكسرة والخروج من الضم إلى الكسر ثقيل. ومن ضمّ الهاء والميم أتبع فيه الضمّة.
ومن كسر الهاء وضمّ الميم فإنه كسر الهاء لأجل الياء وضمّ الميم على الأصل، والاختلاس للاستخفاف، وإلحاق الواو والياء للإتباع والله أعلم. قال الشاعر في الميم المختلسة:
والله لولا شعبة من الكرم ... وسطة في الحي من خال وعم [[كتاب المنمق للبغدادي: 130.]]
لكنت فيهم رجلا بلا قدم
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ غير: صفة الذين. والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف إلّا إن الذين ليس بمعرفة موقتة ولكنّه بمنزلة قولك: إني لأمرّ بالصادق غير الكاذب، كأنك قلت: من يصدق لا من يكذب. ولا يجوز: مررت بعبد الله غير الظريف.
ومعنى كلامه: غير صراط الذين غضبت عَلَيْهِمْ.
في معنى الغضب
واختلفوا في معنى الغضب من الله عزّ وجلّ، فقال قوم: هو إرادة الانتقام من العصاة.
وقيل: هو جنس من العقاب يضادّ والرضا. وقيل: هو ذم العصاة على قبح أفعالهم.
ولا يلحق غضب الله تعالى العصاة من المؤمنين بل يلحق الكافرين.
وَلَا الضَّالِّينَ عن الهدى.
وأصل الضلال الهلاك، يقال ضلّ الماء في اللبن إذا خفي وذهب، و: رجل ضالّ إذا أخطأ الطريق، و: مضلّل إذا لم يتوجّه لخير، قال الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا [[تفسير القرطبي: 1/ 150.]]
قال الزجاج وغيره: وإنما جاز أن يعطف ب (لا) على غير لأن غير متضمّن معنى النفي فهو بمعنى لا، مجازه: غير المغضوب عليهم وغير الضالين كما تقول: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان (غير) بمعنى سوى لم يجز أن يعطف عليها ب (لا) لأنه لا يجوز في الكلام عندي سوى عبد الله ولا زيد. وروى الخليل بن أحمد عن ابن كثير: غَيْرَ الْمَغْضُوبِ نصبا.
وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنهما-: (وغير الضالين)
، وقرأ السختياني (ولأ الضالئين) بالهمزة لالتقاء الساكنين، والله أعلم.
فأما التفسير:
فأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، أخبرنا أحمد بن حنبل ومحمد بن دينار قالا: حدّثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سماك قال: سمعت عباد بن حبيش عن عديّ بن حاتم عن النبي ﷺ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قال: «اليهود» ، وَلَا الضَّالِّينَ قال: «النصارى» [[تفسير ابن كثير: 1/ 32.]] [33] .
وأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدّثنا محمد بن عبد الله الوراق، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق عن معمر بن عبد الله بن بديل العقيلي عن عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع رسول الله ﷺ، وهو بوادي القرى على فرسه فسأله رجل من القين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: «المغضوب عليهم» ، وأشار إلى اليهود. فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ فقال: «الضالون» ، وأشار إلى النصارى [[تفسير ابن كثير: 1/ 32 بتفاوت يسير.]] [34] .
وتصديق هذا الحديث حكم الله تعالى بالغضب على اليهود في قوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [[سورة المائدة: 60.]] ، وحكم الضلال على النصارى في قوله:
وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا [[سورة المائدة: 77.]] .
وقال الواقدي: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بالمخالفة والعصيان، وَلَا الضَّالِّينَ عن الدين والإيمان.
وقال التستري: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ البدعة، وَلَا الضَّالِّينَ عن السنة.
فصل في آمين
والسنّة المستحبة أن يقول القارئ بعد فراغه من قراءة فاتحة الكتاب: آمين سواء كان في الصلاة أو غير الصلاة لما
أخبرنا عبد الله بن حامد الاصفهاني، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، حدّثنا أبو داود عن سفيان، وأخبرنا عبد الله قال: وأخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا ابن كثير، أخبرنا سفيان عن سلمة عن حجر أبي العنبس الحضرمي عن أبي قايل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ، قال: «آمين» ، ورفع بها صوته [[مسند أحمد: 4/ 316.]] [35] .
وروي عنه ﷺ أنه قال: «لقّنني جبرائيل عليه السّلام آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب» [36] .
وقال «إنّه كالخاتم على الكتاب» [[تفسير القرطبي: 1/ 127- 128.]]
وفيه لغتان: أمين بقصر الألف، وأنشد:
تباعد منّي فعطل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وآمين بمد الألف وأنشد:
يا ربّ لا تسلبني حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا [[زاد المسير: 1/ 12، تفسير القرطبي: 1/ 128.]]
وهو مبني على الفتح مثل أين.
واختلفوا في تفسيره
فأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، أخبرنا أبو العباس محمد ابن إسحاق بن أيوب، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدّثنا عبيد بن يعيش عن محمد ابن الفضل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن معنى «آمين» قال: «ربّ افعل» [37] [[الدرّ المنثور: 1/ 17، فتح القدير: 1/ 26.]] .
وقال ابن عباس وقتادة: معناه: كذلك يكون.
وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبد الله بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن نمير، أخبرنا سفيان عن منصور عن هلال بن يساف قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى، و [بذلك] [[في المخطوط: ذلك.]] قال مجاهد.
وقال سهل بن عبد الله: معناه: لا يقدر على هذا أحد سواك. وقال محمد بن علي النهدي: معناه لا تخيّب رجانا.
وقال عطية العوفي: آمين كلمة ليست بعربية، إنما هي عبرية أو سريانية ثمّ تكلمت به العرب فصار لغة لها. وقال عبد الرّحمن بن زيد: آمين كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله أحد إلّا الله عزّ وجلّ.
وقال أبو بكر الورّاق: آمين قوة للدعاء واستنزال للرحمة.
وقال الضحّاك بن مزاحم: آمين أربعة أحرف مقتطعة من أسماء الله تعالى، وهو خاتم رب العالمين يختم به براءة أهل الجنة وبراءة أهل النار، وهي الجائزة التي منها يجوزون إلى الجنة والنار [[فيض القدير: 1/ 80، ح 20.]] .
يدلّ عليه ما
أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبد الله، حدّثنا محمد بن علي الحافظ، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، حدّثنا سعيد بن جبير، حدّثنا المؤمل بن عبد الرّحمن بن عياش الثقفي، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين» [38] [[كتاب الدعاء للطبراني: 89، كنز العمّال: 1/ 559، ح 2512.]] .
أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وأربعمائة أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين بن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرّحمن بن بشر وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمّر عن همّام بن منبّه قال: حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه» [39] [[مسند أحمد: 2/ 312.]] .
وحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد بن جعفر، أخبرنا محمّد أبو الحسن محمد بن الحسن بهراة، حدّثنا رجاء بن عبد الله، حدّثنا مالك بن سليم، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عطاء قال: آمين دعاء
[وعنه عن] النبي ﷺ قال: «ما حسدكم اليهود على شيء، كما حسدوكم على آمين، وتسليم بعضكم على بعض» [40] [[المصنّف لعبد الرزّاق: 2/ 98، ح 2649.]] .
وقال وهب بن منبه: آمين على أربع أحرف، يخلق الله تعالى من كل حرف ملكا يقول:
اللهم اغفر لمن قال: آمين.
فصل في أسماء هذه السورة
هي عشرة، وكثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمّى:
الأول: فاتحة الكتاب، سمّيت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم والقراءة في الصلاة، وهي مفتتحة بالآية التي تفتتح بها الأمور تيمّنا وتبرّكا وهي التسمية. وقيل: سمّيت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. وقال الحسين بن الفضل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.
والثاني: سورة الحمد، لأن فيها ذكر الحمد، كما قيل: سورة (الأعراف) و (الأنفال) و (التوبة) ونحوها.
والثالث: أمّ الكتاب والقرآن سمّيت بذلك لأنها أوّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة فهي أصل لها كالأم للطفل، وقيل: سمّيت بذلك لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أشرف البلدان. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مقدّمة على سور القرآن، فهي أصل وإمام لما يتلوها من السور، كما أن أم القرى أصل جميع البلدان دحيت الأرض من تحتها. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يسمى أمّ الرأس لأنها مجمع الحواس والمنافع.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد المفسّر يقول: سمعت أبا بكر القفّال يقول: سمعت أبا بكر البريدي يقول: الأم في كلام العرب: الراية ينصبها العسكر.
قال قيس بن الخطيم:
نصبنا أمّنا حتى ابذعرّوا ... وصاروا بعد إلفتهم شلالا
فسمّيت أم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إليها كمفزع العسكر إلى الراية. والعرب تسمي الأرض أمّا لأنّ معاد الخلق إليها في حياتهم وبعد مماتهم، قال أمية بن أبي الصلت:
والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد [[تفسير القرطبي: 1/ 112.]]
وأنشدني أبو القاسم قال: أنشدنا أبو الحسين المظفّر محمد بن غالب الهمداني قال:
أنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدنا أبي قال: أنشدني أحمد بن عبيدة:
نأوي إلى أمّ لنا تعتصب ... كما ولها أنف عزيز وذنب
وحاجب ما إن نواريها الغصب ... من السحاب ترتدي وتنتقب [[لسان العرب: 15/ 168 باختصار.]]
يعني: نصبه كما وصف لها. وسميت الفاتحة أمّا لهذه المعاني. وقال الحسين بن الفضل:
سميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن تقرأ في كل [صلاة و] [[بياض في مصوّرة المخطوط، والأقرب ما أثبتناه.]] تقدم على كل سورة، كما أن أمّ القرى إمام لأهل الإسلام. وقال ابن كيسان: سميت بذلك لأنها تامة في الفضل.
والرابع: السبع المثاني، وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء الله.
والخامس: الوافية،
حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبي عن أمّه عن محمد بن نافع السنجري، حدّثنا أبو يزيد محبوب الشامي، حدّثنا عبد الجبار بن العلاء قال:
كان يسمي سفيان بن عيينة فاتحة الكتاب: الوافية، وتفسيرها لأنها لا تنصف ولا تحتمل الاجتزاء إلّا أن كل سورة من سور القرآن لو قرئ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة كان جائزا، ولو نصفت الفاتحة وقرئت في ركعتين كان غير جائز.
والسادس: الكافية،
أخبرنا أبو القاسم السدوسي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن مالك المسوري، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عمران قال: حدّثنا سهيل بن [محمّد] [[كذا الظاهر.]] ، حدّثنا عفيف بن سالم قال: سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام فقال: عن الكافية تسأل؟
قلت: وما الكافية؟ قال: أما علمت أنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. إياك أن تصلي إلّا بها.
وتصديق هذا الحديث ما
حدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر المفسر، حدّثنا عبد الرّحمن بن عمر ابن مالك الجوهري بمرو، حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن يسار، عن محمد بن عباد الاسكندراني عن أشهب بن عبد العزيز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّ القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها منها عوضا» [[كنز العمّال: 1/ 558، إرواء الغليل: 2/ 11.]] [41] .
والسابع: الأساس،
حدّثنا أبو القاسم الحسين بن محمد المذكر، حدّثنا أبو عمرو بن المعبّر محمد بن الفضل القاضي بمرو، حدّثنا أبو هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود بن معاد، أخبرنا وكيع قال: إن رجلا أتى الشعبي فشكا إليه وجع الخاصرة، فقال:
عليك بأساس القرآن. قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب. قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس غير مرّة يقول: إن لكل شيء أساسا وأساس العمارة مكة لأنها منها دحيت الأرض وأساس السماوات غريبا [[في تفسير القرطبي (1/ 113) عريبا.]] ، وهي السماء السابعة، وأساس الأرض عجيبا، وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرّة الجنان، وعليها أسّست الجنان، وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى وعليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم عليه السّلام، وأساس الأنبياء نوح عليه السّلام، وأساس بني إسرائيل يعقوب، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى.
والثامن: الشفاء،
حدّثنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتّب لفظا، حدّثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الرفّاء، أخبرنا محمد بن أيوب الواقدي، حدّثنا أبو عمرو بن العلاء، حدّثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «فاتحة الكتاب شفاء من كل سمّ» [[تفسير القرطبي: 1/ 112.]] [42] .
وأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه، حدّثنا أبو الحسين محمّد بن الحسن الصفار الفقيه، حدّثنا أبو العباس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا معاوية بن صالح، عن أبي سليمان قال:
مرّ أصحاب رسول الله ﷺ في بعض غزواتهم على رجل مقعد متربّع فقرأ بعضهم في أذنه شيئا من القرآن فبرئ، فقال رسول الله ﷺ: «هي أمّ القرآن، وهي شفاء من كل داء» [[سنن الدارمي: 2/ 445، بتفاوت.]] [43] .
أخبرنا أحمد بن أبيّ الخوجاني، أخبرنا الهيثم بن كليب الشامي، حدّثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا سعيد بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمّه قال: جاء عمي من عند رسول الله ﷺ، فمرّوا بحيّ من الأعراب، فقالوا: انّا نراكم قد جئتم من عند هذا الرسول، إنّ عندنا رجلا مجنونا مخبولا، فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فقال عمّي: نعم. فجيء به، فجعل عمي يقرأ أمّ القرآن وبزاقه فإذا فرغ منها بزق فجعل ذلك ثلاثة أيام، فكأنّما أهبط من جبال، قال عمي: فأعطوني عليه جعلا، فقلت: لا نأكله حتى نسأل رسول الله ﷺ. فسأله، فقال: «كله، فمن الحلّ ترقيه بذلك. لقد أكلت برقية حق» [[بتفاوت في سنن أبي داود: 2/ 129، ح 3421.]] .
والتاسع: الصلاة، قد تواترت الأخبار بأن الله تعالى سمّى هذه السورة، وهو ما يعرف انّه لا صلاة إلّا بها.
أخبرنا عبد الله بن حامد وأحمد بن يوسف بقراءتي عليهما قالا: أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأته على ابن نافع، وحدّثنا مطرف عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرّحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله عزّ وجلّ: قسمت الصلاة- يعني هذه السورة- بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، فإذا قرأ العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله تعالى: أثنى عليّ عبدي.
وإذا قال العبد: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله: مجّدني عبدي. وإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها قال: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل [[تفسير القرطبي: 1/ 121، مسند أحمد: 2/ 285، بتفاوت.]] [44] .
والعاشر: سورة تعلم المسألة لأن الله تعالى علّم فيه عباده آداب السؤال، فبدأ بالثناء ثم الدعاء، وذلك سبب النجاح والفلاح.
القول في وجوب قراءة هذه السورة في الصلاة.
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدّثنا بشر بن مطير، حدّثنا سفيان، حدّثنا العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه أنه سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلّى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب [[في المصدر: بأمّ القرآن.]] فهي خداج- ثلاث مرات- غير تمام» [[شرح مسلم: 4/ 101، تفسير القرطبي: 1/ 119.]] [45] .
وأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا ابن عباس، حدّثنا عبد الرّحمن بن بشر، حدّثنا ابن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»
[46] .
أخبرنا عبد الله، أخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا أبو قبيصة، حدّثنا سفيان عن جعفر بن علي بيّاع الأنماط عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: «لا صلاة إلّا بقراءة فاتحة الكتاب» [[مسند أحمد: 2/ 428.]] [47] .
وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى، حدّثنا مسدّد، حدّثنا عبد الوارث بن حنظلة السدوسي قال: قلت لعكرمة: إنّي ربّما قرأت في المغرب قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وأنّ الناس يعيبون عليّ ذلك، فقال: سبحان الله اقرأ بهما فإنّهما من القرآن، ثمّ قال: حدّثنا ابن عبّاس أنّ النبي ﷺ خرج فصلّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلّا بفاتحة الكتاب لم يزد على ذلك غيره.
وأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العبّاس الأصمّ، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدّثنا الشافعي، حدّثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب» [[مسند أحمد: 5/ 314، وكتاب المسند للشافعي: 36.]]
واحتجّ من أجاز الصلاة بغيرها بقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وأخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد بقراءتي عليه أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا أبو المثنّى حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عمر قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل وصلّى ثم جاء فسلّم على رسول الله ﷺ فقال: «ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ» حتى فعل ذلك ثلاث مرات. قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا ما أحسن غير هذا، فعلّمني. قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تَيَسَّرَ معك مِنَ الْقُرْآنِ ثم اركع» [48] [[مسند أحمد: 2/ 437.]] .
وهذه اللفظة يحتمل أنه أراد أن كل ما وقع عليه اسم قرآن وجهل إنما يراد سورة بعينها، فلمّا احتمل الوجهين نظرنا فوجدنا النبي ﷺ صلّى بفاتحة الكتاب وأمر بها [وشدّد على] [[سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.]] من تركها، فصار هذا الخبر مجملا، والأخبار التي رويناها مفسرة، والمجمل يدل على المفسر، وهذا كقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [[سورة البقرة: 196.]] ثم لم يجز أحد [ترك الهدي] [[كذا الظاهر.]] بل ثبتها رسول الله ﷺ بالصفة أن لا يكون أعور ولا أعرج ولا معيوبا، فكذلك أراد بقوله عزّ وجلّ وقول رسول الله ﷺ ما فسّر بالصفة التي بينها أن تكون سورة الحمد إذا أحسنها، وقدرها إذا لم يحسنها. فبالعلة التي أوجبوا قراءة آية تامة مع قوله: «ما تَيَسَّرَ» له وجه ظاهره العلم، والله أعلم.
ذكر وجوب قراءتها على المأموم كوجوبها على الإمام واختلاف الفقهاء فيه:
قال مالك بن أنس: يجب عليه قراءتها إذا خافت الإمام، فأمّا إذا جهر فليس عليه [شيء] .
وبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد: يلزمه القراءة أسرّ الإمام أو جهر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يلزمه القراءة خافت أو جهر.
واتّفق المسلمون على أن صلاته [صحيحة] إذا قرأ خلف الإمام [[راجع الشرح الكبير لابن قدامة: 2/ 12.]] .
والدليل على وجوب القراءة على المأموم كوجوبها على الإمام ما
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن أبي إسحاق، حدّثنا مكحول، وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أحمد بن عبد الرّحمن بن سهل، حدّثنا سهل بن عمار، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود ابن الربيع عن عبادة ابن الصامت قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح فثقلت عليه القراءة فلمّا انصرف رسول الله ﷺ من صلاته أقبل علينا بوجهه وقال: «إني لأراكم تقرؤون خلفي؟» [[في المصدر: وراء إمامكم.]] . قلنا: أجل والله يا رسول الله هذا. قال: «فلا تفعلوا إلّا بأمّ الكتاب فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» [[صحيح ابن خزيمة: 3/ 36.]] [49] .
وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وجابر وابن مسعود وعمران بن حصين وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وهشام بن عامر ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وجماعة كبيرة من التابعين وأئمة المسلمين روي عنهم جميعا أنهم رأوا القراءة خلف الإمام واجبة.
ووجه القول القديم ما
روى سفيان عن عاصم بن أبي النجود، عن ذكوان، عن أبي هريرة وعائشة أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر.
واحتج أبو حنيفة وأصحابه بما
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا الوليد ابن حمّاد اللؤلؤي: حدّثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدّثنا أبو حنيفة عن الحسن عن عبد الله بن شدّاد بن الماد عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: «من صلّى خلف امام فإنّ قراءة الإمام له قراءة» [50] [[نصب الراية: 2/ 16.]] .
وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن يونس، حدّثنا الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» [51] [[مسند أحمد: 3/ 339.]] .
فأمّا حديث عبد الله بن شدّاد فهو مرسل، رواه شعبة وزائدة وابن عينية وأبو عوانة وإسرائيل وقيس وجرير وأبو الأحوص مرسلا، والمرسل لا تقوم به حجّة، والوليد بن حماد والحسن لا يدرى من هما. وأما خبر جابر الجعفي فهو ساقط، قال زائدة: جابر كذاب، وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر. وقال ابن عينية: كان جابر لا يوقن بالرجعة.
وقال شعبة: قال لي جابر: دخلت إلى محمد بن علي فسقاني شربة وحفظت عشرين ألف حديث.
ولا خلاف بين أهل النقل في سقوط الاحتجاج بحديثه.
وقد روي عن جابر بن عبد الله ما خالف هذه الأخبار،
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، أخبرنا سعد بن عامر، عن شعبة، عن مسعر عن يزيد بن الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام
، ومحال أن يروي جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن قراءة الإمام قراءة المأموم ثم يقرأ خلف الإمام ويأمر به مخالفة للنبي ﷺ.
واحتجوا أيضا بما
روي عن عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهيل عن عوان عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يكفيك قراءة الإمام جهر أو لم يجهر» [52] [[نصب الراية: 2/ 18، سنن الدارقطني: 1/ 327، بتفاوت.]] .
وهذا الحديث أيضا لا يثبته أهل المعرفة بالحديث لأنه غير متن الحديث، وإنما الخبر الصحيح فيه عن أبي هريرة ما
أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدّثنا العباس ابن محمد الدوري، حدّثنا بشر بن كلب، حدّثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج غير تمام» [[معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: 132.]] . قال: فقلت له: إذا كان خلف الإمام؟ قال: فأخذ بذراعي وقال: «يا فارسي- أو قال: يا ابن الفارسي- اقرأ بها في نفسك» [53] [[مسند الحميدي: 2/ 430.]] .
واحتجوا أيضا بما
روى أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرءون خلف النبي ﷺ فقال: «خلطتم عليّ القرآن» [[مجمع الزوائد: 2/ 110.]] .
وهذا الخبر فيه نظر، ولو صحّ لكان المنع من القراءة كما
رواه النضر بن شميل.
أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال لقوم يقرءون القرآن ويجهرون به: «خلطتم عليّ القرآن» [54] [[مجمع الزوائد: 2/ 110.]]
، فليس في نهيه عن القراءة خلف الإمام جهرا ما يمنع عن القراءة سرّا. ونحن لا نجيز الجهر بالقراءة خلف الإمام لما فيه من سوء الأدب والضرر الظاهر.
وقد روى يحيى بن عبد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضي قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلّي، فإنه يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» [55] [[مسند أحمد: 2/ 129، مجمع الزوائد: 2/ 265، بتفاوت.]] .
ودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن زياد الأشعري قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر. وكذلك الجواب عن احتجاجهم
بخبر عمران بن الحصين قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر والعصر فلما انصرف قال: أيّكم قرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [[سورة الأعلى: 1.]] ، قال رجل: أنا ولم أرد به إلّا الخير. فقال رسول الله ﷺ: «قد عرفت أن بعضكم خالجنيها» [56] [[مسند أحمد: 4/ 426.]] .
واحتجّوا أيضا
بحديث أبي هريرة: فإذا قرأ فأنصتوا، وليس الإنصات بالسكوت فقط إنّما الإنصات أن تحسن استماع الشيء ثم يؤدى كما سمع
، يدل عليه قوله تعالى في قصّة الجن:
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا [[سورة الأحقاف: 29- 30.]] .
وقد يسمى الرجل منصتا وهو قارئ مسبّح إذا لم يكن جاهرا به، ألا ترى
أن النبي ﷺ قال: «من أتى الجمعة فأنصت ولم يلغ حتى يصلي الإمام كان له كذا وكذا» [57] [[مسند أحمد: 4/ 10، سنن الدارمي: 1/ 363، بتفاوت.]] .
فسمّاه منصتا وإن كان مصلّيا ذاكرا،
وقيل للنبيّ ﷺ: ما تقول أيضا؟ قال: «أقول اللهمّ اغسلني من خطاياي»
فدلّ أنّ الإنصات وهو ترك الجهر بالقراءة دون المخافتة بها، يدل عليه ما
أخبرنا به أبو القاسم الحسين، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن محمد، حدّثنا عبيد بن السكن، حدّثنا إسماعيل بن عباس، أخبرنا محمد بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى صلاة مكتوبة أو سبحة فليقرأ بأمّ القرآن» [[المصنّف لعبد الرزّاق: 2/ 133، وكنز العمّال: 7/ 442، ح 19688.]] .
قال: قلت: يا رسول الله، إني ربما أكون وراء الإمام.
قال ﷺ: «اقرأ إذا سكت إنما جعل الإمام ليؤتمّ به» [58] [[مسند أحمد: 2/ 314، وسنن الدارمي: 1/ 287، وصحيح البخاري: 1/ 100.]] .
قد رواه الثقات الأثبات عن أبي هريرة مثل الأعرج وهمام بن منبّه وقيس بن أبي حازم وأبي صالح وسعيد المقبري والقاسم بن محمد وأبي سلمة، ولم يذكروا: (وإذا قرأ فأنصتوا) .
وأمّا احتجاجهم بقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [[سورة الأعراف: 204.]] ، فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
آخر السورة، وبالله التوفيق.
wahidi_basit — التفسير البسيط
قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾: (صراط) بدل من (الصراط) الأول [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 164، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 124، "تفسير ابن عطية" 1/ 121، "البيان في غريب القرآن" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 68، وقال الزجاج: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صفة لقوله ﴿الصراط المستقيم﴾، "معاني القرآن" 1/ 12.]]، وهو بدل الشيء من نفسه في المعنى [["البيان" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 68.]]؛ لأن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بعينه، وهو كقولك: جاءني أبوك زيد، فزيد هو الأب بعينه، وهو من بدل (المعرفة من المعرفة)، وللبدل باب معروف يذكر فيه وجوهه [[مكانه كتب (النحو).]].
وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ النحويون يسمون (الذي والتي) وتثنيتهما، وجمعهما: الأسماء الموصولة، والأسماء النواقص، والأسماء المبهمة، وذلك لأنها [[في (ب): (أنها).]] أسماء لا تتم إلا بصلاتها، إما من مبتدأ وخبر [[في (ب): (مبتداء لخير).]]، أو فعل وفاعل، أو ظرف، أو شرط وجزاء [[انظر: "الأصول في النحو" لابن السراج 2/ 266، "شرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 1/ 179، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 1/ 517.]] كقولك: جاءني الذي أبوه منطلق، والذي قام أبوه، والذي عندك، والذي إن تأته يأتك. ولا بد أن يكون في صلة (الذي) ضمير يرجع [[في (ب): (ترجع).]] إليه، وإلا فسد الكلام [[ويسمى (العائد) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 266، "شرح جمل الزجاجي" 1/ 181، 182، "أوضح المسالك" ص 31، "شرح ابن عقيل" 1/ 153، ومحل مثل هذِه المباحث كتب النحو.]]. و (الذين) لا يظهر فيه الإعراب [[في (ج): (إعراب).]]، تقول [[من قوله (تقول ...) اختلف الخط في نسخة (ب) وفي هامشها تنبيه على ذلك.]] في الرفع والنصب والجر: (الذين) وكذلك (الذي) وإنما منع الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يكون في أواخر الأسماء، و (الذين) من المبهمات لا تتم إلا بصلاتها، فلذلك منعت الإعراب [[من قوله (والذين لا يظهر فيه الإعراب ....) وكذا الكلام الآتي بعده أخذه عن الزجاج بتصرف يسير في العبارة. "معاني القرآن" 1/ 34.]].
فإن قيل فلم أعربته في التثنية؟. قيل: إن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى، فإذا ثنيته بطل شبه الحرف؛ لأن حروف المعاني لا تثنى [[أخذ الزجاج بقول الكوفيين أن تثنية (اللذين) تثنية حقيقية وأنه معرب، وعند البصريين أن تثنيته ليست على حد تثنية (زيد) و (عمرو) فهي صيغة مرتجلة على حد التثنية فهي تثنية لفظية لا معنوية. انظر: ("الإنصاف") ص 539، "البيان في غريب القرآن" 1/ 39.]].
فإن قيل: فلم منعته الإعراب في الجمع؟ قيل: الجمع الذي ليس على حد [[في (ب): (جمع).]] التثنية كالواحد، ألا ترى أنك تقول في جمع [[في (ب): (الجمع).]] هذا: هؤلاء، فتجعله اسما واحدا للجمع [[في (ب): (للجميع).]]. فكذلك قوله [[في (ب): (قول).]]: ﴿الَّذِينَ﴾ إنما هو اسم لجمع، فبنيته كما بنيت [[في (ب): (فثنيته كما ثنيت).]] الواحد، ونظير (الذي) (هذا)، فإنك لا تعربه ثم تعرب (هذين) ثم تترك الإعراب في (هؤلاء) [[عن "معاني القرآن" للزجاج، 1/ 34.]].
قال أبو إسحاق: وأصل (الذي)، (لذ) على وزن (عم)، كذلك قال سيبويه والخليل والأخفش [["معاني القرآن" للزجاج، 1/ 34، وهذا قول جمهور البصريين، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 121، ("الإنصاف") ص 535.]].
وأما الألف واللام فيه [[أي: في (الذي).]]، فقال أبو الفتح الموصلي [[هو أبو الفتح عثمان بن جني سبقت ترجمته في الدراسة. نقل الواحدي عنه من كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]]: (الألف واللام) في (الذي) و (التي) وبابهما [[في (ج): (وبائهما).]] زيادة، ويدل على زيادتهما وجود أسماء موصولة مثلها معراة من (الألف واللام)، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: (من) و (ما) و (أي) [[مثل أبو الفتح لـ (من وما وأي) ثم قال: (فتعرف هذِه الأسماء التي هي أخوات الذي والتي بغير اللام، وحصول ذلك لها بما تبعها من صلاتها دون اللام يدل على أن (الذي) إنما تعرفه ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]]. ويدل على ما قلنا: أن (الذي) إنما تعرفه [[في (ب): (يعرفه).]] بصلته دون (اللام) التي فيه، فبان أن [[عند أبي الفتح (وأن اللام ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]] (اللام) زائدة، إلى أنها [[في (ب): (أن زيادتها).]] زيادة لازمة لا يجوز [[في (أ)، (ج): (تجوز) وأثبت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.]] حذفها [[(لا يجوز حذفها) ليست عند أبي الفتح، 1/ 353.]].
فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى زيادة (اللام) [[عند أبي الفتح (في الذي والتي ونحوها)، 1/ 353.]] حتى إنها لما زيدت لزمت؟ قيل: إن (الذي) [[في (أ)، (ج): (الذين) واخترت ما في (ب) لأنه موافق لما عند أبي الفتح، وعبارته: (والجواب: أن (الذي) إنما وقع ... الخ)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]] إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات. ألا ترى أنها تجري أوصافا على النكرات، نحو [[عند أبي الفتح: (في نحو قولك ...)، 1/ 353.]]: مررت برجل أبوه زيد، ونظرت إلى غلام قامت أخته. فلما أريد مثل هذا في المعرفة لم يمكن أن يقول [[(يقول) في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (تقول) 1/ 353. وهذا أصوب.]]: مررت بزيد أبوه كريم، على أن تكون الجملة وصفا لزيد [[حذف الواحدي بعض كلام أبي الفتح ونصه: (... وصفا لزيد، لأنه قد ثبت أن الجملة نكرة، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة، فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: مررت بزيد كريم، على الوصف، فإذا كان الوصف جملة نحو: مررت برجل أبوه كريم، لم يمكن إذا أرادوا وصف المعرفة بنحو ذلك أن يدخلوا اللام على الجملة ....)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353 - 354.]]، ولم يمكن [[في (ب): (يكن).]] إذا أرادوا وصف المعرفة بالجمل أن يدخلوا اللام على الجملة، لأن اللام من خواص الأسماء، فجاؤوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا [[في (ب): (فجعلوا).]] الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ (الذي) فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، فألزموا (اللام) هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف، ليعلموا أن الجملة قد صارت وصفا لمعرفة [[في (ب): (للمعرفه).]]). [[إلى هنا ما نقله عن أبي الفتح. "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.]] وبيان ما ذكرنا [[هذا من كلام أبي الحسن الواحدي يبين فيه ما سبق ذكره عن (الألف واللام) في الاسم الموصول على لفظ الآية وهي قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيربط إيراد هذِه المسألة النحوية بتفسير الآية.]] من الآية أن معنى قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صراط القوم الذين أنعمت عليهم، ولو أريد وصف القوم (بأنعمت عليهم) لم يسهل، لأنه يصلح وصفا للنكرة [[و (القوم) معرفة.]]، فيصح في الكلام أن يقول: [[في (ج): (تقول).]] (صراط قوم أنعمت عليهم) فلا يصلح أن يكون وصفا للمعرفة، فلما أريد ذلك [[أي: وصف المعرفة.]] توصلوا إلى ذلك بـ (الذي).
جاءوا [[الكلام من هنا لأبي الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.]] بالحرف الذي وضع للتعريف [[وهو (اللام) كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.]]، فأولوه (الذي) [[(فأولوه الذي) ساقط من (ب).]] ليحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه [[انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 354، وانظر: "أصول النحو" لابن السراج 1/ 261، 262.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إنعام الله تعالى: مَنُّه [[في (ب): (منته).]] وعطاؤه، و (النعمة) بالكسر اسم من أنعم الله عليه إنعاما ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كما يقال: أنفق إنفاقا ونفقة [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" مادة (نعم) 4/ 3615.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه [[قرأ حمزة ويعقوب من العشرة (عليهم) بضم الهاء وقرأ الباقون (عليهم) بكسر الهاء مع اختلافهم في الميم، والأكثر بسكونها. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، 109، "الغاية" لابن مهران ص 77، "الحجة" للفارسي 1/ 57، "التيسير" ص 40، 41، "الإقناع" 2/ 595، "النشر" 1/ 272، "إتحاف فضلاء البشر" ص 123.]]. فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و (من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو [[في (ب): (علهو) وفي (ج): (عليه وكقولك).]]) كقولك [[في (ب): (كقوله).]] ضربته [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 59، 60، 61، "حجة القراءات" لابن زنجله ص 82.]].
زعم [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 13، وانظر: "الكتاب" 4/ 189.]] سيبويه أن [[في (ب): (إلى أن) بزيادة (إلى).]] (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في [[في (ب): (على). وفي "معاني القرآن" 1/ 13 للزجاج: (... كما زيدت الألف في المؤنث في قولك: ضربتها ومررت بها ...).]] المؤنث ليستويا في باب الزيادة.
قال الزجاج: و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] القول في هذِه (الواو [[في "معاني القرآن" 1/ 13 للزجاج: (والقول في هذِه (الواو) عند أصحاب سيبويه والخليل أنها إنما زيدت لخفاء (الهاء) ...) 1/ 13.]]) أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق [[انظر: "الكتاب" 4/ 433، "سر صناعة الإعراب" 1/ 46.]]، و (الواو) حرف مد ولين، تخرج [[في (ب): (يخرج).]] من طرف الشفتين [[في "معاني القرآن": (.. و (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء إلى الإبانة، فلهذا زيدت، وتسقط في الوقف ...) 1/ 13. وانظر: "الكتاب" 4/ 433، "سر صناعة الإعراب" 1/ 48.]]، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في [[في (ب): (من).]] الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو [[في "معاني القرآن": (كما تسقط الضمة والكسرة في قولك: أتاني زيد، ومررت بزيد، إلا أنها (واو وصل)، فلا تثبت؛ لئلا يلتبس الوصل بالأصل ...)، وفي الهامش: عبارة ك: (.... ولأنها واو (وصل) ...) كما عند المؤلف ولعله أصوب.]] وصل) فلو ثبتت لالتبس [[في (ب): (لالتبست). وهذا أحسن للسياق.]] بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت [[في "المعاني": (فإذا قلت: مررت بهو يا فتى، فإن شئت قلت: مررت بهي، فقلبت الواو ياء ...)، 1/ 13.]] الواو (ياء) لانكسار ما قبلها [[في (ج): (بما قبلها).]] أعني (الباء) [[(الباء) كذا في جميع النسخ. وفي "معاني القرآن": (أعني (الياء) المنكسرة. فإن قال قائل: بين الكسرة والواو (الهاء)، قيل: (الهاء) ليست بحاجز حصين، فكأن ... الخ 1/ 13 ولعل ما في "المعاني" خطأ مطبعي.]]، و (الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا لخفائه، فكأن [[في (ج): (وكان).]] الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها.
وبهذه [[في (ب): (وهذِه).]] العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) [[في (ب): (علهو).]] فقلبت [[في (ج): (فقلبت الواو بالياء).]] الواو (ياء) [[فتكون (عليهى) انظر: "معاني القرآن" 1/ 14.]] للياء التي قبلها ثم حذفت [[في (ب): (حذف).]] لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ [[في (ج): (اذا).]] كانت العلة واحدة [[انتهى ما نقله من الزجاج، وآخر كلامه نقله بمعناه. انظر: "معاني القرآن" 1/ 13، 14.]]. ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو [[ذكره الزجاج، انظر: "معاني القرآن" 1/ 14، "الحجة" لأبي علي 1/ 60، "حجة القراءات" ص 81، "الحجة" لابن خالويه ص 63، "الكشف" لمكي 1/ 35.]].
وأما حمزة [[هو حمزة بن حبيب بن عمارة، الكوفي، التيمي بالولاء، وقيل: من صميمهم، الزيات أحد القراء السبعة (80 - 156 هـ)، انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 111، "غاية النهاية" 1/ 261.]] فإنه يقرأ: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة [[انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 57.]] وحجته [[ما سبق إنما هو حجة لحمزة في قراءته بالضم نقله الواحدي عن الزجاج، ثم نقل مزيدا == من الاحتجاج لقراءته بالضم من "الحجة" لأبي علي، حيث قال: (وحجة من قرأ (عليهم) -وهو قول حمزة- أنهم قالوا: ضم الهاء هو الأصل، وذلك أنها إذا انفردت من حروف تتصل بها قيل: (هم فعلوا). والواو هي القراءة القديمة، ولغة قريش، وأهل الحجاز، ومن حولهم من فصحاء اليمن. قالوا: وأما خص حمزة هذِه الحروف الثلاثة بالضم -، وهي: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) - لأنهن إن أولاهن ظاهرا صارت ... الخ ما ذكره المؤلف عنه. "الحجة" 1/ 60، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 35.]]: أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن) ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر [[في (ب): (آل زيد وآل عمر وكذا بكر) تصحيف.]]، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف [[انظر: "الحجة"، 1/ 60.]]، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل [[فضم الهاء، ولم يكسرها.]] دون الرسم والخط [[انظر: "الحجة"، 1/ 83.]].
فإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية [[فلم يحصل الضم في الواحد والتثنية فيقال: عليه وعليهما بالكسر، كما سيأتي.]]؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم [[في (ب): (عليهم وإليهم ولديهم).]]) ولم يضم في (عليه وعليهما).
وأما من [[في (ب): (في).]] ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم ويأتيهم [[وهي قراءة يعقوب من العشرة، انظر: "الغاية" ص 77، "النشر" 1/ 272، "إتحاف فضلاء البشر" ص 123، وهذا مخالف لنهج المؤلف في القراءات حيث ذكر قراءة عشرية، وعادته أن يذكر السبع فقط.]]، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء).
فأما (الميم) فأهل [[في (ج): (فإن أهل).]] الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) [[في (ب): (واو) بدون تنوين.]] في اللفظ [[قراءة ابن كثير: يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، "الحجة" 1/ 57، "الكشف" 1/ 39.]]، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل [[في (ج): (في الاسم والفعل).]] والاسم، نحو: فعلوا [[في (ب): (يفعلوا).]] [[(الواو) ساقطة من (ج).]] ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] الأفعال من إلحاق الواو بها [[انظر: "الحجة" 1/ 104، 133، "الكشف" 1/ 39، "حجة القراءات" ص 81، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 13، 14، "المحتسب" 1/ 44، "البيان" 1/ 39.]].
والدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني [[انظر: "الحجة" 1/ 106، "حجة القراءات" ص 81.]]، كقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: 28] و ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: 92].
وأما من أسكن الميم [[وعليه أكثر القراء كما سبق، وانظر: "الكشف" 1/ 40.]]، فحجته: خط المصاحف، وذلك أن هذِه الواوات حذفت من الخط اقتصارًا على الميم، واكتفاءً بها من علامة الجمع كما حذفت ياء الإضافة من الأسماء والأفعال اقتصارا على الكسرة والنون التي قبلها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 14، "الحجة" 1/ 80، 82، "الحجة" لابن خالويه ص 63، "الكشف" 1/ 40.]].
وقال ابن السراج [[هو أبو بكر محمد بن السري سبقت ترجمته في الدراسة، وقد نقل عنه أبو علي في "الحجة" كثيرا، لأنه أول من بدأ في بيان حجج القراءات السبع التي جاءت في كتاب ابن مجاهد. ولم يتم الكتاب، وألف أبو علي كتاب "الحجة" وأتم ما شرع به ابن السراج وضمن أبو علي كتابه كلام ابن السراج. انظر مقدمة "الحجة" ص 7.]]: إنما أسكنوا لأنه قد أمن اللبس، إذ كانت (الألف) في التثنية قد دلت على الاثنين، ولا (ميم) في الواحد، فلما لزمت (الميم) الجمع حذفوا (الواو) وأسكنوا (الميم) طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل [["الحجة" 1/ 59، 60.]].
وروى ورش [[هو عثمان بن سعيد القبطي، مولى آل الزبير بن العوام، كنيته: أبو سعيد، وقيل غير ذلك. أحد القراء المشهورين، وأشهر رواة نافع، أحد السبعة ولادته ووفاته (110 - 197 هـ). انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 152، "غاية النهاية" 1/ 502.]] عن نافع [[نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء، كنيته أبو رويم، وقيل غير ذلك. أحد القراء السبعة الذين اعتمدهم ابن مجاهد في كتابه، مات سنة تسع وستين ومائة، وقيل غير ذلك، وانظر ترجمته في "معرفة القراء" 1/ 107، "غاية النهاية" 2/ 330.]] ضم الميم ووصلها بواو إذا [[في (ب): (وإذا).]] استقبلها همزة [[قراءة نافع كسر الهاء، وأما الميم فالمشهور عنه الإسكان، وروى عنه الضم وروى ورش عن نافع أن الميم إذا لقيها همزة ألحق بها واوا. انظر: "السبعة" ص 108، 109، "الحجة" للفارسي 1/ 58، "الكشف" 1/ 39.]]، ومذهبه حذف الهمزة ونقل حركتها [إلى الساكن قبلها، فلما احتاج إلى تحريك الميم حركها [[في (ج): (حركتها).]]] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] بالحركة التي كانت لها في الأصل وهي (الضمة)، فلما أشبع ضمتها تولدت منها (واو)، فاحتاج إلى مدها لاستقبال الهمزة إياها [[انظر: "الحجة" للفارسي 1/ 107، "الكشف" 1/ 39.]].
وأيضا فإنه لو نقل فتحة الهمزة إلى ميم الجمع عند استقبال الهمزة المفتوحة نحو: ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ﴾ [[ووردت الآية في (ب) ﴿عليهم أنذرتهم أم لم﴾ وهو تصحيف.]] [البقرة: 6] وما أشبهه، لأشبه التثنية، فلما مدها عند الهمزة المفتوحة ولم ينقل حركتها إليها مخافة الالتباس فعل ذلك به عند الهمزة المضمومة والمكسورة؛ لئلا يختلف الطريق عليه [[في (ب): (إليه).]].
وكان حمزة والكسائي يضمان [[في (ج): (يضمون).]] (الهاء) و (الميم) عند ألف الوصل [[في (ج): (لوصل).]] نحو: ﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: 61] و ﴿إِإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: 14] و ﴿مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ [القصص: 23] وحجتهما أنه لما احتيج إلى تحريك (الميم) لالتقاء الساكنين كان تحريكها بحركة الأصل، وهي الضم أولى [[في (ب): (أولا).]]، ثم أتبعت الهاء ضمة الميم استثقالًا للخروج من الكسر إلى الضم [[انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 82، "الكشف" 1/ 37، قال أبو علي الفارسي في "الحجة" (تحريك حمزة الميم في (عليهم ولديهم وإليهم) خاصة بالضم مستقيم حسن، وذلك أنه يضم (الهاء) في هذِه الأحرف ولا يكسرها فإذا ضمها لم يكن في تحريك الميم إلى الضم ولم يجز الكسر ..)، ثم أخذ يحتج لموافقة الكسائي له في ذلك، "الحجة" 1/ 117، 118.]].
وكان أبو عمرو [[زبان بن العلاء، أحد السبعة سبقت ترجمته.]] يكسرها عند ألف الوصل؛ لأنه يكسر الميم على أصل تحريك الساكن بالكسر إذا لقيه ساكن آخر، ويكسر الهاء بتبع الكسر لثقل الضم بعد الكسر [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 110، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 82.]].
وأما من كسر (الهاء) وضم (الميم) عند ألف الوصل [[وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 108، 109، "الحجة" لأبي علي 1/ 58.]]، فإنه يقول: لما احتجت إلى حركة الميم رددته إلى أصله، فضممت وتركت الهاء على كسرها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج [[في (ج): (تخرج).]] إلى ردها إلى الأصل [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 108، "حجة القراءات" ص 82.]].
فأما التفسير: فقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]: هم قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا نعم الله عز وجل [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 1/ 31/ ب، وذكره ابن عطية في "تفسيره" وقال: حكاه مكي وغيره عن فرقة من المفسرين، وقال ابن عباس: أصحاب موسى قبل أن يبدلوا. "تفسير ابن عطية" 1/ 122، وانظر: "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 98 (رسالة دكتوراه).]].
وقال عكرمة: أنعمت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 31/ ب.]].
وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ولم يعزه لأحد 1/ 31/ ب، وذكر الطبري بسنده عن ابن عباس: يقول: (طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك). "تفسير الطبري" 1/ 76، (قال شاكر: الخبر ضعيف الإسناد) "تفسير الطبري" 1/ 178، أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 31، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 42، قال ابن عطية في "تفسيره": هو قول ابن عباس وجمهور المفسرين 1/ 121، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 129.]] سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 69].
وقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 76. وذكر الواحدي كلام ابن جرير بالمعنى.]]. وستمر بك أشباه لهذا كثيرة.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (غير) [[قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي (غير) بخفض (الراء). وروي عن ابن كثير النصب والرفع. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 111، "الحجة" للفارسي 1/ 142، "البحر المحيط" 1/ 29.]] ينخفض على ضربين [[ذكره أبو علي في "الحجة" عن أبي بكر بن السراج، حيث قال: (قال أبو بكر في "الحجة" في الجر: إنهم قالوا: ينخفض على ضربين ..)، والكلام كله بنصه في "الحجة" 1/ 142، وانظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112.]]: على البدل من (الذين)، ويستقيم أن يكون صفة (الذين). و (غير) نكرة، وجاز [[في (ج): (ويجوز).]] أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين)، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم [[أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، لأن (الذين) مع كونه معرفة فهو قريب من النكرة == لأنه عام. انظر؛ "معاني القرآن" للفراء 1/ 7، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 16، "البحر" 1/ 29.]]، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه.
ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء [[نسب ابن مجاهد (القول بالنصب على الاستثناء) إلى الأخفش، وقال: هذا غلط. ابن مجاهد ص 112، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "البحر" 1/ 29.]]، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو [[قوله: (وهو استثناء الشيء ... إلى قوله إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا) ليس من كلام ابن السراج وما قبله وما بعده كله لابن السراج، انظر: "الحجة" 1/ 142.]] استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا [[انظر: "الأصول" لابن السراج 1/ 284، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "البحر" 1/ 29.]].
وأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم).
قال ابن السراج [[هذا وما قبله بنصه مما نسبه أبو علي الفارسي في "الحجة"، لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج، فالكلام كله لابن السراج، نقل الواحدي أوله بدون عزو ثم عزا آخره له، وهذا يلاحظ على منهج الواحدي في العزو. انظر: "الحجة" 1/ 142، 143.]]: ويجوز عندي النصب على [[في "الحجة": (قال: ويجوز عندي النصب أيضا على (أعني) ....) فذكر: (أيضا) لأنه عطفه على كلام قبله، ذكر فيه وجوها أخرى للنصب. انظر 1/ 143.]] (أعنى). وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه [[في "الحجة": (.. على وجه الصفة والقطع من الأول ...) 1/ 143.]] القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول [[في "الحجة": (.. ومما يحتج به لمن يفتح أن يقال: (غير) تكره، فكره أن يوصف به المعرفة) 1/ 143.]]: (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة.
والاختيار الكسر [[هذا من كلام أبي بكر بن السراج واختياره حيث قال: (والاختيار الذي لا خفاء به الكسر، ألا ترى أن ابن كثير قد اختلف عنه ...) وقد اختصر الواحدي كلام ابن السراج. انظر: "الحجة" 1/ 143.]]. ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة [[في (ب): (معرفته).]] أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و (مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره [[في "الحجة": (فكل شيء ترى سوى المخاطب فهو غيره) وفي الهامش: ط: (تراه)، انظر: "الحجة" 1/ 143.]]، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا [[أي: (غير) و (مثل).]] نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع [[في "الحجة": (... وعلم ذلك السامع فوصفته بغير ....)، 1/ 144.]] ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير [[في (أ): (غيرا).]]) إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو [[في "الحجة" (وهي) 1/ 144.]] الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا.
وكذلك قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا القصد فهي معرفة [[في "الحجة": (.. فالذين أنعم عليهم لا عقيب لهم إلا المغضوب عليهم، فكل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه، وكل من لم يغضب عليه فقد أنعم عليه. فغير المغضوب عليهم هم الذين أنعم عليهم، فهو مساو له في معرفته. هذا الذي يسبق إلى أفئدة الناس وعليه كرمهم. فمتى كانت (غير) بهذِه الصفة وقصد بها هذا القصد، فهي معرفة ...) فالواحدي نقل كلام ابن السراج بتصرف واختصار. انظر: "الحجة" 1/ 144.]]. وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه [[في (أ)، (ج): (منه) وما في (ب) موافق لما في "الحجة" 1/ 144.]]: قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك [[في (ج): (يشبهك).]]، والمعرفة والنكرة بمعانيهما [[جاء في "الحجة" بعده: (فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمته فهو معرفة ...)، 1/ 144.]]. ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج [[في ب: (الاحتياج).]]، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج [[في (ب): (ابن الشهاب السراج) تصحيف. وفي "الحجة": (انتهت الحكاية عن أبي بكر) 1/ 144.]].
قال صاحب [[أبو علي الفارسي، "الحجة" 1/ 145.]] "الحجة": أما الخفض في [[في (ب): (من غير).]] (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه [[نص كلام أبي علي (.. والفصل بين البدل في تقدير تكرير العامل، وليس كالصفة ولكن كأنه في التقدير من جملتين بدلالة تكرير حرف الجر ... الخ)، فلم يرد ذكر قوله: (في قول سيبويه) وقد ورد ذكر سيبويه في كلام أبي علي بعد هذا الموضع. انظر: "الحجة" 1/ 145، "الكتاب" 2/ 14، 386.]] إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة [[في (ج): (بدلال).]] حرف الجر في قوله سبحانه: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [[الشاهد من الآية: قوله (لمن آمن) فهو بدل من (الذين استضعفوا) بإعادة حرف الجر وهي (اللام) بدل البعض من الكل، لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، هذا على عود الضمير في (منهم) إلى (الذين استضعفوا) فإن عاد الضمير إلى (قومه) كان بدل كل من المستضعفين، انظر: "فتح القدير" 2/ 321.]] فهو يفارق الصفة من هذا الوجه [[قوله: (فهو يفارق الصفة من هذا الوجه) ليس في "الحجة" 1/ 145، والوجه المراد هو ما ذكره: من أن البدل في تقدير تكرير العامل.]].
وأيضًا [[نص كلام أبي علي في "الحجة" قال بعد أن ذكر الآية (.... وبدلالة بدل النكرة من المعرفة)، 1/ 145.]] فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر [[في (ب): (المظهر).]]، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر [[قوله: (لا يجوز وصف المعرفة بالنكرة، ولا وصف المضمر بالمظهر) ليس في "الحجة" 1/ 145.]].
وكما أعيدت اللام الجارة في البدل [[في "الحجة" (في الاسم) 1/ 145.]]، فكذلك يكون العامل الناصب [[في "الحجة" (الرافع أو الناصب) 1/ 145.]] والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين [[في (ب): (يبين).]] للأول [[ذكر كلام أبي علي بمعناه انظر: "الحجة" 1/ 145.]].
فمن جعل [[انتقل إلى موضع آخر في "الحجة" 1/ 149.]] (غير) في الآية [[أي: قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾.]] بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير [[في "الحجة" (غيرا).]]) معرفة [[في (ب): (معرفة في الآية بدل أو نكره).]] أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ [[في (ب): (شائع)، وفي "الحجة" (سائغ مستقيم كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:7،6]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] 1/ 149.]]، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 149.]].
وأما من قدر (غير) صفة و (الذين [[أي: في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7].]] فإنما جاز أن يصف (الذين) بـ (غير) [[كلام أبي علي: (وأما من قدر (غير) صفة لـ (الذين)، وقدره معرفة لما ذكره أبو بكر - يريد ابن السراج كما نقل كلامه فيما سبق- فإن وصفه لـ (الذين) بـ (غير) كوصفه له بالصفات المخصوصة، وقد حمله سيبويه على أنه وصف. ومن لم يذهب بـ (غير) هذا المذهب، ولم يجعله مخصوصا استجاز أن يصف (الذين) بـ (غير) من حيث لم يكن الذين مقصودا قصدهم ..)، 1/ 153، فاختصر الواحدي كلام أبي علي فقارن بينهما.]] من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم [[أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم.]]. فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين.
ونظير ذلك مما دخله (الألف واللام)، فلم يختص بدخولهما عليه [[أي: لم يختص بواحد بعينه وإنما عرفته (ال) تعريف جنس. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350.]]، لما لم يكن مقصودا قصده [[أي: ما دخله (الألف واللام) لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، فلم يختص بدخول (الألف واللام) عليه.]]، قولهم: قد أمر [[في (ج): (أصر).]] بالرجل مثلك فيكرمني [[في "الحجة" (.. فيكرمني، عند سيبويه، فوصف الرجل ..)، "الحجة" 1/ 154. وانظر: "الكتاب" 2/ 13، وتعليق عبد السلام هارون عليه.]]، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 154 وما بعدها.]].
ومما [[في (ب): (وما غير).
أورد أبو علي الآية، بعد أن تكلم عن نصب (غير) بالاستثناء. وخرج الآية على الوجهين الرفع والنصب. انظر: "الحجة" 1/ 160.]] جاء (غير) فيه صفة [[في (ج): (لا يستوي المؤمنون القاعدون من المؤمنين) تصحيف في الآية.]] قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] فمن رفع (غير) [[كذا وردت بالنصب في جميع النسخ "الحجة" 1/ 160.]] كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم [[أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، وإنما المراد من اتصف بهذِه الصفة وهي القعود عن الجهاد وهو غير ذي ضرر.]]، كما كان قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون [[في (ب): (المجاهدين).]].
وأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز [[أنكر الفراء ذلك رادا على أبي عبيدة فيما ادعاه: أن (غير) في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى (سوى) وأن (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صلة. انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 8، وكذلك رد عليه الطبري ناقلا عن الفراء، انظر: "تفسير الطبري" == 1/ 81، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 25.
وأما أبو علي فيأخذ بقول أبي عبيدة كما سيأتي كلامه، ومنه قوله: (ومن جعل (غير) استثناء لم يمتنع على قوله دخول لا بعد الحرف العاطف ...) "الحجة" 1/ 163.]] ذلك، وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا [[يريد قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 8، والطبري 1/ 79، 190.]]) لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ما قام أبوك ولا أخوك [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 79.]].
ومن أجاز [[هذا من كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 163.]] الاستثناء فإنه يقول: لا يمتنع دخول (لا) [[في (ب): (إلا) تصحيف.]] بعد الحرف العاطف [[كما في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.]] لأن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك: جاءني القوم إلا زيدا، بمنزلة قولك: جاءني القوم لا زيد. فيجوز أن تعطف [[في (ب): (يعطف) وفي "الحجة": (أن تدخل "لا") 1/ 163.]] بـ (لا) حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة في هذا الوجه [[هذا رأي أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 25، دافع عنه أبو علي في وجه المنكرين له كالفراء. انظر: "الحجة" 1/ 163.]]، كما تجعلها زيادة في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [[استدل أبو علي بالآية على أن (لا) زائدة، وهذا ليس بالاتفاق فهناك من يقول ليست زائدة. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 129.]] [فاطر: 22].
وإذا جاز دخول (لا) [[في (ب): (الا) تصحيف.]] مع الاستثناء لهذين الوجهين [[والوجهان هما:
1 - أن الاستثناء يشبه النفي، فتدخل (لا) حملا على المعنى.
2 - جعلها زيادة، انظر: "الحجة" 1/ 163.]] فلا وجه لقول من أنكره [[ممن أنكره الفراء.]].
وكذلك [[في (ب): (ولذلك).]] يجوز زيادة (لا) في قول من جعل (غير) حالا أو صفة أو بدلا. وقد دخلت (لا) زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره، من ذلك قوله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 137، "الكتاب" 1/ 390.]]: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحديد: 29]. والذين يجوزون زيادة (لا) يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي [[هذا قول الفراء. انظر: "معاني القرآن" 1/ 8، وكذا الطبري انظر: "تفسيره" 1/ 81. وقوله: (الذين يجوزون زيادة (لا) ... مع البيت بعده) لم يرد في كلام أبي علي الفارسي. انظر: "الحجة" 1/ 163، 164.]] كقوله:
ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر [[البيت لجرير يهجو الأخطل، وقد استشهد الفراء بالبيت على جواز زيادة (لا) إذا تقدمها نفي. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 8، وورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 82، "الأضداد" لابن الأنباري ص 215، "نقائض جرير والأخطل" ص 174، "ديوان جرير" ص 201.]]
وليس الأمر كذلك [[هذا رأي الواحدي كما هو رأي أبي عبيدة وأبي علي الفارسي حيث اتفقوا على جواز زيادة (لا) في الإيجاب. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 25 - 27، "الحجة" 1/ 164، والكلام منقول منها.]] فقد جاء زيادتهما في الإيجاب كما في النفي، قال ساعدة الهذلي [[هو ساعدة بن جؤية الهذلي، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وليست له صحبة. انظر ترجمته في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1097، "الإصابة" 2/ 4، "الخزانة" 3/ 86.]]:
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غابٌ تشيَّمَه [[في (ب): (تسنمه) بالسين والنون، وفي (أ): (تشنيمه) على الروايتين، وقد وردت في "الحجة" (تسنمه) كما في (ب)، وأكثر المصادر (تشيمه).]] ضِرامٌ مثقَبُ [[قوله (أفعنك): عن ناحيتك، و (لا) زائدة، (تشيمه) أي: دخل في، و (الضرام): النار في الحطب الدقيق. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1103، "الأضداد" لابن الأنباري ص 213، "الحجة" لأبي علي 1/ 164، "المخصص" 14/ 65، "اللسان" (شيم) 4/ 2380، "البحر المحيط" 4/ 273.]]
وأنشد أبو عبيدة:
ويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل [[البيت للأحوص، ومعنى قوله: (ويلحينني): يعذلنني، ورد البيت في "شعر الأحوص" ص 179، "جاز القرآن" 1/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 81، "الكامل" 1/ 80، "الأضداد" لابن الأنباري ص 214، "الحجة" لأبي علي 1/ 164.]]
وقال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [[في (ب): (أن تسجد).]] [الأعراف: 12]، وفي الأخرى ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] وهذا الحرف [[من "الحجة" 1/ 166.]] -أعني: (لا) - يدخل [[في (أ)، (ج): (تدخل) وفي "الحجة" (يدخل) 1/ 166.]] في النكرة على وجهين:
أحدهما: أن يكون [[في (ب): (تكون) بالتاء، وفي "الحجة" (يكون) 1/ 166.]] زائدًا كما ذكرنا في بيت الهذلي [[بيت الهذلي قوله: ويلحينني في اللهو ألا أحبه. البيت. وفي "الحجة": (كما مر في بيت == جرير) وبيت جرير الذي يعنيه هو قوله:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
انظر: "الحجة" 1/ 164، 166.]].
والآخر: أن يكون [[في (ب): (بالتاء) في كل المواضع، وكذا في "الحجة": (أن تكون غير زائده، فإذا لم تكن زائدة ..) 1/ 166.]] غير زائد، فإذا لم يكن زائدا كان على ضربين:
أحدهما: أن يكون (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر [[انظر: "الكتاب" 2/ 276.]]، وذلك نحو قولهم: (غضب من لا شيء، وجئت بلا مال) فـ (لا) مع الاسم المنكور في موضع جر بمنزلة خمسة عشر [[(عشر) ساقط من (ب)، (ج).]].
والآخر: ألا تعمل [[في (ب): (يعمل).]] (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي، فيكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه مع ذلك صحيح، وذلك كقول النابغة:
أمسى ببلدة لا عمٍّ ولا خالِ [[البيت للنابغة الذبياني يرثي أخاه وصدره:
بعد ابن عاتكة الثاوي لدى أبوى ... ... ... ... ...
و (عاتكة): أمه، و (أبوى): اسم موضع، انظر: "ديوان النابغة" ص 151، "الحجة" لأبي علي 1/ 167، "الخزانة" 4/ 50، "معجم البلدان" 1/ 80.]]
وقال الشماخ [[اسمه معقل بن ضرار الغطفاني، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وله صحبة، شهد وقعة القادسية، وتوفي في زمن عثمان رضي الله عنهما. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 195، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 132، "الخزانة" 3/ 196.]]: إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع [[(الإدلاج): السير من الليل، (وصفت يداها): أي أجادت السير. وصف الناقة في سيرها وجدها في السير، (ليلة لا هجوع): لا نوم فيها. ورد البيت في "ديوان الشماخ" ص 226، "الحجة" لأبي علي 1/ 168، وفي مادة (وصف) في "الصحاح" 4/ 1439، "أساس البلاغة" 2/ 511، "اللسان" 8/ 4850، " التاج" 12/ 523، وفي "الخزانة" 4/ 50. وبهذا البيت انتهى ما نقله عن "الحجة" 1/ 168.]]
وقال صاحب "النظم" [[هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، سبق الحديث عنه في مصادر الواحدي.]]: دخلت (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير)، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا [[في (ب): (مسبوقا).]] على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين}، فلما احتمل ذلك أدخل فيه (لا) ليحسم هذا الوهم [[انظر: "البحر المحيط" 1/ 29.]]، وهو كما قال:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر [[البيت لجرير يهجو الأخطل، وسبق تخريجه قريبا، والرواية هناك (دينهم) بدل (فعلهم).]]
أدخل (لا) [[(لا) ساقط من (ب).]] في قوله: (ولا عمر)؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم)، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ: (و [[(الواو) مكررة في (جـ).]] الطيبان أبو بكر وعمر) أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى [[في (ب): (ان).]] رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى -أيضا- فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر [[قوله: (وعمر) ساقط من (ب).]].
وأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع [[بل نثبت الغضب لله كما أثبته لنفسه، ولا نؤوله بإرادة العقوبة، ومنهج السلف إثبات الصفات لله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، ولا يلزم من ثبوتها مشابهة الخلق. انظر: "الرسالة التدمرية" ص 31 - 33، "تفسير الطبري" 1/ 189.]]. وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر [[فلم يجمع فيقال (المغضوبين) لأنه لا يتعدى إلا بحرف الجر، فتعدى إلى الضمير بحرف الجر، وظهر جمعه في الضمير في قوله (عليهم). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 13، "البيان في غريب القرآن" 1/ 41.]]، كقولك [[في (ب): (كقوله).]]: المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور [[في (ب): (المروية) وفي (ج): (الممسدوريه).]] به، والمقعود [[في ب (المفعور).]] عليه، والمتوجه [[في (ص): (التوجه).]] إليه وما أشبهها [[في (ب): (وما أشبههما). ما أشبهها مما فعله لازم يتعدى لمفعوله بحرف الجر، فإن جمعه وتثنيته في الضمير بعده المتصل بحرف الجر.]].
والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق [[في (ب): (بجلق).]] آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) [[فتلحق علامة التثنية والجمع آخر الفاعل عند تقدم الفعل عليه.]]. و (عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "المشكل" لمكي 1/ 13، "البيان" 1/ 41.]].
وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة [[ذكره الأزهري عن أبي عمرو. "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، وانظر: "اللسان" (ضلل) 5/ 4604، وفي "اللسان" ضل الكافر إذا غاب عن الحجة، وكذا في "التهذيب".]]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين [[في (ب): (نبين).]] شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] [[ما بين المعكوفين ساقط من (ب).]] في التراب ودفنته [[انظر: "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، "تأويل مشكل القرآن" ص 457، "معجم مقاييس اللغة" (ضل) 3/ 356، "اللسان" (ضلل) 5/ 4602.]]. وقال المخبل [[المخبل: المجنون، وبه لقب الشاعر، واسمه ربيع بن ربيعة بن عوف، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام، توفي في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 269، "طبقات فحول الشعراء" ص 61، "الإصابة" 1/ 491، "الخزانة" 6/ 93.]]: أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم [[ورد البيت في "تهذيب اللغة" (ضل) 11/ 465، "اللسان" (ضلل) 4604، وقيس بن عاصم: هو قيس بن عاصم بن سنان بن خال بن منقر، سيد قومه ورد على النبي ﷺ فقال: "هذا سيد أهل الوبر". انظر: "الخزانة" 8/ 102.]]
فالضال هو الغائب عن الحق الزائغ عن الرشد، ويقال: ضَل يضِل، وضَل يضل لغتان، وضلِلنا وضلَلنا [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" (ضل) 3/ 356، "اللسان" (ضلل) 5/ 2601، "القاموس" ص 1024.]].
فأما التفسير فروى عدي بن حاتم [[عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، الأمير الشريف، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالجود، وفد على النبي ﷺ في وسط سنة تسع فأكرمه، له أحاديث، في وفاته أقوال، أشهرها سنة سبع وستين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 1/ 189، "جمهرة أنساب العرب" ص 402، "طبقات ابن سعد" 6/ 22، "الإصابة" 2/ 468، "سير أعلام النبلاء" 3/ 162.]] عن النبي ﷺ في تفسير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 82 بسنده من طرق، قال أحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري": إسناده صحيح، الطبري 1/ 185، 186، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده في "تفسيره" 1/ 31، وقال: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 163، وأخرجه الثعلبي بسنده في "تفسيره" 1/ 32/ ب، وهو جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي في "سننه" (2953) أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة الفاتحة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 378.]].
وروي أن رسول الله ﷺ كان بوادي القرى [[واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كئير القرى، فتحها النبي ﷺ سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: "معجم البلدان" 5/ 345.]] على فرسه [[في (ب): (قرينه).]]، [فسأله رجل [[ما بين المعكوفين ساقط من (ب).]]] من بلقين [[كذا جاءت في "تفسير الثعلبي" 1/ 33/ أ، و"تفسير الطبري" (من بني القين) قال في "الصحاح": يقال لبني القين من بني أسد: (بلقين). "الصحاح" (قين) 6/ 2185.]] فقال: يا رسول [[في (ب): (لرسول الله ﷺ).]] الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود، فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: "الضالون" وأشار إلى النصارى [[ذكره الثعلبي بسنده في "تفسيره" 1/ 33/ أ، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 80 بروايات مختلفة بعضها مرسلة وبعضها متصلة بإسناد صحيح. وانظر: "تفسير الطبري" مع تحقيق محمود شاكر 1/ 186، 187.
وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 77، وذكره ابن كثير موصولا في "تفسيره" 1/ 32، وانظر: "الدر" 1/ 42.]].
قال المفسرون: وتصديق هذا حكم الله عز وجل بالغضب على اليهود [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 79، 81، و"تفسير الثعلبي" 1/ 33/ أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 126، و"تفسير البغوي" 1/ 55، و"الكشاف" 1/ 71، و"تفسير القرطبي" 1/ 130، و"تفسير وابن كثير" 1/ 32.]] في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 60] وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: 77] الآية، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم [[انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 80، 83، و"تفسير ابن عطية" 1/ 126، و"تفسير ابن كثير" 1/ 32، "الدر" 1/ 42 - 43. قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول ابن عباس: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 31، وللرازي أقوال في تفسير المغضوب عليهم والضالين، تخالف ما ورد بالنص، وما عليه جمهور المفسرين، انظر: "تفسيره" 1/ 261.]].
وهذا التفسير يوافق في ظاهر اللفظ قراءة من قرأ (غير) بالنصب على معنى الاستثناء [[قراءة (غير) بالنصب مروية عن ابن كثير، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112، "الحجة" لأبي علي 1/ 142، قال في "البحر": وهي قراءة عمر وابن مسعود وعلي وعبد الله بن الزبير. "البحر" 1/ 29، واختلف في تخريجها، فيرى الزجاج والأخفش وبعض البصريين: أنه منصوب على الاستثناء، ونصره أبو علي الفارسي في "الحجة"، ومنعه الفراء، والأرجح: أنها حال من الضمير في (عليهم).
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 78، "الحجة" 1/ 142، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166، والفراء 1/ 8، والزجاج 1/ 16، "البحر" 1/ 29.]]، [كأنه استثنى] [[ما بين المعكوفين ساقط من (ب).]] اليهود والنصارى من الذين أنعم عليهم، وكأن المسلمين [[في (أ)، (ج): (المسلمون).]] سألوا أن يهديهم طريق المنعم عليهم لا طريق اليهود والنصارى. وهذِه قراءة شاذة [[ممن قال بشذوذها الطبري حيث قال: (وقد يجوز نصب (غير) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء ..) "تفسير الطبري" 1/ 78، وكذلك عدها عبد الفتاح القاضي من الشواذ، حيث ذكرها في كتابه "القراءات الشاذة" ص 19. وقراءة النصب مروية عن ابن كثير. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112، "الحجة" لأبي علي 142، وقال في "الكشاف": (وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، "الكشاف" 1/ 71، وانظر: "البحر" 1/ 29. وأنكر بعضهم أن تكون منصوبة على الاستثناء، ورجحوا نصبها على الحال وعلى هذا حملها الطبري، انظر: "تفسيره" 1/ 78، وانظر: "الكشاف" 1/ 71، و"تفسير ابن كثير" 1/ 31.]].
وتصحيح هذا التفسير على القراءة المعروفة هو أن [[(أن) ساقط من (ب).]] المعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم، الذين لم تغضب [[في (ب): (يغضب).]] عليهم ولم يضلوا [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 78، و"تفسير ابن كثير" 1/ 31.]]. فلما وصفوا بنفي الغضب عليهم والضلال كان في ضمن ذلك [[(ذلك) ساقط من (ب).]] إثباتهما لغيرهم، كما تقول في الكلام: أنا غير كاذب، يجوز أن تريد بنفي الكذب عنك إثباته لغيرك ممن تخاطبه، وفي هذا حجة للقائلين بالمفهوم وفحوى الخطاب [[في (ج): (فحو).
والخطاب عند الأصوليين منطوق ومفهوم، والمفهوم قسمان: مفهوم موافقة، وهو ما كان المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم ويسمى: فحوى الخطاب ولحن الخطاب، وهو حجة عند الأكثر.
ومفهوم مخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم ويسمى دليل الخطاب، وهو أقسام، وفيه خلاف.
انظر: "المختصر في أصول الفقه" لابن اللحام ص 132.]]. ثم من المغضوب عليهم؟ ومن الضالون؟ [[في (ب): (فقد).]] قد بينه النبي ﷺ وذكره المفسرون [[سبق بيان ذلك.]].
wahidi_wajiz — الوجيز
﴿صراط الذين أنعمتَ عليهم﴾ بالهداية وهم قومُ موسى وعيسى عليهما السَّلام قبل أن يُغيِّروا نعمَ الله عز وجل وقيل: هم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله تعالى ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ الآية ﴿غير المغضوب عليهم﴾ أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم وهم اليهود ومعنى الغضب من الله تعالى: إرادةُ العقوبة ﴿ولا الضَّالين﴾ أَيْ: ولا الذين ضلُّوا وهم النَّصارى فكأنَّ المسلمين سألوا الله تعالى أن يهديهم طريق الذين أنعم عليهم ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود ولم يضلُّوا عن الحقِّ كما ضلَّت النَّصارى
zamakhshari — الكشاف
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل، كأنه قيل: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، كما قال: (الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) لمن آمن منهم. فإن قلت: ما فائدة البدل؟ وهلا قيل اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟ قلت:
فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، والإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ثنيت ذكره مجملا أوّلا، ومفصلا ثانيا، وأوقعت فلانا تفسيراً وإيضاحا للأكرم الأفضل فجعلته علما في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلا جامعا للخصلتين فعليه بفلان، فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع. والذين أنعمت عليهم: هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام [[قال محمود رحمه اللَّه: وأطلق الانعام ليشمل كل إنعام. قال أحمد رحمه اللَّه: إن إطلاق الانعام يفيد الشمول كقوله:
إن إطلاق الاستعانة يتناول كل مستعان فيه، وليس بمسلم فان الفعل لا عموم لمصدره، والتحقيق أن الإطلاق إنما يقتضى إبهاما وشيوعا، والنفس إلى المبهم أشوق منها إلى المقيد لتعلق الأمل مع الإبهام لكل نعمة تخطر بالبال]] لأنّ من أنعم عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه. وعن ابن عباس: هم أصحاب موسى قبل أن يغيروا، وقيل هم الأنبياء. وقرأ ابن مسعود: (صراط من أنعمت عليهم) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بدل من الذين أنعمت عليهم، على معنى أنّ المنعم عليهم: هم الذين سلموا من غضب اللَّه والضلال، أو صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب اللَّه والضلال. فإن قلت: كيف صح أن يقع (غير) صفة للمعرفة وهو لا يتعرّف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لا توقيت فيه كقوله:
وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنى [[ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
غضبان ممتلئ على إهابه ... إنى وربك سخطه يرضيني
لرجل من بنى سلول، ويسبني صفة للئيم وإن قرن بأل، لأنه ليس المراد لئيما بعينه بدليل مقام التمدح فأل فيه للعهد الذهني لا الخارجي، ومدخولها في المعنى كالنكرة، فجاز وصفه بالجملة وإن كانت لا يوصف بها إلا النكرة، وهذا يفيد اتصافه بالسب دائما لا حال المرور فقط وهو المراد، وكان الظاهر أن يقول: فأمضى ثم أقول، ولكن أتى بالماضي دلالة على تحقق ذلك منه، وروى: فأعف ثم أقول: أى أكف عنه وعن مكافأته، ويحتمل أنه أراد صررت على صبغه الماضي بالمضارع لحكايه الحال، هذا والظاهر أن الجملة حالية، أى: أمر على اللئيم حال كونه يسبني وأنا أسمع فأعرض عنه وأقول إنه لا يقصدني بذلك السب الذي سمعته منه، وليس المراد وصفه بالسب الدائم، لأنه لا يظهر مع تخصيص السب بوقوعه على ضمير المار، على أنه يمكن جعل الحال لازمة فتفيد الدوام. هو غضبان ممتلئ جلده غضبا على لكن لا أبالى بذلك، فانى وحق ربك غضبه يرضيني، فليدم عليه وليزدد منه، والإهاب: الجلد قبل دبغه بل وقبل سلخه كما هنا.]] ولأنّ المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في- غير- إذاً الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرّف، وقرئ بالنصب على الحال وهي قراءة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت، وقيل المغضوب عليهم: هم اليهود لقوله عز وجل: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) . والضالون:
هم النصارى لقوله تعالى: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) . فإن قلت: ما معنى غضب اللَّه؟ قلت: هو إرادة الانتقام [[قال محمود رحمه اللَّه: «ومعنى الغضب من اللَّه تعالى إرادة الانتقام ... الخ» قال أحمد: أدرج في هذا ما يقتضى عنده وجوب وعيد العصاة، وليس مذهب أهل السنة، بل الأمر عندهم في المؤمن العاصي موكول إلى المشيئة: فمنهم من أراد اللَّه تعالى عقوبته والانتقام منه فيقع ذلك لا محالة، ومنهم من أراد العفو عنه وإثابته فضلا منه تعالى، على أن المغضوب عليهم والضالين واقعان على الكفار، ووعيدهم واقع لا محالة ومراد، واللَّه الموفق. أقول: قال الزمخشري رحمه اللَّه: الغضب من اللَّه تعالى إرادة الانتقام من العصاة الخ لا يدل على ما فسره، فان وجوب وعيد العصاة لا يعلم منه.
والغضب من اللَّه عند أهل السنة والمعتزلة: عبارة عما ذكره الزمخشري رحمه اللَّه، إلا أن عند أهل السنة أن اللَّه تعالى إن شاء عذب صاحب الكبيرة وإن شاء غفر له، وعند المعتزلة وجوب عذابه فعند المعتزلة ظاهر أن الغضب عبارة عن إرادة الانتقام، وعند أهل السنة: إن غفر له فلا غضب، وإن لم يغفر له فغضبه عبارة عما ذكره.]] من العصاة، وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده- نعوذ باللَّه من غضبه، ونسأله رضاه ورحمته. فإن قلت: أى فرق بين (عليهم) الأولى و (عليهم) الثانية؟ قلت: الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على الفاعلية.
فإن قلت: لم دخلت لَا في وَلَا الضَّالِّينَ؟ قلت: لما في- غير- من معنى النفي، كأنه قيل:
لا المغضوب عليهم ولا الضالين. وتقول: أنا زيداً غير ضارب، مع امتناع قولك: أنا زيداً مثل ضارب لأنه بمنزلة قولك أنا زيداً لا ضارب. وعن عمر وعلى رضى اللَّه عنهما أنهما قرءا: وغير الضالين. وقرأ أيوب السختياني: ولا الضألين- بالهمز، كما قرأ عمرو بن عبيد: (ولا جأن) وهذه لغة من جدّ في الهرب من التقاء الساكنين. ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة، ودأبة.
آمين: صوت سمى به الفعل الذي هو استجب، كما أنّ «رويد، وحيهل، وهلم» أصوات سميت بها الأفعال التي هي «أمهل، وأسرع، وأقبل» . وعن ابن عباس: سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن معنى آمين [[أخرجه الثعلبي من رواية أبى صالح عنه بإسناد واه]] فقال: «افعل» وفيه لغتان: مدّ ألفه، وقصرها. قال:
وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْداً قالَ آمِينَا [[يا رب إنك ذو من ومغفرة ... ببت بعافية ليل المحبينا
الذاكرين الهوى من بعد ما رقدوا ... الساقطين على الأيدى المكبينا
يا رب لا تسلبنى حبها أبداً ... ويرحم اللَّه عبداً قال آمينا
لقيس بن معاذ الملوح مجنون لبلى العامرية، اشتد وجده بها، فأخذه أبوه إلى الكعبة ليدعو اللَّه عسى أن يشفيه، فأخذ بحلقة بابها وقال ذلك. والدعاء لليل المحبين مجاز عقلى، وهو في الحقيقة لهم، وبين أن رقادهم ليس على المعتاد بقوله: الساقطين على الأيدى، المكيين على الوجوه حيرة وسكرة، ثم دعا بأن يديم اللَّه حبها، ودعا لمن يؤمن على دعائه بأن يقول: آمين، وهو اسم فعل، أى استجب يا اللَّه هذا الدعاء، وهو بالمد، ويجوز قصره.]] وقال:
أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ ما بَيْننَا بُعْدَا [[تباعد عنى فطحل إذ دعوته ... أمين فزاد اللَّه ما بيننا بعدا
لجبير كان قد سأل فطحلا الأسدى فأعرض عنه فدعا عليه، ويروى تباعد منى فطحل وأبى، وأمين: بقصر الهمزة على اللغة العربية الأصلية، وأما بالمد فقيل أعجمي لأنه ليس في لغة العرب فاعيل. وقيل: أصله بالقصر فأشبعت همزته: اسم فعل بمعنى استجب، ورتبته بعد ما بعده. قدمه حرصا على طلب الاجابة ووقوع الدعاء مجابا من أول وهلة. والفاء للسببية عما قبلها، أى: حيثما تباعد عنى فزد ما بيننا بعداً يا اللَّه، وبعداً: يجوز أن يكون تمييزاً، وأن يكون منقولا.]]
وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «لقني جبريل عليه السلام آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب [[لم أجده هكذا. وفي الدعاء لابن أبى شيبة من رواية أبى ميسرة أحد كبار التابعين قال: «أقرأ جبريل عليه السلام النبي صلى اللَّه عليه وسلم فاتحة الكتاب فلما قال وَلَا الضَّالِّينَ قال له قل: آمين. فقال آمين» قلت وعند أبى داود عن أبى زهير قال «آمين مثل الطابع على الصحيفة» وروى ابن مردويه عن أبى هريرة مرفوعا «آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين» وهو في الدعاء للطبراني]] وقال: إنه كالختم على الكتاب» ، وليس من القرآن بدليل أنه لم يثبت في المصاحف.
وعن الحسن: لا يقولها الإمام لأنه الداعي. وعن أبى حنيفة رحمه اللَّه مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيها. وروى الإخفاء عبد اللَّه بن مغفل وأنس عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم [[لم أجده عن واحد منهما]] . وعند الشافعي يجهر بها. وعن وائل بن حجر أنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا قرأ: ولا الضالين، قال آمين ورفع بها صوته [[أخرجه أبو داود من رواية حجر بن عنبسة عنه. وإسناده حسن]] . وعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم» أنه قال لأبىّ بن كعب: «ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم من رواية عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة. ورواه مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن: أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره «أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نادى أبى بن كعب- فذكره» وهو مرسل لأن أبا سعيد هذا تابعي. وهذا الحديث قد أخرجه البخاري من وجه آخر عن أبى سعيد بن المعلى «أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم مر به وهو يصلى، فدعاه- فذكر الحديث» ووهم صاحب جامع الأصول فجعلهما واحدا فأخطأ. لأن الأول مكي مولى تابعي. والثاني أنصارى مدنى من أنفسهم. صحابى. قال البيهقي: يحتمل أن يكون ذلك صدر منه صلى اللَّه عليه وسلم لأبى بن كعب مرة، ولسعيد بن المعلى مرة أخرى]] قلت: بلى يا رسول اللَّه. قال: «فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وعن حذيفة بن اليمان أنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إنّ القوم ليبعث اللَّه عليهم العذاب حتما مقضيا [[أخرجه الثعلبي من رواية أبى معاوية عن أبى مالك الأشجعى عن ربعي عنه. قلت: إلا أن دون أبى معاوية من لا يحتج به. وله شاهد في مسند الدارمي عن ثابت بن عجلان قال «كان يقال إن اللَّه ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف ذلك عنهم» يعنى بالحكمة: القرآن، وحديث أبى بن كعب رضى اللَّه عنه في فضائل القرآن سورة سورة. أخرجه الثعلبي من طرق عن أبى بن كعب رضى اللَّه عنه كلها ساقطة. وأخرجه ابن مردويه من طريقين. وأخرجه الواحدي في الوسيط. وله قصة ذكرها الخطيب ثم ابن الصلاح عمن اعترف بوضعه. ولهذا روى عن أبى عصمة أنه وضعه.]] فيقرأ صبّى من صبيانهم في الكتاب (الحمد للَّه رب العالمين) فيسمعه اللَّه تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة»