muqarana · مقارنة

1:6

← surah 1 · all surahs

Aya text not in graph (graph hydration may be pending).

Classical (تراثي)

abu_hayyan — البحر المحيط
﴿اهْدِنا﴾ الهِدايَةُ: الإرْشادُ والدَّلالَةُ والتَّقَدُّمُ، ومِنهُ الهَوادِي أوِ التَّبْيِينُ، ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أوِ الإلْهامُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ألْهَمَ الحَيَواناتِ كُلَّها إلى مَنافِعِها، أوِ الدُّعاءُ، ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] أيْ داعٍ، والأصْلُ في هَدى أنْ يَصِلَ إلى ثانِي مَعْمُولِهِ بِاللّامِ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أوْ إلى ﴿لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ثُمَّ يَتَّسِعُ فِيهِ فَيُعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾، ونا ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أوْ مُعْظَمُ نَفْسِهِ. ويَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ. ﴿الصِّراطَ﴾ الطَّرِيقَ، وأصْلُهُ بِالسِّينِ مِنَ السَّرْطِ، وهو اللَّقْمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ لَقْمًا، وبِالسِّينِ عَلى الأصْلِ قَرَأ قُنْبُلٌ ورُوَيْسٌ، وإبْدالُ سِينِهِ صادًا هي الفُصْحى، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِها كُتِبَتْ في الإمامِ، وزايًا لُغَةٌ رَواها الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإشْمامُها زايًا لُغَةُ قَيْسٍ، وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ بِخِلافٍ وتَفْصِيلٍ عَنْ رُواتِهِ. وقالَ أبُو يَعْلى: ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والسِّينُ والصّادُ والمُضارَعَةُ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ، ورَواهُ عَنْهُ العُرْيانُ عَنْ أبِي سُفْيانَ، ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأها بِزايٍ خالِصَةٍ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ خَطَأٌ مِنهُ إنَّما سَمِعَ أبا عَمْرٍو يَقْرَؤُها بِالمُضارَعَةِ فَتَوَهَّمَها زايًا، ولَمْ يَكُنِ الأصْمَعِيُّ نَحْوِيًّا فَيُؤْمَنَ عَلى هَذا. وحَكى هَذا الكَلامَ أبُو عَلِيٍّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وهو إمامٌ مِن أئِمَّةِ الإمامِيَّةِ: الصِّراطُ بِالصّادِ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ، وعامَّةُ العَرَبِ يَجْعَلُونَها سِينًا، والزّايُ لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَعْبٍ وبَنِي القَيْنِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ تَكَلُّفُ حَرْفٍ بَيْنَ حَرْفَيْنِ، وذَلِكَ صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، ولَيْسَ بِحَرْفٍ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الكَلامُ، ولا هو مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ. ولَسْتُ أدْفَعُ أنَّهُ مِن كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ، إلّا أنَّ الصّادَ أفْصَحُ وأوْسَعُ، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَذْكِيرُهُ أكْثَرُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: أهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الصِّراطَ كالطَّرِيقِ والسَّبِيلِ والزُّقاقِ والسُّوقِ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَ هَذا كُلَّهُ ويُجْمَعُ في الكَثْرَةِ عَلى سُرُطٍ، نَحْوِ كِتابٍ وكُتُبٍ، وفي القِلَّةِ قِياسُهُ أسْرِطَةٌ، نَحْوُ حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، هَذا إذا كانَ الصِّراطُ مُذَكَّرًا، وأمّا (p-٢٦)إذا أُنِّثَ فَقِياسُهُ أفْعُلٌ نَحْوُ ذِراعٍ وأذْرُعٍ وشِمالٍ وأشْمُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الحَسَنِ: اهْدِنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣] . ﴿المُسْتَقِيمَ﴾ اسْتَقامَ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ مِنَ الزَّوائِدِ، وهَذا أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ، وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو قامَ، والقِيامُ هو الِانْتِصابُ والِاسْتِواءُ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ. * * * ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والأفْصَحُ كَوْنُهُ بِالياءِ في أحْوالِهِ الثَّلاثَةِ، وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُهُ بِالواوِ في حالَةِ الرَّفْعِ، واسْتِعْمالُهُ بِحَذْفِ النُّونِ جائِزٌ، وخَصَّ بَعْضُهم ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ، إلّا إنْ كانَ لِغَيْرِ تَخْصِيصٍ فَيَجُوزُ في غَيْرِها، وسُمِعَ حَذْفُ ألْ مِنهُ فَقالُوا الَّذِينَ، وفِيما تُعَرَّفُ بِهِ خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ، ويُخَصُّ العُقَلاءُ بِخِلافِ الَّذِي، فَإنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى ذِي العِلْمِ وغَيْرِهِ. ﴿أنْعَمْتَ﴾ النِّعْمَةُ: لِينُ العَيْشِ وخَفْضُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْجَنُوبِ النُّعامى لِلِينِ هُبُوبِها، وسُمِّيَتِ النَّعامَةُ لِلِينِ سَهْمِها، نَعِمَ إذا كانَ في نِعْمَةٍ، وأنْعَمْتُ عَيْنَهُ أيْ سَرَرْتُها، وأنْعَمَ عَلَيْهِ بالَغَ في التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ، أيْ والهَمْزَةُ في أنْعَمَ بِجَعْلِ الشَّيْءِ صاحِبَ ما صِيغَ مِنهُ، إلّا أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى التَّفَضُّلِ، فَعُدِّيَ بِعَلى، وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ. أنْعَمْتُهُ أيْ جَعَلْتُهُ صاحِبَ نِعْمَةٍ، وهَذا أحَدُ المَعانِي الَّتِي لِأفْعَلَ، وهي أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ مَعْنًى، هَذا أحَدُها. والتَّعْدِيَةُ، والكَثْرَةُ، والصَّيْرُورَةُ، والإعانَةُ، والتَّعْرِيضُ، والسَّلْبُ، وإصابَةُ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ، وبُلُوغُ عَدَدٍ أوْ زَمانٍ أوْ مَكانٍ، ومُوافَقَةُ ثُلاثِيٍّ، وإغْناءٌ عَنْهُ، ومُطاوَعَةُ فِعْلٍ وفِعْلٍ، والهُجُومُ، ونَفْيُ الغَرِيزَةِ، والتَّسْمِيَةُ، والدُّعاءُ، والِاسْتِحْقاقُ، والوُصُولُ، والِاسْتِقْبالُ، والمَجِيءُ بِالشَّيْءِ والتَّفْرِقَةُ (مِثْلَ ذَلِكَ) أدْنَيْتُهُ وأعْجَبَنِي المَكانَ، وأغَدَّ البَعِيرُ وأحْلَيْتُ فُلانًا، وأقْبَلْتُ فُلانًا، واشْتَكَيْتُ الرَّجُلَ، وأحْمَدْتُ فُلانًا، وأعْشَرْتُ الدَّراهِمَ، وأصْبَحْنا، وأشْأمَ القَوْمُ، وأحْزَنَهُ بِمَعْنى حَزَّنَهُ، وأرْقَلَ، وأقْشَعَ السَّحابُ مُطاوِعُ قَشَعَ الرِّيحُ السَّحابَ، وأفْطَرَ مُطاوِعُ فَطَّرْتُهُ، واطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ، وأسْتَرِيحُ، وأخْطَيْتُهُ سَمَّيْتُهُ مُخْطِئًا، وأسْقَيْتُهُ، وأحْصَدَ الزَّرْعُ، وأغْفَلْتُهُ وصَلَتْ غَفْلَتِي إلَيْهِ، وأفَّفْتُهُ اسْتَقْبَلْتُهُ بِأُفٍّ هَكَذا مِثْلُ هَذا. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أفْعَلَ فَعَلَ، ومُثِّلَ الِاسْتِقْبالُ أيْضًا بِقَوْلِهِمْ: أسْقَيْتُهُ أيِ اسْتَقْبَلْتُهُ بِقَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ، وكَثَّرْتُ جِئْتُ بِالكَثِيرِ، وأشْرَقَتِ الشَّمْسُ أضاءَتْ، وشَرَقَتْ طَلَعَتْ. التّاءُ المُتَّصِلَةُ بِأنْعَمَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ المُذَكَّرِ المُفْرَدِ، وهِي حَرْفٌ في أنْتَ، والضَّمِيرانِ فَهو مُرَكَّبٌ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى: حَرْفُ جَرٍّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، إلّا إذا جُرَّتْ بِمَن، أوْ كانَتْ في نَحْوِ هَوِّنْ عَلَيْكَ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها إذا جُرَّتِ اسْمُ ظَرْفٍ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَعُدَّها في حُرُوفِ الجَرِّ، ووافَقَهُ جَماعَةٌ مِن مُتَأخِّرِي أصْحابِنا، ومَعْناها الِاسْتِعْلاءُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وزَيْدٌ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَنْ، وبِمَعْنى الباءِ، وبِمَعْنى في، ولِلْمُصاحِبَةِ، ولِلتَّعْلِيلِ، وبِمَعْنى مِن، وزائِدَةٌ، مِثْلَ ذَلِكَ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، بَعْدَ عَلى كَذا ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦] . ؎أبى اللَّهُ إلّا أنَّ سَرْحَةَ مالِكٍ عَلى كُلِّ أفْنانِ العِضاهِ تَرُوقُ. أيْ تَرُوقُ كُلُّ أفْنانِ العِضاهِ. هم ضَمِيرُ جَمْعٍ غائِبٍ مُذَكَّرٍ عاقِلٍ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ. وحَكى اللُّغَوِيُّونَ في عَلَيْهِمْ عَشْرَ لُغاتٍ ضَمُّ الهاءِ، وإسْكانُ المِيمِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ. وكَسْرُها وإسْكانُ المِيمِ، وهِي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وكَسْرُ الهاءِ والمِيمِ وياءٌ بَعْدَها، وهِي قِراءَةُ الحَسَنِ. وزادَ ابْنُ مُجاهِدٍ أنَّها قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ فائِدٍ وكَذَلِكَ بِغَيْرِ ياءٍ، وهي قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ فائِدٍ. وكَسْرُ الهاءِ وضَمُّ المِيمِ وواوٌ بَعْدَها، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالُونَ بِخِلافٍ عَنْهُ. وكَسْرُ الهاءِ وضَمُّ المِيمِ بِغَيْرِ واوٍ وضَمُّ الهاءِ والمِيمِ وواوٌ بَعْدَها، وهي قِراءَةُ (p-٢٧)الأعْرَجِ والخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وكَذَلِكَ بِدُونِ واوٍ وضَمِّ الهاءِ وكَسْرِ المِيمِ بِياءٍ بَعْدَها. كَذَلِكَ بِغَيْرِ ياءٍ. وقُرِئَ بِهِما، (وتَوْضِيحُ هَذِهِ القِراءاتِ بِالخَطِّ والشَّكْلِ): عَلَيْهم عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُوا عَلَيْهِمُ عَلَيْهِمِي عَلَيْهِمِ عَلَيْهُمُ عَلَيْهُمِي عَلَيْهُمِ عَلَيْهُمُوا. ومُلَخَّصُها ضَمُّ الهاءِ مَعَ سُكُونِ المِيمِ، أوْ ضَمُّها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ، أوْ كَسْرُها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ وكَسْرُ الهاءِ مَعَ سُكُونِ المِيمِ، أوْ كَسْرُها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ، أوْ ضَمُّها بِإشْباعٍ، أوْ دُونَهُ، وتَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ ذُكِرَ في النَّحْوِ. اهْدِنا صُورَتُهُ صُورَةُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الطَّلَبُ والرَّغْبَةُ، وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ لِنَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَحْمَلًا، وأصْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَدُلَّ عَلى الطَّلَبِ، لا عَلى فَوْرٍ ولا تَكْرارٍ ولا تَحَتُّمٍ، وهَلْ مَعْنى اهْدِنا أرْشِدْنا أوْ وفِّقْنا أوْ قَدِّمْنا أوْ ألْهِمْنا أوْ بَيِّنْ لَنا أوْ ثَبِّتْنا ؟ أقْوالٌ أكْثَرُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وآخِرُها عَنْ عَلِيٍّ وأُبَيٍّ. وقَرَأ ثابِتٌ البُنانِيُّ بَصِّرْنا الصِّراطَ، ومَعْنى الصِّراطِ القُرْآنُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِكِتابِ اللَّهِ أوِ الإيمانِ وتَوابِعِهِ، أوِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ، أوِ السَّبِيلِ المُعْتَدِلِ، أوْ طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والحَسَنُ، أوْ طَرِيقِ الحَجِّ، قالَهُ فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ، أوِ السُّنَنِ، قالَهُ عُثْمانُ، أوْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ طَرِيقِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، قالَهُ القُشَيْرِيُّ، أوْ طَرِيقِ الخَوْفِ والرَّجاءِ، قالَهُ التِّرْمِذِيُّ، أوْ جِسْرِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ المُتَصَوِّفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أقْوالٌ، مِنها: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِالغَيْبُوبَةِ عَنِ الصِّراطِ لِئَلّا يَكُونَ مَرْبُوطًا بِالصِّراطِ، وقَوْلُ الجُنَيْدِ إنَّ سُؤالَ الهِدايَةِ عِنْدَ الحَيْرَةِ مِن إشْهارِ الصِّفاتِ الأزَلِيَّةِ، فَسَألُوا الهِدايَةَ إلى أوْصافِ العُبُودِيَّةِ لِئَلّا يَسْتَغْرِقُوا في الصِّفاتِ الأزَلِيَّةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ يَنْبُو عَنْها اللَّفْظُ، ولَهم فِيما يَذْكُرُونَ ذَوْقٌ وإدْراكٌ لَمْ نَصِلْ نَحْنُ إلَيْهِ بَعْدُ. وقَدْ شُحِنَتِ التَّفاسِيرُ بِأقْوالِهِمْ، ونَحْنُ نُلِمُّ بِشَيْءٍ مِنها لِئَلّا يُظَنَّ أنّا إنَّما تَرَكْنا ذِكْرَها لِكَوْنِنا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْها. وقَدْ رَدَّ الفَخْرُ الرّازِيُّ عَلى مَن قالَ إنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو القُرْآنُ أوِ الإسْلامُ وشَرائِعُهُ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ ”﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾“ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُمُ القُرْآنُ ولا الإسْلامُ، يَعْنِي بِالإسْلامِ هَذِهِ المِلَّةَ الإسْلامِيَّةَ المُخْتَصَّةَ بِتَكالِيفَ لَمْ تَكُنْ تَقَدَّمَتْها. وهَذا الرَّدُّ لا يَتَأتّى لَهُ إلّا إذا صَحَّ أنَّ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم مُتَقَدِّمُونَ، وسَتَأْتِي الأقاوِيلُ في تَفْسِيرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، واتِّصالُ نا بِاهْدِ مُناسِبٌ لِنَعْبُدَ ونَسْتَعِينَ لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ المُتَكَلِّمُ أنَّهُ هو ومَن مَعَهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَسْتَعِينُونَهُ سَألَ لَهُ ولَهُمُ الهِدايَةَ إلى الطَّرِيقِ الواضِحِ؛ لِأنَّهم بِالهِدايَةِ إلَيْهِ تَصِحُّ مِنهُمُ العِبادَةُ. ألا تَرى أنَّ مَن لَمْ يَهْتَدِ إلى السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ لِمَقْصُودِهِ لا يَصِحُّ لَهُ بُلُوغَ مَقْصُودِهِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: صِراطًا مُسْتَقِيمًا دُونَ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: صِراطَ مُسْتَقِيمٍ بِالإضافَةِ، أيِ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ. فَعَلى قِراءَةِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ يَكُونُ ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وعَلى قِراءَةِ الصّادِقِ وقِراءاتِ الجُمْهُورِ تَكُونُ بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن مَعْرِفَةِ ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بَدَلُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهَما بِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وجِيءَ بِها لِلْبَيانِ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ كانَ فِيهِ بَعْضُ إبْهامٍ، فَعَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ لِيَكُونَ المَسْئُولُ الهِدايَةَ إلَيْهِ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وصارَ بِذَلِكَ البَدَلُ فِيهِ حَوالَةً عَلى طَرِيقٍ مِن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أثْبَتُ وأوْكَدُ، وهَذِهِ هي فائِدَةُ نَحْوِ هَذا البَدَلِ، ولِأنَّهُ عَلى تَكْرارِ العامِلِ، فَيَصِيرُ في التَّقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ التَّأْكِيدِ، فَكَأنَّهم كَرَّرُوا طَلَبَ الهِدايَةِ. ومِن غَرِيبِ القَوْلِ أنَّ الصِّراطَ الثّانِيَ لَيْسَ الأوَّلَ بَلْ هو غَيْرُهُ، وكَأنَّهُ قُرِئَ فِيهِ حَرْفُ العَطْفِ، وفي تَعْيِينِ ذَلِكَ اخْتِلافٌ. قِيلَ: هو العِلْمُ بِاللَّهِ والفَهْمُ عَنْهُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ (p-٢٨)مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: التِزامُ الفَرائِضِ واتِّباعُ السُّنَنِ، وقِيلَ: هو مُوافَقَةُ الباطِنِ لِلظّاهِرِ في إسْباغِ النِّعْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] وقَرَأ: صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ابْنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ هُنا الأنْبِياءُ أوِ المَلائِكَةُ أوْ أُمَّةُ مُوسى وعِيسى الَّذِينَ لَمْ يُغَيِّرُوا، أوِ النَّبِيُّ ﷺ أوِ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، أوِ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، أوِ المُسْلِمُونَ، قالَهُ وكِيعٌ، أقْوالٌ، وعَزا كَثِيرًا مِنها إلى قائِلِها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: أرادَ صِراطَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، انْتَزَعُوا ذَلِكَ مِن آيَةِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ الحَسَنُ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُؤْمِنُو بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أصْحابُ مُوسى قَبْلَ أنْ يُبَدِّلُوا. وقالَ قَتادَةُ: الأنْبِياءُ خاصَّةً. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مُحَمَّدٌ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، انْتَهى مُلَخَّصًا. ولَمْ يُقَيِّدِ الأنْعامَ لِيَعُمَّ جَمِيعَ الأنْعامِ، أعْنِي عُمُومَ البَدَلِ. وقِيلَ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ لِلسَّعادَةِ، وقِيلَ: بِأنْ نَجّاهم مِنَ الهَلَكَةِ، وقِيلَ: بِالهِدايَةِ واتِّباعِ الرَّسُولِ، ورُوِيَ عَنِ المُتَصَوِّفَةِ تَقْيِيداتٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ قَيْدٍ. واخْتُلِفَ هَلْ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلى الكافِرِ ؟ فَأثْبَتَها المُعْتَزِلَةُ ونَفاها غَيْرُهم. ومَوْضِعُ عَلَيْهِمْ نَصْبٌ، وكَذا كُلُّ حَرْفِ جَرٍّ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ، أوْ ما جَرى مَجْراهُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ. وبِناءُ أنْعَمْتُ لِلْفاعِلِ اسْتِعْطافٌ لِقَبُولِ التَّوَسُّلِ بِالدُّعاءِ في الهِدايَةِ وتَحْصِيلِها، أيْ طَلَبْنا مِنكَ الهِدايَةَ، إذْ سَبَقَ إنْعامُكَ، فَمِن إنْعامِكَ إجابَةُ سُؤالِنا ورَغْبَتِنا، كَمِثْلِ أنْ تَسْألَ مِن شَخْصٍ قَضاءَ حاجَةٍ وتُذَكِّرَهُ بِأنَّ مِن عادَتِهِ الإحْسانُ بِقَضاءِ الحَوائِجِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آكَدُ في اقْتِضائِها وأدْعى إلى قَضائِهِ. وانْقِلابُ الفاعِلِ مَعَ المُضْمَرِ هي اللُّغَةُ الشُّهْرى، ويَجُوزُ إقْرارُها مَعَهُ عَلى لُغَةٍ، ومَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ طَلَبُ اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ حَمِدَ اللَّهَ وأخْبَرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُهُ ويَسْتَعِينُهُ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ، لَكِنْ يَسْألُ دَوامَها واسْتِمْرارَها. ﴿غَيْرِ﴾ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ دائِمًا، وإذا أُرِيدَ بِهِ المُؤَنَّثَ جازَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُهُ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَدْلُولُهُ المُخالَفَةُ بِوَجْهٍ ما، وأصْلُهُ الوَصْفُ، ويُسْتَثْنى بِهِ ويَلْزَمُ الإضافَةَ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وإدْخالُ ألْ عَلَيْهِ خَطَأٌ ولا يَتَعَرَّفُ، وإنْ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ. ومَذْهَبُ ابْنِ السَّرّاجِ أنَّهُ إذا كانَ المُغايِرُ واحِدًا تَعَرَّفَ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ قَدْ يُقْصَدُ بِها التَّعْرِيفُ، فَتَصِيرُ مَحْضَةً، فَتَتَعَرَّفُ إذْ ذاكَ غَيْرُ بِما تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَقْرِيرُ هَذا كُلِّهِ في كُتُبِ النَّحْوِ. وزَعَمَ البَيانِيُّونَ أنَّ غَيْرًا أوْ مِثْلًا في بابِ الإسْنادِ إلَيْهِما مِمّا يَكادُ يَلْزَمُ تَقْدِيمُهُ، قالُوا نَحْوَ قَوْلِكَ غَيْرُكَ يُخْشى ظُلْمَهُ، ومِثْلُكَ يَكُونُ لِلْمَكْرُماتِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يُقْصَدُ فِيهِ بِمِثْلٍ إلى إنْسانٍ سِوى الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ، ولَكِنَّهم يَعْنُونَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مِثْلَهُ في الصِّفَةِ كانَ مِن مُقْتَضى القِياسِ، ومُوجَبِ العُرْفِ أنْ يَفْعَلَ ما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ: ؎غَيْرِي بِأكْثَرِ هَذا النّاسُ يَنْخَدِعُ غَرَضُهُ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَنْخَدِعُ ويَغْتَرُّ، وهَذا المَعْنى لا يَسْتَقِيمُ فِيهِما إذا لَمْ يُقَدَّما نَحْوَ: يَكُونُ لِلْمَكْرُماتِ مِثْلُكَ، ويَنْخَدِعُ بِأكْثَرِ هَذا النّاسُ غَيْرِي، فَأنْتَ تَرى الكَلامَ مَقْلُوبًا عَلى جِهَتِهِ. ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الغَضَبُ: تَغَيُّرُ الطَّبْعِ لِمَكْرُوهٍ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الإعْراضِ لِأنَّهُ مِن ثَمَرَتِهِ. لا حَرْفٌ يَكُونُ لِلنَّفْيِ ولِلطَّلَبِ وزائِدًا، ولا يَكُونُ اسْمًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ والضَّلالُ: الهَلاكُ والخَفاءُ، ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الغَيْبُوبَةُ، ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢]، وضَلَلْتُ الشَّيْءَ جَهِلْتُ المَكانَ الَّذِي وضَعْتُهُ فِيهِ، وأضْلَلْتُ الشَّيْءَ ضَيَّعْتُهُ، وأضَلَّ أعْمالَهم، وضَلَّ غَفَلَ ونَسِيَ، وأنا مِنَ الضّالِّينَ، ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والضَّلالُ سُلُوكُ غَيْرَ القَصْدِ، ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ سَلَكَ غَيْرَ جادَّتِها، والضَّلالُ الحَيْرَةُ (p-٢٩)والتَّرَدُّدُ، ومِنهُ قِيلَ لِحَجَرٍ أمْلَسٍ يُرَدِّدُهُ الماءُ في الوادِي ضَلْضَلَهُ، وقَدْ فُسِّرَ الضَّلالُ في القُرْآنِ بِعَدَمِ العِلْمِ بِتَفْصِيلِ الأُمُورِ وبِالمَحَبَّةِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في مَواضِعِهِ، والجَرُّ في (غَيْرِ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ. ورَوى الخَلِيلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ النَّصْبَ، وهي قِراءَةُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فالجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، وكِلاهُما ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ غَيْرًا أصْلُ وضْعِهِ الوَصْفُ، والبَدَلُ بِالوَصْفِ ضَعِيفٌ، أوْ عَلى النَّعْتِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ غَيْرُ تَعَرَّفَتْ بِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، إذْ هو مَعْرِفَةٌ عَلى ما نَقَلَهُ سِيبَوَيْهِ، في أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ قَدْ تَتَمَحَّضُ فَيَتَعَرَّفُ إلّا في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، أوْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السَّرّاجِ، إذْ وقَعَتْ غَيْرُ عَلى مَخْصُوصٍ لا شائِعٍ، أوْ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمُ الجِنْسُ لا قَوْمَ بِأعْيانِهِمْ. قالُوا: كَما وصَفُوا المُعَرَّفَ بَألِ الجِنْسِيَّةِ بِالجُمْلَةِ، وهَذا هَدْمٌ لِما اعْتَزَمُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ المَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، ولا أخْتارَ هَذا المَذْهَبَ وتَقْرِيرُ فَسادِهِ في النَّحْوِ والنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، وهو الوَجْهُ أوْ مِنَ الَّذِينَ قالَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الحالَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ لا يَجُوزُ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ إذْ لَمْ يَتَناوَلْهُ اللَّفْظُ السّابِقُ، ومَنَعَهُ الفَرّاءُ مِن أجْلِ لا في قَوْلِهِ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾، ولَمْ يُسَوِّغْ في النَّصْبِ غَيْرَ الحالِ، قالَ: لِأنَّ لا لا تُزادُ إلّا إذا تَقَدَّمَ النَّفْيُ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ ∗∗∗ والطَّيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ. ومَن ذَهَبَ إلى الِاسْتِثْناءِ جَعْلَ لا صِلَةً، أيْ زائِدَةً مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎فَما ألُومُ البِيضَ أنْ لا تَسْخَرا وقَوْلِ الأحْوَصِ: ؎ويَلْحِينَنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوُ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ أنْ تَسْخَرَ وأنْ أُحِبَّهُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ إرادَةُ أنْ لا أُحِبَّهُ، فَلا فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ، يَعْنِي في كَوْنِها نافِيَةً لا زائِدَةً، واسْتَدَلُّوا أيْضًا عَلى زِيادَتِها بِبَيْتٍ أنْشَدَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو: ؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ. وزَعَمُوا أنَّ ”لا“ زائِدَةٌ، والبُخْلَ مَفْعُولٌ بِأبى، أيْ أبى جُودُهُ البُخْلَ، ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ، بَلِ الأظْهَرُ أنَّ لا مَفْعُولٌ بِأبى، وأنَّ لَفْظَةَ ”لا“ لا تَتَعَلَّقُ بِها، وصارَ إسْنادًا لَفْظِيًّا، ولِذَلِكَ قالَ: واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ، فَجَعَلَ نَعَمْ فاعِلَةً بِقَوْلِهِ اسْتَعْجَلَتْ، وهو إسْنادٌ لَفْظِيٌّ، والبُخْلُ بَدَلٌ مِن لا أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: انْتَصَبَ غَيْرُ بِإضْمارِ أعْنِي وعَزى إلى الخَلِيلِ، وهَذا تَقْدِيرٌ سَهْلٌ، وعَلَيْهِمْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَغْضُوبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي إقامَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَقامَ الفاعِلِ، إذا حُذِفَ خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ. ومِن دَقائِقِ مَسائِلِهِ مَسْألَةٌ يُغْنِي فِيها عَنْ خَبَرِ المُبْتَدَأِ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، و”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، لِأنَّ غَيْرَ فِيهِ النَّفْيَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ، وعَيَّنَ دُخُولَها العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لِمُناسَبَةِ غَيْرَ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِتَرْكِها عَطْفُ الضّالِّينَ عَلى الَّذِينَ. وقَرَأ عُمَرُ وأُبَيٌّ: وغَيْرِ الضّالِّينَ، ورُوِيَ عَنْهُما في الرّاءِ في الحَرْفَيْنِ النَّصْبُ والخَفْضُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هم غَيْرُ الضّالِّينَ، والتَّأْكِيدُ فِيها أبْعَدُ، والتَّأْكِيدُ في لا أقْرَبُ، ولِتَقارُبِ مَعْنى غَيْرِ مِن مَعْنى لا، أتى الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَسْألَةٍ لِيُبَيِّنَ بِها تَقارُبَهُما فَقالَ: وتَقُولُ أنا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ، مَعَ امْتِناعِ قَوْلِكَ أنا زَيْدًا مِثْلُ ضارِبٍ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ، يُرِيدُ أنَّ العامِلَ إذا كانَ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ فَمَعْمُولُهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ ولا عَلى المُضافِ، لَكِنَّهم تَسَمَّحُوا في العامِلِ المُضافِ إلَيْهِ غَيْرُ، فَأجازُوا تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلى غَيْرِ إجْراءً لِغَيْرِ مَجْرى لا، فَكَما أنَّ لا يَجُوزَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ (p-٣٠)ما بَعْدَها عَلَيْها، فَكَذَلِكَ غَيْرُ. وأوْرَدَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّها مَسْألَةٌ مُقَرَّرَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها؛ لِيُقَوِّيَ بِها التَّناسُبَ بَيْنَ غَيْرِ ولا، إذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيها خِلافًا. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، بَناهُ عَلى جَوازِ أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ، وفي تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ لا عَلَيْها ثَلاثَةُ مَذاهِبَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وكَوْنُ اللَّفْظِ يُقارِبُ اللَّفْظَ في المَعْنى لا يَقْضِي لَهُ بِأنْ يُجْرى أحْكامُهُ عَلَيْهِ، ولا يَثْبُتُ تَرْكِيبٌ إلّا بِسَماعٍ مِنَ العَرَبِ، ولَمْ يُسْمَعْ أنا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ. وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ ورَدُّوهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهم في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ مَحْذُوفًا، قالَ: التَّقْدِيرُ غَيْرَ صِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وأطْلَقَ هَذا التَّقْدِيرَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِجَرِّ غَيْرَ ولا نَصْبِهِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا بِنَصْبِ غَيْرَ، فَيَكُونُ صِفَةً لِقَوْلِهِ (الصِّراطَ)، وهو ضَعِيفٌ لِتَقَدُّمِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ، والأصْلُ العَكْسُ، أوْ صِفَةٌ لِلْبَدَلِ، وهو ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾، أوْ بَدَلًا مِنَ الصِّراطِ، أوْ مِن ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾، وفِيهِ تَكْرارُ الإبْدالِ، وهي مَسْألَةٌ لَمْ أقِفْ عَلى كَلامِ أحَدٍ فِيها، إلّا أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ في بَدَلِ النِّداءِ، أوْ حالًا مِنَ الصِّراطِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي. وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ولا الضَّأْلِينَ، بِإبْدالِ الألِفِ هَمْزَةً فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ دَأْبَةٌ وشَأْبَةٌ في كِتابِ الهَمْزِ، وجاءَتْ مِنهُ أُلَيْفاظٌ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَنْقاسُ هَذا الإبْدالُ لِأنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ كَثْرَةً تُوجِبُ القِياسَ، نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ النَّحْوِيُّونَ، قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقْرَأُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، فَظَنَنْتُهُ قَدْ لَحَنَ حَتّى سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ دَأْبَةً وشَأْبَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎إذا ما العَوالِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولِلْأرْضِ إمّا سُودُها فَتَجَلَّتِ ∗∗∗ بَياضًا وإما بِيضُها فادَّهْأمَّتِ. وعَلى ما قالَ أبُو الفَتْحِ إنَّها لُغَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَنْقاسَ ذَلِكَ، وجُعِلَ الإنْعامُ في صِلَةِ الَّذِينَ، والغَضَبُ في صِلَةِ ألْ؛ لِأنَّ صِلَةَ الَّذِينَ تَكُونُ فِعْلًا فَيَتَعَيَّنُ زَمانُهُ، وصِلَةُ ألْ تَكُونُ اسْمًا فَيَنْبَهِمُ زَمانُهُ، والمَقْصُودُ طَلَبُ الهِدايَةِ إلى صِراطِ مَن ثَبَتَ إنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِ وتَحَقَّقَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أتى بِالفِعْلِ ماضِيًا وأتى بِالِاسْمِ في صِلَةِ أنَّ لِيَشْمَلَ سائِرَ الأزْمانِ، وبِناهِ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ مَن طُلِبَ مِنهُ الهِدايَةُ ونُسِبَ الإنْعامُ إلَيْهِ لا يُناسِبُ نِسْبَةَ الغَضَبِ إلَيْهِ، لِأنَّهُ مَقامُ تَلَطُّفٍ وتَرَفُقٍ وتَذَلُّلٍ لِطَلَبِ الإحْسانِ، فَلا يُناسِبُ مُواجَهَتَهُ بِوَصْفِ الِانْتِقامِ، ولِيَكُونَ المَغْضُوبُ تَوْطِئَةً لِخَتْمِ السُّورَةِ بِالضّالِّينَ لِعَطْفِ مَوْصُولٍ عَلى مَوْصُولٍ مِثْلَهُ لِتَوافُقِ آخِرِ الآيِ. والمُرادُ بِالإنْعامِ الإنْعامُ الدِّينِيُّ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ عامٌّ في كُلِّ مَن غُضِبَ عَلَيْهِ وضَلَّ. وقِيلَ: المَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ اليَهُودُ، والضّالُّونَ النَّصارى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ هَذا عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإذا صَحَّ هَذا وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: اليَهُودُ والمُشْرِكُونَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ في الغَضَبِ والضَّلالِ قُيُودٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْها، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، بِتَرْكِ حُسْنِ الأدَبِ في أوْقاتِ القِيامِ بِخِدْمَتِهِ، ﴿ولا الضّالِّينَ﴾، بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا. والغَضَبُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ العاصِي لِأنَّهُ عالِمٌ بِالعَبْدِ قَبْلَ خَلْقِهِ وقَبْلَ صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ، فَيَكُونُ مِن صِفاتِ الذّاتِ، أوْ إحْلالُ العُقُوبَةِ بِهِ فَيَكُونُ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، وقَدَّمَ الغَضَبَ عَلى الضَّلالِ وإنْ كانَ الغَضَبُ مِن نَتِيجَةِ الضَّلالِ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ فَغَضِبَ عَلَيْهِ لِمُجاوَرَةِ الإنْعامِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ قَرِينَةٌ، لِأنَّ الإنْعامَ يُقابَلُ بِالِانْتِقامِ، ولا يُقابِلُ الضَّلالُ الإنْعامَ، فالإنْعامُ إيصالُ الخَيْرِ إلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والِانْتِقامُ إيصالُ الشَّرِّ إلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَبَيْنَهُما تَطابُقٌ مَعْنَوِيٌّ، وفِيهِ أيْضًا تَناسُبُ التَّسْجِيعِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ولا الضّالِّينَ تَمامُ السُّورَةِ، فَناسَبَ أواخِرَ الآيِ، ولَوْ تَأخَّرَ الغَضَبُ ومُتَعَلِّقُهُ لَما ناسَبَ أواخِرَ الآيِ. وكانَ العَطْفُ بِالواوِ الجامِعَةِ الَّتِي لا دَلالَةَ فِيها عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِحُصُولِ هَذا (p-٣١)المَعْنى مِن مُغايَرَةِ جَمْعِ الوَصْفَيْنِ الغَضَبِ عَلَيْهِ والضَّلالِ لِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَ اليَهُودَ والنَّصارى، فالتَّقْدِيمُ إمّا لِلزَّمانِ أوْ لِشِدَّةِ العَداوَةِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ أقْدَمُ وأشَدُّ عَداوَةً مِنَ النَّصارى. * * * (وقَدِ انْجَرَّ) في غُضُونِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن عِلْمِ البَيانِ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ لا يَهْتَدِي إلى اسْتِخْراجِها إلّا مَن كانَ تَوَغَّلَ في فَهْمِ لِسانِ العَرَبِ، ورُزِقَ الحَظَّ الوافِرَ مِن عِلْمِ الأدَبِ، وكانَ عالِمًا بِافْتِنانِ الكَلامِ، قادِرًا عَلى إنْشاءِ النِّثارِ البَدِيعِ والنِّظامِ. وأمّا مَن لا اطِّلاعَ لَهُ عَلى كَلامِ العَرَبِ، وجَسا طَبْعُهُ حَتّى عَنِ الفِقْرَةِ الواحِدَةِ مِنَ الأدَبِ، فَسَمْعُهُ عَنْ هَذا الفَنِّ مَسْدُودٌ، وذِهْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا المَقْصُودِ. قالُوا: وفي هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْواعِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ أنْواعٌ: (النَّوْعُ الأوَّلُ): حُسْنُ الِافْتِتاحِ وبَراعَةُ المَطْلَعِ، فَإنْ كانَ أوَّلُها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، عَلى قَوْلِ مَن عَدَّها مِنها، فَناهِيكَ بِذَلِكَ حُسْنًا إذْ كانَ مَطْلَعُها مُفْتَتَحًا بِاسْمِ اللَّهِ، وإنْ كانَ أوَّلُها ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فَحَمْدُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ووَصْفُهُ بِما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ أحْسُنُ ما افْتُتِحَ بِهِ الكَلامُ، وقُدِّمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّثْرَ والنِّظامَ، وقَدْ تَكَرَّرَ الِافْتِتاحُ بِالحَمْدِ في كَثِيرٍ مِنَ السُّوَرِ، والمَطالِعُ تَنْقَسِمُ إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ، والحَسَنُ إلى ظاهِرٍ وخَفِيٍّ عَلى ما قُسِّمَ في عِلْمِ البَدِيعِ. (النَّوْعُ الثّانِي): المُبالَغَةُ في الثَّناءِ، وذَلِكَ لِعُمُومِ ألْ في الحَمْدِ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي مَرَّ. (النَّوْعُ الثّالِثُ): تَلْوِينُ الخِطابِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] ومَعْناهُ النَّهْيُ. (النَّوْعُ الرّابِعُ): الِاخْتِصاصُ بِاللّامِ الَّتِي في لِلَّهِ، إذْ دَلَّتْ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَحامِدِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، إذْ هو مُسْتَحِقٌّ لَها، وبِالإضافَةِ في مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ لِزَوالِ الأمْلاكِ والمَمالِكِ عَنْ سِواهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَفَرُّدِهِ فِيهِ بِالمُلْكِ والمِلْكِ، قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ولِأنَّهُ لا مُجازِيَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الأعْمالِ سِواهُ. (النَّوْعُ الخامِسُ): الحَذْفُ، وهو عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ الحَمْدَ ظاهِرٌ، وتَقَدَّمَ، هَلْ يُقَدَّرُ مِن لَفْظِ الحَمْدِ أوْ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ ؟ قالَ بَعْضُهم: ومِنهُ حَذْفُ العامِلِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ خَبَرٌ عَنِ الحَمْدِ، وهو الَّذِي يُقَدَّرُ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ، قالَ: ومِنهُ حَذْفُ صِراطٍ مِن قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾، التَّقْدِيرُ غَيْرِ صِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وغَيْرِ صِراطِ الضّالِّينَ، وحَذْفُ سُورَةٍ إنْ قَدَّرْنا العامِلَ في الحَمْدِ إذا نَصَبْناهُ، اذْكُرُوا أوِ اقْرَءُوا، فَتَقْدِيرُهُ اقْرَءُوا سُورَةَ الحَمْدِ، وأمّا مَن قَيَّدَ الرَّحْمَنَ والرَّحِيمَ ونَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ وأنْعَمْتُ والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ في سُورَةِ مَحْذُوفاتٍ كَثِيرَةٍ. (النَّوْعُ السّادِسُ): التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، وهو في قَوْلِهِ نَعْبُدُ، ونَسْتَعِينُ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، والضّالِّينَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. (النَّوْعُ السّابِعُ): التَّفْسِيرُ، ويُسَمّى التَّصْرِيحُ بَعْدَ الإبْهامِ، وذَلِكَ في بَدَلِ ﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ مِنَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ . (النَّوْعُ الثّامِنُ): الِالتِفاتُ، وهو في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿اهْدِنا﴾ . (النَّوْعُ التّاسِعُ): طَلَبُ الشَّيْءِ، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَهُ بَلْ دَوامَهُ، وذَلِكَ في ﴿اهْدِنا﴾ . (النَّوْعُ العاشِرُ): سَرْدُ الصِّفاتِ لِبَيانِ خُصُوصِيَّةٍ في المَوْصُوفِ أوْ مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ. (النَّوْعُ الحادِي عَشَرَ): التَّسْجِيعُ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّسْجِيعِ المُتَوازِي، وهو اتِّفاقُ الكَلِمَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ في الوَزْنِ والرَّوِيِّ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ . انْقَضى كَلامُنا عَلى تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ. وكَرِهَ الحَسَنُ أنْ يُقالَ لَها أُمُّ الكِتابِ، وكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أنْ يُقالَ لَها أُمُّ القُرْآنِ، وجَوَّزَهُ الجُمْهُورُ. والإجْماعُ عَلى أنَّها سَبْعُ آياتٍ إلّا ما شَذَّ فِيهِ مَن لا يَعْتَبِرُ خِلافَهُ. عَدَّ الجُمْهُورُ المَكِّيُّونَ والكُوفِيُّونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] آيَةً، ولَمْ يَعُدُّوا ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وسائِرُ العادِّينَ ومِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ والكُوفَةِ لَمْ يَعُدُّوها آيَةً، وعَدُّوا ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيَةً، وشَذَّ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَجَعَلَ آيَةً ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهي عَلى عَدِّهِ ثَمانِ آياتٍ، وشَذَّ حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ فَزَعَمَ أنَّها سِتُّ آياتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفَصْلُ في ذَلِكَ. ولَمْ (p-٣٢)يَخْتَلِفُوا في أنَّ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَيْسَتْ آيَةً، وشَذَّ ابْنُ المُبارَكِ فَقالَ: إنَّها آيَةٌ في كُلِّ سُورَةٍ. ولا أدْرِي ما المَلْحُوظُ في مِقْدارِ الآيَةِ حَتّى نَعْرِفَ الآيَةَ مِن غَيْرِ الآيَةِ ؟ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَدَدَ حُرُوفِ الفاتِحَةِ وذَكَرُوا سَبَبَ نُزُولِها ما لا يُعَدُّ سَبَبَ نُزُولٍ، وذَكَرُوا أحادِيثَ في فَضْلِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، اللَّهُ أعْلَمُ بِها. وذَكَرُوا لِلتَّسْمِيَةِ أيْضًا ما لا يُعَدُّ سَبَبًا، وذَكَرُوا أنَّ الفاتِحَةَ تُسَمّى الحَمْدَ، وفاتِحَةَ الكِتابِ، وأُمَّ الكِتابِ، والسَّبْعَ المَثانِي، والواقِيَةَ، والكافِيَةَ، والشِّفاءَ، والشّافِيَةَ، والرُّقْيَةَ، والكَنْزَ، والأساسَ، والنُّورَ، وسُورَةَ الصَّلاةِ، وسُورَةَ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةَ المُناجاةِ، وسُورَةَ التَّفْوِيضِ. وذَكَرُوا أنَّ ما ورَدَ مِنَ الأحادِيثِ في فَضْلِ الفاتِحَةِ، والكَلامِ عَلى هَذا كُلُّهُ مِن بابِ التَّذْيِيلاتِ، لا أنَّ ذَلِكَ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ، إلّا ما كانَ مِن تَعْيِينِ مُبْهَمٍ أوْ سَبَبِ نُزُولٍ أوْ نَسْخٍ بِما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ يَضْطَرُّ إلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرُ. وكَذَلِكَ تَكَلَّمُوا عَلى آمِينَ ولُغاتِها والِاخْتِلافِ في مَدْلُولِها وحُكْمِها في الصَّلاةِ ولَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، فَلِذَلِكَ أضْرَبْنا عَلى الكَلامِ عَلَيْها صَفْحًا كَما تَرَكْنا الكَلامَ عَلى الِاسْتِعاذَةِ في أوَّلِ الكِتابِ، وقَدْ أطالَ المُفَسِّرُونَ كُتُبَهم بِأشْياءَ خارِجَةٍ عَنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ حَذَفْناها مِن كِتابِنا هَذا إذْ كانَ مَقْصُودُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ في الخُطْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
abu_suud — إرشاد العقل السليم
﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾: إفْرادٌ لِمُعْظَمِ أفْرادِ المَعُونَةِ المَسْؤُولَةِ بِالذِّكْرِ؛ وتَعْيِينٌ لِما هو الأهَمُّ؛ أوْ بَيانٌ لَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ أُعِينُكُمْ؟ فَقِيلَ: اهْدِنا؛ والهِدايَةُ دَلالَةٌ بِلُطْفٍ عَلى ما يُوَصِّلُ إلى البُغْيَةِ؛ ولِذَلِكَ اخْتُصَّتْ بِالخَيْرِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجحيم﴾؛ وارِدٌ عَلى نَهْجِ التَّهَكُّمِ؛ والأصْلُ تَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" و"اللّامِ"؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾؛ فَعُومِلَ مُعامَلَةَ "اخْتارَ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾؛ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾؛ وهِدايَةُ اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ تَنَوُّعِها إلى أنْواعٍ لا تَكادُ تُحْصَرُ - مُنْحَصِرَةٌ في أجْناسٍ مُتَرَتِّبَةٍ؛ مِنها أنْفُسِيَّةٌ؛ كَإفاضَةِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ الَّتِي بِها يَصْدُرُ عَنِ المَرْءِ أفاعِيلُهُ الطَّبِيعِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ؛ والقُوى المُدْرِكَةِ؛ والمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي بِها يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ مَصالِحِهِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ؛ ومِنها آفاقِيَّةٌ؛ فَإمّا تَكْوِينِيَّةٌ مُعْرِبَةٌ عَنِ الحَقِّ بِلِسانِ الحالِ - وهي نَصْبُ الأدِلَّةِ المُودَعَةِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العالَمِ؛ حَسْبَما لُوِّحَ بِهِ فِيما سَلَفَ -؛ وإمّا تَنْزِيلِيَّةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ تَفاصِيلِ الأحْكامِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ بِلِسانِ المَقالِ؛ بِإرْسالِ الرُّسُلِ؛ (p-18)وَإنْزالِ الكُتُبِ المُنْطَوِيَةِ عَلى فُنُونِ الهِداياتِ - الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإرْشادُ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ الأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ -؛ والتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِها؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾؛ وفي قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾؛ ومِنها الهِدايَةُ الخاصَّةُ؛ وهي كَشْفُ الأسْرارِ عَلى قَلْبِ المَهْدِيِّ بِالوَحْيِ؛ أوِ الإلْهامِ؛ ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ صاحِبٌ يَنْتَحِيها؛ وطالِبٌ يَسْتَدْعِيها؛ والمَطْلُوبُ إمّا زِيادَتُها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾؛ وإمّا الثَّباتُ عَلَيْها؛ كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وأُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: اهْدِنا: ثَبِّتْنا؛ ولَفْظُ الهِدايَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مَجازٌ - قَطْعًا -؛ وأمّا عَلى الأوَّلِ فَإنِ اعْتُبِرَ مَفْهُومُ الزِّيادَةِ داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ كانَ مَجازًا أيْضًا؛ وإنِ اعْتُبِرَ خارِجًا عَنْهُ؛ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالقَرائِنِ؛ كانَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الهِدايَةَ الزّائِدَةَ هِدايَةٌ؛ كَما أنَّ العِبادَةَ الزّائِدَةَ عِبادَةٌ؛ فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ وقُرِئَ: "أرْشِدْنا"؛ و"الصِّراطَ": الجادَّةَ؛ أصْلُهُ السِّينُ؛ قُلِبَتْ صادًا لِمَكانِ الطّاءِ؛ كَـ "مُصَيْطِرٍ"؛ في "مُسَيْطِرٍ"؛ مِن سَرْطِ الشَّيْءِ إذا ابْتَلَعَهُ؛ سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّها تَسْتَرِطُ السّابِلَةَ إذا سَلَكُوها؛ كَما سُمِّيَتْ لَقْمًا لِأنَّها تَلْتَقِمُهُمْ؛ وقَدْ تُشَمُّ الصّادُ صَوْتَ الزّايِ؛ تَحَرِّيًا لِلْقُرْبِ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ؛ وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا؛ وفُصْحاهُنَّ إخْلاصُ الصّادِ؛ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وهي الثّابِتَةُ في الإمامِ؛ وجَمْعُهُ "صُرُطٌ"؛ كَـ "كِتابٌ؛ وكُتُبٌ"؛ وهو كَـ "الطَّرِيقِ" و"السَّبِيلِ" في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ؛ و"المُسْتَقِيمَ": المُسْتَوِي؛ والمُرادُ بِهِ طَرِيقُ الحَقِّ؛ وهي المِلَّةُ الحَنَفِيَّةُ السَّمْحَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الإفْراطِ؛ والتَّفْرِيطِ.
alusi — روح المعاني
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ (p-34)أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ. ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ (p-35)أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ (p-36)مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . (الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً (p-37)بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ. ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ (p-38)لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. (وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ. وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
baghawy — معالم التنزيل
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي. سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ. وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" [[من نسخة (ب) .]] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ [[ساقط من أ.]] ] . وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ. قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) [[في الأصل: تعظيما.]] لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) [[في الأصل: الفعل.]] . وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) [[ساقط من (أ) .]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ [[أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.]] . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .]] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا. قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) . قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ. "وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) . قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) [[في ب: ريان.]] الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ. قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ. قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) [[في أ، ب (الاستطاعة) .]] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا. قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] [[ساقط من ب.]] وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ. قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) [[في ب: كسر.]] فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [[زيادة من ب.]] بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ. وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) [[ساقط من ب.]] مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .]] صَحِيحٌ. فصل في فضل (الفاتحة) [[في "ب": فاتحة الكتاب.]] أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) [[ساقط من (أ) .]] مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) [[ساقط من (أ) وفي ب: الذي.]] آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.]] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" [[رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] [[ساقط من ب.]] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ [[في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.]] غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [[ساقط من (ب) .]]
baghawy
قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} (اهدنا) : أرشدنا، وقال علي وأُبَي بن كعب: "ثبتنا كما يقال للقائم قم حتى أعود إليك أي دُمْ على ما أنت عليه" . وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة. (الصراط) وسراط بالسين رواه أويس عن يعقوب وهو الأصل. سمي سراطاً لأنه يسرط السابلة، ويقرأ بالزاي، وقرأ حمزة باشمام الزاي، وكلها لغات صحيحة، والاختيار: الصاد عند أكثر القراء لموافقة المصحف. و {الصراط المستقيم} : قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: "هو الإسلام" ، وهو قول (مُقَاتل) . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "هو القرآن" . وروي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: (( الصراط المستقيم كتاب الله ) ) وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: "طريق الجنة" . وقال سهل بن عبد الله: "طريق السُّنة والجماعة" . وقال بكر بن عبد الله المزني: "طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وقال أبو العالية والحسن: "رسول الله وآله وصاحباه" . وأصله في اللغة الطريق الواضح.
biqaai — نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ تَلْقِينًا لِأهْلِ لُطْفِهِ وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّ السُّلُوكِ الَّذِي لا وُصُولَ بِدُونِهِ، والهُدى قالَ الحَرالِّيُّ: مَرْجِعُ الضّالِّ إلى ما ضَلَّ عَنْهُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ الخَطِرُ السُّلُوكِ، والآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ العِلْيَةِ مَن خَلْقِهِ، وجاءَ (p-٣٨)مُكَمَّلًا بِكَلِمَةِ ”ألْ“ لِأنَّهُ الصِّراطُ الَّذِي لا يَضِلُّ بِمُهْتَدِيهِ لِإحاطَتِهِ ولِشُمُولِ سَرَيانِهِ وِفْقًا لِشُمُولِ مَعْنى الحَمْدِ في الوُجُودِ كُلِّهِ وهو الَّذِي تَشَتَّتِ الآراءُ وتَفَرَّقَتِ الفِرَقُ بِالمَيْلِ إلى واحِدٍ مِن جانِبَيْهِ وهو الَّذِي يُنْصَبُ مِثالُهُ وعَلى حَذْوِ مَعْناهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ يَوْمَ الجَزاءِ لِلْعِيانِ وتَحُفُّهُ مِثْلَ تِلْكَ الآراءِ خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ، تَجْرِي أحْوالُ النّاسِ مَعَها في المَعادِ عَلى حَسَبِ مَجْراهم مَعَ حَقائِقِها الَّتِي ابْتِداؤُها في يَوْمِ العَمَلِ، وهَذا الصِّراطُ الأكْمَلُ وهو المُحِيطُ المُتَرَتِّبُ عَلى الضَّلالِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حالِ مَن لا وِجْهَةَ لَهُ، وهو ضَلالٌ مَمْدُوحٌ لِأنَّهُ يَكُونُ عَنْ سَلامَةِ الفِطْرَةِ لِأنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِوِجْهَةٍ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَنْ كُلِّ وِجْهَةٍ وهو ضَلالٌ يَسْتَلْزِمُ هُدًى مُحِيطًا مِنهُ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وأمّا مَن هُدِيَ وِجْهَةً ما (p-٣٩)فَضَلَّ عَنْ مَرْجِعِها فَهو ضَلالٌ مَذْمُومٌ لِأنَّهُ ضَلالٌ بَعْدَ هُدًى وهو يَكُونُ عَنِ اعْوِجاجٍ في الجِبِلَّةِ. انْتَهى.
ibn_abi_hatim — تفسير ابن أبي حاتم
(p-٣٠)قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا﴾ [٣١] بِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ جِبْرِيلُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿اهْدِنا﴾ يَقُولُ: ألْهِمْنا قَوْلُهُ: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [٣٢] حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ اليَمانِ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيّاتِ، عَنْ سَعْدٍ الطّائِيِّ، عَنِ ابْنِ أخِي الحارِثِ الأعْوَرِ، عَنِ الحارِثِ، قالَ: «دَخَلْتُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ» الوَجْهُ الثّانِي [٣٣] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو صالِحٍ، كاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أبِيهِ، عَنْ نَوّاسِ بْنِ سَمْعانَ الأنْصارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، والصِّراطُ الإسْلامُ“» والوَجْهُ الثّالِثُ [٣٤] حَدَّثَنا سَعْدانُ بْنُ نَصْرٍ البَغْدادِيُّ، ثَنا أبُو النَّضْرِ هاشِمُ بْنُ القاسِمِ، أنْبَأ حَمْزَةُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: هو النَّبِيُّ ﷺ وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ. قالَ عاصِمٌ: فَذَكَرْنا ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: صَدَقَ أبُو العالِيَةِ ونَصَحَ والوَجْهُ الرّابِعُ [٣٥] ثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدَكَ، ثَنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ، ثَنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ مُجاهِدٍ، في قَوْلِهِ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: الحَقَّ [٣٦] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ أبُو كُرَيْبٍ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الزَّيّاتُ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، ثَنا أبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يَقُولُ: ألْهِمْنا دِينَكَ الحَقَّ، وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ
ibn_ashoor — التحرير والتنوير
(p-١٨٧)﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ تَهَيَّأ لِأصْحابِ هَذِهِ المُناجاةِ أنْ يَسْعَوْا إلى طَلَبِ حُظُوظِهِمُ الشَّرِيفَةِ مِنَ الهِدايَةِ بَعْدَ أنْ حَمِدُوا اللَّهَ ووَصَفُوهُ بِصِفاتِ الجَلالَةِ ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] الَّذِي هو واسِطَةٌ جامِعٌ بَيْنَ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ وهي حَظُّ العَبْدِ بِأنَّهُ عابِدٌ ومُسْتَعِينٌ وأنَّهُ قاصِرٌ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ واسِطَةً بَيْنَ الثَّناءِ وبَيْنَ الطَّلَبِ، حَتّى إذا ظَنُّوا بِرَبِّهِمُ الإقْبالَ عَلَيْهِمْ ورَجَوْا مِن فَضْلِهِ، أفْضَوْا إلى سُؤْلِ حَظِّهِمْ فَقالُوا ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَهو حَظُّ الطّالِبِينَ خاصَّةً لِما يَنْفَعُهم في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، فَهَذا هو التَّوْجِيهُ المُناسِبُ لِكَوْنِ الفاتِحَةِ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ لِلْكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ هُدًى لِلنّاسِ ورَحْمَةً فَتَتَنَزَّلُ هاتِهِ الجُمْلَةُ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ المَقْصِدِ مِنَ الدِّيباجَةِ، أوِ المَوْضُوعِ مِنَ الخُطْبَةِ، أوِ التَّخَلُّصِ مِنَ القَصِيدَةِ، ولِاخْتِلافِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مَعَها بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ فُصِلَتْ هَذِهِ عَنْهُنَّ، وهَذا أوْلى في التَّوْجِيهِ مِن جَعْلِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ. والهِدايَةُ الدَّلالَةُ بِتَلَطُّفٍ ولِذَلِكَ خُصَّتْ بِالدَّلالَةِ لِما فِيهِ خَيْرُ المَدْلُولِ لِأنَّ التَّلَطُّفَ يُناسِبُ مَن أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الإرْشادِ، ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو المُهْدى إلَيْهِ بِإلى وبِاللّامِ، والِاسْتِعْمالانِ وارِدانِ، تَقُولُ: هَدَيْتُهُ إلى كَذا عَلى مَعْنى أوْصَلْتُهُ إلى مَعْرِفَتِهِ، وهَدَيْتُهُ لِكَذا عَلى مَعْنى أرْشَدْتُهُ لِأجْلِ كَذا ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَدْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ كَما هُنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عَرَفَ، قِيلَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وأمّا غَيْرُهم فَلا يُعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ وقَدْ جَعَلُوا تَعْدِيَتَهُ بِنَفْسِهِ مِنَ التَّوَسُّعِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالحَذْفِ والإيصالِ. وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ المُتَعَدِّي وغَيْرِهِ أنَّ المُتَعَدِّيَ يُسْتَعْمَلُ في الهِدايَةِ لِمَن كانَ في الطَّرِيقِ ونَحْوِهِ لِيَزْدادَ هُدًى، ومَصْدَرُهُ حِينَئِذٍ الهِدايَةُ، وأمّا هَداهُ إلى كَذا أوْ لِكَذا فَيُسْتَعْمَلُ لِمَن لَمْ يَكُنْ سائِرًا في الطَّرِيقِ ومَصْدَرُهُ هُدًى، وكَأنَّ صاحِبَ هَذا القَوْلِ نَظَرَ إلى أنَّ المُتَعَدِّيَ بِالحَرْفِ إنَّما عُدِّيَ لِتَقْوِيَتِهِ، والتَّقْوِيَةُ إمّا أنْ يَقْصِدَ بِها تَقْوِيَةَ العامِلِ لِضَعْفِهِ في العَمَلِ بِالفَرْعِيَّةِ أوِ التَّأْخِيرِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ بِها تَقْوِيَةَ مَعْناهُ، والحَقُّ أنَّ هَذا إنْ تَمَّ فَهو أغْلَبِيٌّ عَلى أنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنَ الِاسْتِعْمالِ فَلا يَقْتَضِي كَوْنُ الفِعْلِ مُخْتَلِفَ المَعْنى؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا تَخْتَلِفُ مَعانِيهِ بِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ تَعْدِيَتِهِ إلّا إذا ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ، (p-١٨٨)عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الهُدى والهِدايَةِ اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ هو الهَدْيُ. والَّذِي أراهُ أنَّ التَّعْدِيَةَ والقُصُورَ لَيْسا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُصْنَعُ بِاليَدِ أوْ يَصْطَلِحُ عَلَيْها أحَدٌ، بَلْ هي جارِيَةٌ عَلى مَعْنى الحَدَثِ المَدْلُولِ لِلْفِعْلِ فَإنْ كانَ الحَدَثُ يَتَقَوَّمُ مَعْناهُ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ مَن قامَ بِهِ فَهو الفِعْلُ القاصِرُ، وإنْ كانَ لا يَتَقَوَّمُ إلّا بِتَصَوُّرِ مَن قامَ بِهِ، ومَن وقَعَ عَلَيْهِ فَهو المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ أوْ أكْثَرَ، فَإنْ أُشْكِلَتْ أفْعالٌ فَإنَّما إشْكالُها لِعَدَمِ اتِّضاحِ تَشَخُّصِ الحَدَثِ المُرادِ مِنها؛ لِأنَّ مَعْناها يَحُومُ حَوْلَ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ”وهَدى“ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ لا مَحالَةَ، وإنَّما الكَلامُ في تَعْدِيَتِهِ لِثانٍ فالحَقُّ أنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنى الإرادَةِ والإبانَةِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، وإنِ اعْتُبِرَ فِيهِ مُطْلَقُ الإرْشادِ والإشارَةِ فَهو مُتَعَدٍّ بِالحَرْفِ فَحالَةُ تَعْدِيَتِهِ هي المُؤْذِنَةُ بِالحَدَثِ المُتَضَمِّنِ لَهُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ حَقِيقَةَ الهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِلْوُصُولِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ، فالهادِي هو العارِفُ بِالطُّرُقِ وفي حَدِيثِ الهِجْرَةِ «إنَّ أبا بَكْرٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هادِيًا خِرِّيتًا» وإنَّ ما نَشَأ مِن مَعانِي الهِدايَةِ هو مَجازاتٌ شاعَ اسْتِعْمالُها. والهِدايَةُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ حِينَ تُسْنَدُ إلى اللَّهِ تَعالى هي الدَّلالَةُ عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ ويُقابِلُها الضَّلالَةُ وهي التَّغْرِيرُ. واخْتَلَفَ عُلَماءُ الكَلامِ في اعْتِبارِ قَيْدِ الإيصالِ إلى الخَيْرِ في حَقِيقَةِ الهِدايَةِ فالجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ وأنَّها الدَّلالَةُ عَلى طَرِيقِ الوُصُولِ سَواءٌ حَصَلَ الوُصُولُ أمْ لَمْ يَحْصُلْ، وهو قَوْلُ الأشاعِرَةِ وهو الحَقُّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ الهِدايَةَ هي الدَّلالَةُ مَعَ الإيصالِ وإلّا لَما امْتازَتْ عَنِ الضَّلالَةِ أيْ حَيْثُ كانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى أنْ يُوصِلَ مَن يَهْدِيهِ إلى ما هَداهُ إلَيْهِ، ومَرْجِعُ الخِلافِ إلى اخْتِلافِهِمْ في أصْلٍ آخَرَ، وهو أصْلُ مَعْنى رِضى اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ وأمْرِهِ، فَأصْحابُ الأشْعَرِيِّ اعْتَبَرُوا الهِدايَةَ الَّتِي هي مِن مُتَعَلِّقِ الأمْرِ. والمُعْتَزِلَةُ نَظَرُوا إلى الهِدايَةِ الَّتِي هي مِن مُتَعَلِّقِ التَّكْوِينِ والخَلْقِ، ولا خِلافَ في أنَّ الهِدايَةَ مَعَ الوُصُولِ هي المَطْلُوبَةُ شَرْعًا مِنَ الهادِي والمَهْدِيِّ، مَعَ أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الخَطَأُ لِلْهادِي وسُوءُ القَبُولِ مِنَ المَهْدِيِّ، وهَذا مَعْنى ما اخْتارَ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ في الشَّرْعِ لِلْقَدْرِ المُشْتَرِكِ، لِوُرُودِها في القُرْآنِ في كُلٍّ مِنهُما قالَ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقالَ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] والأصْلُ عَدَمُ الِاشْتِراكِ وعَدَمُ المَجازِ. والهِدايَةُ أنْواعٌ تَنْدَرِجُ كَثْرَتُها تَحْتَ أرْبَعَةِ أجْناسٍ مُتَرَتِّبَةٍ: الأوَّلُ إعْطاءُ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرِكَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الِاهْتِداءُ إلى انْتِظامِ وُجُودِ ذاتِ الإنْسانِ، ويَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ (p-١٨٩)تَبْتَدِئُ مِن إلْهامِ الصَّبِيِّ التِقامَ الثَّدْيِ والبُكاءَ عِنْدَ الألَمِ إلى غايَةِ الوِجْدانِيّاتِ الَّتِي بِها يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، كَإدْراكِ هَوْلِ المُهْلِكاتِ وبَشاعَةِ المُنافَراتِ، ويَجْلِبُ مَصالِحَهُ الوُجُودِيَّةَ كَطَلَبِ الطَّعامِ والماءِ وذَوْدِ الحَشَراتِ عَنْهُ وحَكِّ الجِلْدِ واخْتِلاجِ العَيْنِ عِنْدَ مُرُورِ ما يُؤْذِي تُجاهَها، ونِهايَتُها أحْوالُ الفِكْرِ وهو حَرَكَةُ النَّفْسِ في المَعْقُولاتِ أعْنِي مُلاحَظَةَ المَعْقُولِ لِتَحْصِيلِ المَجْهُولِ في البَدِيهِيّاتِ وهي القُوَّةُ النّاطِقَةُ الَّتِي انْفَرَدَ بِها الإنْسانُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ العُلُومِ المَحْسُوسَةِ. الثّانِي نَصْبُ الأدِلَّةِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصَّوابِ والخَطَأِ، وهي هِدايَةُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ. الثّالِثُ الهِدايَةُ إلى ما قَدْ تُقَصِّرُ عَنْهُ الأدِلَّةُ أوْ يُفْضِي إعْمالُها في مِثْلِهِ إلى مَشَقَّةٍ وذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ومَوازِينِ القِسْطِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الرُّسُلِ (وجَعَلْناهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا) . الرّابِعُ أقْصى أجْناسِ الهِدايَةِ وهي كَشْفُ الحَقائِقِ العُلْيا وإظْهارُ أسْرارِ المَعانِي الَّتِي حارَتْ فِيها ألْبابُ العُقَلاءِ إمّا بِواسِطَةِ الوَحْيِ والإلْهامِ الصَّحِيحِ أوِ التَّجَلِّياتِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى هَذا هُدًى حِينَ أضافَهُ لِلْأنْبِياءِ فَقالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ولا شَكَّ أنَّ المَطْلُوبَ بِقَوْلِهِ (( اهْدِنا) ) المُلَقَّنِ لِلْمُؤْمِنِينَ هو ما يُناسِبُ حالَ الدّاعِي بِهَذا إنْ كانَ بِاعْتِبارِ داعٍ خاصٍّ أوْ طائِفَةٍ خاصَّةٍ عِنْدَما يَقُولُونَ: اهْدِنا، أوْ هو أنْواعُ الهِدايَةِ عَلى الجُمْلَةِ بِاعْتِبارِ تَوْزِيعِها عَلى مَن تَأهَّلَ لَها بِحَسَبِ أهْلِيَّتِهِ إنْ كانَ دُعاءً عَلى لِسانِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَبَعْضُ أنْواعِ الهِدايَةِ مَطْلُوبٌ حُصُولُهُ لِمَن لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ، وبَعْضُها مَطْلُوبٌ دَوامُهُ لِمَن كانَ حاصِلًا لَهُ خاصَّةً أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ الحاصِلِ لَهم، وذَلِكَ كالهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَنا قَبْلَ أنْ نَسْألَها مِثْلَ غالِبِ أنْواعِ الجِنْسِ الأوَّلِ. وصِيغَةُ الطَّلَبِ مَوْضُوعَةٌ لِطَلَبِ حُصُولِ الماهِيَّةِ المَطْلُوبَةِ مِن فِعْلٍ أوْ كَفٍّ، فَإذا اسْتُعْمِلَتْ في طَلَبِ الدَّوامِ كانَ اسْتِعْمالُها مَجازًا نَحْوَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها إلّا طَلَبُ الدَّوامِ. وأمّا إذا اسْتُعْمِلَتْ في طَلَبِ الدَّوامِ لِلزِّيادَةِ مِمّا حَصَلَ بَعْضُهُ ولَمْ يَحْصُلْ بَعْضُهُ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها وهو طَلَبُ الحُصُولِ لِأنَّ الزِّيادَةَ في مَراتِبِ الهِدايَةِ مَثَلًا تَحْصِيلٌ لِمَوادَّ أُخْرى مِنها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ دَوامِ ما حَصَلَ إذْ لا تَكادُ تَنْفَعُ الزِّيادَةُ إذا انْتَقَضَ الأصْلُ كانَ اسْتِعْمالُها حِينَئِذٍ في لازِمِ المَعْنى مَعَ المَعْنى فَهو كِنايَةٌ. أمّا إذا قالَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ مَن بَلَغَ جَمِيعَ مَراتِبِ الهِدايَةِ ورَقِيَ إلى قِمَّةِ غاياتِها وهو النَّبِيءُ - صَلّى اللَّهُ (p-١٩٠)عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ دُعاءَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِ مَعْناهُ، ويَكُونُ دُعاؤُهُ ذَلِكَ اقْتِباسًا مِنَ الآيَةِ ولَيْسَ عَيْنَ المُرادِ مِنَ الآيَةِ لِأنَّ المُرادَ مِنها طَلَبُ الحُصُولِ بِالمَزِيدِ مَعَ طَلَبِ الدَّوامِ بِطَرِيقَةِ الِالتِزامِ ولا مَحالَةَ أنَّ المَقْصُودَ في الآيَةِ هو طَلَبُ الهِدايَةِ الكامِلَةِ. والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، وهو بِالصّادِ وبِالسِّينِ وقَدْ قُرِئَ بِهِما في المَشْهُورَةِ، وكَذَلِكَ نَطَقَتْ بِهِ بِالسِّينِ جُمْهُورُ العَرَبِ إلّا أهْلَ الحِجازِ نَطَقُوهُ بِالصّادِ مُبْدَلَةً عَنِ السِّينِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ في الِانْتِقالِ مِنَ السِّينِ إلى الرّاءِ ثُمَّ إلى الطّاءِ، قالَ في لَطائِفِ الإشاراتِ عَنِ الجَعْبَرِيِّ إنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في كُلِّ سِينٍ بَعْدَها غَيْنٌ أوْ خاءٌ أوْ قافٌ أوْ طاءٌ وإنَّما قَلَبُوها هُنا صادًا لِتُطابِقَ الطّاءَ في الإطْباقِ والِاسْتِعْلاءِ والتَّفَخُّمِ مَعَ الرّاءِ اسْتِثْقالًا لِلِانْتِقالِ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ اهـ. أيْ بِخِلافِ العَكْسِ نَحْوَ طَسْتٍ لِأنَّ الأوَّلَ عَمَلٌ والثّانِي تَرْكٌ. وقَيْسٌ قَلَبُوا السِّينَ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ وهو إشْمامٌ وقَرَأ بِهِ حَمْزَةُ في رِوايَةِ خَلَفٍ عَنْهُ. ومِنَ العَرَبِ مَن قَلَبَ السِّينَ زايًا خالِصَةً، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي لُغَةُ عُذْرَةَ وكَلْبٍ وبَنِي القَيْنِ وهي مَرْجُوحَةٌ ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وقَدْ قَرَأ بِاللُّغَةِ الفُصْحى (بِالصّادِ) جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ بِالسِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ، والقِراءَةُ بِالصّادِ هي الرّاجِحَةُ لِمُوافَقَتِها رَسْمَ المُصْحَفِ وكَوْنِها اللُّغَةَ الفُصْحى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِالصّادِ وقَرَأها بَعْضُ القُرّاءِ بِالسِّينِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الصَّحابَةَ كَتَبُوها بِالصّادِ تَنْبِيهًا عَلى الأفْصَحِ فِيها؛ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ واعْتَمَدُوا عَلى عِلْمِ العَرَبِ. فالَّذِينَ قَرَءُوا بِالسِّينِ تَأوَّلُوا أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَتْرُكُوا لُغَةَ السِّينِ لِلْعِلْمِ بِها فَعادَلُوا الأفْصَحَ بِالأصْلِ ولَوْ كَتَبُوها بِالسِّينِ مَعَ أنَّها الأصْلُ لَتَوَهَّمَ النّاسُ عَدَمَ جَوازِ العُدُولِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ والمَرْسُومُ كَما كَتَبُوا (المُصَيْطِرَ) بِالصّادِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ أصْلَهُ السِّينُ فَهَذا مِمّا يَرْجِعُ الخِلافُ فِيهِ إلى الِاخْتِلافِ في أداءِ اللَّفْظِ لا في مادَّةِ اللَّفْظِ لِشُهْرَةِ اخْتِلافِ لَهَجاتِ القَبائِلِ في لَفْظٍ مَعَ اتِّحادِهِ عِنْدَهم. والصِّراطُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُعَرَّبٌ ولَكِنْ ذُكِرَ في الإتْقانِ عَنِ النَّقّاشِ وابْنِ الجَوْزِيِّ أنَّهُ الطَّرِيقُ بِلُغَةِ الرُّومِ وذُكِرَ أنَّ أبا حاتِمٍ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِ الزِّينَةِ لَهُ وبَنى عَلى ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ فَزادَهُ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ، والصِّراطُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الحَقِّ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ مُدْرِكُهُ إلى الفَوْزِ بِرِضاءِ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ الفَوْزَ هو الَّذِي جاءَ الإسْلامُ بِطَلَبِهِ. (p-١٩١)والمُسْتَقِيمُ اسْمُ فاعِلِ اسْتَقامَ مُطاوِعٌ قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ، والمُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا تَعارِيجَ، وأحْسَنُ الطُّرُقِ الَّذِي يَكُونُ مُسْتَقِيمًا وهو الجادَّةُ، لِأنَّهُ بِاسْتِقامَتِهِ يَكُونُ أقْرَبَ إلى المَكانِ المَقْصُودِ مِن غَيْرِهِ فَلا يَضِلُّ فِيهِ سالِكُهُ ولا يَتَرَدَّدُ ولا يَتَحَيَّرُ. والمُسْتَقِيمُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْحَقِّ البَيِّنِ الَّذِي لا تَخْلِطُهُ شُبْهَةُ باطِلٍ فَهو كالطَّرِيقِ الَّذِي لا تَتَخَلَّلُهُ بُنَيّاتٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ دِينُ الحَقِّ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ مِلَّةُ الإسْلامِ، فَكَلامُهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يُرِيدُ أنَّهم لُقِّنُوا الدُّعاءَ بِطَلَبِ الهِدايَةِ إلى دِينٍ مَضى وإنْ كانَتِ الأدْيانُ الإلَهِيَّةُ كُلُّها صُرُطًا مُسْتَقِيمَةً بِحَسَبِ أحْوالِ أُمَمِها، يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في حِكايَةِ غِوايَةِ الشَّيْطانِ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ١١١ فالتَّعْرِيفُ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، لِأنَّهم سَألُوا الهِدايَةَ لِهَذا الجِنْسِ في ضِمْنِ فَرْدٍ وهو الفَرْدُ المُنْحَصِرُ فِيهِ الِاسْتِقامَةُ لِأنَّ الِاسْتِقامَةَ لا تَتَعَدَّدُ كَما قالَ تَعالى ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] ولِأنَّ الضَّلالَ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ كَما قالَ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وقَدْ يُوَجَّهُ هَذا التَّفْسِيرُ بِحُصُولِ الهِدايَةِ إلى الإسْلامِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذا الدُّعاءَ لِإظْهارِ مِنَّتِهِ وقَدْ هَداهُمُ اللَّهُ بِما سَبَقَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ الفاتِحَةِ ويَهْدِيهِمْ بِما لَحِقَ مِنَ القُرْآنِ والإرْشادِ النَّبَوِيِّ. وإطْلاقُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى دِينِ الإسْلامِ ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] . والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المَعارِفُ الصّالِحاتُ كُلُّها مِنَ اعْتِقادٍ وعَمَلٍ بِأنْ يُوَفِّقَهم إلى الحَقِّ والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ عَلى مَقادِيرِ اسْتِعْدادِ النُّفُوسِ وسَعَةِ مَجالِ العُقُولِ النَّيِّرَةِ والأفْعالِ الصّالِحَةِ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيهِمْ زَيْغٌ وشُبْهاتٌ في دِينِهِمْ وهَذا أوْلى لِيَكُونَ الدُّعاءُ طَلَبَ تَحْصِيلِ ما لَيْسَ بِحاصِلٍ وقْتَ الطَّلَبِ، وإنَّ المَرْءَ بِحاجَةٍ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ في جَمِيعِ شُئُونِهِ كُلِّها حَتّى في الدَّوامِ عَلى ما هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنَ الخَيْرِ لِلْوِقايَةِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِيهِ أوِ الزَّيْغِ عَنْهُ. والهِدايَةُ إلى الإسْلامِ لا تُقْصَرُ عَلى ابْتِداءِ اتِّباعِهِ وتَقَلُّدِهِ بَلْ هي مُسْتَمِرَّةٌ بِاسْتِمْرارِ تَشْرِيعاتِهِ وأحْكامِهِ بِالنَّصِّ أوِ الِاسْتِنْباطِ. وبِهِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] مُصادِفًا المِحَزِّ.
ibn_atiyyah — المحرر الوجيز
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْدِنا﴾ رَغْبَةً، لِأنَّها مِنَ المَرْبُوبِ إلى الرَبِّ، وهَكَذا صِيغَةُ الأمْرِ كُلُّها، فَإذا كانَتْ مِنَ الأعْلى فَهي أمْرٌ. والهِدايَةُ في اللُغَةِ الإرْشادُ، لَكِنَّها تَتَصَرَّفُ عَلى وُجُوهٍ يُعَبِّرُ عنها المُفَسِّرُونَ بِغَيْرِ لَفْظِ الإرْشادِ، وكُلُّها إذا تُؤُمِّلَتْ رَجَعَتْ إلى الإرْشادِ. فالهُدى يَجِيءُ بِمَعْنى: "خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ" ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. قالَ أبُو المَعالِي: فَهَذِهِ آيَةٌ لا يَتَّجِهُ حَمْلُها إلّا عَلى خَلْقِ الإيمانِ في القَلْبِ، وهو مَحْضُ الإرْشادِ. (p-٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ جاءَ الهُدى بِمَعْنى "الدُعاءِ". مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أيْ: داعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وهَذا أيْضًا يُبَيِّنُ فِيهِ الإرْشادَ، لِأنَّهُ ابْتِداءُ إرْشادٍ، أجابَ المَدْعُوَّ أو لَمْ يُجِبْ. وقَدْ جاءَ الهُدى بِمَعْنى "الإلْهامِ"، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: ألْهَمَ الحَيَواناتِ كُلَّها إلى مَنافِعِها. وهَذا أيْضًا يُبَيِّنُ فِيهِ مَعْنى الإرْشادِ. وقَدْ جاءَ الهُدى بِمَعْنى "البَيانِ" مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: بَيِّنًا لَهُمْ، قالَ أبُو المَعالِي: مَعْناهُ دَعَوْناهم. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] أيْ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ، وفي هَذا كُلِّهِ مَعْنى الإرْشادِ، قالَ أبُو المَعالِي: وقَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ والمُرادُ بِها "إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ، والطُرُقُ المُفْضِيَةُ إلَيْها". مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ المُجاهِدِينَ: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، مَعْناهُ: فاسْلُكُوهم إلَيْها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الهِدايَةُ بِعَيْنِها هي الَّتِي تُقالُ في طُرُقِ الدُنْيا، وهي ضِدُّ الضَلالِ، وهي الواقِعَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾. عَلى صَحِيحِ التَأْوِيلاتِ، وذَلِكَ يُبَيِّنُ مِن لَفْظِ الصِراطِ، و"الهُدى" لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ، وقالَ اللِحْيانِيُّ: هو مُذَكَّرٌ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: و"الهُدى" اسْمٌ مِن أسْماءِ النَهارِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:(p-٨٦) ؎ حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ يَخْشَعْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا و"الصِراطُ" في اللُغَةِ الطَرِيقُ الواضِحُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ -إذا اعْوَجَّ المَوارِدَ- مُسْتَقِيمُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَصُدَّ عن نَهْجِ الصِراطِ الواضِحِ. وحَكى النَقّاشُ: "الصِراطَ" الطَرِيقُ بِلُغَةِ الرُومِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الصِراطِ... فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "السِراطَ" بِالسِينِ، وهَذا هو أصْلُ اللَفْظَةِ. قالَ الفارِسِيُّ: ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالصادِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ -غَيْرُ حَمْزَةَ - بِصادٍ خالِصَةٍ، وهَذا بَدَلُ السِينِ بِالصادِّ لِتَناسُبِها مَعَ الطاءِ في الإطْباقِ فَيُحْسِنانِ في السَمْعِ، وحَكاها سِيبَوَيْهِ لُغَةً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: رُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "السِينُ والصادُ"، و"المُضارَعَةُ بَيْنَ الصادِ والزايِ"، رَواهُ عنهُ العُرْيانُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ورَوى الأصْمَعِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأها بِزايٍ خالِصَةٍ. قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ مِن هَذِهِ القِراءَةِ خَطَأٌ مِنهُ، إنَّما سَمِعَ أبا عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالمُضارَعَةِ فَتَوَهَّمَها زايًا، ولَمْ يَكُنِ الأصْمَعِيُّ نَحْوِيًّا فَيُؤْمَنُ عَلى هَذا، وحَكى هَذا الكَلامَ أبُو عَلِيٍّ عن أبِي بَكْرٍ بْنِ مُجاهِدٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بَيْنَ "الصادِ والزايِ"، ورُوِيَ أيْضًا عنهُ أنَّهُ إنَّما يَلْتَزِمُ ذَلِكَ في المَعْرِفَةِ دُونَ النَكِرَةِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ تَكَلُّفُ حَرْفٍ بَيْنَ حَرْفَيْنِ، وذَلِكَ أصْعَبُ عَلى اللِسانِ، ولَيْسَ بِحَرْفٍ يُبْنى (p-٨٧)عَلَيْهِ الكَلامُ، ولا هو مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ولَسْتُ أدْفَعُ أنَّهُ مِن كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ، إلّا أنَّ الصادَ أفْصَحُ وأوسَعُ. وقَرَأ الحَسَنُ والضَحّاكُ "اهْدِنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا" دُونَ تَعْرِيفٍ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: "اهْدِنا صِراطَ المُسْتَقِيمَ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ ثابِتٌ البَنّانِيُّ "بَصِّرْنا الصِراطَ". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المَعْنى الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ الصِراطَ في هَذا المَوْضِعِ، وما المُرادُ بِهِ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الصِراطَ المُسْتَقِيمَ" هُنا القُرْآنُ. وقالَ جابِرٌ: هو الإسْلامُ، يَعْنِي الحَنِيفِيَّةَ، وقالَ: سِعَتُهُ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةَ: هو دِينُ اللهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ مِنَ العِبادِ غَيْرُهُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هو رَسُولُ اللهِ ﷺ، وصاحِباهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ فَقالَ: صَدَقَ أبُو العالِيَةِ ونَصَحَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها أنَّ الدَعْوَةَ إنَّما هي في أنْ يَكُونَ الداعِي عَلى سُنَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ، والصِدِّيقِينَ، والشُهَداءِ، والصالِحِينَ في مُعْتَقَداتِهِ، وفي التِزامِهِ لِأحْكامِ شَرْعِهِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى القُرْآنِ والإسْلامِ، وهو حالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وصاحِبَيْهِ، وهَذا الدُعاءُ إنَّما أُمِرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ وعِنْدَهُمُ المُعْتَقَداتُ، وعِنْدَ كُلِّ واحِدٍ بَعْضُ الأعْمالِ، فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: "اهْدِنا" فِيما هو حاصِلٌ عِنْدَهُمْ: طَلَبُ التَثْبِيتِ والدَوامِ، وفِيما لَيْسَ بِحاصِلٍ إمّا مِن جِهَةِ الجَهْلِ بِهِ، أوِ التَقْصِيرِ في المُحافَظَةِ عَلَيْهِ: طَلَبُ الإرْشادِ إلَيْهِ. وأقُولُ: إنَّ كُلَّ داعٍ بِهِ فَإنَّما يُرِيدُ الصِراطَ بِكَمالِهِ في أقْوالِهِ، وأفْعالِهِ، ومُعْتَقَداتِهِ، فَيَحْسُنُ عَلى هَذا أنْ يَدْعُوَ في الصِراطِ عَلى الكَمالِ مِن عِنْدِهِ بَعْضَهُ، ولا يَتَّجِهُ أنْ يُرادَ بِـ "اهْدِنا" في هَذِهِ الآيَةِ: اخْلُقِ الإيمانَ في قُلُوبِنا. لِأنَّها هِدايَةٌ (p-٨٨)مُقَيَّدَةٌ إلى صِراطٍ، ولا أنْ يُرادَ بِها ادْعُنا، وسائِرُ وُجُوهِ الهِدايَةِ يَتَّجِهُ. و"الصِراطَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ الثانِي. و"المُسْتَقِيمَ": الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا انْحِرافَ، والمُرادُ أنَّهُ اسْتَقامَ عَلى الحَقِّ، وإلى غايَةِ الفَلاحِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، وإعْلالِ "مُسْتَقِيمَ" أنَّ أصْلَهُ "مُسْتَقْوِمَ"، نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى القافِ، وانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
ibn_juzayy — التسهيل لعلوم التنزيل
وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية. الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن". الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده. الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة. الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة. الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة" والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله. الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات. الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة. الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة. الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]. الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده. الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك. الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له. الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة. الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه. الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر. الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال. الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع. الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين. خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
ibn_qayyim — تفسير ابن القيم
ثم تأمَّلَ ضرورته وفاقته إلى قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ الذي مضمونه معرفة الحق وقصده وإرادته والعمل به والثبات عليه والدعوة إليه والصبر على أذى المدعو، فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية، وما نقص منها نقص من هدايته. ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه في جميع ما يأتيه ويذره: من أمورٍ قد فعلها على غير الهداية علمًا وعملًا وإرادةً، فهو محتاج إلى التوبة منها، وتوبته منها هي الهداية. وأمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها، فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها. وأمورٍ قد هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، ليتمَّ له الهداية ويُزاد هدى إلى هداه. وأمور يحتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها. وأمور يعتقد فيها بخلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد، وتُثبِت فيه ضدَّه. وأمور من الهداية هو قادر عليها، ولكن لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة يفعلها بها. وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدًا، فهو محتاج في هدايته إلى إقداره عليها. وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية. وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة وعملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها. كانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، وفاقته إليها أشد الفاقات، فرضَ عليه الرب الرحيم هذا السؤال كل يوم وليلة في أفضل أحواله وهي الصلوات الخمس مراتٍ متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب. * (فصل) قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُون﴾ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم. * (فصل) والهِدايَة هي العلم بِالحَقِّ مَعَ قَصده وإيثاره على غَيره، فالمهتدي هو العامِل بِالحَقِّ المريد لَهُ وهِي أعظم نعْمَة لله على العَبْد ولِهَذا أمرنا سُبْحانَهُ أن نَسْألهُ هِدايَة الصِّراط المُسْتَقيم كل يَوْم ولَيْلَة في صلواتنا الخمس فَإن العَبْد مُحْتاج إلى معرفَة الحق الَّذِي يرضي الله في كل حَرَكَة ظاهرة وباطنة، فَإذا عرفها فَهو مُحْتاج إلى من يلهمه قصد الحق فَيجْعَل إرادَته في قلبه ثمَّ إلى من يقدره على فعله، ومَعْلُوم أن ما يجهله العَبْد أضعاف أضعاف ما يُعلمهُ، وإن كل ما يعلم أنه حق لا تطاوعه نَفسه على إرادته ولَو أراده لعجز عَن كثير مِنهُ، فَهو مُضْطَر كل وقت إلى هِدايَة تتَعَلَّق بالماضي وبالحال والمستقبل. أما الماضِي فَهو مُحْتاج إلى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ، وهل وقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه، أم خرج فِيهِ عَن الحق فيتوب إلى الله تَعالى مِنهُ ويتسغفره، ويعزم على أن لا يعود. وَأما الهِدايَة في الحال فَهي مَطْلُوبَة مِنهُ، فَإنَّهُ ابْن وقته فَيحْتاج أن يعلم حكم ما هو متلبس بِهِ من الأفعال هَل هو صَواب أم خطأ. وَأما المُسْتَقْبل فحاجته في الهِدايَة أظهر ليَكُون سيره على الطَّرِيق، وإذا كانَ هَذا شَأْن الهِدايَة علم أن العَبْد أشد شَيْء اضطرارا إليها، وأن ما يُورِدهُ بعض النّاس من السُّؤال الفاسِد وهِي أنا إذا كُنّا مهتدين فَأي حاجَة بِنا أن نسْأل الله أن يهدينا؟ وَهل هَذا إلا تَحْصِيل الحاصِل؟ أفسد سُؤال وأبعده عَن الصَّواب وهو دَلِيل على أن صاحبه لم يحصل معنى الهِدايَة ولا أحاط علما بحقيقتها ومسماها فَلذَلِك تكلّف من تكلّف الجَواب عَنهُ بأن المَعْنى ثبتنا على الهِدايَة وأدمها لنا. وَمن أحاط علما بحقية الهِدايَة وحاجة العَبْد إليها علم أن الَّذِي لم يحصل لَهُ مِنها أضعاف ما حصل لَهُ أنه كل وقت مُحْتاج إلى هِدايَة متجددة لا سيما والله تَعالى خالق أفعال القُلُوب والجوارح فَهو كل وقت مُحْتاج أن يخلق الله لَهُ هِدايَة خاصَّة، ثمَّ إن لم يصرف عَنهُ المَوانِع والصوارف الَّتِي تمنع مُوجب الهِدايَة وتصرفها لم ينْتَفع بالهداية ولم يتم مقصودها لَهُ، فَإن الحكم لا يَكْفِي فِيهِ وجود مقتضيه بل لا بُد مَعَ ذَلِك من عدم مانعه ومنافيه. وَمَعْلُوم أن وساوس العَبْد وخواطره وشهوات الغي في قلبه كل مِنها مانع وُصُول أثر الهِدايَة إليه فَإن لم يصرفها الله عَنهُ لم يهتد هدى تاما، فحاجاته إلى هِدايَة الله لَهُ مقرونة بأنفاسه وهِي أعظم حاجَة للْعَبد. * [فَصْلٌ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ] وَلَمّا كانَ سُؤالُ اللَّهِ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أجَلَّ المَطالِبِ، ونَيْلُهُ أشْرَفَ المَواهِبِ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ، وأمَرَهم أنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ والثَّناءَ عَلَيْهِ، وتَمْجِيدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهم وتَوْحِيدَهُمْ، فَهاتانِ وسِيلَتانِ إلى مَطْلُوبِهِمْ، تَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وهاتانِ الوَسِيلَتانِ لا يَكادُ يُرَدُّ مَعَهُما الدُّعاءُ، ويُؤَيِّدُهُما الوَسِيلَتانِ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثَيِ الِاسْمِ الأعْظَمِ اللَّذَيْنِ رَواهُما ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. أحَدُهُما: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَهَذا تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، وشَهادَةِ الدّاعِي لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وثُبُوتِ صِفاتِهِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِاسْمِ الصَّمَدِ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " العالِمُ الَّذِي كَمُلَ عِلْمُهُ، القادِرُ الَّذِي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ "، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ السُّؤْدُدِ "، وقالَ أبُو وائِلٍ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهى سُؤْدَدُهُ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وبِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ " وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، والتَّوَسُّلُ بِالإيمانِ بِذَلِكَ، والشَّهادَةُ بِهِ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ. والثّانِي: حَدِيثُ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، المَنّانُ، بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ: لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ» فَهَذا تَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. وَقَدْ جَمَعَتِ الفاتِحَةُ الوَسِيلَتَيْنِ، وهُما التَّوَسُّلُ بِالحَمْدِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ وتَمْجِيدِهِ، والتَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ جاءَ سُؤالُ أهَمِّ المَطالِبِ، وأنْجَحِ الرَّغائِبِ وهو الهِدايَةُ بَعْدَ الوَسِيلَتَيْنِ، فالدّاعِي بِهِ حَقِيقٌ بِالإجابَةِ. وَنَظِيرُ هَذا دُعاءُ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُو بِهِ إذا قامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيُّومُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ الحَقُّ، ووَعْدُكَ الحَقُّ، ولِقاؤُكُ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، والسّاعَةُ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، ولَكَ خاصَمْتُ، وإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ إلَهِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ» فَذَكَرَ التَّوَسُّلَ إلَيْهِ بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وبِعُبُودِيَّتِهِ لَهُ، ثُمَّ سَألَهُ المَغْفِرَةَ. * [فصل: في مراتب الهداية] ثُمَّ يَشْهَدُ مِن " اهْدِنا " عَشْرَ مَراتِبَ، إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ. المَرْتَبَةُ الأُولى: هِدايَةُ العِلْمِ والبَيانِ، فَيَجْعَلُهُ عالِمًا بِالحَقِّ مُدْرِكًا لَهُ. الثّانِيَةُ: أنْ يُقْدِرَهُ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو غَيْرُ قادِرٍ بِنَفْسِهِ. الثّالِثَةُ: أنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ. الرّابِعَةُ: أنْ يَجْعَلَهُ فاعِلًا لَهُ. الخامِسَةُ: أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى ذَلِكَ، ويَسْتَمِرَّ بِهِ عَلَيْهِ. السّادِسَةُ: أنْ يَصْرِفَ عَنْهُ المَوانِعَ والعَوارِضَ المُضادَّةَ لَهُ. السّابِعَةُ: أنْ يَهْدِيَهُ في الطَّرِيقِ نَفْسِها هِدايَةً خاصَّةً، أخَصَّ مِنَ الأُولى، فَإنَّ الأُولى هِدايَةٌ إلى الطَّرِيقِ إجْمالًا، وهَذِهِ هِدايَةٌ فِيها وفي مَنازِلِها تَفْصِيلًا. الثّامِنَةُ: أنْ يُشْهِدَهُ المَقْصُودَ في الطَّرِيقِ، ويُنَبِّهَهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ مُطالِعًا لَهُ في سَيْرِهِ، مُلْتَفِتًا إلَيْهِ، غَيْرَ مُحْتَجَبٍ بِالوَسِيلَةِ عَنْهُ. التّاسِعَةُ: أنَّ يُشْهِدَهُ فَقْرَهُ وضَرُورَتَهُ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ. العاشِرَةُ: أنْ يُشْهِدَهُ الطَّرِيقَيْنِ المُنْحَرِفَيْنِ عَنْ طَرِيقِها، وهُما طَرِيقُ أهْلِ الغَضَبِ، الَّذِينَ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ قَصْدًا وعِنادًا، وطَرِيقُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنْها جَهْلًا وضَلالًا، ثُمَّ يَشْهَدُ جَمْعَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في طَرِيقٍ واحِدٍ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وأتْباعِهِمْ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. فَهَذا هو الجَمْعُ الَّذِي عَلَيْهِ رُسُلُ اللَّهِ وأتْباعُهُمْ، فَمَن حَصَلَ لَهُ هَذا الجَمْعُ، فَقَدَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * (فصل) المَوْضِعُ السّادِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فالهِدايَةُ: هي البَيانُ والدَّلالَةُ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ والإلْهامُ، وهو بَعْدَ البَيانِ والدَّلالَةِ، ولا سَبِيلَ إلى البَيانِ والدَّلالَةِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَإذا حَصَلَ البَيانُ والدَّلالَةُ والَتَّعْرِيفُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ هِدايَةُ التَّوْفِيقِ، وجَعْلُ الإيمانِ في القَلْبِ، وتَحْبِيبُهُ إلَيْهِ، وتَزْيِينُهُ في القَلْبِ، وجَعْلُهُ مُؤْثِرًا لَهُ، راضِيًا بِهِ، راغِبًا فِيهِ. وَهُما هِدايَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، لا يَحْصُلُ الفَلاحُ إلّا بِهِما، وهُما مُتَضَمِّنَتانِ تَعْرِيفَ ما لَمْ نَعْلَمْهُ مِنَ الحَقِّ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، وإلْهامَنا لَهُ، وجَعْلَنا مُرِيدِينَ لِاتِّباعِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ خَلْقُ القُدْرَةِ لَنا عَلى القِيامِ بِمُوجَبِ الهُدى بِالقَوْلِ والعَمَلِ والعَزْمِ، ثُمَّ إدامَةُ ذَلِكَ لَنا وتَثْبِيتُنا عَلَيْهِ إلى الوَفاةِ. وَمِن هُنا يُعْلَمُ اضْطِرارُ العَبْدِ إلى سُؤالِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كُنّا مُهْتَدِينَ، فَكَيْفَ نَسْألُ الهِدايَةَ؟ فَإنَّ المَجْهُولَ لَنا مِنَ الحَقِّ أضْعافُ المَعْلُومِ، وما لا نُرِيدُ فِعْلَهُ تَهاوُنًا وكَسَلًا مِثْلُ ما نُرِيدُهُ أوْ أكْثَرُ مِنهُ أوْ دُونَهُ، وما لا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمّا نُرِيدُهُ كَذَلِكَ، وما نَعْرِفُ جُمْلَتَهُ ولا نَهْتَدِي لِتَفاصِيلِهِ فَأمْرٌ يَفُوتُ الحَصْرَ، ونَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى الهِدايَةِ التّامَّةِ، فَمَن كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ كانَ سُؤالُ الهِدايَةِ لَهُ سُؤالَ التَّثْبِيتِ والوِئامِ. وَلِلْهِدايَةِ مَرْتَبَةٌ أُخْرى وهي آخِرُ مَراتِبِها وهي الهِدايَةُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وهو الصِّراطُ المُوَصِّلُ إلَيْها، فَمَن هُدِيَ في هَذِهِ الدّارِ إلى صِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، هُدِيَ هُناكَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، المُوَصِّلِ إلى جَنَّتِهِ ودارِ ثَوابِهِ، وعَلى قَدْرِ ثُبُوتِ قَدَمِ العَبْدِ عَلى هَذا الصِّراطِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في هَذِهِ الدّارِ يَكُونُ ثُبُوتُ قَدَمِهِ عَلى الصِّراطِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وعَلى قَدْرِ سَيْرِهِ عَلى هَذِهِ الصِّراطِ يَكُونُ سَيْرُهُ عَلى ذاكَ الصِّراطِ، فَمِنهم مَن يَمُرُّ كالبَرْقِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كالطَّرْفِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَشَدِّ الرِّكابِ، ومِنهم مَن يَسْعى سَعْيًا، ومِنهم مَن يَمْشِي مَشْيًا، ومِنهم مَن يَحْبُو حَبْوًا، ومِنهُمُ المَخْدُوشُ المُسَلَّمُ، ومِنهُمُ المُكَرْدَسُ في النّارِ، فَلْيَنْظُرِ العَبْدُ سَيْرَهُ عَلى ذَلِكَ الصِّراطِ مِن سَيْرِهِ عَلى هَذا، حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، جَزاءً وِفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]. وَلْيَنْظُرِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ الَّتِي تَعُوقُهُ عَنْ سَيْرِهِ عَلى هَذا الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّها الكَلالِيبُ الَّتِي بِجَنَبَتَيْ ذاكَ الصِّراطِ، تَخْطَفُهُ وتَعُوقُهُ عَنِ المُرُورِ عَلَيْهِ، فَإنْ كَثُرَتْ هُنا وقَوِيَتْ فَكَذَلِكَ هي هُناكَ ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. فَسُؤالُ الهِدايَةِ مُتَضَمِّنٌ لِحُصُولِ كُلِّ خَيْرٍ، والسَّلامَةِ مِن كُلِّ شَرٍّ. * [فَصْلٌ: مَراتِبُ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ] [المَرْتَبَةُ الأُولى تَكْلِيمُ اللَّهِ] * فَصْلٌ: في مَراتِبِ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وهي عَشْرُ مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: مَرْتَبَةُ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِعَبْدِهِ يَقَظَةً بِلا واسِطَةٍ، بَلْ مِنهُ إلَيْهِ، وهَذِهِ أعْلى مَراتِبِها، كَما كَلَّمَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ وحْيَهُ إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ كَلَّمَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْلِيمَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الوَحْيِ الَّذِي ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ كَلَّمَ وهو التَّكْلِيمُ رَفْعًا لِما يَتَوَهَّمُهُ المُعَطِّلَةُ والجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وغَيْرُهم مِن أنَّهُ إلْهامٌ، أوْ إشارَةٌ، أوْ تَعْرِيفٌ لِلْمَعْنى النَّفْسِيِّ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّكْلِيمِ، فَأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ النِّسْبَةِ ورَفْعَ تَوَهُّمِ المَجازِ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي ما يُوصَلُ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ، ولَكِنْ لا تُحَقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، فَإذا حَقَّقَتْهُ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، كالإرادَةِ، يُقالُ: فُلانٌ أرادَ إرادَةً، يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الإرادَةِ، ويُقالُ: أرادَ الجِدارُ، ولا يُقالُ: إرادَةً، لِأنَّهُ مَجازٌ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، هَذا كَلامُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهَذا التَّكْلِيمُ غَيْرُ التَّكْلِيمِ الأوَّلِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وفي هَذا التَّكْلِيمِ الثّانِي سَألَ النَّظَرَ لا في الأوَّلِ، وفِيهِ أُعْطِيَ الألْواحَ، وكانَ عَنْ مُواعَدَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُ، والتَّكْلِيمُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُواعَدَةٍ، وفِيهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أيْ بِتَكْلِيمِي لَكَ بِإجْماعِ السَّلَفِ. وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ أنَّهُ ناداهُ وناجاهُ، فالنِّداءُ مِن بُعْدٍ، والنِّجاءُ مِن قُرْبٍ، تَقُولُ العَرَبُ: إذا كَبُرَتِ الحَلْقَةُ فَهو نِداءٌ، أوْ نِجاءٌ، وقالَ لَهُ أبُوهُ آدَمُ في مُحاجَّتِهِ: «أنْتَ مُوسى الَّذِي اصْطَفاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وخَطَّ لَكَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ؟»، وكَذَلِكَ يَقُولُ لَهُ أهْلُ المَوْقِفِ إذا طَلَبُوا مِنهُ الشَّفاعَةَ إلى رَبِّهِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ الإسْراءِ في رُؤْيَةِ مُوسى في السَّماءِ السّادِسَةِ أوِ السّابِعَةِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَةِ، قالَ: وذَلِكَ بِتَفْضِيلِهِ بِكَلامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ التَّكْلِيمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِن جِنْسِ ما حَصَلَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ لَهُ في هَذِهِ الأحادِيثِ مَعْنًى، ولا كانَ يُسَمّى كِلِيمَ الرَّحْمَنِ وقالَ تَعالى ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] فَفَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِ الوَحْيِ، والتَّكْلِيمِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، والتَّكْلِيمِ مِن وراءِ حِجابٍ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مَرْتَبَةُ الوَحْيِ المُخْتَصِّ بِالأنْبِياءِ] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] وقالَ ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، فَجَعَلَ الوَحْيَ في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمًا مِن أقْسامِ التَّكْلِيمِ، وجَعَلَهُ في آيَةِ النِّساءِ قَسِيمًا لِلتَّكْلِيمِ، وذَلِكَ باعْتِبارَيْنِ، فَإنَّهُ قَسِيمُ التَّكْلِيمِ الخاصِّ الَّذِي هو بِلا واسِطَةٍ، وقِسْمٌ مِنَ التَّكْلِيمِ العامِّ الَّذِي هو إيصالُ المَعْنى بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. والوَحْيُ في اللُّغَةِ هو الإعْلامُ السَّرِيعُ الخَفِيُّ، ويُقالُ في فِعْلِهِ: وحى، وأوْحى، قالَ رُؤْبَةُ: وَحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ . وهو أقْسامٌ، كَما سَنَذْكُرُهُ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: إرْسالُ الرَّسُولِ المَلَكِيِّ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ] فَيُوحى إلَيْهِ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهُ أنْ يُوَصِّلَهُ إلَيْهِ. فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثُ خاصَّةٌ بِالأنْبِياءِ لا تَكُونُ لِغَيْرِهِمْ. ثُمَّ هَذا الرَّسُولُ المَلَكِيُّ قَدْ يَتَمَثَّلُ لِلرَّسُولِ البَشَرِيِّ رَجُلًا، يَراهُ عِيانًا ويُخاطِبُهُ، وقَدْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، وقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ المَلَكُ، ويُوحِي إلَيْهِ ما يُوحِيهِ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنْهُ، أيْ يُقْلِعُ، والثَّلاثَةُ حَصَلَتْ لِنَبِيِّنا ﷺ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ التَّحْدِيثِ] وَهَذِهِ دُونَ مَرْتَبَةِ الوَحْيِ الخاصِّ، وتَكُونُ دُونَ مَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِينَ، كَما كانَتْ لِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّهُ كانَ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ». وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: جَزَمَ بِأنَّهم كائِنُونَ في الأُمَمِ قَبْلَنا، وعَلَّقَ وُجُودَهم في هَذِهِ الأُمَّةِ بِ " إنْ " الشَّرْطِيَّةِ، مَعَ أنَّها أفْضَلُ الأُمَمِ، لِاحْتِياجِ الأُمَمِ قَبْلَنا إلَيْهِمْ، واسْتِغْناءِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْهم بِكَمالِ نَبِيِّها ورِسالَتِهِ، فَلَمْ يُحْوِجِ اللَّهُ الأُمَّةَ بَعْدَهُ إلى مُحَدَّثٍ ولا مُلْهَمٍ، ولا صاحِبِ كَشْفٍ ولا مَنامٍ، فَهَذا التَّعْلِيقُ لِكَمالِ الأُمَّةِ واسْتِغْنائِها لا لِنَقْصِها. والمُحَدَّثُ: هو الَّذِي يُحَدِّثُ في سِرِّهِ وقَلْبِهِ بِالشَّيْءِ، فَيَكُونُ كَما يُحَدِّثُ بِهِ. قالَ شَيْخُنا: والصِّدِّيقُ أكْمَلُ مِنَ المُحَدَّثِ، لِأنَّهُ اسْتَغْنى بِكَمالِ صَدِّيقِيَّتِهِ ومُتابَعَتِهِ عَنِ التَّحْدِيثِ والإلْهامِ والكَشْفِ، فَإنَّهُ قَدْ سَلَّمَ قَلْبَهُ كُلَّهُ وسِرَّهُ وظاهِرَهُ وباطِنَهُ لِلرَّسُولِ، فاسْتَغْنى بِهِ عَمّا مِنهُ. قالَ: وكانَ هَذا المُحَدَّثُ يَعْرِضُ ما يُحَدِّثُ بِهِ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ وافَقَهُ قَبِلَهُ، وإلّا رَدَّهُ، فَعُلِمَ أنَّ مَرْتَبَةَ الصِّدِّيقِيَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ التَّحْدِيثِ. قالَ: وأمّا ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِ الخَيالاتِ والجَهالاتِ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي، فَصَحِيحٌ أنَّ قَلْبَهُ حَدَّثَهُ، ولَكِنْ عَمَّنْ؟ عَنْ شَيْطانِهِ، أوْ عَنْ رَبِّهِ؟ فَإذا قالَ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي، كانَ مُسْنِدًا الحَدِيثَ إلى مَن لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ، وذَلِكَ كَذِبٌ، قالَ: ومُحَدَّثُ الأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ ذَلِكَ، ولا تَفَوَّهَ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ كَتَبَ كاتِبُهُ يَوْمًا: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ: لا، امْحُهُ واكْتُبْ: هَذا ما رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خَطَأً فَمِن عُمَرَ واللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ بَرِيءٌ، وقالَ في الكَلالَةِ: أقُولُ فِيها بِرَأْيِي، فَإنْ يَكُنْ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، فَهَذا قَوْلُ المُحَدَّثِ بِشَهادَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنْتَ تَرى الِاتِّحادِيَّ والحُلُولِيَّ والإباحِيَّ الشَطّاحَ، والسَّماعِيَّ مُجاهِرًا بِالقِحَةِ والفِرْيَةِ، يَقُولُ: " حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي ". فانْظُرْ إلى ما بَيْنَ القائِلَيْنِ والمَرْتَبَتَيْنِ والقَوْلَيْنِ والحالَيْنِ، وأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ولا تَجْعَلِ الزَّغَلَ والخالِصَ شَيْئًا واحِدًا. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ مَرْتَبَةُ الإفْهامِ] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَذَكَرَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وأثْنى عَلَيْهِما بِالعِلْمِ والحُكْمِ، وخَصَّ سُلَيْمانَ بِالفَهْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ المُعَيَّنَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وقَدْ سُئِلَ " هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ " فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وكانَ فِيها العَقْلُ، وهو الدِّياتُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ "، وفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْكَ، فالفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ. فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها. * [فَصْلٌ: المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ مَرْتَبَةُ البَيانِ العامِّ] وَهُوَ تَبْيِينُ الحَقِّ وتَمْيِيزُهُ مِنَ الباطِلِ بِأدِلَّتِهِ وشَواهِدِهِ وأعْلامِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ مَشْهُودًا لِلْقَلْبِ، كَشُهُودِ العَيْنِ لِلْمَرْئِيّاتِ. وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّتِي لا يُعَذِّبُ أحَدًا ولا يُضِلُّهُ إلّا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] فَهَذا الإضْلالُ عُقُوبَةٌ مِنهُ لَهُمْ، حِينَ بَيَّنَ لَهم فَلَمْ يَقْبَلُوا ما بَيَّنَهُ لَهُمْ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَعاقَبَهم بِأنْ أضَلَّهم عَنِ الهُدى، وما أضَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَدًا قَطُّ إلّا بَعْدَ هَذا البَيانِ. وَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ سِرَّ القَدَرِ، وزالَتْ عَنْكَ شُكُوكٌ كَثِيرَةٌ، وشُبَهاتٌ في هَذا البابِ، وعَلِمْتَ حِكْمَةَ اللَّهِ في إضْلالِهِ مَن يُضِلُّهُ مِن عِبادِهِ، والقُرْآنُ يُصَرِّحُ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] فالأوَّلُ: كُفْرُ عِنادٍ، والثّانِي: كُفْرُ طَبْعٍ، وقَوْلِهِ ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَعاقَبَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ حِينَ تَيَقَّنُوهُ وتَحَقَّقُوهُ، بِأنْ قَلَّبَ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهُ. فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعٌ عَظِيمٌ. وَقالَ تَعالى ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَهَذا هُدًى بَعْدَ البَيانِ والدِّلالَةِ، وهو شَرْطٌ لا مُوجِبٌ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ هُدًى آخَرُ بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَمالُ الِاهْتِداءِ، وهو هُدى التَّوْفِيقِ والإلْهامِ. وَهَذا البَيانُ نَوْعانِ: بَيانٌ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ المَتْلُوَّةِ، وبَيانٌ بِالآياتِ المَشْهُودَةِ المَرْئِيَّةِ، وكِلاهُما أدِلَّةٌ وآياتٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وكَمالِهِ، وصِدْقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ولِهَذا يَدْعُو عِبادَهُ بِآياتِهِ المَتْلُوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ويَحُضُّهم عَلى التَّفْكِيرِ في هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذا البَيانُ هو الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجُعِلَ إلَيْهِمْ وإلى العُلَماءِ بَعْدَهُمْ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فالرُّسُلُ تُبَيِّنُ، واللَّهُ هو الَّذِي يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ البَيانُ الخاصُّ] وَهُوَ البَيانُ المُسْتَلْزِمُ لِلْهِدايَةِ الخاصَّةِ، وهو بَيانٌ تُقارِنُهُ العِنايَةُ والتَّوْفِيقُ والِاجْتِباءُ، وقَطْعُ أسْبابِ الخِذْلانِ ومَوادِّها عَنِ القَلْبِ، فَلا تَتَخَلَّفُ عَنْهُ الهِدايَةُ ألْبَتَّةَ، قالَ تَعالى في هَذِهِ المَرْتَبَةِ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وقالَ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فالبَيانُ الأوَّلُ شَرْطٌ، وهَذا مُوجِبٌ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مَرْتَبَةُ الإسْماعِ] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقَدْ قالَ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩] وهَذا الإسْماعُ أخَصُّ مِن إسْماعِ الحُجَّةِ والتَّبْلِيغِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لَهُمْ، وبِهِ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ ذاكَ إسْماعُ الآذانِ، وهَذا إسْماعُ القُلُوبِ، فَإنَّ الكَلامَ لَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، ولَهُ نِسْبَةٌ إلى الأُذُنِ والقَلْبِ وتَعَلُّقٌ بِهِما، فَسَماعُ لَفْظِهِ حَظُّ الأُذُنِ، وسَماعُ حَقِيقَةِ مَعْناهُ ومَقْصُودِهِ حَظُّ القَلْبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الكُفّارِ سَماعَ المَقْصُودِ والمُرادِ الَّذِي هو حَظُّ القَلْبِ، وأثْبَتَ لَهم سَماعَ الألْفاظِ الَّذِي هو حَظُّ الأُذُنِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢] وهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها، وأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦]. والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ ومَرْتَبَةِ الإفْهامِ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بِواسِطَةِ الأُذُنِ، وَمَرْتَبَةُ الإفْهامِ أعَمُّ، فَهي أخَصُّ مِن مَرْتَبَةِ الفَهْمِ مِن هَذا الوَجْهِ، ومَرْتَبَةُ الفَهْمِ أخَصُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنى المُرادِ ولَوازِمِهِ ومُتَعَلَّقاتِهِ وإشاراتِهِ، ومَرْتَبَةُ السَّماعِ مَدارُها عَلى إيصالِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ إلى القَلْبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا السَّماعِ سَماعُ القَبُولِ. فَهُوَ إذَنْ ثَلاثُ مَراتِبَ: سَماعُ الأُذُنِ، وسَماعُ القَلْبِ، وسَماعُ القَبُولِ والإجابَةِ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ مَرْتَبَةُ الإلْهامِ] [الإلْهامُ هو مَقامُ المُحَدِّثِينَ] قالَ تَعالى ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٧] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِ حُصَيْنِ بْنِ مُنْذِرٍ الخُزاعِيِّ لَمّا أسْلَمَ «قُلِ: اللَّهُمَّ ألْهِمْنِي رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي». وَقَدْ جَعَلَ صاحِبُ المَنازِلِ الإلْهامَ هو مَقامُ المُحَدَّثِينَ، قالَ: وهو فَوْقَ مَقامِ الفِراسَةِ، لِأنَّ الفِراسَةَ رُبَّما وقَعَتْ نادِرَةً، واسْتُصْعِبَتْ عَلى صاحِبِها وقْتًا، أوِ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ، والإلْهامُ لا يَكُونُ إلّا في مَقامٍ عَتِيدٍ. قُلْتُ: التَّحْدِيثُ أخَصُّ مِنَ الإلْهامِ، فَإنَّ الإلْهامَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ إيمانِهِمْ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ فَقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ رُشْدَهُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِهِ الإيمانُ، فَأمّا التَّحْدِيثُ فالنَّبِيُّ ﷺ قالَ فِيهِ «إنْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ أحَدٌ فَعُمَرُ» يَعْنِي مِنَ المُحَدَّثِينَ، فالتَّحْدِيثُ إلْهامٌ خاصٌّ، وهو الوَحْيُ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ إمّا مِنَ المُكَلَّفِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وقَوْلِهِ ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] وإمّا مِن غَيْرِ المُكَلَّفِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] فَهَذا كُلُّهُ وحَيُّ إلْهامٍ. وَأمّا جَعْلُهُ فَوْقَ مَقامِ الفَراسَةِ فَقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الفَراسَةَ رُبَّما وقَعَتْ نادِرَةً كَما تَقَدَّمَ، والنّادِرُ لا حُكْمَ لَهُ، ورُبَّما اسْتَعْصَتْ عَلى صاحِبِها واسْتُصْعِبَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُطاوِعْهُ، والإلْهامُ لا يَكُونُ إلّا في مَقامٍ عَتِيدٍ، يَعْنِي في مَقامِ القُرْبِ والحُضُورِ. والتَّحْقِيقُ في هَذا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ " الفِراسَةِ " و" الإلْهامِ " يَنْقَسِمُ إلى عامٍّ وخاصٍّ، وخاصُّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَوْقَ عامِّ الآخَرِ، وعامُّ كُلِّ واحِدٍ قَدْ يَقَعُ كَثِيرًا، وخاصُّهُ قَدْ يَقَعُ نادِرًا، ولَكِنَّ الفَرْقَ الصَّحِيحَ أنَّ الفِراسَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِنَوْعِ كَسْبٍ وتَحْصِيلٍ، وأمّا الإلْهامُ فَمَوْهِبَةٌ مُجَرَّدَةٌ، لا تُنالُ بِكَسْبٍ ألْبَتَّةَ. * [فَصْلٌ المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ الرُّؤْيا الصّادِقَةُ] * فَصْلٌ المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ مِن مَراتِبَ الهِدايَةِ: الرُّؤْيا الصّادِقَةُ وَهِيَ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «الرُّؤْيا الصّادِقَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». وَقَدْ قِيلَ في سَبَبِ هَذا التَّخْصِيصِ المَذْكُورِ: إنَّ أوَّلَ مُبْتَدَأِ الوَحْيِ كانَ هو الرُّؤيا الصّادِقَةُ، وذَلِكَ نِصْفُ سَنَةٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى وحْيِ اليَقَظَةِ مُدَّةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، مِن حِينِ بُعِثَ إلى أنْ تُوُفِّيَ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فَنِسْبَةُ مُدَّةِ الوَحْيِ في المَنامِ مِن ذَلِكَ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا، وهَذا حَسَنٌ، لَوْلا ما جاءَ في الرِّوايَةِ الأُخْرى الصَّحِيحَةِ " «إنَّها جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا» ". وَقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما: إنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ حالِ الرّائِي، فَإنَّ رُؤْيا الصِّدِّيِقِينَ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ، ورُؤْيا عُمُومِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقَةَ مِن سَبْعِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ. والرُّؤْيا مَبْدَأُ الوَحْيِ، وصِدْقُها بِحَسَبِ صِدْقِ الرّائِي، وأصْدَقُ النّاسِ رُؤْيا أصْدَقُهم حَدِيثًا، وهي عِنْدَ اقْتِرابِ الزَّمانِ لا تَكادُ تُخْطِئُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ، وذَلِكَ لِبُعْدِ العَهْدِ بِالنُّبُوَّةِ وآثارِها، فَيَتَعَوَّضُ المُؤْمِنُونَ بِالرُّؤْيا، وأمّا في زَمَنِ قُوَّةِ نُورِ النُّبُوَّةِ فَفي ظُهُورِ نُورِها وقُوَّتِهِ ما يُغْنِي عَنِ الرُّؤْيا. وَنَظِيرُ هَذا الكَراماتُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحابَةِ، ولَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْها بِقُوَّةِ إيمانِهِمْ، واحْتِياجِ مَن بَعْدَهم إلَيْها لِضَعْفِ إيمانِهِمْ، وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ عَلى هَذا المَعْنى، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: رُؤْيا المُؤْمِنِ كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ في المَنامِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلّا المُبَشِّراتُ، قِيلَ: وما المُبَشِّراتُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» وإذا تَواطَأتْ رُؤْيا المُسْلِمِينَ لَمْ تَكْذِبْ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ لَمّا أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ، قالَ «أرى رُؤْياكم قَدْ تَواطَأتْ في العَشْرِ الأواخِرِ، فَمَن كانَ مِنكم مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ». والرُّؤْيا كالكَشْفِ، مِنها رَحِمانِيُّ، ومِنها نَفْسانِيُّ، ومِنها شَيْطانِيُّ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: رُؤْيا مِنَ اللَّهِ، ورُؤْيا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ، ورُؤْيا مِمّا يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ في اليَقَظَةِ، فَيَراهُ في المَنامِ». والَّذِي هو مِن أسْبابِ الهِدايَةِ: هو الرُّؤْيا الَّتِي مِنَ اللَّهِ خاصَّةً. وَرُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، فَإنَّها مَعْصُومَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وهَذا بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ، ولِهَذا أقْدَمَ الخَلِيلُ عَلى ذَبْحِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالرُّؤْيا. وَأمّا رُؤْيا غَيْرِهِمْ فَتُعْرَضُ عَلى الوَحْيِ الصَّرِيحِ، فَإنْ وافَقَتْهُ وإلّا لَمْ يُعْمَلْ بِها. فَإنْ قِيلَ: فَما تَقُولُونَ إذا كانَتْ رُؤْيا صادِقَةٌ، أوْ تَواطَأتْ؟ قُلْنا: مَتّى كانَتْ كَذَلِكَ اسْتَحالَ مُخالَفَتُها لِلْوَحْيِ، بَلْ لا تَكُونُ إلّا مُطابِقَةً لَهُ، مُنَبِّهَةً عَلَيْهِ، أوْ مُنَبِّهَةً عَلى انْدِراجِ قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ في حُكْمِهِ، لَمْ يَعْرِفِ الرّائِي انْدِراجَها فِيهِ، فَيَتَنَبَّهُ بِالرُّؤْيا عَلى ذَلِكَ، ومَن أرادَ أنْ تُصَدَّقَ رُؤْياهُ فَلْيَتَحَرَّ الصِّدْقَ وأكْلَ الحَلالِ، والمُحافَظَةَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، ولْيَنَمْ عَلى طِهارَةٍ كامِلَةٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ويَذْكُرُ اللَّهَ حَتّى تَغْلِبَهُ عَيْناهُ، فَإنَّ رُؤْياهُ لا تَكادُ تَكْذِبُ ألْبَتَّةَ. وَأصْدَقُ الرُّؤْيا: رُؤْيا الأسْحارِ، فَإنَّهُ وقْتُ النُّزُولِ الإلَهِيِّ، واقْتِرابِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، وسُكُونِ الشَّياطِينِ، وعَكْسُهُ رُؤْيا العَتْمَةِ، عِنْدَ انْتِشارِ الشَّياطِينِ والأرْواحِ الشَّيْطانِيَّةِ، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رُؤْيا المُؤْمِنِ كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ في المَنامِ. وَلِلرُّؤْيا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِها، يُرِيها العَبْدَ في أمْثالٍ تُناسِبُهُ وتُشاكِلُهُ، فَيَضْرِبُها لِكُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِهِ، وقالَ مالِكٌ: "الرُّؤْيا مِنَ الوَحْيِ وحْيٌ" وَزَجَرَ عَنْ تَفْسِيرِها بِلا عِلْمٍ، وقالَ: أتَتَلاعَبُ بِوَحْيِ اللَّهِ؟ وَلِذِكْرِ الرُّؤْيا وأحْكامِها وتَفاصِيلِها وطُرُقِ تَأْوِيلِها مَظانُّ مَخْصُوصَةٌ بِها، يُخْرِجُنا ذِكْرُها عَنِ المَقْصُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * [فصل: في حاجَةُ العَبْدِ إلى أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ] وَلا تَتِمُّ لَهُ سَلامَةُ القَلْبِ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا حَتّى يَسْلَمَ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ: مِن شِرْكٍ يُناقِضُ التَّوْحِيدَ، وبِدْعَةٍ تُخالِفُ السُّنَّةَ، وشَهْوَةٍ تُخالِفُ الأمْرَ، وغَفْلَةٍ تُناقِضُ الذِّكْرَ، وهَوًى يُناقِضُ التَّجْرِيدَ والإخْلاصَ. وَهَذِهِ الخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وتَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنها أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أفْرادًا لا تَنْحَصِرُ. وَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ حاجَةُ العَبْدِ بَلْ ضَرُورَتُهُ، إلى أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحْوَجَ مِنهُ إلى هَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَيْسَ شَيْءٌ أنْفَعَ لَهُ مِنها. فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ يَتَضَمَّنُ: عُلُومًا، وإرادَةً، وأعْمالًا، وتُرُوكًا ظاهِرَةً وباطِنَةً تَجْرِي عَلَيْهِ كُلَّ وقْتٍ، فَتَفاصِيلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ قَدْ يَعْلَمُها العَبْدُ وقَدْ لا يَعْلَمُها، وقَدْ يَكُونُ ما لا يَعْلَمُهُ أكْثَرَ مِمّا يَعْلَمُهُ، وما يَعْلَمُهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وقَدْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ وإنْ عَجَزَ عَنْهُ، وما يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَدْ تُرِيدُهُ نَفْسُهُ وقَدْ لا تُرِيدُهُ كَسَلًا وتَهاوُنًا، أوْ لِقِيامِ مانِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما تُرِيدُهُ قَدْ يَفْعَلُهُ وقَدْ لا يَفْعَلُهُ، وما يَفْعَلُهُ قَدْ يَقُومُ فِيهِ بِشُرُوطِ الإخْلاصِ وقَدْ لا يَقُومُ، وما يَقُومُ فِيهِ بِشُرُوطِ الإخْلاصِ قَدْ يَقُومُ فِيهِ بِكَمالِ المُتابَعَةِ وقَدْ لا يَقُومُ، وما يَقُومُ فِيهِ بِالمُتابَعَةِ قَدْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ وقَدْ يُصْرَفُ قَلْبُهُ عَنْهُ، وهَذا كُلُّهُ واقِعٌ سارٍ في الخَلْقِ، فَمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ. وَلَيْسَ في طِباعِ العَبْدِ الهِدايَةُ إلى ذَلِكَ، بَلْ مَتى وُكِلَ إلى طِباعِهِ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وهَذا هو الإرْكاسُ الَّذِي أرْكَسَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ بِذُنُوبِهِمْ، فَأعادَهم إلى طِباعِهِمْ وما خُلِقَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم مِنَ الجَهْلِ والظُّلْمِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ونَهْيِهِ وأمْرِهِ، فَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وجَعْلِهِ الهِدايَةَ حَيْثُ تَصْلُحُ، ويَصْرِفُ مَن يَشاءُ عَنْ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَحَلِّ، وذَلِكَ مُوجِبُ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نَصَبَ لِخَلْقِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يُوصِلُهم إلَيْهِ، فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَنَصَبَ لِعِبادِهِ مِن أمْرِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا دَعاهم جَمِيعًا إلَيْهِ حُجَّةً مِنهُ وعَدْلًا، وهَدى مَن يَشاءُ مِنهم إلى سُلُوكِهِ نِعْمَةً مِنهُ وفَضْلًا، ولَمْ يَخْرُجْ بِهَذا العَدْلِ وهَذا الفَضْلِ عَنْ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ لِقائِهِ نَصَبَ لِخَلْقِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يُوَصِّلُهم إلى جَنَّتِهِ، ثُمَّ صَرَفَ عَنْهُ مَن صَرَفَ عَنْهُ في الدُّنْيا، وأقامَ عَلَيْهِ مَن أقامَهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، نُورًا ظاهِرًا يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ في ظُلْمَةِ الحَشْرِ، وحَفِظَ عَلَيْهِمْ نُورَهم حَتّى قَطَعُوهُ كَما حَفِظَ عَلَيْهِمُ الإيمانَ حَتّى لَقَوْهُ، وأطْفَأ نُورَ المُنافِقِينَ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْهِ، كَما أطْفَأهُ مِن قُلُوبِهِمْ في الدُّنْيا. وَأقامَ أعْمالَ العُصاةِ بِجَنْبَتَيِ الصِّراطِ كَلالِيبَ وحَسَكًا تَخْطِفُهم كَما خَطَفَتْهم في الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، وجَعَلَ قُوَّةَ سَيْرِهِمْ وسُرْعَتَهم عَلى قَدْرِ قُوَّةِ سَيْرِهِمْ وسُرْعَتِهِمْ في الدُّنْيا، ونَصَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ حَوْضًا يَشْرَبُونَ مِنهُ بِإزاءِ شُرْبِهِمْ مِن شَرْعِهِ في الدُّنْيا، وحَرَمَ مِنَ الشُّرْبِ مِنهُ هُناكَ مَن حُرِمَ الشُّرْبَ مِن شَرْعِهِ ودِينِهِ هاهُنا. فانَظُرْ إلى الآخِرَةِ كَأنَّها رَأْيُ عَيْنٍ، وتَأمَّلْ حِكْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الدّارَيْنِ، تَعْلَمْ حِينَئِذٍ عِلْمًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ وعُنْوانُها وأُنْمُوذَجُها، وأنَّ مَنازِلَ النّاسِ فِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وضِدِّهِما، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَمِن أعْظَمِ عُقُوباتِ الذُّنُوبِ - الخُرُوجُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. [كلام جامع: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم] هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال وكل نعمة دون نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد وأن العبد هو الضال أو المهتدي فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن فأما مراتب الهدى فأربعة: إحداها: الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه. المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة. المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل. المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. * (فصل) فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ فذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير قال عطاء "خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقه" وقال الكلبي "خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين" وقال مقاتل" خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق" وقال أبو إسحاق "خلق الإنسان مستويا" وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ وقال: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات﴾ فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند قول النبي ﷺ: "والشر ليس إليك" والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له. * (فصل) وأما التقدير والهداية فقال مقاتل "قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها" وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء "قدر من النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثى" واختار هذا القول صاحب النظم فقال: "معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها" لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك وقال مقاتل أيضا: "هداه لمعيشته ومرعاه" وقال السدي: "قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج" وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة" وقال الفراء: "التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر" قلت: الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه وأعجمه وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم. وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المزوج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها الملك فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ويترك الملك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار ثم تقتسم النحل فرقا فمنها فرقة تلزم الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين يديه شيئا يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض يكون ذلك طعاما للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب أقليدس حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما: أن لا يكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا. الثانية: أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعا ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها بل يبقى فيما بينها فروج خالية ضائعة. وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال يحتذى عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها، وتأتها ذللا لا تستعصي عليها ولا تضل عنها، وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه (فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا وجبلا فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع بطانا وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد منها رائحة منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن مرة ثانية فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل فيعرفه باجتماع النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه حتى يصير كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه خدمه وسائر النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ولا تدين لطاعتها، والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ذلك جاد العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآكل طويل العمر فإذا انقضت الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن عنه وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ ولا يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم. * (فصل) وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها الطريق فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية. وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ثم قال: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ودل على أن ذلك الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه سواهم ثم قالت ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما وعرفت جنوده وقائدها ثم قالت ﴿وهم لا يشعرون﴾ فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وإنه لموضع تعجب وتبسم. وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد" وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نزل بني من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدة" وذكر هشام بن حسان: "أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل ونفعل قال فذهبن" وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى الأشعري: "إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فأذاهم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم" ولهذا الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام أحمد حدثنا قال: "خرج سليمان بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك ورزقك فأما أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض فطافت في مكانه فلم تجده فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم تقدر فذهبت وجاءت بهم فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا فلما كان في المرة الأخرى استدار النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا عضوا. قال شيخنا: وقد حكيت له هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة وسألها كم تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث حبات من الحنطة فأمر بإلقائها في قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ونصف حبة فقال أين زعمك أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات فقالت: نعم ولكن لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة فاقتصرت على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب سليمان من شدة حرصها وهذا من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنها تكد طوال الصيف وتجمع للشتاء علما منها بإعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي على ضعفها شديدة القوى فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى أنفك لم تشم له رائحة فإذا وضعته على الأرض أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها بصف من النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو بالسمع فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت إلى جحرها وجاءت معها بطائفة من أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة قطعتها ومزقتها وحملتها وإن وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء فتلقي نفسها عليه وجربنا نحن ذلك وأحمى صانع مرة طوقا بالنار ورماه على الأرض ليبرد واتفق أن اشتمل الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه وهج النار فلزم المركز ووسط الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من المحيط. * (فصل) وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال ﴿وجئتك من سبأ بنبإ يقين﴾ والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف "وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله". * (فصل) وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: "أعقل الطير الحمام" وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت السفاد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على قدر التعليم والتوطين والحمام موصوف باليمن والألف للناس ويحب الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر لها ويقبلها ويزفها وينتفش ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من الوله والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها على الأرض فإذا قضى حاجته منها ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه البيض فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تسقط من الفزع فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه فيبدآن أولا بنفخ الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء وفيه قوى الطعم ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ويزقانه الفرخ ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام. والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه، فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها، وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب أنثى وتساحقها وذكر يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة ولا تواتي غير زوجها ألبتة بمنزلة المرأة الحرة ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب وفي الحديث أن النبي ﷺ: "رأى حمامة تتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانه" ومنها ما يزق فراخه خاصة ومنا ما فيه شفقة ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس لئلا يعرض لها من يصدها ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده فيخالف فعله ليسلم منه ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي، وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا يقصده وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى وجلب القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي التي تحبل وتلد وترضع ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره قال الجاحظ: "وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك وأدام هو الطلب ولا يستبعد هذا" وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا وفي هدايته للحيوان إلى مصالحة ما هو أعجب من ذلك ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا لم يأكله حتى يفرقه فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني "إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة" وذكر ابن الأعرابي قال: "أكلت حبة بيض مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت" وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي: ؎إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ∗∗∗ فربما قتل المكاء ثعبانا وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج ومن عجيب هدايتها أن الثعلب إذا امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه ثم عمد إلى ماء رقيق فنزل فيه قليلا قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة فيلقيها في الماء ويخرج ومن عجيب أمره أن ذئبا أكل أولاده وكان للذئب أولاد وهناك زبية فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها وحفر فيها سردابا يخرج منه ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم وجلس ناحية ينتظر الذئب فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه وهو يتبعه فألقى نفسه في الزبية ثم خرج من السرداب فألقى الذئب نفسه وراءه فلم يجده ولم يطق الخروج فقتله أهل الناحية ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه دجاجتان فاختفى له وخطف إحداهما وفر ثم أعمل فكرة في أخذ الأخرى فتراأى لصاحبها من بعيد وفي فمه شيء شبيه بالطائر وأطمعه في استعادتها بأن تركه وفر فظن الرجل أنها الدجاجة فأسرع نحوها وخالفه الثعلب إلى أختها فأخذها وذهب ومن عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا فلم يطق فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تواظب الطير على ذلك وألفته فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها وعبر إلى الطير فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به ومن عجيب أمر الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله فرأى معه قوسا وسهما فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه وأقبل نحو الرجل فجعل الرجل كلما رماه بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه وعاين نفاذ سهمه فصادف من استعان به على طرد الذئب ومن عجيب أمر القرد ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "رأيت في الجاهلية قردا وقردة زنيا فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا" فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم وهذه البقر يضرب ببلادتها المثل وقد أخبر النبي ﷺ: "أن رجلا بينا هو يسوق بقرة إذ ركبها فقالت لم أخلق لهذا فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وبينا رجل يرعى غنما له إذ عدا الذئب على شاة منها فاستنقذها منه فقال الذئب هذه استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم فقال رسول الله ﷺ أني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم" ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به منزله من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل فإذا خلى جاء إليه ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير. ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلى الجرة فنقص وعز عليها الوصول إليه ذهبت وحملت في أفواهها ماء وصبته في الجرة حتى يرتفع الزيت فتشربه والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر المالح وأخذ بمنقاره منه واحتقن به فيخرج الذرق بسرعة وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفسا فلا تشك أنه ميت حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة الموت وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر النهري فأكلاه كالترياق لذلك ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ قلبه لظهره لأجل شوكه فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه فإذا أصابه البول اعتراه الأسر فانبسط فيسلخه الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحربه وحزمه وصبره وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلاَّ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال أبو جعفر الباقر والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلا منها. فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياما تهرب به من الذر والنمل لأنها تضعه كقطعة من لحم فهي تخاف عليه الذر والنمل فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد. وقال ابن الأعرابي: "قيل لشيخ من قريش من علمك هذا كله وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب؟ قال: علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من حضانتها ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد" وقيل لآخر: "من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ثم تسقط مرارا عديدة حتى تستمر صاعدة" وقيل لآخر: "من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به؟ قال من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض" وقيل لآخر: "من علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته فقال الذي علم السهر أن ترصد جحر الفأرة فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج كأنها ميتة حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد" وقيل لآخر: "من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون قال من علم أبا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة والمشي والتعب وغلظة الجمال وضربه فالثقل والكل على ظهره ومرارة الجوع والعطش في كبده وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبر" وقيل لآخر: "من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل قال من علم الديك يصادف الحبة في الأرض وهو يحتاج إليها فلا يأكلها بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها، وهو مسرور بذلك طيب النفس به. وإذا وضع له الحب الكثير فرقه هاهنا وهاهنا وإن لم يكن هناك دجاج لأن طبعه قد ألف البذل والجود فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام" وقيل لآخر: "من علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله قال من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها وهي أكثر من أن تذكر" ومن علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب عفى أثر مشيته بذنبه ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه لأن اللبؤة تضعه جروا كالميت فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع. ومن علم الأسد أن يخضع للبر ويذل له إذا اجتمعا حتى ينال منه له. ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع دعا الأسد فأجابه إجابة المملوك لمالكه ثم أمره فربض بين يديه فيبول في أذنيه، فإذا أراد السباع ذلك أذعنت له بالطاعة والخضوع. ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع أن يستلقي على ظهره، ويختلس نفسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان أنه ميتة فيقع عليه فيثب على من انقضى عمره منها. ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم. ومن علم الدب إذا أصابه كلم أن يأتي إلى نبت قد عرفه وجهله صاحب الحشائش فيتداوى به فيبرأ. ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه لأنها دون الحيوانات لا تلد إلا قائمة لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان وهي عالية فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق فتأتي ما وسطها تضعه فيه فيكون كالفراش اللين والوطاء الناعم ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر ومن علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره والذكر من الأنثى فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشد وأبعد وثبة ويدع الأنثى على نقصان عدوها لأنه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطا أو شوطين حقن ببوله وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو فيقل عدوه فيدركه كالكلب وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج فيدوم عدوها ومن علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف فيعلم أن تحته جحر الأرنب فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوبا بين عينيه فينام بإحداهما حتى إذا نعست الأخرى نام بها وفتح النائمة حتى قال بعض العرب: ؎ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ∗∗∗ بأخرى المنايا فهو يقظان نائم ومن علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى يطير معهم قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني أرميه فلا يطير وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا فلا يتحرك فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي ومن علم الحمامة إذا حملت أن تأخذ هي والأب في بناء العش وأن يقيما له حروفا تشبه الحائط ثم يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى ثم يقلبان البيض في الأيام ومن قسم بينهما الحضانة والكد فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى وأكثر ساعات جلب القوت على الأب وإذا خرج الفرخ علما ضيق حوصلته عن الطعام فنفخا فيه نفخا متداركا حتى تتسع حوصلته ثم يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام وهو كاللبا للطفل ثم يعلمانه احتياج الحوصلة إلى دباغ فيزقانه من أصل الحيطان من شيء بين الملح والتراب تندبغ به الحوصلة فإذا اندبغت زقاه الحب فإذا علما أنه أطاق اللقط منعاه الزق على التدريج فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ضرباه ومن علمهما إذا أراد السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء فتتطارد له الأنثى قليلا لتذيقه حلاوة المواصلة ثم تطيعه في نفسها ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه وحبه، ثم تتهادى وتتكسل وتريه معاطفها وتعرض محاسنها ثم يحدث بينهما من التغزل والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان ومن علم المرسلة منها إذا سافرت ليلا أن تستدل ببطون الأودية ومجاري المياه والجبال ومهاب الريح ومطلع الشمس ومغربها فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت فإذا عرفت الطريق مرت كالريح ومن علم اللبب وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ويجمع نفسه فيرى الذبابة أنه لاه عنها ثم يثب عليها وثوب الفهد ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة وتجعل في أعلاها خيطا ثم تتعلق به فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسة إلا مستدبرا ليستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفه ومن علم السنور إذا رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ثم يشير إليها بالرجوع وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ويعمقه ثم يتخذ في زواياه أبوابا عديدة ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء وخرج منه ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت إذا ضل عنه ومن علم الفهد إذا سمن أن يتوارى لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ثم يظهر ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى لأن سلاحه قد ذهب فيسمن لذلك فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس والريح وأكثر من الحركة ليشتد لحمه ويزول السمن المانع له من العدو وهذا باب واسع جدا ويكفي فيه قوله سبحانه: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد قال النبي ﷺ: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" وهذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إخبارا عن أمر غير ممكن فعله وهو أن الكلاب أمة لا يمكن إفناؤها لكثرتها في الأرض فلو أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها والثاني: أن يكون مثل قوله: "أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح" فهي أمة مخلوقة بحكمة ومصلحة فإعدامها وإفناؤها يناقض ما خلقت لأجله والله أعلم بما أراد رسوله قال ابن عباس في رواية عطاء: ": ﴿إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني" مثل قوله تعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ ومثل قوله: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوُابّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْل﴾ وقوله: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ﴾ وقول سليمان: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ وقال مجاهد: "أمم أمثالكم أصناف مصنفة تعرف بأسمائها" وقال الزجاج: "أمم أمثالكم في أنها تبعث" وقال ابن قتيبة: "أمم أمثالكم في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك" وقال سفيان بن عيينة: "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم" فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه قال الخطابي: "ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة" وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا غير محتال وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكورة يعول ولده وبعضها لا يعرف ولده ألبتة وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنو منه وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة وبعضها يقتصر على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا يذكرها ألبتة وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثا ولم يترك سدى وأن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا يدل على أنه رب كل شيء ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. * (فصل) فلنرجع إلى ما ساقنا إلى هذا الموضع وهو الكلام على الهداية العامة التي هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته وتوحيده قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ قال مجاهد: "أعطى كل شيء خلقه لم يعط الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان" وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى قال عطية ومقاتل: "أعطى كل شيء صورته" وقال الحسن وقتادة: "أعطى كل شيء صلاحه" والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ وقال الكلبي والسدي: "أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة والذكر الأنثى من جنسه" ولفظ السدي: "أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى إلى الجماع" وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء قال الفراء: "أعطى الذكر من الناس امرأة مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيها" قال أبو إسحاق: "وهذا التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكرا قد أتى أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليه" قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه وقوله أعطى كل شيء يأبى هذا التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من بني آدم ومن لم يسافد من الحيوان وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له وأين نظير هذا في القرآن وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثى﴾ فحمل قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح فتأمله وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال: "أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع" ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول أي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون الأولى ولم يهملوه فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين وهذا شأن كل مبطل ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي: "يعني به اللوح المحفوظ" وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله. * (فصل) وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الأِنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني فهذا خلقه وهذا هداه وتعليمه. * (فصل) المرتبة الثانية من مراتب الهداية هداية الإرشاد والبيان للمكلفين وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتّباع الحق وإن كانت شرطا فيه أو جزء سبب وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضى إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع ولهذا قال تعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ أي جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها وقال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْت﴾ ولهذا قال ﷺ: "بعثت داعيا ومبلغا وليس إليّ من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء" قال تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلا وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا وهذه المرتبة أخص من التي قبلها فإنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلاَّ في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾. فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟ قيل حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانا وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته فلم يمنعهم من هذا الهدى ولم يحل بينهم وبينه نعم قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه فتأمل هذا الموضع واعرف قدره والله المستعان. * (فصل) المرتبة الثالثة من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وأن يكون له تأثير في الفعل ألبتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلالا على ضلالهم وتمسكا بما هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة تستلزم أمرين أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ﴾ ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ﴾ وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات﴾ وقال تعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقال: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماء﴾ وقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّه﴾ ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله منه ولولا هدايته لهم لما اهتدوا. وقال تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ وقال: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُو﴾ وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقِينَ﴾ وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه كما أن الضلال نوعان ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه وضلال فيه فالأول ضلال عن معرفته، والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها. قال شيخنا: "ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية فهو محتاج إلى التوبة منها وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية إلى غير ذلك من أنواع الهدايات فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله وهي الصلاة مرات متعددة في اليوم والليلة" انتهى كلامه. ولا يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير من غيره وزاد المسير وآفات الطريق ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ قال: "سبيلا وسنة" وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير فالسبيل الطريق وهي المنهاج والسنة الشرعة وهي تفاصيل الطريق وحزوناته وكيفية المسير فيه وأوقات المسير وعلى هذا فقوله سبيلا وسنة يكون السبيل المنهاج، والسنة الشرعة فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير وفي لفظ آخر سنة وسبيلا فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي. * (فصل) ومن هذا إخباره سبحانه بأنه طبع على قلوب الكافرين وختم عليها وأنه أصمها عن الحق وأعمى أبصارها عنه كما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ والوقف التام هنا ثم قال: ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ كقوله: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾، ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ وأخبر سبحانه أن على بعض القلوب أقفالا تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها وقال: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمى﴾ فهذا الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء وقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرأها الكوفيون وصد بضم الصاد حملا على زين وقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ وقال: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة فإنه حجته على عباده. والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له كقول بعضهم المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديا وضالا فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه ألبتة وليس في لغة أمة من الأمم فضلا عن أفصح اللغات وأكملها هداه بمعنى سماه مهتديا وأضله سماه ضالا وهل يصح أن يقال علمه إذا سماه عالما وفهمه إذا سماه فهما وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاء﴾ فهل فهم أحد غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا ليس عليك تسميتم مهتدين ولكن الله يسمي من يشاء مهتديا. وهل فهم أحد قط من قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْت﴾ لا تسميه مهتديا ولكن الله يسميه بهذا الاسم. وهل فهم أحد من قول الداعي ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وقوله اللهم اهدني من عندك ونحوه اللهم سمني مهتديا وهذا من جناية القدرية على القرآن ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية على نصوص الصفات وتحريفها عن مواضعها وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم على نصوص المعاد وتأويلها بتأويلات إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم لم تكن دونها وفتحوا للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم فتأويل التحريف الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد الدنيا والدين وخراب العالم وسنفرد إن شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين وأنت إذا وازيت بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة لم تجد بينها وبين تأويلات الملاحدة والزنادقة من القرامطة الباطنية وأمثالهم كبير فرق والتأويل الباطل يتضمن تعطيل ما جاء به الرسول والكذب على المتكلم أنه أراد ذلك المعنى فتتضمن إبطال الحق وتحقيق الباطل ونسبة المتكلم إلى ما لا يليق به من التلبيس والألغاز مع القول عليه بلا علم أنه أراد هذا المعنى فالمتأول عليه أن يبين صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى في أكثر المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه وعليه أن يقيم دليلا سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل. وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة وهذا التأويل من أبطل الباطل فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين قسما لا يقدر عليه غيره وقسما مقدورا للعباد فقط في القسم المقدور للغير: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال في غير المقدور للغير: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ وقال: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ ومعلوم قطعا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تنفى عنه وكذلك قوله: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ﴾ لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان فإن هذا يهدى وإن أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ هل يجوز حمله على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه وكيف يصنع هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم أيجوز لهم حملها على أنه دعاهم إلى الضلال فإن قالوا ليس ذلك معناها وإنما معناها الفاهم ووجدهم كذلك أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم أو جعل على قلوبهم علامة يعرف الملائكة بها أنهم ضلال قيل هذا من جنس قولكم إن هداه سبحانه وإضلاله بتسميتهم مهتدين وضالين فهذه أربع تحريفات لكم وهو أنه سماهم بذلك وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة، وأخبر عنهم بذلك ووجدهم كذلك، فالإخبار من جنس التسمية وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك، وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى وأما العلامة فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن والإيمان ففي أي لغة وأي لسان يدل قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْت﴾ على معنى أنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي يعلمه بها وقوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ من يعلمه الله بعلامة الضلال لم يعلمه غيره بعلامة الهدى وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ لعلمناها بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها وأعطته نفسها وفي أي لغة يفهم من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها أننا مهتدون وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ وقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك وأمثال ذلك من النصوص ففي أي لغة وأي لسان يفهم من هذا علمنا بعلامة الثبات والتصريف على طاعتك وفي أي لغة يكون معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَة﴾ علمناها بعلامة القسوة أو وجدناها كذلك نعم لو نزل القرآن بلغة القدرية والجهمية وأهل البدع لأمكن حمله على ذلك أو كان الحق تبعا لأهوائهم وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء المتحيرين وأنت تجد جميع هذه الطوائف تنزل القرآن على مذاهبهم وبدعها وآرائها فالقرآن عند الجهمية جهمي وعند المعتزلة معتزلي وعند القدرية قدري وعند الرافضة رافضي وكذلك هو عند جميع أهل الباطل: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلاَّ المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم ووجدهم ففي أي لسان وأي لغة وجدتم هديت الرجل إذا وجدته مهتديا وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن واللغة فإن قالوا نحن لم نقل هذا في نحو ذلك وإنما قلناه في نحو أضله الله أي وجده ضالا كما يقال أحمدت الرجل وأبخلته وأجننته إذا وجدته كذلك أو نسبته إليه فيقال لفرقة التحريف هذا إنما ورد في ألفاظ معدودة نادرة وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به ولا سيما إذا كانت الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته وقعد وأقعدته وذهب وأذهبته وسمع وأسمعته ونام وأنمته وكذا ضل وأضله الله وأسعده وأشقاه وأعطاه وأخزاه وأماته وأحياه وأزاغ قلبه وأقامه إلى طاعته، وأيقظه من غفلته وأراه آياته وأنزله منزلا مباركا وأسكنه جنته إلى أضعاف ذلك. هل تجد فيها لفظا واحدا معناه أنه وجده كذلك تعالى الله عما يقول المحرفون ثم انظر في كتاب فعل وافعل هل تظفر فيه بأفعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلا عن أهل اللغة ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل اللغة أن العرب وضعت أضله الله وهداه وختم على سمعه وقلبه وأزاغ قلبه وصرفه عن طاعته ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًا فَهَدى﴾ ولم يقل وأضلك وقال في حق من خالف الرسول وكفر بما جاء به وأضله على علم ولم يقل ووجده الله ضالا ثم أي توحيد تمدح وتعريف للعباد أن الأمر كله لله وبيده وأنه ليس لأحد من أمره شيء في مجرد التسمية والعلامة ومصادفة الرب تعالى عباده كذلك ووجوده لهم على هذا الصفات من غير أن يكون له فيها صنع أو خلق أو مشيئة وهل يعجز البشر عن التسمية والمصادفة والوجود كذلك فأي مدح وأي ثناء يحسن على الرب تعالى بمجرد ذلك فأنتم وإخوانكم من الجبرية لم تمدحوا الرب بما يستحق أن يمدح به ولم تثنوا عليه بأوصاف كماله ولم تقدروه حق قدره وأتباع الرسول وحزبه وخاصته بريئون منكم ومنهم في باطلكم وباطلهم وهم معكم ومعهم فيما عندكم من الحق لا يتحيزون إلى غير ما بينه الرسول وجاء به ولا ينحرفون عنه نصرة لآراء الرجال المختلفة وأهوائهم المتشتتة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال ابن مسعود: "علمنا رسول لله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية" قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن خالد الحذاء عن عبد الأعلى عن عبد الله بن الحارث قال: "خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه وعنده جاثليق يترجم له ما يقول فقال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فنفض جبينه كالمنكر لما يقول قال عمر: ما يقول قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: كذبت أي عدو الله بل الله خلقك وقد أضلك ثم يدخلك النار أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله عز وجل خلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدر". * (فصل) المرتبة الرابعة من مراتب الهداية الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فهذه هداية بعد قتلهم فقيل المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم. وقال ابن عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا واستشكل هذا القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم واختاره الزجاج وقال: "يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا" قال: "وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة" وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله قتلوا في سبيل الله على معنى يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال.
jazairi — أيسر التفاسير
شرح الكلمات: إهدنا: أرشدنا وأدم هدايتنا. الصراط: الطريق الموصل إلى رضاك وجنّتك وهو الإسلام لك. المستقيم: الذي لا ميل فيه عن الحق ولا زيغ عن الهدى. معنى الآية: بتعليم من الله تعالى يقول العبد في جملة إخوانه المؤمنين سائلا ربّه بعد أن توسل إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده، ومعاهدته أن لا يَعْبدَ هو وإخوانه المؤمنون إلا هو، وأن لا يستعينوا إلا به. يسألونه أن يُديم هدايتهم للإسلام حتى لا ينقطعوا عنه. من هداية الآية: الترغيب في دعاء الله والتضرع إليه وفي الحديث الدعاء هو العبادة.
katheer — تفسير القرآن العظيم
قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالصَّادِّ. وَقُرِئَ: "السِّرَاطَ" وَقُرِئَ بِالزَّايِ، قَالَ الْفَرَّاءَ: وَهِيَ لُغَةُ بَنِي عُذْرَةَ وَبَلْقَيْنِ [[في أ: "بلقيس".]] وَبَنِي كلب. لما تقدم الثناء على المسؤول، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، نَاسَبَ أَنْ يُعَقَّبَ بِالسُّؤَالِ؛ كَمَا قَالَ: "فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" وَهَذَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ السَّائِلِ، أَنْ يَمْدَحَ مسؤوله، ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ [وَحَاجَةَ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا﴾ ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] ، لِأَنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ وَأَنْجَعُ لِلْإِجَابَةِ، وَلِهَذَا أَرْشَدَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ، وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ وَاحْتِيَاجِهِ، كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [الْقَصَصِ: ٢٤] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول، كَقَوْلِ ذِي النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٧] وَقَدْ يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَالْهِدَايَةُ هَاهُنَا: الْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَقَدْ تَعَدَّى الْهِدَايَةُ بِنَفْسِهَا كَمَا هُنَا [[في جـ، ط، ب: "كما هاهنا".]] ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فَتَضَمَّنُ مَعْنَى أَلْهِمْنَا، أَوْ وَفِّقْنَا، أَوِ ارْزُقْنَا، أَوِ اعْطِنَا؛ ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [الْبَلَدِ: ١٠] أَيْ: بَيَّنَّا لَهُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَقَدْ تَعَدَّى بِإِلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النَّحْلِ: ١٢١] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٣] وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالدَّلَالَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَقَدْ تَعَدَّى بِاللَّامِ، كَقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٣] أَيْ وَفَّقَنَا لِهَذَا وَجَعَلَنَا لَهُ أَهْلًا [[في ط: "وجعلنا أهلا له".]] . وَأَمَّا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ "الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ الخَطَفي: أميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ الموارِدُ مُسْتَقيمِ قَالَ: وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، قَالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ الْعَرَبُ الصِّرَاطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وُصِفَ بِاسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ، فَتَصِفُ الْمُسْتَقِيمَ بِاسْتِقَامَتِهِ، وَالْمُعْوَجَّ بِاعْوِجَاجِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي تَفْسِيرِ الصِّرَاطِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ سَعْدٍ، وَهُوَ أَبُو [[في أ، و: "ابن".]] الْمُخْتَارِ الطَّائِيُّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[تفسير ابن أبي حاتم (١/٢٠) .]] . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ، وَقَدْ [تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ فِيمَا] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: "وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المستقيم" [[سنن الترمذي برقم (٢٩٠٦) .]] . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَوْقُوفًا عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ أَشْبَهُ [[رواه موقوفا الطبري في تفسيره (١/١٧٢) وقد سبق الكلام على هذا الحديث في فضائل القرآن.]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. كِتَابُ اللَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: قُلْ: يَا مُحَمَّدُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. يَقُولُ: اهْدِنَا [[في جـ، ط، ب، أ، و: "وألهمنا".]] الطَّرِيقَ الْهَادِيَ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قَالَ: ذَاكَ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قَالُوا: هُوَ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قَالَ: الْإِسْلَامُ، قَالَ: هُوَ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قَالَ هُوَ دِينُ اللَّهِ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، قَالَ: هُوَ الْإِسْلَامُ. وَفِي [مَعْنَى] [[زيادة من جـ، ط.]] هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ أَبُو الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تُعَوِّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ، لَا تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ. فَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ". وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ [[المسند (٤/١٨٢) وتفسير ابن أبي حاتم (١/٢١) وتفسير الطبري (١/١٧٦) .]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ عَنْ بَقِيَّةَ، عَنْ بُجَيْر [[في و: "يحيى".]] بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَان، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٢٨٦٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٣٣) .]] . وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، قَالَ: الْحَقُّ. وَهَذَا أَشْمَلُ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ؛ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قَالَ: هُوَ النَّبِيُّ ﷺ، وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ عَاصِمٌ: فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلْحَسَنِ، فَقَالَ: صَدَقَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَنَصَحَ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ مُتَلَازِمَةٌ، فَإِنَّ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ، وَاقْتَدَى بِاللَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَدِ اتَّبَعَ الْحَقَّ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْحَقَّ فَقَدِ اتَّبَعَ الْإِسْلَامَ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْإِسْلَامَ فَقَدِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ، وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ وَحَبْلُهُ الْمَتِينُ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ، فَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ المِصِّيصي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي تَرَكَنَا عَلَيْهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ [[المعجم الكبير (١٠/٢٤٥) .]] . وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدِي -أَعْنِي ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ -أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ: وَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَى مَا ارْتَضَيْتَهُ وَوَفَّقْتَ لَهُ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِكَ، مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَذَلِكَ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ مَن وُفِّقَ لِمَا وُفق لَهُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [[في ط، ب: "عليه".]] مِن النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَقَدْ وُفق لِلْإِسْلَامِ، وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَالِانْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَهُ عَنْهُ، وَاتِّبَاعِ مِنْهَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْهَاجِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَكُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [[في ط، ب: "فكيف".]] يَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ؟ فَهَلْ [[في جـ، ب: "وهل".]] هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنْ لَا وَلَوْلَا احْتِيَاجُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا إِلَى سُؤَالِ الْهِدَايَةِ لَمَا أَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ مُفْتَقِرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحَالَةٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَثْبِيتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَرُسُوخِهِ فِيهَا، وَتَبَصُّرِهِ، وَازْدِيَادِهِ مِنْهَا، وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَرْشَدَهُ تَعَالَى إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يَمُدَّهُ بِالْمَعُونَةِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوْفِيقِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِسُؤَالِهِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ، وَلَا سِيَّمَا الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٣٦] ، فَقَدْ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّبَاتُ وَالِاسْتِمْرَارُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وَقَدْ كَانَ الصدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سِرًّا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اسْتَمِرَّ بِنَا عَلَيْهِ ولا تعدل بنا إلى غيره.
katheer
اهدنا الصراط المستقيم قراءة الجمهور بالصاد . وقرئ : السراط وقرئ بالزاي ، قال الفراء : وهي لغة بني عذرة وبلقين وبني كلب . لما تقدم الثناء على المسئول ، تبارك وتعالى ، ناسب أن يعقب بالسؤال ؛ كما قال : فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل وهذا أكمل أحوال السائل ، أن يمدح مسئوله ، ثم يسأل حاجته [ وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله : ( اهدنا ] ، لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة ، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل ، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه ، كما قال موسى عليه السلام : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) [ القصص : 24 ] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسئول ، كقول ذي النون : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [ الأنبياء : 87 ] وقد يكون بمجرد الثناء على المسئول ، كقول الشاعر : أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء والهداية هاهنا : الإرشاد والتوفيق ، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا اهدنا الصراط المستقيم فتضمن معنى ألهمنا ، أو وفقنا ، أو ارزقنا ، أو اعطنا ؛ وهديناه النجدين ) [ البلد : 10 ] أي : بينا له الخير والشر ، وقد تعدى بإلى ، كقوله تعالى : ( اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) [ النحل : 121 ] فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) [ الصافات : 23 ] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة ، وكذلك قوله تعالى : ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [ الشورى : 52 ] وقد تعدى باللام ، كقول أهل الجنة : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) [ الأعراف : 43 ] أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا . وأما الصراط المستقيم ، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير : أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه . وكذلك ذلك في لغة جميع العرب ، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم قال : والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر ، قال : ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج ، فتصف المستقيم باستقامته ، والمعوج باعوجاجه . ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط ، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد ، وهو المتابعة لله وللرسول ؛ فروي أنه كتاب الله ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثني يحيى بن يمان ، عن حمزة الزيات ، عن سعد ، وهو أبو المختار الطائي ، عن ابن أخي الحارث الأعور ، عن الحارث الأعور ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصراط المستقيم كتاب الله . وكذلك رواه ابن جرير ، من حديث حمزة بن حبيب الزيات ، وقد [ تقدم في فضائل القرآن فيما ] رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور ، عن علي مرفوعا : وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم . وقد روي هذا موقوفا عن علي ، وهو أشبه ، والله أعلم . وقال الثوري ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : الصراط المستقيم . كتاب الله ، وقيل : هو الإسلام . وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد ، عليهما السلام : قل : يا محمد ، اهدنا الصراط المستقيم . يقول : اهدنا الطريق الهادي ، وهو دين الله الذي لا عوج فيه . وقال ميمون بن مهران ، عن ابن عباس ، في قوله : ( اهدنا الصراط المستقيم قال : ذاك الإسلام . وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( اهدنا الصراط المستقيم قالوا : هو الإسلام . وقال عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر : ( اهدنا الصراط المستقيم قال : الإسلام ، قال : هو أوسع مما بين السماء والأرض . وقال ابن الحنفية في قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم قال هو دين الله ، الذي لا يقبل من العباد غيره . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : اهدنا الصراط المستقيم ، قال : هو الإسلام . وفي [ معنى ] هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ، حيث قال : حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء ، حدثنا ليث يعني ابن سعد ، عن معاوية بن صالح : أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، حدثه عن أبيه ، عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا ، وداع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب ، قال : ويحك ، لا تفتحه ؛ فإنك إن تفتحه تلجه . فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب المفتحة محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم . وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير من حديث الليث بن سعد به . ورواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن علي بن حجر عن بقية ، عن بجير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن النواس بن سمعان ، به . وهو إسناد صحيح ، والله أعلم . وقال مجاهد : ( اهدنا الصراط المستقيم ، قال : الحق . وهذا أشمل ، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم . وروى ابن أبي حاتم وابن جرير ، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم ؛ حدثنا حمزة بن المغيرة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية : ( اهدنا الصراط المستقيم قال : هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وصاحباه من بعده ، قال عاصم : فذكرنا ذلك للحسن ، فقال : صدق أبو العالية ونصح . وكل هذه الأقوال صحيحة ، وهي متلازمة ، فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ، واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر ، فقد اتبع الحق ، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن ، وهو كتاب الله وحبله المتين ، وصراطه المستقيم ، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا ، ولله الحمد . وقال الطبراني : حدثنا محمد بن الفضل السقطي ، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني اهدنا الصراط المستقيم - أن يكون معنيا به : وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك ، من قول وعمل ، وذلك هو الصراط المستقيم ؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فقد وفق للإسلام ، وتصديق الرسل ، والتمسك بالكتاب ، والعمل بما أمره الله به ، والانزجار عما زجره عنه ، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهاج الخلفاء الأربعة ، وكل عبد صالح ، وكل ذلك من الصراط المستقيم . فإن قيل : كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها ، وهو متصف بذلك ؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟ فالجواب : أن لا ، ولولا احتياجه ليلا ونهارا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك ؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ، ورسوخه فيها ، وتبصره ، وازدياده منها ، واستمراره عليها ، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله ؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار ، وقد قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل الآية [ النساء : 136 ] ، فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان ، وليس في ذلك تحصيل الحاصل ؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك ، والله أعلم . وقال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يقولوا : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وقد كان الصديق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرا . فمعنى قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره .
makki — الهداية إلى بلوغ النهاية
معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه. وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو مروي عن ابن عباس. و "هَدَى" يكون بمعنى: "أَرْشَد"، نحو قوله: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، أي أرشدنا. ويكون بمعنى "بَيَّنَ" كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي بينّا لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ. ويكون بمعنى "أَلْهَمَ" كقوله: ﴿ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: ٥٠]، أي ألهم الذَّكَر من الحيوان إلى إتيان الأنثى. وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى "وَفَّقَ" كما قال" ﴿لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي لا يوفقهم. والصراط المستقيم كتاب الله. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. وقال ابن عباس: "هو الطريق إلى الله عز وجل". وعن جماعة من الصحابة أنه الإسلام. وقال جابر بن عبد الله: "هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض". وعن أبي العالية أنه: "رسول الله ﷺ وصاحباه ابو بكر وعمر". وهو قول الحسن. وأصله الطريق الواضح. وقال ابن الحنفية: "هو دين الله تعالى". وسمي مستقيماً لأنه لا عوج فيه ولا خطأ. وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة. وأصل ﴿ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾: "الْمُسْتَقْوِم"، فألقيت حركة الواو على القاف وبقيت الواو ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا ميزان، وهو من الوزن. وأصله "مِوْزَان"، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وكذلك يقلبون الياء واواً إذا انضم ما قبلها نحو "مُوقِنٍ" و "موسِرٍ" لأنه من اليقين واليسار.
mawardi — النكت والعيون
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخِرِها. أمّا قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أرْشِدْنا ودُلَّنا. والثّانِي: مَعْناهُ وفِّقْنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وَأمّا الصِّراطُ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّبِيلُ المُسْتَقِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ والثّانِي: أنَّهُ الطَّرِيقُ الواضِحُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٨٦] وقالَ الشّاعِرُ: ؎ ... ... ... ∗∗∗ ∗∗∗ فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القاصِدِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِن مُسْتَرَطِ الطَّعامِ، وهو مَمَرُّهُ في الحَلْقِ. وَفي الدُّعاءِ بِهَذِهِ الهِدايَةِ، ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم دَعَوْا بِاسْتِدامَةِ الهِدايَةِ، وإنْ كانُوا قَدْ هُدُوا. والثّانِي: مَعْناهُ زِدْنا هِدايَةً. (p-٥٩) والثّالِثُ: أنَّهم دَعَوْا بِها إخْلاصًا لِلرَّغْبَةِ، ورَجاءً لِثَوابِ الدُّعاءِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ، ويُرْوى نَحْوُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ الطَّرِيقُ الهادِي إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأخْيارُ أهْلِ بَيْتِهِ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ. (p-٦٠) والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ السّالِفَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ وهو قَوْلُ وكِيعٍ. والخامِسُ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ، ومَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: (صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَنِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (هُمُ اليَهُودُ وعَنِ الضّالِّينَ فَقالَ: (هُمُ النَّصارى)» . (p-٦١) وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. وَفي غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الغَضَبُ المَعْرُوفُ مِنَ العِبادِ. والثّانِي: أنَّهُ إرادَةُ الِانْتِقامِ، لِأنَّ أصْلَ الغَضَبِ في اللُّغَةِ هو الغِلْظَةُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والثّالِثُ: أنَّ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ هو ذَمُّهُ لَهم. والرّابِعُ: أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العُقُوبَةِ سُمِّيَ غَضَبًا، كَما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً. والضَّلالُ ضِدُّ الهُدى، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ بِالغَضَبِ، لِأنَّهم أشَدُّ عَداوَةً. وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضّالِّينَ) .
mawsua_mathur — موسوعة التفسير المأثور
<h3>﴿ٱهۡدِنَا﴾ - قراءات</h3> <div> <p><span class="item-no">١٤٩<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان:</span> في قراءة ابن مسعود: (أرْشِدْنا)[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٦. والقراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٩.]]. (ز)</p> </div> <h3>﴿ٱهۡدِنَا﴾ - تفسير الآية</h3> <div> <p><span class="item-no">١٥٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">علي بن أبي طالب</span>= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥١<span class="dash">-</span></span> و<span class="name-1">أبي بن كعب</span>، أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿ٱهۡدِنَا﴾: ثبِّتنا[[تفسير البغوي ١/٥٤.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: قال جبريل لمحمد: قُلْ يا محمد: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمُ﴾. يقول: ألْهِمْنا الطريق الهادي[[أخرجه ابن جرير ١/١٦٦، وابن أبي حاتم ١/٣٠ (٣١).]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، يقول: ألْهِمْنا دينَك الحق[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٣٠ (٣٦).]]<span class=comment-ref>٢٢</span>. (١/٧٥)</p> </div> <div><span class=comment-ref>٢٢</span> قال <u>ابنُ عطية</u> (١/٨٥): «والهداية في اللغة: الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يُعَبِّر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تُؤُمِّلَت رَجَعَتْ إلى الإرشاد». وذكر أنّ من بين معاني الهدى «الإلهام»كما في قول ابن عباس، وغيره، <span class="comment-type-4">وعلّق</span> عليه بقوله: «وهذا أيضًا يبين فيه معنى الإرشاد». ثم ذكر عن أبي المعالي قوله: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها، <span class="mustanad">من ذلك قوله تعالى</span> في صفة المجاهدين: ﴿فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾ [محمد]، <span class="mustanad">ومنه قوله تعالى</span>: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات] معناه: فاسلكوهم إليها«. ثم <span class="comment-type-3">رجّحه</span> <span class="mustanad">مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية</span>، فقال:»وهذه الهداية بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضد الضلال، وهي الواقعة في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ على صحيح التأويل، وذلك بيّنٌ من لفظ الصراط".</div> <h3>﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ - قراءات</h3> <div> <p><span class="item-no">١٥٤<span class="dash">-</span></span> عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قرأ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمُ﴾ بالصاد[[أخرجه الحاكم ٢/٢٥٣ (٢٩١٢). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وتعقبه الذهبي بقوله: «بل لم يصح». وقال ابن المُلَقِّن في مختصر التلخيص ٢/٦٩٦ (٢٥٧): «لم يصح، وإبراهيم بن سليمان متكلم فيه».]]. (١/٧٤)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> أنّه قرأ: ‹اهْدِنا السِّراطَ› بالسين[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٥)، والبخاري في تاريخه ٢/١٧٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن الأنباري. وهي قراءة متواترة، قرأ بها قنبل عن ابن كثير، ورويس عن يعقوب، وقرأ بقية العشرة: ﴿الصِّراطَ﴾ بالصاد، إلا حمزة؛ فإنه قرأ بإشمام الصاد زايًا. انظر: النشر ١/٢٧١-٢٧٢، والإتحاف ص١٦٣.]]. (١/٧٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">عبد الله بن كثير</span> أنه كان يقرأ: ‹السِّراطَ› بالسين[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.]]. (١/٧٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥٧<span class="dash">-</span></span> عن الفراء، قال: قرأ <span class="name-3">حمزة</span>: ‹الزِّراطَ› بالزاي[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. وما رواه الفراء عن حمزة من قراءة (الصراط) بزاي خالصة (الزراط) ذكرها أبو حيان في البحر ١/١٤٣ عن الأصمعي عن أبي عمرو، ثم قال: «قال بعض اللغويين: ما حكاه الأصمعي في هذه القراءة خطأ منه، إنما سمع أبا عمرو يقرؤها بالمضارعة (الإشمام) فتوهمها زايًا». وإن ثبتت عنه فهي قراءة شاذة.]]. (١/٧٥)</p> </div> <h3>﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ - تفسير الآية</h3> <div> <p><span class="item-no">١٥٨<span class="dash">-</span></span> عن النواس بن سَمْعان، عن رسول الله ﷺ، قال: «<b>ضَرَب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصِّراط سوران، فيهما أبواب مُفَتَّحَة، وعلى الأبواب سُتُور مُرْخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تتفرقوا. وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تَلِجْه. فالصراط: الإسلام. والسوران: حدود الله. والأبواب المفتحة: محارم الله. وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله. والداعي من فوق: واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم</b>»[[أخرجه أحمد ٢٩/١٨١ (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦)، والترمذي ٥/١٣١ (٣٠٧٥)، والحاكم ١/١٤٤ (٢٤٥)، وابن جرير ١/١٧٥. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولا أعرف له عِلَّة، ولم يُخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرط مسلم، ولا عِلَّة له».]]. (١/٧٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٥٩<span class="dash">-</span></span> عن علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: <b>«ستكون فتن».</b> قلت: وما المخرج منها؟ قال: <b>«كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهَزْل، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم»(</b>[[أخرجه الترمذي ٥/١٧١ (٣١٣٠). قال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال». وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٦٤ (١١٦٦٤): «فيه عمرو بن واقد، وهو متروك». وقال الألباني في الضعيفة ١٣/٨٨٣ (٦٣٩٣): «ضعيف من طريق ابن أخي الحارث الأعور». قال ابن كثير ١/٢١: «وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد رُوِي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ».]]. (١/٧٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٠<span class="dash">-</span></span> عن الحارث، قال: دخلتُ على عليِّ بن أبي طالب، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: <b>«الصراط المستقيم: كتاب الله</b>»[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٣، وابن أبي حاتم ١/٣٠ (٣١)، ٣/٧٢١ (٣٩٠٣)، ٣/٩٩٦ (٥٥٦٧)، ٤/١١٢٥ (٦٣٢١)، ٤/١٢٨٤ (٧٢٦٤)، ٤/١٣٣٦ (٧٥٥٥)، ٤/١٣٨٦ (٧٨٨٠)، والثعلبي ١/١٢٠. وهو مختصر من الحديث السابق قبله.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦١<span class="dash">-</span></span> عن رجل، عن النبي ﷺ، قال: «<b>القرآن هو النور المبين، والذِّكْر الحكيم، والصراط المستقيم</b>»[[أخرجه البيهقي في الشعب ٢/٣٢٦ (١٩٣٧) عن إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن رجل ... قال الألباني في الضعيفة ١٣/١١٤ (٦١٨٩): «هذا إسناد ضعيف؛ مرسل، رجاله ثقات غير إبراهيم بن مرزوق ... ثقة يخطئ ... ولعل من أخطائه قوله في هذا الإسناد: عن رجل. فإنه يبدو لي أنه يعني بالرجل: الحارث الأعور؛ فإنه من طبقته، ويعني بالحديث: حديث الحارث عن علي» السابق.]]. (١/٧٩)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن مسعود</span> <span class="name-1">وناس من الصحابة</span> -من طريق السُّدِّي، عن مُرَّة الهمداني-= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٣<span class="dash">-</span></span> وعن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك وأبي صالح-: الصراط المستقيم: الإسلام[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٤.]]. (١/٧٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن مسعود</span> -من طريق منصور، عن أبي وائل- في قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: هو كتاب الله[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٣، والحاكم ٢/٢٥٨، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٣٨). وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي بكر ابن الأنباري في كتاب المصاحف.]]. (١/٧٧)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن مسعود</span> -من طريق الأعمش، عن أبي وائل- قال: الصراط المسـتقيم: الذي ترَكَنا عليه رسول الله ﷺ[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٤٥٤).]]. (١/٧٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن مسعود</span> -من طريق الأعمش، عن أبي وائل- قال: الصراط المستقيم ترَكَنا رسول الله ﷺ على طرفه، والطرف الآخر في الجنة[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٩٨). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١/٧٩)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٧<span class="dash">-</span></span> عن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، قال: أتى <span class="name-1">ابنَ مسعود</span> عَشِيَّة خميس، وهو يُذَكِّرُ أصحابَه، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما الصراط المستقيم؟ قال: يا ابن أخي، تَرَكَنا رسول الله ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جَواد، وعن شماله جَواد، وعلى كل جَواد رجال يدعون كل من مرَّ بهم: هَلُمَّ لك، هَلُمَّ لك. فمن أخذ معهم ورَدُوا به النار، ومن لزم الطريق الأعظم ورَدُوا به الجنة[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١/٣٨-٣٩ (٨١).]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٨<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن مسعود</span>، قال: إن هذا الصراط مُحْتَضَر تَحْضُرُه الشياطين، يا عباد الله، هذا الصراط فاتبعوه، والصراط المستقيم: كتاب الله، فتمسكوا به[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري.]]. (١/٧٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٦٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: ألْهِمْنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عِوَج له[[أخرجه ابن جرير ١/١٦٦، ١٧٤، وابن أبي حاتم ١/٣٠ (٣٦) بنحوه.]]. (١/٧٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي العالية- في قوله: ﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: هو رسول الله ﷺ، وصاحباه[[أخرجه الحاكم ٢/٢٥٩.]]. (١/٧٩)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧١<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق ابن جُرَيْج- قال: الصراط: الطريق[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١/٧٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق ميمون بن مِهْران- قال: الصراط المستقيم: الإسلام[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٤.]]. (١/٧٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">جابر بن عبد الله</span> -من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل- في قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: هو الإسلام، وهو أوسع مِمّا بين السماء والأرض[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٣، والحاكم ٢/٢٥٨-٢٥٩، والثعلبي ١/١٢٠. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والمحاملي في أماليه.]]. (١/٧٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">محمد بن الحنفية</span> -من طريق أبي عمر البزار- في قوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيرَه[[أخرجه ابن جرير ١/٧٤.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">أبي العالية رفيع بن مهران</span> -من طريق عاصم الأحول- في قوله: ﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: هو رسول الله ﷺ، وصاحباه من بعده. قال: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٥، وابن أبي حاتم ١/٣٠ (٣٤)، وابن عدي ٣/١٠٢٣، وابن عساكر ١٨/١٧٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]<span class=comment-ref>٢٣</span>. (١/٧٩)</p> </div> <div><span class=comment-ref>٢٣</span> <span class="comment-type-1">وجَّه</span> <u>ابنُ عطية</u> (١/٨٩) أثرَ أبي العالية بأن المراد: أنّ ﴿الصراط المستقيم﴾ طريق محمد ﷺ وأبي بكر وعمر، وقال: «وهذا أقوى في المعنى؛ لأن تسمية أشخاصهم طريقًا تَجَوُّزٌ».</div> <div> <p><span class="item-no">١٧٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">أبي العالية رفيع بن مهران</span>، قال: تَعَلَّمُوا الإسلام، فإذا عَلِمْتُمُوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنّ الصراط المستقيم: الإسلام، ولا تحرفوا يمينًا ولا شمالًا[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٧٩)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">سعيد بن جبير</span> أنّه قال: طريق الجنة[[تفسير الثعلبي ١/١٢٠، تفسير البغوي ١/٥٤.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٧٨<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span> -من طريق عمر بن ذر- في قوله تعالى: ﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: الحق[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٣٠ (٣٥).]]<span class=comment-ref>٢٤</span>. (ز)</p> </div> <div><span class=comment-ref>٢٤</span> <span class="comment-type-4">عَلَّقَ</span> <u>ابنُ كثير</u> (١/٢٢١) على قول مجاهد هذا بقوله: «وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقَدَّم».</div> <div> <p><span class="item-no">١٧٩<span class="dash">-</span></span> وقال <span class="name-2">بكر بن عبد الله المزني</span>: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام، فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: سُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي[[تفسير الثعلبي ١/١٢٠.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٨٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">بكر بن عبد الله المزني</span>، قال: طريق رسول الله ﷺ[[تفسير البغوي: ١/٥٤. وزاد في رواية أخرى: وآله.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٨١<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-2">إسماعيل السُّدِّيّ</span>: أرْشدنا إلى دين يَدْخُلُ صاحبُه به الجنة، ولا يعذب في النار أبدًا، ويكون خروجه من قبره إلى الجنة[[تفسير الثعلبي ١/١٢٠.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٨٢<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان:</span> ﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، يعني: دين الإسلام؛ لأن غير دين الإسلام ليس بمستقيم[[تفسير مقاتل ١/٣٦.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٨٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">عبد الرحمن بن زيد بن أسلم</span> -من طريق ابن وهب- قال: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾، قال: الإسلام[[أخرجه ابن جرير ١/١٧٥.]]. (ز)</p> </div>
mukhtasar — المختصر في تفسير القرآن الكريم
دُلَّنا إلى الصراط المستقيم، واسلك بنا فيه، وثبِّتنا عليه.، وزدنا هدى. و«الصراط المستقيم» هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام الذي أرسل الله به محمدًا ﷺ.
muyassar — التفسير الميسر
دُلَّنا وأرشدنا، ووفقنا إلى الطريق المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك، وهو الإسلام الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته، الذي دلَّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد ﷺ، فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه.
nasafi — مدارك التنزيل وحقائق التأويل
﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ: ثَبِّتْنا عَلى المِنهاجِ الواضِحِ، كَقَوْلِكَ لِلْقائِمِ:قُمْ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ، أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ. أوِ: اهْدِنا في الِاسْتِقْبالِ كَما هَدَيْتِنا في الحالِ. وهَدى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَأمّا تَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ فَقَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِاللامِ وبِإلى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدانا لِهَذا﴾ [الأعْرافُ: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنْعامُ: ١٦١]. والسِراطُ: الجادَّةُ، مِن سَرَطَ الشَيْءَ: إذا ابْتَلَعَهُ، كَأنَّهُ يَسْرِطُ السابِلَةَ إذا سَلَكُوهُ. والصِراطُ مِن قَلْبِ السِينِ صادًا، لِتَجانُسِ الطاءِ في الإطْباقِ، لِأنَّ الصادَ والضادَ والطاءَ والظاءَ مِن حُرُوفِ الإطْباقِ. وقَدْ تُشَمُّ الصادُ صَوْتَ الزايِ، لِأنَّ الزايَ إلى الطاءِ أقْرَبُ، لِأنَّهُما مَجْهُورَتانِ. وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والسِينُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وهو الأصْلُ في الكَلِمَةِ. والباقُونَ بِالصادِ الخالِصَةِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الثابِتَةُ في الإمامِ. ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كالطَرِيقِ والسَبِيلِ، والمُرادُ بِهِ: طَرِيقُ الحَقِّ، وهو مِلَّةُ الإسْلامِ.
qannuji — فتح البيان في مقاصد القرآن
(اهدنا الصراط المستقيم) إفراد لمعظم أفراد المعونة المسؤولة بالذكر، وتعيين لما هو الأهم أو بيان لها أي أرشدنا وقيل ثبتنا على المنهاج الواضح، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية والثبات عليه، لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى، قال الله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى) الآية وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) والهداية هي الإرشاد والتوفيق والتبيين أو الإلهام أو الدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية. ثم هي قد يتعدى فعلها بنفسه كما هنا وكقوله (وهديناه النجدين) وقد يتعدى بإلى كقوله (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) وقوله (فاهدوهم إلى صراط الجحيم- وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) وقد يتعدى باللام كقوله (هدانا لهذا) وقوله (ويهدي للتي هي أقوم) وقال الزمخشري أصله أن يتعدى باللام أو بإلى، انتهى. وفرق كثير من المتأخرين بين المتعدي بنفسه وغير المتعدي، فقالوا معنى الأول الإيصال ومعنى الثاني الدلالة، والصراط بالصاد الخالصة لغة قريش، وهي الجادة، والسين قراءة ابن كثير في كل القرآن، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة الحجاز، وجمعه صُرُط، وقد تشم الصاد صوت الزاي تحرياً للقرب من المبدل منه، وقد قرىء بهن جميعاً وفصحاهن الصاد، وهي الثابتة في الإمام أي في مصحف عثمان رضي الله عنه كتابة وخطاً المسمى إماماً عند القراء والمفسرين وغيرهم، فإن الإمام لغة ما يؤتم ويقتدى به فيتبع وإن لم يكن من العقلاء، ولهذا أطلق على اللوح والكتاب كما قال تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة) فسمى الكتاب إماماً على وجه. وقد كان سنة ثلاثين لما سار حذيفة رضي الله عنه لبعض الغزوات وعاد قال لعثمان رضي الله تعالى عنه إني رأيت أمراً عجيباً رأيت الناس يقول بعضهم لبعض قراءتي خير من قراءتك، فإن تركوا ليختلفوا في القرآن فيكون لذلك أمر، فجمع عثمان الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم فأشاروا عليه بجمعهم على مصحف واحد فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لترسل الصحف لتنسخ، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه جمعها لما كثر قتل الصحابة رضي الله تعالى عنهم باليمامة وهو الجمع الأول، فأرسلتها إليه فأمر عثمان رضي الله تعالى عنه زيد بن ثابت وابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث فنسخوها في مصاحف اختلف في عددها كما في شرح الرائية للسخاوي رحمه الله تعالى، وأرسل إلى كل مصر مصحفاً، وحرق ما سواها (1)، فسمى كل من تلك المصاحف إماماً لا المصحف الذي كان عند عثمان رضي الله تعالى عنه وحده كما قيل، ذكره الخفاجي. والمستقيم المستوي والمراد به طريق الحق وملة الإسلام، قال ابن كثير أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب وهي الملة الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط. وعن جابر بن عبد الله أنه قال هو دين الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض، وعن النواس بن سمعان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم [[صحيح الجامع الصغير/3782.]]، قال ابن كثير، هو إسناد حسن صحيح. وعن ابن مسعود هو كتاب الله وقيل السنة والجماعة، وعن أبي العالية هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه من بعده، وعن الفضيل بن عياض أنه طريق الحج، وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين للجنة، وعن ابن عباس أن معناه ألهمنا دينك الحق، وهو الأولى لاعتبار العموم.
qasimi — محاسن التأويل
(p-١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦ ] ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ ألْهِمْنا الطَّرِيقَ الهادِيَ، وأرْشِدْنا إلَيْهِ، ووَفِّقْنا لَهُ. قالَ الإمامُ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: "الهِدايَةُ دَلالَةٌ بِلُطْفٍ، ومِنهُ الهَدِيَّةُ، وهَوادِي الوَحْشِ، وهي مُتَقَدِّماتُها لِكَوْنِها هادِيَةً لِسائِرِها، وخَصَّ ما كانَ دَلالَةً بِفَعَلْتُ نَحْوَ: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ، وما كانَ مِنَ الإعْطاءِ بِأفْعَلْتُ نَحْوَ: أهْدَيْتُ الهَدِيَّةَ. ولِما يُصَوِّرُ العَرُوسُ عَلى وجْهَيْنِ: قِيلَ فِيهِ: هَدَيْتُ وأهْدَيْتُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَعَلَتَ الهُدى دَلالَةَ لُطْفٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ حَسَبَ اسْتِعْمالِهِمُ اللَّفْظَ عَلى التَّهَكُّمِ كَما قالَ: ؎وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ! والهِدايَةُ هي الإرْشادُ إلى الخَيْراتِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى مَنازِلَ بَعْضُها يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضٍ، لا يَصِحُّ حُصُولُ الثّانِي إلّا بَعْدَ الأوَّلِ، ولا الثّالِثِ إلّا بَعْدَ الثّانِي، فَأوَّلُ المَنازِلِ إعْطاؤُهُ العَبْدَ القُوى الَّتِي بِها يَهْتَدِي إلى مَصالِحِهِ إمّا تَسْخِيرًا وإمّا طَوْعًا -كالمَشاعِرِ الخَمْسَةِ والقُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ، وبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ أعْطاهُ الحَيَواناتِ، وبَعْضٌ خَصَّ بِهِ الإنْسانَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ (p-١٥)فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] وهَذِهِ الهِدايَةُ إمّا تَسْخِيرٌ وإمّا تَعْلِيمٌ، وإلى نَحْوِهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] وقالَ في الإنْسانِ بِما أعْطاهُ مِنَ العَقْلِ، وعَرَفَهُ مِنَ الرُّشْدِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقالَ في ثَمُودَ: ﴿فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وثانِيهِما الهِدايَةُ بِالدُّعاءِ وبَعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وإيّاها عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وهَذِهِ الهِدايَةُ تُنْسَبُ تارَةً إلى اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، وتارَةً إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتارَةً إلى القُرْآنِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] (p-١٦)وثالِثُها هِدايَةٌ يُوَلِّيها صالِحِي عِبادِهِ بِما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الخَيْراتِ، وهي الهِدايَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وهَذِهِ الهِدايَةُ هي المَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ويَصِحُّ أنْ نَنْسُبَ هَذِهِ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُقالُ: هو آثَرَهم بِها مِن حَيْثُ إنَّهُ هو السَّبَبُ في وُصُولِهِمْ إلَيْها. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: اكْتَسَبُوها مِن حَيْثُ إنَّهم تَوَصَّلُوا إلَيْها بِاجْتِهادِهِمْ. فَمَن قَصَدَ سُلْطانًا مُسْتَرْفِدًا فَأعْطاهُ، يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ السُّلْطانَ خَوَّلَهُ. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: فُلانٌ اكْتَسَبَ بِسَعْيِهِ، ولِانْطِواءِ ذَلِكَ عَلى الأمْرَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] فَنَبَّهَ أنَّ ذَلِكَ بِجُهْدِهِمْ وبِفَضْلِهِ جَمِيعًا. وهَذِهِ الهِدايَةُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هي مُباحَةٌ لِلْعُقَلاءِ كُلِّهِمْ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: هي مَحْظُورَةٌ (p-١٧)إلّا عَلى أوْلِيائِهِ، لِما كانَ في إمْكانِ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنْ يَتَرَشَّحُوا لِتَناوُلِها، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: إنَّها لا يَسْهُلُ تَناوُلُها قَبْلَ أنْ يَتَشَكَّلَ الإنْساْنُ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ، بِتَقْدِيمِ عِباداتٍ. وقَدْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الهُدى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ، ولا يُبْصِرُهُ إلّا البَصِيرُ، ولا يَعْمَلُ بِهِ إلّا اليَسِيرُ. ألا تَرى أنَّ نُجُومَ السَّماءِ ما أكْثَرَها ولا يَهْتَدِي بِها إلّا العُلَماءُ. وقالَ بَعْضُ الأوْلِياءِ: إنَّ مَثَلَ هِدايَةِ اللَّهِ مَعَ النّاسِ كَمَثَلِ سَيْلٍ مَرَّ عَلى قِلاتٍ وغُدْرانٍ، فَيَتَناوَلُ كُلُّ قَلْتٍ مِنها بِقَدْرِ سِعَتِهِ -ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ-: ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] وقالَ بَعْضُهم: هي كَمَطَرٍ أتى عَلى أرَضِينَ فَيَنْتَفِعُ كُلُّ أرْضٍ بِقَدْرِ تَرْشِيحِها لِلِانْتِفاعِ بِهِ. (والمَنزِلَةُ الرّابِعَةُ): مِنَ الهِدايَةِ التَّمْكِينُ مِن مُجاوَرَتِهِ في دارِ الخُلْدِ، وإيّاها عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنَ الهِدايَةِ ما لا يُنْفى عَنْ أحَدٍ بِوَجْهٍ. ومِنها ما يُنْفى (p-١٨)عَنْ بَعْضٍ، ويَثْبُتُ لِبَعْضٍ، ومِن هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] فَإنَّهُ عَنى الهِدايَةَ -الَّتِي هي التَّوْفِيقُ وإدْخالُ الجَنَّةِ- دُونَ الَّتِي هي الدُّعاءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ في الأنْبِياءِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣] فَقَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فُسِّرَ عَلى وُجُوهٍ بِحَسَبِ أنْظارٍ مُخْتَلِفَةٍ إلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ: (الأوَّلُ): أنَّهُ عَنى الهِدايَةَ العامَّةَ، وأمَرَ أنْ نَدْعُوَ بِذَلِكَ -وإنْ كانَ هو قَدْ فَعَلَهُ لا مَحالَةَ- لِيَزِيدَنا ثَوابًا بِالدُّعاءِ، كَما أمَرَنا أنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ. (الثّانِي) قِيلَ: وفِّقْنا لِطَرِيقَةِ الشَّرْعِ. (الثّالِثُ): احْرُسْنا عَنِ اسْتِغْواءِ الغُواةِ واسْتِهْواءِ الشَّهَواتِ، واعْصِمْنا مِنَ الشُّبُهاتِ. (p-١٩)الرّابِعُ: زِدْنا هُدًى اسْتِنْجاحًا لِما وعَدْتَ بِقَوْلِكَ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] وقَوْلِكَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] (الخامِسُ): قِيلَ: عَلِّمْنا العِلْمَ الحَقِيقِيَّ فَذَلِكَ سَبَبُ الخَلاصِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥] (السّادِسُ): قِيلَ: هو سُؤالُ الجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] الآيَةَ. فَهَذِهِ الأقاوِيلُ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلافِ أنْظارِهِمْ إلى أبْعاضِ الهِدايَةِ وجُزْئِيّاتِها، والجَمِيعُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِالآيَةِ - إذْ لا تَنافِيَ بَيْنَها – (p-٢٠)وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ" . اهـ كَلامُ الرّاغِبِ. وبِهِ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ مَعْنى الهِدايَةِ في سائِرِ مَواقِعِها في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، وأنَّ الوُجُوهَ المَأْثُورَةَ في آيَةٍ ما -إذا لَمْ تَتَنافَ- صَحَّ إرادَتُها كُلُّها؛ ومِثْلْ هَذا يُسَمّى: اخْتِلافَ تَنَوُّعٍ لا اخْتِلافَ تَضادٍّ. كَما أشارَ لِذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في مَبْحَثٍ لَهُ مُهِمٍّ، نَأْثُرُهُ عَنْهُ هُنا، لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الِاخْتِلافَ الواقِعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما لَيْسَ فِيهِ تَضادٌّ وتَناقُضٌ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما حَقًّا، وإنَّما هو اخْتِلافُ تَنَوُّعٍ أوِ اخْتِلافٌ في الصِّفاتِ أوِ العِباراتِ، وعامَّةُ الِاخْتِلافِ الثّابِتِ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إذا ذَكَرَ في القُرْآنِ اسْمًا مِثْلَ قَوْلِهِ: "اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ" فَكُلُّ المُفَسِّرِينَ يُعَبِّرُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ بِها عَلى بَعْضِ صِفاتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ بِمَنزِلَةِ ما يُسَمِّي اللَّهَ ورَسُولَهُ وكِتابَهُ بِأسْماءٍ، كُلُّ اسْمٍ مِنها يَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ، أوِ اتِّباعُ كِتابِ اللَّهِ. ويَقُولُ الآخَرُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإسْلامُ أوْ دِينُ الإسْلامِ. ويَقُولُ الآخَرُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو السُّنَّةُ والجَماعَةُ. ويَقُولُ الآخَرُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ طَرِيقُ العُبُودِيَّةِ، أوْ طَرِيقُ الخَوْفِ والرِّضا والحُبِّ، وامْتِثالُ المَأْمُورِ، واجْتِنابُ المَحْظُورِ، أوْ مُتابَعَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ نَحْوَ هَذِهِ الأسْماءِ والعِباراتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُسَمّى هو واحِدٌ، وإنْ تَنَوَّعَتْ صِفاتُهُ وتَعَدَّدَتْ أسْماؤُهُ وعِباراتُهُ؛ وكَثِيرٌ مِنَ التَّفْسِيرِ والتَّرْجَمَةِ تَكُونُ مِن هَذا الوَجْهِ. ومِنهُ قِسْمٌ آخَرُ وهو أنْ يَذْكُرَ المُفَسِّرُ والمُتَرْجِمُ مَعْنى اللَّفْظِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى سَبِيلِ الحَدِّ والحَصْرِ - مِثْلَ أنْ يَقُولَ قائِلٌ مِنَ العَجَمِ: ما مَعْنى الخُبْزِ ؟ فَيُشارُ لَهُ إلى رَغِيفٍ -ولَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ عَيْنِهِ، وإنَّما الإشارَةُ إلى تَعْيِينِ هَذا الشَّخْصِ تَمْثِيلًا. وهَذا كَما إذا سُئِلُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] (p-٢١). أوْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] أوْ عَنِ الصّالِحِينَ أوِ الظّالِمِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ الجامِعَةِ الَّتِي قَدْ يَتَعَسَّرُ أوْ يَتَعَذَّرُ عَلى المُسْتَمِعِ أوِ المُتَكَلِّمِ ضَبْطُ مَجْمُوعِ مَعْناهُ؛ إذْ لا يَكُونُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ فَيَذْكُرُ لَهُ مِن أنْواعِهِ وأشْخاصِهِ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى نَظائِرِهِ. فَإنَّ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ هو تارِكُ المَأْمُورِ فاعِلُ المَحْظُورِ، والمُقْتَصِدُ هو فاعِلُ الواجِبِ وتارِكُ المُحَرَّمِ، والسّابِقُ هو فاعِلُ الواجِبِ والمُسْتَحَبِّ، وتارِكُ المُحَرَّمِ والمَكْرُوهِ. فَيَقُولُ المُجِيبُ بِحَسَبِ حاجَةِ السّائِلِ: الظّالِمُ الَّذِي يُفَوِّتُ الصَّلاةَ، أوِ الَّذِي لا يُسْبِغُ الوُضُوءَ، أوِ الَّذِي لا يُتِمُّ الأرْكانَ ونَحْوَ ذَلِكَ. والمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي في الوَقْتِ - كَما أُمِرِ - والسّابِقُ بِالخَيْراتِ الَّذِي يُصَلِّي الصَّلاةَ بِواجِباتِها ومُسْتَحِبّاتِها ويَأْتِي بِالنَّوافِلِ المُسْتَحَبَّةِ مَعَها، وكَذَلِكَ يَقُولُ مِثْلَ هَذا في الزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وسائِرِ الواجِباتِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: التَّفْسِيرُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ مِن كَلامِها، وتَفْسِيرٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهالَتِهِ، وتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَمَنِ ادَّعى عِلْمَهُ فَهو كاذِبٌ. والصَّحابَةُ أخَذُوا عَنِ الرَّسُولِ لَفْظَ القُرْآنِ ومَعْناهُ كَما أخَذُوا عَنْهُ السُّنَّةَ، وإنْ كانَ مِنَ النّاسِ مَن غَيَّرَ السُّنَّةَ، فَمِنَ النّاسِ مَن غَيَّرَ بَعْضَ مَعانِي القُرْآنِ - إذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن تَغْيِيرِ لَفْظِهِ، وأيْضًا فَقَدْ يَخْفى عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بَعْضُ مَعانِي القُرْآنِ، كَما خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ السُّنَّةِ، فَيَقَعُ خَطَأُ المُجْتَهِدِينَ مِن هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ. وتَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ بَسْطٌ لِهَذا البَحْثِ فارْجِعْ إلَيْهِ. (انْظُرْ: ج١ ص١٧). (p-٢٢)وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا في تَحْقِيقِ هَذِهِ الآيَةِ: "كُلُّ عَبْدٍ مُضْطَرٍّ دائِمًا إلى مَقْصُودِ هَذا الدُّعاءِ، وهو هِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ لا نَجاةَ مِنَ العَذابِ إلّا بِهَذِهِ الهِدايَةِ، ولا وُصُولَ إلى السَّعادَةِ إلّا بِهِ، فَمَن فاتَهُ هَذا الهُدى فَهو: إمّا مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وإمّا مِنَ الضّالِّينَ؛ وهَذا الِاهْتِداءُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهُدى اللَّهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ: أنْ تَفْعَلَ في كُلِّ وقْتٍ ما أُمِرْتَ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ، ولا تَفْعَلُ ما نُهِيتَ عَنْهُ، وهَذا يَحْتاجُ في كُلِّ وقْتٍ إلى أنْ تَعْلَمَ: ما أمَرَ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وما نَهى عَنْهُ، وإلى أنْ يَحْصُلَ لَكَ إرادَةٌ جازِمَةٌ لِفِعْلِ المَأْمُورِ؛ وكَراهَةٌ لِتَرْكِ المَحْظُورِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ قَدْ فُسِّرَ بِالقُرْآنِ والإسْلامِ وطُرُقِ العُبُودِيَّةِ، وكُلُّ هَذا حَقٌّ، فَهو مَوْصُوفٌ بِهَذا وبِغَيْرِهِ، فَحاجَتُهُ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ ضَرُورِيَّةٌ في سَعادَتِهِ ونَجاتِهِ؛ بِخِلافِ الحاجَةِ إلى الرِّزْقِ والنَّصْرِ، فَإنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ، وإنِ انْقَطَعَ رِزْقُهُ ماتَ -والمَوْتُ لا بُدَّ مِنهُ- فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الهِدايَةِ، كانَ سَعِيدًا بَعْدَ المَوْتِ، وكانَ المَوْتُ مُوَصِّلًا لَهُ إلى السَّعادَةِ الدّائِمَةِ الأبَدِيَّةِ، فَيَكُونُ رَحْمَةً في حَقِّهِ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ -إذا قُدِّرَ أنَّهُ قُهِرَ وغُلِبَ حَتّى قُتِلَ - فَإذا كانَ مِن أهْلِ الهِدايَةِ إلى الِاسْتِقامَةِ ماتَ شَهِيدًا، وكانَ القَتْلُ مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ حاجَةَ العِبادِ إلى الهُدى أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى الرِّزْقِ والنَّصْرِ، بَلْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما فَلِهَذا كانَ هَذا الدُّعاءُ مَفْرُوضًا عَلَيْهِمْ في الصَّلَواتِ - فَرْضِها ونَفْلِها - وأيْضًا فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ يَتَضَمَّنُ الرِّزْقَ والنَّصْرَ لِأنَّهُ إذا هُدِيَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ كانَ مِنَ المُتَّقِينَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وكانَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى (p-٢٣)اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] وكانَ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، ومَن يَنْصُرُ اللَّهَ يَنْصُرُهُ، وكانَ مِن جُنْدِ اللَّهِ، وجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ. فالهُدى التّامُّ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ أعْظَمِ ما يَحْصُلُ بِهِ الرِّزْقُ والنَّصْرُ، فَتَبَيَّنَ أنَّ هَذا الدُّعاءَ هو الجامِعُ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ تَحْصُلُ بِهِ كُلُّ مَنفَعَةٍ، وتَنْدَفِعُ بِهِ كُلُّ مُضِرَّةٍ. (فائِدَةٌ): الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ أصْلُهُ الطَّرِيقُ الواضِحُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ولا انْحِرافَ، ويُسْتَعارُ لِكُلِّ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَبْلُغُ بِهِ صاحِبُهُ الغايَةَ الحَمِيدَةَ، فالطَّرِيقُ الواضِحُ لِلْحِسِّ، كالحَقِّ لِلْعَقْلِ، في أنَّهُ: إذا سُيِّرَ بِهِما أبْلَغا السّالِكَ النِّهايَةَ الحُسْنى.
qortobi — الجامع لأحكام القرآن
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ اهْدِنَا دُعَاءٌ وَرَغْبَةٌ مِنَ الْمَرْبُوبِ إِلَى الرَّبِّ، وَالْمَعْنَى: دُلَّنَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَرْشِدْنَا إِلَيْهِ، وَأَرِنَا طَرِيقَ هِدَايَتِكَ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى أُنْسِكَ وَقُرْبِكَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فَجَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عِظَمَ الدُّعَاءِ وَجُمْلَتَهُ مَوْضُوعًا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، نِصْفُهَا فِيهِ مَجْمَعُ الثَّنَاءِ، وَنِصْفُهَا فِيهِ مَجْمَعُ الْحَاجَاتِ، وَجَعَلَ هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ [الدَّاعِي] لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَدْ تَكَلَّمَ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَأَنْتَ تَدْعُو بِدُعَاءٍ هُوَ كَلَامُهُ الَّذِي تكلم به، وفي الحديث: (ليس شي أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ). وَقِيلَ الْمَعْنَى: أَرْشِدْنَا بِاسْتِعْمَالِ السُّنَنِ فِي أَدَاءِ فَرَائِضِكَ، وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ الْإِمَالَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٩٦]] " [الأعراف: ١٥٦] أَيْ مِلْنَا، وَخَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَرَضِهِ يَتَهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَيْ يَتَمَايَلُ. وَمِنْهُ الْهَدِيَّةُ، لِأَنَّهَا تُمَالُ مِنْ مَلِكٍ إِلَى مَلِكٍ. وَمِنْهُ الْهَدْيُ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يُسَاقُ إِلَى الْحَرَمِ، فَالْمَعْنَى مِلْ بِقُلُوبِنَا إِلَى الْحَقِّ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: "الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" طَرِيقُ الْحَجِّ، وَهَذَا خَاصٌّ وَالْعُمُومُ أَوْلَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ": هُوَ دين الله الذي لا يقبل من العبادة غَيْرَهُ. وَقَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: "الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ عَاصِمٌ فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ: إِنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: "الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ، قَالَ: صَدَقَ وَنَصَحَ. الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ أَصْلُ الصِّرَاطِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّرِيقُ، قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى ... تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ وَقَالَ جَرِيرٌ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ وَقَالَ آخَرُ: فصد عن نهج الصراط الواضح وحكى النقاش: الصراط الطريق بلغة الروم، قال ابن عطية: وهذا ضعيف جدا. وقرى: السِّرَاطُ (بِالسِّينِ) مِنَ الِاسْتِرَاطِ بِمَعْنَى الِابْتِلَاعِ، كَأَنَّ الطريق يسترط من يسلكه. وقرى بين الزاي والصاد. وقرى بزاء خَالِصَةٍ وَالسِّينُ الْأَصْلُ. وَحَكَى سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: الزِّرَاطُ بِإِخْلَاصِ الزَّايِ لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وَكَلْبٍ وَبَنِي الْقَيْنِ، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ [فِي أَصْدَقِ]: أَزْدَقُ. وَقَدْ قَالُوا: الْأَزْدُ وَالْأَسْدُ وَلَسِقَ بِهِ وَلَصِقَ بِهِ. وَ "الصِّراطَ" نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنَ الْهِدَايَةِ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَاهْدُوهُمْ [[راجع ج ١٥ ص ٧٣.]] إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ". [الصافات: ٢٣]. وَبِغَيْرِ حَرْفٍ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. "الْمُسْتَقِيمَ" صِفَةٌ لِ "الصِّراطَ"، وَهُوَ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً [[راجع ج ٧ ص ١٣٧]] فَاتَّبِعُوهُ" [الانعام: ١٥٣] وَأَصْلَهُ مُسْتَقْوِمٌ، نُقِلَتِ الْحَرَكَةُ إِلَى الْقَافِ وَانْقَلَبَتِ الواو ياء لانكسار ما قبلها.
qortobi
قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم اهدنا : دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب ، والمعنى : دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه ، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك . قال بعض العلماء : فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة ، نصفها فيه مجمع الثناء ، ونصفها فيه مجمع الحاجات ، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به [ الداعي ] لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين ، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به ; وفي الحديث : ليس شيء أكرم على الله من الدعاء . وقيل المعنى : أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك ; وقيل : الأصل فيه الإمالة ; ومنه قوله تعالى : إنا هدنا إليك أي ملنا ; وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين ; أي يتمايل . ومنه الهدية ; لأنها تمال من ملك إلى ملك . ومنه الهدي للحيوان الذي يساق إلى الحرم ; فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق . وقال الفضيل بن عياض : الصراط المستقيم طريق الحج ، وهذا خاص والعموم أولى . قال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل اهدنا الصراط المستقيم : هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره . وقال عاصم الأحول عن أبي العالية : الصراط المستقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده . قال عاصم فقلت للحسن : إن أبا العالية يقول : الصراط المستقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ، قال : صدق ونصح . أصل الصراط في كلام العرب الطريق ; قال عامر بن الطفيل : شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط وقال جرير : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم وقال آخر : فصد عن نهج الصراط الواضح وحكى النقاش : الصراط الطريق بلغة الروم ; فقال ابن عطية : وهذا ضعيف جدا . وقرئ : السراط ( بالسين ) من الاستراط بمعنى الابتلاع ; كأن الطريق يسترط من يسلكه . وقرئ بين الزاي والصاد . وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل . وحكى سلمة عن الفراء قال : الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين ، قال : وهؤلاء يقولون [ في أصدق ] : أزدق . وقد قالوا الأزد والأسد ولسق به ولصق به . و الصراط نصب على المفعول الثاني ; لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر ; قال الله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم . . وبغير حرف كما في هذه الآية . المستقيم صفة ل الصراط وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ; ومنه قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه وأصله مستقوم ، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .
razi — مفاتيح الغيب
الفَصْلُ السّابِعُ فِي قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُصَلِّي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، وكُلُّ مُؤْمِنٍ مُهْتَدٍ، فالمُصَلِّي مُهْتَدٍ، فَإذا قالَ اهْدِنا كانَ جارِيًا مَجْرى أنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ فَإنَّهُ يَطْلُبُ الهِدايَةَ فَكانَ هَذا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنَّهُ مُحالٌ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ صِراطُ الأوَّلِينَ في تَحَمُّلِ المَشاقِ العَظِيمَةِ لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. يُحْكى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُضْرَبُ في كُلِّ يَوْمٍ كَذا مَرّاتٍ بِحَيْثُ يُغْشى عَلَيْهِ، وكانَ يَقُولُ في كُلِّ مَرَّةٍ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . فَإنْ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قالَ ذَلِكَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، وهو كانَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ مَرّاتٍ فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أفْضَلَ مِنهُ، والجَوابُ: لَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ طَلَبَ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ الفاتِحَةَ في كُلِّ يَوْمٍ كَذا مَرَّةٍ كانَ تَكَلُّمُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أكْثَرَ مِن تَكَلُّمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ العُلَماءَ بَيَّنُوا أنَّ في كُلِّ خُلُقٍ مِنَ الأخْلاقِ طَرَفَيْ تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والحَقُّ هو الوَسَطُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وذَلِكَ الوَسَطُ هو العَدْلُ والصَّوابُ، فالمُؤْمِنُ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ صارَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، أمّا بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ (p-٢٠٦)الحالَةِ فَلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ العَدْلِ الَّذِي هو الخَطُّ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الأعْمالِ الشَّهْوانِيَّةِ وفي الأعْمالِ الغَضَبِيَّةِ وفي كَيْفِيَّةِ إنْفاقِ المالِ، فالمُؤْمِنُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو الوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في كُلِّ الأخْلاقِ وفي كُلِّ الأعْمالِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنَ إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلٍ واحِدٍ فَلا مَوْجُودَ مِن أقْسامِ المُمْكِناتِ إلّا وفِيهِ دَلائِلُ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وجُودِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ. ورُبَّما صَحَّ دِينُ الإنْسانِ بِالدَّلِيلِ الواحِدِ وبَقِيَ غافِلًا عَنْ سائِرِ الدَّلائِلِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ مَعْناهُ عَرِّفْنا يا إلَهَنا ما في كُلِّ شَيْءٍ مِن كَيْفِيَّةِ دَلالَتِهِ عَلى ذاتِكَ وصِفاتِكَ وقُدْرَتِكَ وعِلْمِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] وقالَ أيْضًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وذَلِكَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُعْرِضًا عَمّا سِوى اللَّهِ مُقْبِلًا بِكُلِّيَّةِ قَلْبِهِ وفِكْرِهِ وذِكْرِهِ عَلى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُرادُ أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، مِثالُهُ: أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ أُمِرَ بِذَبْحِ ولَدِهِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَنْقادَ لِيَذْبَحَهُ غَيْرُهُ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ في البَحْرِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَتَّلْمَذَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ في المَنصِبِ إلى أعْلى الغاياتِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَصْبِرَ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى القَتْلِ والتَّفْرِيقِ نِصْفَيْنِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ يَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الِاقْتِداءُ بِأنْبِياءِ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ والثَّباتِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَقامٌ شَدِيدٌ هائِلٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ لا طاقَةَ لَهم بِهِ، إلّا أنّا نَقُولُ: أيُّها النّاسُ، لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّهُ لا يَضِيقُ أمْرٌ في دِينِ اللَّهِ إلّا اتَّسَعَ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى اليُسْرِ والسُّهُولَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ صِراطَ الَّذِينَ ضَرَبُوا وقَتَلُوا بَلْ قالَ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَلْتَكُنْ نِيَّتُكَ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَقُولَ: يا إلَهِي، إنَّ والِدِي رَأيْتُهُ ارْتَكَبَ الكَبائِرَ كَما ارْتَكَبْتُها، وأقْدَمَ عَلى المَعاصِي كَما أقْدَمْتُ عَلَيْها، ثُمَّ رَأيْتُهُ لَمّا قَرُبَ مَوْتُهُ تابَ وأنابَ فَحَكَمْتَ لَهُ بِالنَّجاةِ مِنَ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ فَهو مِمَّنْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأنْ وفَّقْتَهُ لِلتَّوْبَةِ، ثُمَّ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأنْ قَبِلْتَ تَوْبَتَهُ، فَأنا أقُولُ: اهْدِنا إلى مِثْلِ ذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طَلَبًا لِمَرْتَبَةِ التّائِبِينَ، فَإذا وجَدْتَها فاطْلُبِ الِاقْتِداءَ بِدَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ . الوَجْهُ الخامِسُ: كَأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ في الطَّرِيقِ: كَثْرَةُ الأحْبابِ يَجُرُّونَنِي إلى طَرِيقٍ، والأعْداءُ إلى طَرِيقٍ ثانٍ، والشَّيْطانُ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ، وكَذا القَوْلُ في الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِقْدِ والحَسَدِ، وكَذا القَوْلُ في التَّعْطِيلِ والتَّشْبِيهِ والجَبْرِ والقَدَرِ والإرْجاءِ والوَعِيدِ والرَّفْضِ والخُرُوجِ، والعَقْلُ ضَعِيفٌ، والعُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطِرَةٌ، والقَضاءُ عَسِيرٌ، وقَدْ تَحَيَّرْتُ في الكُلِّ فاهْدِنِي إلى طَرِيقٍ أخْرُجُ مِنهُ إلى الجَنَّةِ. والمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لا غِلَظَ فِيهِ. يُحْكى عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ إلى بَيْتِ اللَّهِ، فَإذا أعْرابِيٌّ عَلى ناقَةٍ لَهُ فَقالَ: يا شَيْخُ إلى (p-٢٠٧)أيْنَ ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى بَيْتِ اللَّهِ، قالَ كَأنَّكَ مَجْنُونٌ لا أرى لَكَ مَرْكَبًا ولا زادًا، والسَّفَرُ طَوِيلٌ، فَقالَ إبْراهِيمُ: إنَّ لِي مَراكِبَ كَثِيرَةً ولَكِنَّكَ لا تَراها، قالَ: وما هي ؟ قالَ: إذا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الصَّبْرِ، وإذا نَزَلَ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الشُّكْرِ، وإذا نَزَلَ بِيَ القَضاءُ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الرِّضا، وإذا دَعَتْنِي النَّفْسُ إلى شَيْءٍ عَلِمْتُ أنَّ ما بَقِيَ مِنَ العُمُرِ أقَلُّ مِمّا مَضى، فَقالَ الأعْرابِيُّ: سِرْ بِإذْنِ اللَّهِ فَأنْتَ الرّاكِبُ وأنا الرّاجِلُ. الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الإسْلامُ، وقالَ بَعْضُهم: القُرْآنُ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: اهْدِنا صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ومَن تَقَدَّمَنا مِنَ الأُمَمِ ما كانَ لَهُمُ القُرْآنُ والإسْلامُ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ اهْدِنا صِراطَ المُحِقِّينَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ، وإنَّما قالَ الصِّراطَ ولَمْ يَقُلِ السَّبِيلَ ولا الطَّرِيقَ وإنْ كانَ الكُلُّ واحِدًا لِيَكُونَ لَفْظُ الصِّراطِ مُذَكِّرًا لِصِراطِ جَهَنَّمَ فَيَكُونُ الإنْسانُ عَلى مَزِيدِ خَوْفٍ وخَشْيَةٍ. القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ (اهْدِنا): أيْ ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ الَّتِي وهَبْتَها مِنّا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] أيْ: ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ فَكَمْ مِن عالِمٍ وقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ في خاطِرِهِ فَزاغَ وذَلَّ وانْحَرَفَ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ قالَ: اهْدِنا ولَمْ يَقُلْ: اهْدِنِي ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ الدُّعاءَ كُلَّما كانَ أعَمَّ كانَ إلى الإجابَةِ أقْرَبُ. كانَ بَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ لِتَلامِذَتِهِ: إذا قَرَأْتُمْ في خُطْبَةِ السّابِقِ ”ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ“ إنْ نَوَيْتَنِي في قَوْلِكَ ”رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ“ فَحَسَنٌ، وإلّا فَلا حَرَجَ، ولَكِنْ إيّاكَ وأنْ تَنْسانِي في قَوْلِكَ ”وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ“ لِأنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ تَخْصِيصٌ بِالدُّعاءِ فَيَجُوزُ أنْ لا يُقْبَلَ، وأمّا قَوْلُهُ وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في المُسْلِمِينَ مَن يَسْتَحِقُّ الإجابَةَ، وإذا أجابَ اللَّهُ الدُّعاءَ في البَعْضِ فَهو أكْرَمُ مِن أنْ يَرُدَّهُ في الباقِي، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ السُّنَّةَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ دُعاءً أنْ يُصَلِّيَ أوَّلًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يَخْتِمُ الكَلامَ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثانِيًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجِيبُ الدّاعِيَ في صَلاتِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ إذا أُجِيبَ في طَرَفَيْ دُعائِهِ امْتَنَعَ أنْ يُرَدَّ في وسَطِهِ. الثّانِي: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ادْعُوا اللَّهَ بِألْسِنَةٍ ما عَصَيْتُمُوهُ بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن لَنا بِتِلْكَ الألْسِنَةِ ؟ قالَ يَدْعُو بَعْضُكم لِبَعْضٍ؛ لِأنَّكَ ما عَصَيْتَ بِلَسانِهِ وهو ما عَصى بِلِسانِكَ» . والثّالِثُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّها العَبْدُ، ألَسْتَ قُلْتَ في أوَّلِ السُّورَةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وما قُلْتَ: أحْمَدُ اللَّهَ فَذَكَرْتَ أوَّلًا حَمْدَ جَمِيعِ الحامِدِينَ فَكَذَلِكَ في وقْتِ الدُّعاءِ أشْرِكْهم فَقُلِ اهْدِنا. الرّابِعُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَكَ يَقُولُ: الجَماعَةُ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةُ عَذابٌ، فَلَمّا أرَدْتُ تَحْمِيدَكَ ذَكَرْتُ حَمْدَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ الحَمْدُ لِلَّهِ، ولَمّا ذَكَرْتُ العِبادَةَ ذَكَرْتُ عِبادَةَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ إيّاكَ نَعْبُدُ، ولَمّا ذَكَرْتُ الِاسْتِعانَةَ ذَكَرْتُ اسْتِعانَةَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلا جَرَمَ لَمّا طَلَبْتُ الهِدايَةَ طَلَبْتُها لِلْجَمِيعِ فَقُلْتُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ولَمّا طَلَبْتُ الِاقْتِداءَ بِالصّالِحِينَ طَلَبْتُ الِاقْتِداءَ بِالجَمِيعِ فَقُلْتُ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ولَمّا طَلَبْتُ الفِرارَ مِنَ المَرْدُودِينَ فَرَرْتُ مِنَ الكُلِّ فَقُلْتُ: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ، فَلَمّا لَمْ أُفارِقِ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ في الدُّنْيا فَأرْجُو أنْ لا أُفارِقَهم في القِيامَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٩] . (p-٢٠٨)الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ الهَنْدَسَةِ قالُوا: الخَطُّ المُسْتَقِيمُ هو أقْصَرُ خَطٍّ يَصِلُ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، فالحاصِلُ أنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ أقْصَرُ مِن جَمِيعِ الخُطُوطِ المُعْوَجَّةِ، فَكَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ أقْرَبُ الخُطُوطِ وأقْصَرُها، وأنا عاجِزٌ فَلا يَلِيقُ بِضَعْفِي إلّا الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ. الثّانِي: أنَّ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ وما عَداهُ مُعْوَجَّةٌ وبَعْضُها يُشْبِهُ بَعْضًا في الِاعْوِجاجِ فَيَشْتَبِهُ الطَّرِيقُ عَلَيَّ، أمّا المُسْتَقِيمُ فَلا يُشابِهُهُ غَيْرُهُ فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الخَوْفِ والآفاتِ وأقْرَبَ إلى الأمانِ. الثّالِثُ: الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ يُوصِلُ إلى المَقْصُودِ، والمُعْوَجُّ لا يُوصِلُ إلَيْهِ. والرّابِعُ: المُسْتَقِيمُ لا يَتَغَيَّرُ، والمُعْوَجُّ يَتَغَيَّرُ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ سَألَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
saadi — تيسير الكريم الرحمن
ثم قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك.
saadi
ثم قال تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } أي: دلنا وأرشدنا, ووفقنا للصراط المستقيم, وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله, وإلى جنته, وهو معرفة الحق والعمل به, فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام, وترك ما سواه من الأديان, والهداية في الصراط, تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته, لضرورته إلى ذلك.
samaani — تفسير السمعاني
قَوْله: (اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم) يعْنى: أرشدنا، وثبتنا. وَالْهِدَايَة فِي الْقُرْآن على معَان، فَتكون الْهِدَايَة بِمَعْنى الإلهام، وَتَكون بِمَعْنى الْإِرْشَاد، وَتَكون بِمَعْنى الْبَيَان، وَتَكون بِمَعْنى الدُّعَاء. أما الإلهام، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ أَي: ألهم. وَأما الْإِرْشَاد، قَوْله تَعَالَى: ﴿واهدنا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط﴾ . وَأما الْبَيَان قَوْله: ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم﴾ أَي: بَينا لَهُم. وَأما الدُّعَاء، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل قوم هاد﴾ أَي: دَاع فَهُوَ بِمَعْنى الاسترشاد هَاهُنَا. فَإِن قَالَ قَائِل: أَي معنى للاسترشاد، وكل مُؤمن مهتد، فَمَا معنى قَوْله ﴿اهدنا﴾ ؟ قُلْنَا: هَذَا سُؤال من يَقُول بتناهي الألطاف من الله تَعَالَى. وَمذهب أهل السّنة أَن الألطاف والهدايات من الله تَعَالَى لَا تتناهى، فَيكون ذَلِك بِمَعْنى طلب مزِيد الْهِدَايَة، وَيكون بِمَعْنى سُؤال للتثبيت، اهدنا بِمَعْنى ثبتنا، كَمَا يُقَال للقائم: " قُم حَتَّى أَعُود إِلَيْك ". أَي: أثبت قَائِما. وَأما ﴿الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ قَالَ عَليّ، وَابْن مَسْعُود: هُوَ الْإِسْلَام. وَقَالَ جَابر: هُوَ الْقُرْآن وَأَصله فِي اللُّغَة: هُوَ الطَّرِيق الْوَاضِح، وَالْإِسْلَام طَرِيق وَاضح، وَالْقُرْآن طَرِيق وَاضح. وَقد قَالَ الْقَائِل: (أَمِير الْمُؤمنِينَ على صِرَاط ... إِذا اعوج الْمَوَارِد مُسْتَقِيم)
samarqandi — بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع. وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل: لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه. وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره. وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال: اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً. وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر: أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصة. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح. سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب. فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة. وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل: (الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه. وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم: الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] . وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر. وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة. والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده. قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر. قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك. وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي. ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره. قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير. قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام. وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا. قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم. أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح. وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام. وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى: من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] . «آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل: تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وقال الآخر: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا وصلى الله على سيدنا محمد.
shawkani — فتح القدير
قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالصّادِ، وقُرِئَ السِّراطُ بِالسِّينِ، والزِّراطُ بِالزّايِ، والهِدايَةُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِعْلُها بِنَفْسِهِ كَما هُنا، وكَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقَدْ يَتَعَدّى بِإلى قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ أوْ بِإلى انْتَهى. وهِيَ الإرْشادُ أوِ التَّوْفِيقُ أوِ الإلْهامُ أوِ الدَّلالَةُ. وفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ بَيْنَ مَعْنى المُتَعَدِّي بِنَفَسِهِ وغَيْرِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: مَعْنى الأوَّلِ الدَّلالَةُ، والثّانِي الإيصالُ. وطَلَبُ الهِدايَةِ مِنَ المُهْتَدِي مَعْناهُ طَلَبُ الزِّيادَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو الطَّرِيقُ الواضِحُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو كَذَلِكَ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ. قالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ العَرَبُ الصِّراطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فَتَصِفُ المُسْتَقِيمَ بِاسْتِقامَتِهِ والمُعْوَجَّ بِاعْوِجاجِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ (p-١٩)وصَحَّحَهُ وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِالصّادِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّهُ قَرَأ الصِّراطَ بِالسِّينِ " . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ السِّراطَ بِالسِّينِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ الزِّراطَ بِالزّايِ قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَلْبٍ وبَنِي القَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يَقُولُ: ألْهِمْنا دِينَكَ الحَقَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " هو دِينُ الإسْلامِ وهو أوْسَعُ مِمّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ " . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، وعَلى جَنْبَتَيِ الصِّراطِ سُورانِ فِيهِما أبْوابٌ مُفَتَّحَةٌ، وعَلى الأبْوابِ سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعَلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ ادْخُلُوا الصِّراطَ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وداعٍ يَدْعُو مِن فَوْقِ الصِّراطِ، فَإذا أرادَ الإنْسانُ أنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأبْوابِ قالَ: ويْحَكَ لا تَفْتَحْهُ فَإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ: الإسْلامُ، والسُّورانِ: حُدُودُ اللَّهِ، والأبْوابُ المُفَتَّحَةُ: مَحارِمُ اللَّهِ، وذَلِكَ الدّاعِي عَلى رَأْسِ الصِّراطِ: كِتابُ اللَّهِ، والدّاعِي مِن فَوْقٍ: واعِظُ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ: وهو إسْنادٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " هو كِتابُ اللَّهِ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ أنَّهُ قالَ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ طَرِيقُ الحَجِّ، قالَ: وهَذا خاصٌّ والعُمُومُ أوْلى انْتَهى. وجَمِيعُ ما رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما عَدا هَذا المَرْوِيَّ عَنِ الفُضَيْلِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ مَنِ اتَّبَعَ الإسْلامَ أوِ القُرْآنَ أوِ النَّبِيَّ فَقَدِ اتَّبَعَ الحَقَّ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَ هَذا فَقالَ: والَّذِي هو أوْلى بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدِي مَعْنِيًّا بِهِ، وفِّقْنا لِلثَّباتِ عَلى ما ارْتَضَيْتَهُ، ووَفَّقْتَ لَهُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادِكَ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، وذَلِكَ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، لِأنَّ مَن وُفِّقَ إلَيْهِ مِمَّنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَقَدْ وُفِّقَ لِلْإسْلامِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ، والتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ، والعَمَلِ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ والِانْزِجارِ عَمّا زَجَرَهُ عَنْهُ، واتِّباعِ مِنهاجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومِنهاجِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وكُلِّ عَبْدٍ صالِحٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ انْتَهى.
suyuti_durr — الدر المنثور في التفسير بالمأثور
﴿اهْدِنا الصِّراط المُسْتَقِيم﴾ أيْ أرْشِدْنا إلَيْهِ ويُبْدَل مِنهُ
tabary
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) القول في تأويل قوله : اهْدِنَا . قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، في هذا الموضع عندنا: وَفِّقْنا للثبات عليه، كما رُوي ذلك عن ابن عباس:- 173 - حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليه : " قل، يا محمد " اهدنا الصراط المستقيمَ". يقول: ألهمنا الطريق الهادي (112) . وإلهامه إياه ذلك، هو توفيقه له، كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظيرُ معنى قوله: (إياك نستعين) ، في أنه مَسألةُ العبد ربَّه التوفيقَ للثبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمَره به ونهاه عنه، فيما يَستَقبِلُ من عُمُره، دون ما قد مضى من أعماله، وتقضَّى فيما سَلف من عُمُره . كما في قوله: (إياك نستعين) ، مسألةٌ منه ربَّه المعونةَ على أداء ما قد كلَّفه من طاعته، فيما بقي من عُمُره. فكانَ معنى الكلام: اللهمّ إياك نعبدُ وحدَك لا شريك لك، مخلصين لك العبادةَ دونَ ما سِواك من الآلهة والأوثان، فأعِنَّا على عبادتك، ووفِّقنا لما ص [ 1-167 ] وفَّقت له مَن أنعمتَ عليه من أنبيائك وأهل طاعتك، من السبيل والمنهاج. فإن قال قائل: وأنَّى وَجدتَ الهدايةَ في كلام العرب بمعنى التَّوفيق؟ قيل له: ذلك في كلامها أكثرُ وأظهر من أن يُحصى عددُ ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد . فمن ذلك قول الشاعر: لا تَحْــرِمَنِّي هَــدَاكَ اللـه مَسْـألتِي وَلا أكُـونَنْ كـمن أوْدَى بـه السَّـفَرُ (113) يعنى به: وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر: ولا تُعْجِـــلَنِّي هـــدَاَك المليــكُ فـــإنّ لكـــلِّ مَقــامٍ مَقَــالا (114) فمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ في غير آيه من تنـزيله. وقد عُلم بذلك، أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضه. وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وقد عمَّ بالبيان جميع المكلَّفين من خلقه؟ ولكنه عَنى جلّ وعزّ أنه لا يُوفِّقهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم. وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله : (اهدِنا) : زدْنا هدايةٍ. وليس يخلُو هذا القولُ من أحد أمرين: إما أن يكون ظنَّ قائلُه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بمسألة الزيادة في البيان، أو الزيادةَ في المعونة والتوفيق . فإن كان ظن أنه أُمِر بمسألة رَبِّه الزيادة في البيان، فذلك ما لا وجه له؛ لأن الله جلّ ثناؤه لا يكلِّف عبدًا فرضًا من فرائضه، إلا بعد تبيينه له وإقامةِ الحجة عليه به. ولو كان مَعنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ، لكانَ قد أمِر أن يدعو ربَّه أن يبين له ما فَرض عليه ، وذلك من الدعاء خَلفٌ (115) ، لأنه لا يفرض فرضًا إلا مبيَّنًا ص [ 1-168 ] لمن فرضَه عليه. أو يكون أمِر أن يدعوَ ربَّه أن يفرض عليه الفرائضَ التي لم يفرضْها. وفي فساد وَجه مسألة العبد ربَّه ذلك، ما يوضِّح عن أن معنى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، غير معنى: بيِّن لنا فرائضَك وحدودَك. أو يكون ظنّ أنه أمِر بمسألة ربه الزيادةَ في المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك كذلك، فلن تخلوَ مسألتُه تلك الزيادةَ من أن تكون مسألةً للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله، أو على ما يحدُث. وفي ارتفاع حاجةِ العبد إلى المعونة على ما قد تقضَّى من عمله (116) ، ما يُعلِمُ أنّ معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما يحدث من عمله. وإذْ كانَ ذلك كذلك، صارَ الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك: من أنه مسألة العبد ربَّه التوفيقَ لأداء ما كُلِّف من فرائضه، فيما يَستقبل من عُمُره. وفي صحة ذلك، فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلَّف فرضًا، فقد أعطي من المعونة عليه، ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجتُه إلى ربِّه (117) . لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا في ذلك، لبطَلَ معنى قول الله جل ثناؤه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . وفي صحة معنى ذلك، على ما بيَّنا، فسادُ قولهم. وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) : أسْلِكنا طريق الجنة في المعاد، أيْ قدِّمنا له وامض بنا إليه، كما قال جلّ ثناؤه: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [سورة الصافات: 23] ، أي أدخلوهم النار، كما تُهْدَى المرأة إلى زوجها، يُعني بذلك أنها تُدخَل إليه، وكما تُهدَى الهديَّة إلى الرجل، وكما تَهدِي الساقَ القدمُ، نظير قَول طَرفة بن العبد: ص [ 1-169 ] لَعبـــتْ بَعْــدِي السُّــيُولُ بــهِ وجَــرَى فــي رَوْنَــقٍ رِهمُــهْ (118) لِلفَتَــــى عَقْـــلٌ يَعِيشُ بِـــهِ حَـــيْثُ تَهْــدِي سَــاقَه قَدَمُــهْ (119) أي تَرِدُ به الموارد. وفي قول الله جل ثناؤه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل، مع شهادة الحجة من المفسِّرين على تخطئته. وذلك أنّ جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى الصِّرَاطَ في هذا الموضع، غيرُ المعنى الذي تأوله قائل هذا القول، وأن قوله: " إياك نستعينُ" مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله " اهْدِنا " إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما بقي من عُمُره. والعربُ تقول: هديتُ فلانًا الطريقَ، وهَديتُه للطريق، وهديتُه إلى الطريق، إذا أرشدتَه إليه وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جلّ ثناؤه: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [سورة الأعراف: 43] ، وقال في موضع آخر: اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة النحل: 121] ، وقال: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) . وكل ذلك فاش في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر: أَسْـتَغْفِرُ اللـهَ ذَنْبًـا لَسْـتُ مُحْصِيَـهُ, رَبَّ العِبــاد, إليـهِ الوَجْـهُ والعَمَـلُ (120) يريد: أستغفر الله لذنْب، كما قال جل ثناؤه: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [سورة غافر: 55] . ومنه قول نابغة بني ذُبْيان: فَيَصِيدُنَــا العَـيْرَ المُـدِلَّ بِحُـضْرِهِ قَبْــلَ الــوَنَى وَالأَشْـعَبَ النَبَّاحَـا (121) يريد: فيصيدُ لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية. ------------ الهوامش : (112) يأتي بتمامه وتخريجه برقم 179 . (113) لم أعرف نسبة البيت ، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة . أمالي المرتضى 1 : 160 . (114) نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر : 253 ، وقال : "أول من قال ذلك طرفة بن العبد ، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند" ، وليس في ديوانه ، وانظر أمثال الميداني 2 : 125 . (115) أي رديء من القول . انظر ما سلف ص 165 رقم : 1 . (116) ارتفع الأمر : زال وذهب ، كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع . ومنه : ارتفع الخلاف بينهما . (117) انظر ص : 162 التعليق رقم 2 . (118) ديوان الستة الجاهليين : 234 ، 237 ، والبيت الأول في فاتحة الشعر ، والأخير خاتمته . والضمير في قوله : "لعبت" للربع ، في أبيات سلفت . ورونق السيف والشباب والنبات : صفاؤه وحسنه وماؤه . ويروى : "في ريق" . وريق الشباب : أوله والتماعه ونضرته . وعنى نباتًا نضيرًا كأنه يقول : في ذي رنق ، أو في ذي ريق . والرهم -بكسر الراء- جمع رهمة : وهي المطرة الضعيفة المتتابعة ، وهي مكرمة للنبات . يقول : أعشبت الأرض ، وجرى ماء السماء في النبت يترقرق . والضمير في "رهمه" عائد على الغيث ، غائب كمذكور . (119) يقول : حيث سار الفتى عاش بعقله وتدبيره واجتهاده . (120) يأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 121 ، وآية سورة القصص : 88 . وسيبويه 1 : 17 ، والخزانة 1 : 486 ، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . قال الشنتمري : "أراد من ذنب ، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع . فلذلك قال : "لست محصيه" . والوجه : القصد والمراد ، وهو بمعنى التوجه" . (121) البيت ليس في ديوانه . ومن القصيدة أبيات فيه : 23 ، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد : 23 ، يصف فرسًا . والعير : حمار الوحش . والحضر : العدو الشديد ، وحمار الوحش شديد العدو . والونى : التعب والفترة في العدو أو العمل . والأشعب : الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة . ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا ، فهو نباح ، إذا كثر صياحه ، من المرح والنشاط . والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب ، نبح (الحيوان 1 : 349) . يصف فرسه بشدة العدو ، يلحق العير المدل بحضره ، والظبي المستحكم السريع ، فيصيدها قبل أن يناله تعب . القول في تأويل قوله : الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . قال أبو جعفر: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن " الصراط المستقيم " ، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفي: أمــيرُ المــؤمنين عَـلَى صِـرَاطٍ إذا اعـــوَجَّ المَــوَارِدُ مُسْــتَقيمِ (122) يريد على طريق الحق. ومنه قول الهُذلي أبي ذُؤَيْب: صَبَحْنَــا أَرْضَهُــمْ بـالخَيْلِ حَـتّى تركْنَاهـــا أَدَقَّ مِــنَ الصِّــرَاطِ (123) ومنه قول الراجز: * فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القَاصدِ (124) * والشواهد على ذلك أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا غنًى عما تركنا. ثم تستعيرُ العرب " الصراط" فتستعمله في كل قولٍ وعمل وُصِف باستقامة أو اعوجاج، فتصفُ المستقيمَ باستقامته، والمعوجَّ باعوجاجه. والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي، أعني: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، أن يكونا معنيًّا به: وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك، من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم. لأن من وُفّق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء ، فقد وُفّق للإسلام، وتصديقِ الرسلِ، والتمسكِ بالكتاب، والعملِ بما أمر الله به، والانـزجار عمّا زَجره عنه، واتّباع منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكل ذلك من الصراط المستقيم. وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم (125) . يشمل معاني جميعهم في ذلك، ما اخترنا من التأويل فيه. ومما قالته في ذلك، ما رُوي عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال، وذكر القرآن، فقال: هو الصراط المستقيم. 174 - حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا حسين الجُعْفي، عن حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث، عن الحارث، عن عليّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (126) . 175 - وحُدِّثْتُ عن إسماعيل بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سَلمة، عن أبي سِنان، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي البَخْتريّ ، عن الحارث، عن عليّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله (127) . 176 - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن أبن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن عليّ، قال: الصِّراطُ المستقيم: كتاب الله تعالى ذكره (128) 177 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال: حدثنا سفيان -ح- وحدثنا محمد بن حُميد الرازي، قال. حدثنا مِهْران، عن سفيان ، عن منصور عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: " الصِّراطُ المستقيم " كتابُ الله (129) 178 - حدثني محمود بن خِدَاشِ الطالَقاني، قال: حدثنا حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسِي ، قال: حدثنا علي والحسن ابنا صالح، جميعًا، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال: الإسلام، قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض (130) . 179 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: قل يا محمد: ص [ 1-175 ] ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) يقول: ألهمنا الطريقَ الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له (131) . 180 - حدثنا موسى بن سهل الرازي، قال: حدثنا يحيى بن عوف، عن الفُرَات بن السائب، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس، في قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال: ذلك الإسلام (132) . 181 - حدثني محمود بن خِدَاش، قال: حدثنا محمد بن ربيعة الكِلابي، عن إسماعيل الأزرق، عن أبي عُمر البزّار، عن ابن الحنفية، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العِباد غيرَه (133) . 182 - حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدّثنا عَمرو بن طلحة القنَّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السدِّي -في خبر ذكره- عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود -وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال: هو الإسلام (134) 183 - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس في قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : الطريق (135) . 184 - حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف الآمُلي، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية، في قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحباه من بعدِه أبو بكر وعمر. قال: فذكرتُ ذلك للحسن، فقال: صدَق أبو العالية ونصح (136) 185- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " اهدنا الصراط المستقيم " ، قال: الإسلام (137) . 186- حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، أنّ عبد الرحمن بن جُبير، حدّثه عن أبيه، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا " . والصِّراط: الإسلامُ. 187 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله (138) . قال أبو جعفر: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سمّاه مستقيمًا، لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلافٌ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه. --------- الهوامش : (122) ديوانه : 507 ، يمدح هشام بن عبد الملك . والموارد جمع موردة : وهي الطرق إلى الماء . يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم ، كما يسلكون الموارد إلى الماء . (123) ليس في ديوانه ، ونسبه القرطبي في تفسيره 1 : 128 لعامر بن الطفيل ، وليس في ديوانه ، فإن يكن هذليا ، فلعله من شعر المتنخل ، وله قصيدة في ديوان الهذليين 2 : 18 - 28 ، على هذه القافية . ولعمرو بن معد يكرب أبيات مثلها رواها القالي في النوادر 3 : 191 . (124) رواه القرطبي في تفسيره 1 : 128 "الصراط الواضح" . (125) تراجمة القرآن : جمع ترجمان : وأراد المفسرين ، وانظر ما مضى : 70 تعليق : 1 (126) الحديث 174 - إسناده ضعيف جدًا . موسى بن عبد الرحمن المسروقي : ثقة ، روى عنه الترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مات سنة 258 ، مترجم في التهذيب . حسين الجعفي : هو حسين بن علي بن الوليد ، ثقة معروف ، روى عنه أحمد ، وابن معين ، وغيرهم ، بل روى عنه ابن عيينة وهو أكبر منه . وأخرج له أصحاب الكتب الستة . حمزة الزيات : هو حمزة بن حبيب ، القارئ المعروف . وتكلم في رواية بعضهم ، والحق أنه ثقة ، وأخرج له مسلم في صحيحه . أبو المختار الطائي : قيل اسمه : سعد ، وهو مجهول ، جهله المديني وأبو زرعة . ابن أخي الحارث الأعور : أشد جهالة من ذلك ، لم يسم هو ولا أبوه . عمه الحارث : هو ابن عبد الله الأعور الهمداني ، وهو ضعيف جدا . وقد اختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا ، حتى وصفه الشعبي وغيره بأنه "كان كذابًا" ، وقد رجحت في شرح الحديث 565 وغيره من المسند أنه ضعيف جدا . وأما متن الحديث : فقد رواه -بمعناه- ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة عن يحيى بن يمان عن حمزة الزيات ، بهذا الإسناد ، فيما نقل ابن كثير 1 : 50 ووقع فيه تحريف الإسناد هناك . وهو جزء من حديث طويل ، في فضل القرآن - رواه الترمذي (4 : 51 - 52 من تحفة الأحوذي) ، عن عبد بن حميد عن حسين الجعفي ، بهذا الإسناد . وقال الترمذي : "هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات ، وإسناده مجهول ، وفي حديث الحارث مقال" . كذلك رواه الدارمي في سننه 2 : 435 عن محمد بن يزيد الرفاعي عن حسين الجعفي . ونقله السيوطي 1 : 15 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في شعب الإيمان . وأشار إليه الذهبي في الميزان 3 : 380 في ترجمة أبي المختار الطائي ، قال : "حديثه في فضائل القرآن منكر" . ونقله ابن كثير في الفضائل : 14 - 15 عن الترمذي ، ونقل تضعيفه إياه ، ثم قال : "لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات ، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور . فبرئ حمزة من عهدته ، على أنه وإن كان ضعيف الحديث ، فإنه إمام في القراءة . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور ، وقد تكلموا فيه ، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ، أما أنه تعمد الكذب في الحديث - فلا . وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وقد وهم بعضهم في رفعه ، وهو كلام حسن صحيح " . وسيأتي 175 ، 176 بإسنادين آخرين ، موقوفًا ، من كلام علي رضي الله عنه . ورواية ابن إسحاق -التي أشار إليها ابن كثير- هي حديث أحمد في المسند : 565 . عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق . وقد ضعفنا إسناده هناك ، بالحارث الأعور ، وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب . وليس فيه الحرف الذي هنا ، في تفسير "الصراط المستقيم" . (127) الحديث 175 - هو الحديث السابق بإسناد آخر . وهذا الإسناد جيد إلى الحارث الأعور ، ثم يضعف به الحديث جدا ، كما قلنا من قبل . ومحمد بن سلمة : هو الباهلي الحراني ، وهو ثقة ، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره ، وأخرج له مسلم في صحيحه ، مات سنة 191 . وشيخه أبو سنان : وهو سعيد بن سنان الشيباني ، وهو ثقة ، ومن تكلم فيه إنما يكون من جهة خطئه بعض الخطأ ، وقال أبو داود : "ثقة من رفعاء الناس" ، وأخرج له مسلم في الصحيح . وعمرو بن مرة : هو المرادي الجملي ، ثقة مأمون بلا خلاف ، قال مسعر : "عمرو من معادن الصدق " . وأبو البختري - بفتح الباء الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة : هو سعيد بن فيروز الطائي الكوفي ، تابعي ثقة معروف . (128) الخبر 176 - هو الحديث السابق بالإسنادين قبله ، بمعناه . ولكنه هنا موقوف على ابن أبي طالب . والإسناد إليه منهار انهيار الإسناد 174 ، من أجل الحارث الأعور وابن أخيه . أما من دونهما ، فأبو المختار الطائي وحمزة مضيا في 174 ، وأبو أحمد الزبيري وأحمد بن إسحاق مضيا في 159 . (129) الخبر 177 - هذا موقوف من كلام عبد الله بن مسعود . وقد رواه الطبري بإسنادين إلى سفيان ، وهو الثوري . أما أولهما : أحمد بن إسحاق عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري - فإسناده صحيح ، لا كلام فيه . وأما ثانيهما : محمد بن حميد الرازي عن مهران ، وهو ابن أبي عمر العطار - فقد بينا في الإسناد 11 أن في رواية مهران عن الثوري اضطرابًا ، ولكنه هنا تابعه عن روايته حافظ ثقة ، هو أبو أحمد الزبيري . وقد رواه الثوري عن منصور ، وهو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة ثبت حجة ، لا يختلف فيه أحد . وأبو وائل : هو شقيق بن سلمة الأسدي ، من كبار التابعين الثقات ، قال ابن معين : "ثقة لا يسأل عن مثله" . وهذا الخبر ، رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 من طريق عمر بن سعد أبي داود الحضري عن الثوري ، بهذا الإسناد . وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . وذكره السيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 . (130) الخبر 178 - وهذا موقوف على جابر بن عبد الله . وإسناده صحيح : محمود بن خداش بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين معجمة - الطالقاني : ثقة من أهل الصدق ، مات يوم الأربعاء 14 شعبان سنة 250 ، كما في التاريخ الصغير للبخاري : 247 . وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي : ثقة ثبت عاقل ، روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ . والحسن وعلي ابنا صالح بن صالح بن حي : ثقتان ، وهما أخوان توأم . ومن تكلم في الحسن تكلم بغير حجة ، وقد وثقناه في المسند : 2403 . وأخاه فيه : 220 . وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ، وأمه زينب الصغرى بنت علي بن أبي طالب : تابعي ثقة ، ولا حجة لمن تكلم فيه . والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 - 259 ، من طريق أبي نعيم عن الحسن بن صالح -وحده- بهذا الإسناد . وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي . وذكره ابن كثير 1 : 50 ، والسيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 (131) الحديث 179 - إسناده ضعيف ، سبق بيان ضعفه : 137 . وهذا اللفظ نقله ابن كثير 1 : 50 دون إسناد ولا نسبة . ونقله السيوطي 1 : 14 مختصرًا ، ونسبه للطبري فقط . (132) الخبر 180 - إسناده ضعيف جدا ، على ما فيه من جهلنا بحال بعض رجاله : فموسى بن سهل الرازي ، شيخ الطبري : لم نجزم بأي الرجال هو ؟ ولعله " موسى بن سهل بن قادم ، ويقال ابن موسى أبو عمر الرملي ، نسائي الأصل " . فهو شيخ للطبري مترجم في التهذيب 10 : 347 ، ولكنه لم ينسب "رازيا" . وكتب في المخطوطة : "سهل بن موسى" ! ولم نجد هذه الترجمة أيضًا ، ونرجح أنه خطأ من الناسخ . . ويحيى بن عوف : لم نجد ترجمة بهذا الاسم قط فيما لدينا من مراجع . واما علة الإسناد ، فهو "الفرات بن السائب الجزري" ، وهو ضعيف جدا ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 130 : "تركوه ، منكر الحديث" ، وكذلك قال الأئمة فيه ، وقال ابن حبان في المجروحين (في الورقة 187) : كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ، ويأتي بالمعضلات عن الثقات ، لا يجوز الاحتجاج به ، ولا الرواية عنه ، ولا كتبة الحديث إلا على سبيل الاختبار" . وأما ميمون بن مهران فتابعي ثقة معروف ، فقيه حجة . وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 50 مجهلا بلفظ "وقيل : هو الإسلام" . ونقله السيوطي 1 : 15 منسوبا لابن جريج فقط ، على خطأ مطبعي فيه "ابن جريج" ! (133) الأثر 181 - ابن الحنفية : هو محمد بن علي بن أبي طالب ، والحنفية أمه ، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة ، عرف بالنسبة إليها . وهذا الإسناد إليه ضعيف : محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي : ثقة من شيوخ أحمد وابن معين . وإسماعيل الأزرق : هو إسماعيل بن سلمان ، وهو ضعيف ، قال ابن معين : "ليس حديثه بشيء" ، وقال ابن نمير والنسائي : "متروك" ، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص 78 رقم 35) : "ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير" . وأبو عمر البزار : هو دينار بن عمر الأسدي الكوفي الأعمى ، وهو ثقة . والأثر ذكره ابن كثير 1 : 51 دون نسبة ولا إسناد . (134) الخبر 182 - هذا من تفسير السدي ، وقد سبق شرح إسناده 168 . وقد نقله ابن كثير 1 : 50 والسويطي 1 : 15 . (135) الخبر 183 - نقله السيوطي 1 : 14 منسوبا للطبري وابن المنذر . وقد سبق أول هذا الإسناد : 144 ، وهو هنا منقطع ، لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس ، إنما يروي عن الرواة عنه . (136) الأثر 184 - عبد الله بن كثير أبو صديف الآملي ، شيخ الطبري : لم أعرف من هو ، ولم أجد له ذكرًا ، وأخشى أن يكون فيه تحريف . هاشم بن القاسم : هو ابو النضر - بالنون والصاد المعجمة - الحافظ الخراساني الإمام ، شيخ الأئمة : أحمد وابن راهويه وابن المديني وابن معين وغيرهم . حمزة بن المغيرة بن نشيط - بفتح النون وكسر الشين المعجمة - الكوفي العابد : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 2 / 1 / 44 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 214 - 215 ، وذكره ابن حبان في الثقات 443 ، قال : "حمزة بن المغيرة العابد ، من أهل الكوفة . يروي عن عاصم الأحول عن أبي العالية (اهدنا الصراط المستقيم) ، قال : هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه . روى عنه أبو النضر هاشم بن القاسم" . ووقع هنا : في الأصول "حمزة بن أبي المغيرة" . وهو خطأ من الناسخين . عاصم : هو ابن سليمان الأحول ، تابعي ثقة ثبت . أبو العالية : هو الرياحي - بكسر الراء وتخفيف الياء ، واسمه : رفيع -بالتصغير- ابن مهران ، من كبار التابعين الثقات ، مجمع على توثيقه . وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 51 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . والسيوطي 1 : 15 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن عدي وابن عساكر . وأبو العالية لم يقله من قبل نفسه : فقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 259 من طريق أبي النضر بهذا الإسناد إلى "أبي العالية عن ابن عباس" . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي . واختصره السيوطي ونسبه للحاكم فقط . (137) الأثر 185 - هذا من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقد نقله ابن كثير 1 : 51 دون نسبة . وعبد الرحمن بن زيد : متأخر ، من أتباع التابعين ، مات سنة 182 . وهو ضعيف جدا ، بينت ضعفه في حديث المسند : 5723 ، ويكفي منه قول ابن خزيمة : "ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه ، لسوء خفظه ، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف ، ليس من أحلاس الحديث" . (138) الحديث 186 ، 187 - رواه الطبري عن شيخه "المثنى" بإسنادين ، أولهما أعلى من الثاني درجة : بين المثنى وبين معاوية بن صالح في أولهما شيخ واحد ، وفي ثانيهما شيخان . أما المثنى شيخ الطبري : فهو المثنى بن إبراهيم الآملي ، يروي عنه الطبري كثيرا في التفسير والتاريخ . وأبو صالح ، في الإسناد الأول : هو عبد الله بن صالح المصري ، كاتب الليث بن سعد ، صحبه عشرين سنة . وهو ثقة ، ومن تكلم فيه ، في بعض حديثه عن الليث ، تكلم بغير حجة . وله ترجمة في التهذيب جيدة ، وكذلك في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 2 / 86 - 87 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 351 - 353 . ولد عبد الله بن صالح سنة 137 ومات سنة 222 . ووقع تاريخ مولده في التهذيب (173) وهو خطأ مطبعي ، صوابه في تذكرة الحفاظ . وآدم العسقلاني ، في الإسناد الثاني : هو آدم بن أبي إياس ، وهو ثقة مأمون متعبد ، من خيار عباد الله ، كما قال أبو حاتم . الليث : هو ابن سعد ، إمام أهل مصر . معاوية بن صالح ، في الإسنادين : هو الحمصي ، أحد الأعلام وقاضي الأندلس ، ثقة ، من تكلم فيه أخطأ . عبد الرحمن بن جبير بن نفير - بالتصغير فيهما - الحضرمي الحمصي : تابعي ثقة . وأبوه : من كبار التابعين ، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم . وهو ثقة مشهور بالعلم ، وقد ذكره الطبري في طبقات الفقهاء . النواس -بفتح النون وتشديد الواو- بن سمعان الكلابي : صحابي معروف . وهذا الحديث مختصر من حديث طويل ، رواه احمد في المسند : 17711 (ج 4 ص 182 حلبي) عن الحسن بن سوار عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح ، به . ونقله ابن كثير 1 : 51 من رواية المسند ، قال : "وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد ، به . ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر بن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ، به . وهو إسناد حسن صحيح" . ونسبه السيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 أيضًا للحاكم "وصححه" ، ولغيره .
tabary — جامع البيان
القول في تأويل قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ . قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، في هذا الموضع عندنا: وَفِّقْنا للثبات عليه، كما رُوي ذلك عن ابن عباس:- ١٧٣ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليه: " قل، يا محمد، اهدنا الصراط المستقيمَ ". يقول: ألهمنا الطريق الهادي [[يأتي بتمامه وتخريجه برقم ١٧٩.]] . وإلهامه إياه ذلك، هو توفيقه له، كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظيرُ معنى قوله: " إياك نستعين "، في أنه مَسألةُ العبد ربَّه التوفيقَ للثبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمَره به ونهاه عنه، فيما يَستَقبِلُ من عُمُره، دون ما قد مضى من أعماله، وتقضَّى فيما سَلف من عُمُره. كما في قوله: "إياك نستعين"، مسألةٌ منه ربَّه المعونةَ على أداء ما قد كلَّفه من طاعته، فيما بقي من عُمُره. فكانَ معنى الكلام: اللهمّ إياك نعبدُ وحدَك لا شريك لك، مخلصين لك العبادةَ دونَ ما سِواك من الآلهة والأوثان، فأعِنَّا على عبادتك، ووفِّقنا لما وفَّقت له مَن أنعمتَ عليه من أنبيائك وأهل طاعتك، من السبيل والمنهاج. فإن قال قائل: وأنَّى وَجدتَ الهدايةَ في كلام العرب بمعنى التَّوفيق؟ قيل له: ذلك في كلامها أكثرُ وأظهر من أن يُحصى عددُ ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد. فمن ذلك قول الشاعر: لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي ... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ [[لم أعرف نسبة البيت، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة. أمالي المرتضى ١: ١٦٠.]] يعنى به: وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر: ولا تُعْجِلَنِّي هدَاَك المليكُ ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا [[نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر: ٢٥٣، وقال: "أول من قال ذلك طرفة بن العبد، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند"، وليس في ديوانه، وانظر أمثال الميداني ٢: ١٢٥.]] فمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ في غير آيه من تنزيله. وقد عُلم بذلك، أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضه. وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وقد عمَّ بالبيان جميع المكلَّفين من خلقه؟ ولكنه عَنى جلّ وعزّ أنه لا يُوفِّقهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم. وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله: ﴿اهدِنا﴾ : زدْنا هدايةٍ. وليس يخلُو هذا القولُ من أحد أمرين: إما أن يكون ظنَّ قائلُه أنّ النبي ﷺ أُمِر بمسألة الزيادة في البيان، أو الزيادةَ في المعونة والتوفيق. فإن كان ظن أنه أُمِر بمسألة رَبِّه الزيادة في البيان، فذلك ما لا وجه له؛ لأن الله جلّ ثناؤه لا يكلِّف عبدًا فرضًا من فرائضه، إلا بعد تبيينه له وإقامةِ الحجة عليه به. ولو كان مَعنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ، لكانَ قد أمِر أن يدعو ربَّه أن يبين له ما فَرض عليه، وذلك من الدعاء خَلفٌ [[أي رديء من القول. انظر ما سلف ص ١٦٥ رقم: ١.]] ، لأنه لا يفرض فرضًا إلا مبيَّنًا لمن فرضَه عليه. أو يكون أمِر أن يدعوَ ربَّه أن يفرض عليه الفرائضَ التي لم يفرضْها. وفي فساد وَجه مسألة العبد ربَّه ذلك، ما يوضِّح عن أن معنى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، غير معنى: بيِّن لنا فرائضَك وحدودَك. أو يكون ظنّ أنه أمِر بمسألة ربه الزيادةَ في المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك كذلك، فلن تخلوَ مسألتُه تلك الزيادةَ من أن تكون مسألةً للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله، أو على ما يحدُث. وفي ارتفاع حاجةِ العبد إلى المعونة على ما قد تقضَّى من عمله [[ارتفع الأمر: زال وذهب، كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع. ومنه: ارتفع الخلاف بينهما.]] ، ما يُعلِمُ أنّ معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما يحدث من عمله. وإذْ كانَ ذلك كذلك، صارَ الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك: من أنه مسألة العبد ربَّه التوفيقَ لأداء ما كُلِّف من فرائضه، فيما يَستقبل من عُمُره. وفي صحة ذلك، فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلَّف فرضًا، فقد أعطي من المعونة عليه، ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجتُه إلى ربِّه [[انظر ص: ١٦٢ التعليق رقم ٢.]] . لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا في ذلك، لبطَلَ معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . وفي صحة معنى ذلك، على ما بيَّنا، فسادُ قولهم. وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ : أسْلِكنا طريق الجنة في المعاد، أيْ قدِّمنا له وامض بنا إليه، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: ٢٣] ، أي أدخلوهم النار، كما تُهْدَى المرأة إلى زوجها، يُعني بذلك أنها تُدخَل إليه، وكما تُهدَى الهديَّة إلى الرجل، وكما تَهدِي الساقَ القدمُ، نظير قَول طَرفة بن العبد: لَعبتْ بَعْدِي السُّيُولُ بهِ ... وجَرَى في رَوْنَقٍ رِهمُهْ [[ديوان الستة الجاهليين: ٢٣٤، ٢٣٧، والبيت الأول في فاتحة الشعر، والأخير خاتمته. والضمير في قوله: "لعبت" للربع، في أبيات سلفت. ورونق السيف والشباب والنبات: صفاؤه وحسنه وماؤه. ويروى: "في ريق". وريق الشباب: أوله والتماعه ونضرته. وعنى نباتًا نضيرًا كأنه يقول: في ذي رنق، أو في ذي ريق. والرهم -بكسر الراء- جمع رهمة: وهي المطرة الضعيفة المتتابعة، وهي مكرمة للنبات. يقول: أعشبت الأرض، وجرى ماء السماء في النبت يترقرق. والضمير في "رهمه" عائد على الغيث، غائب كمذكور.]] لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ... حَيْثُ تَهْدِي سَاقَه قَدَمُهْ [[يقول: حيث سار الفتى عاش بعقله وتدبيره واجتهاده.]] أي تَرِدُ به الموارد. وفي قول الله جل ثناؤه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل، مع شهادة الحجة من المفسِّرين على تخطئته. وذلك أنّ جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى " الصراط " في هذا الموضع، غيرُ المعنى الذي تأوله قائل هذا القول، وأن قوله: " إياك نستعينُ" مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله " اهْدِنا " إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما بقي من عُمُره. والعربُ تقول: هديتُ فلانًا الطريقَ، وهَديتُه للطريق، وهديتُه إلى الطريق، إذا أرشدتَه إليه وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [سورة الأعراف: ٤٣] ، وقال في موضع آخر: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النحل: ١٢١] ، وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . وكل ذلك فاش في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر: أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ، ... رَبَّ العِباد، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] يريد: أستغفر الله لذنْب، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [سورة غافر: ٥٥] . ومنه قول نابغة بني ذُبْيان: فَيَصِيدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ ... قَبْلَ الوَنَى وَالأَشْعَبَ النَبَّاحَا [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] يريد: فيصيدُ لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية. * * * القول في تأويل قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . قال أبو جعفر: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن "الصراط المستقيم"، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفي: أميرُ المؤمنين عَلَى صِرَاطٍ ... إذا اعوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقيمِ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يريد على طريق الحق. ومنه قول الهُذلي أبي ذُؤَيْب: صَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بالخَيْلِ حَتّى ... تركْنَاها أَدَقَّ مِنَ الصِّرَاطِ [[ليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره ١: ١٢٨ لعامر بن الطفيل، وليس في ديوانه، فإن يكن هذليا، فلعله من شعر المتنخل، وله قصيدة في ديوان الهذليين ٢: ١٨ - ٢٨، على هذه القافية. ولعمرو بن معد يكرب أبيات مثلها رواها القالي في النوادر ٣: ١٩١.]] ومنه قول الراجز: * فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القَاصدِ [[رواه القرطبي في تفسيره ١: ١٢٨ "الصراط الواضح".]] * والشواهد على ذلك أكثرُ من أن تُحصى، وفيما ذكرنا غنًى عما تركنا. ثم تستعيرُ العرب "الصراط" فتستعمله في كل قولٍ وعمل وُصِف باستقامة أو اعوجاج، فتصفُ المستقيمَ باستقامته، والمعوجَّ باعوجاجه. والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي، أعني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، أن يكونا معنيًّا به: وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك، من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم. لأن من وُفّق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء، فقد وُفّق للإسلام، وتصديقِ الرسلِ، والتمسكِ بالكتاب، والعملِ بما أمر الله به، والانزجار عمّا زَجره عنه، واتّباع منهج النبيّ ﷺ، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكل ذلك من الصراط المستقيم. وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم [[تراجمة القرآن: جمع ترجمان: وأراد المفسرين، وانظر ما مضى: ٧٠ تعليق: ١]] . يشمل معاني جميعهم في ذلك، ما اخترنا من التأويل فيه. ومما قالته في ذلك، ما رُوي عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ، أنه قال، وذكر القرآن، فقال: هو الصراط المستقيم. ١٧٤ - حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا حسين الجُعْفي، عن حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث، عن الحارث، عن عليّ، عن النبي ﷺ [[الحديث ١٧٤ - إسناده ضعيف جدًا. موسى بن عبد الرحمن المسروقي: ثقة، روى عنه الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم. مات سنة ٢٥٨، مترجم في التهذيب. حسين الجعفي: هو حسين بن علي بن الوليد، ثقة معروف، روى عنه أحمد، وابن معين، وغيرهم، بل روى عنه ابن عيينة وهو أكبر منه. وأخرج له أصحاب الكتب الستة. حمزة الزيات: هو حمزة بن حبيب، القارئ المعروف. وتكلم في رواية بعضهم، والحق أنه ثقة، وأخرج له مسلم في صحيحه. أبو المختار الطائي: قيل اسمه: سعد، وهو مجهول، جهله المديني وأبو زرعة. ابن أخي الحارث الأعور: أشد جهالة من ذلك، لم يسم هو ولا أبوه. عمه الحارث: هو ابن عبد الله الأعور الهمداني، وهو ضعيف جدا. وقد اختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا، حتى وصفه الشعبي وغيره بأنه "كان كذابًا"، وقد رجحت في شرح الحديث ٥٦٥ وغيره من المسند أنه ضعيف جدا. وأما متن الحديث: فقد رواه -بمعناه- ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة عن يحيى بن يمان عن حمزة الزيات، بهذا الإسناد، فيما نقل ابن كثير ١: ٥٠ ووقع فيه تحريف الإسناد هناك. وهو جزء من حديث طويل، في فضل القرآن - رواه الترمذي (٤: ٥١ - ٥٢ من تحفة الأحوذي) ، عن عبد بن حميد عن حسين الجعفي، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال". كذلك رواه الدارمي في سننه ٢: ٤٣٥ عن محمد بن يزيد الرفاعي عن حسين الجعفي. ونقله السيوطي ١: ١٥ ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في شعب الإيمان. وأشار إليه الذهبي في الميزان ٣: ٣٨٠ في ترجمة أبي المختار الطائي، قال: "حديثه في فضائل القرآن منكر". ونقله ابن كثير في الفضائل: ١٤ - ١٥ عن الترمذي، ونقل تضعيفه إياه، ثم قال: "لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور. فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث، فإنه إمام في القراءة. والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث - فلا. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح ". وسيأتي ١٧٥، ١٧٦ بإسنادين آخرين، موقوفًا، من كلام علي رضي الله عنه. ورواية ابن إسحاق -التي أشار إليها ابن كثير- هي حديث أحمد في المسند: ٥٦٥. عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق. وقد ضعفنا إسناده هناك، بالحارث الأعور، وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب. وليس فيه الحرف الذي هنا، في تفسير "الصراط المستقيم".]] . ١٧٥ - وحُدِّثْتُ عن إسماعيل بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سَلمة، عن أبي سِنان، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي البَخْتريّ، عن الحارث، عن عليّ، عن النبي ﷺ، مثله [[الحديث ١٧٥ - هو الحديث السابق بإسناد آخر. وهذا الإسناد جيد إلى الحارث الأعور، ثم يضعف به الحديث جدا، كما قلنا من قبل. ومحمد بن سلمة: هو الباهلي الحراني، وهو ثقة، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره، وأخرج له مسلم في صحيحه، مات سنة ١٩١. وشيخه أبو سنان: وهو سعيد بن سنان الشيباني، وهو ثقة، ومن تكلم فيه إنما يكون من جهة خطئه بعض الخطأ، وقال أبو داود: "ثقة من رفعاء الناس"، وأخرج له مسلم في الصحيح. وعمرو بن مرة: هو المرادي الجملي، ثقة مأمون بلا خلاف، قال مسعر: "عمرو من معادن الصدق ". وأبو البختري - بفتح الباء الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة: هو سعيد بن فيروز الطائي الكوفي، تابعي ثقة معروف.]] . ١٧٦ - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن أبن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن عليّ، قال: " الصِّراطُ المستقيم: كتاب الله تعالى ذكره [[الخبر ١٧٦ - هو الحديث السابق بالإسنادين قبله، بمعناه. ولكنه هنا موقوف على ابن أبي طالب. والإسناد إليه منهار انهيار الإسناد ١٧٤، من أجل الحارث الأعور وابن أخيه. أما من دونهما، فأبو المختار الطائي وحمزة مضيا في ١٧٤، وأبو أحمد الزبيري وأحمد بن إسحاق مضيا في ١٥٩.]] ". ١٧٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان -ح- وحدثنا محمد بن حُميد الرازي، قال. حدثنا مِهْران، عن سفيان، عن منصور عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: " الصِّراطُ المستقيم" كتابُ الله [[الخبر ١٧٧ - هذا موقوف من كلام عبد الله بن مسعود. وقد رواه الطبري بإسنادين إلى سفيان، وهو الثوري. أما أولهما: أحمد بن إسحاق عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري - فإسناده صحيح، لا كلام فيه. وأما ثانيهما: محمد بن حميد الرازي عن مهران، وهو ابن أبي عمر العطار - فقد بينا في الإسناد ١١ أن في رواية مهران عن الثوري اضطرابًا، ولكنه هنا تابعه عن روايته حافظ ثقة، هو أبو أحمد الزبيري. وقد رواه الثوري عن منصور، وهو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة ثبت حجة، لا يختلف فيه أحد. وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي، من كبار التابعين الثقات، قال ابن معين: "ثقة لا يسأل عن مثله". وهذا الخبر، رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٥٨ من طريق عمر بن سعد أبي داود الحضري عن الثوري، بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي ١: ١٥، والشوكاني ١: ١٣.]] ". ١٧٨ - حدثني محمود بن خِدَاشِ الطالَقاني، قال: حدثنا حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسِي، قال: حدثنا علي والحسن ابنا صالح، جميعًا، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الإسلام، قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض [[الخبر ١٧٨ - وهذا موقوف على جابر بن عبد الله. وإسناده صحيح: محمود بن خداش بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين معجمة - الطالقاني: ثقة من أهل الصدق، مات يوم الأربعاء ١٤ شعبان سنة ٢٥٠، كما في التاريخ الصغير للبخاري: ٢٤٧. وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي: ثقة ثبت عاقل، روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ. والحسن وعلي ابنا صالح بن صالح بن حي: ثقتان، وهما أخوان توأم. ومن تكلم في الحسن تكلم بغير حجة، وقد وثقناه في المسند: ٢٤٠٣. وأخاه فيه: ٢٢٠. وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وأمه زينب الصغرى بنت علي بن أبي طالب: تابعي ثقة، ولا حجة لمن تكلم فيه. والخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٥٨ - ٢٥٩، من طريق أبي نعيم عن الحسن بن صالح -وحده- بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير ١: ٥٠، والسيوطي ١: ١٥، والشوكاني ١: ١٣]] . ١٧٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: قل يا محمد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقول: ألهمنا الطريقَ الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له [[الحديث ١٧٩ - إسناده ضعيف، سبق بيان ضعفه: ١٣٧. وهذا اللفظ نقله ابن كثير ١: ٥٠ دون إسناد ولا نسبة. ونقله السيوطي ١: ١٤ مختصرًا، ونسبه للطبري فقط.]] . ١٨٠ - حدثنا موسى بن سهل الرازي، قال: حدثنا يحيى بن عوف، عن الفُرَات بن السائب، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس، في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: ذلك الإسلام [[الخبر ١٨٠ - إسناده ضعيف جدا، على ما فيه من جهلنا بحال بعض رجاله: فموسى بن سهل الرازي، شيخ الطبري: لم نجزم بأي الرجال هو؟ ولعله " موسى بن سهل بن قادم، ويقال ابن موسى أبو عمر الرملي، نسائي الأصل ". فهو شيخ للطبري مترجم في التهذيب ١٠: ٣٤٧، ولكنه لم ينسب "رازيا". وكتب في المخطوطة: "سهل بن موسى"! ولم نجد هذه الترجمة أيضًا، ونرجح أنه خطأ من الناسخ. . ويحيى بن عوف: لم نجد ترجمة بهذا الاسم قط فيما لدينا من مراجع. واما علة الإسناد، فهو "الفرات بن السائب الجزري"، وهو ضعيف جدا، قال البخاري في الكبير ٤ / ١ / ١٣٠: "تركوه، منكر الحديث"، وكذلك قال الأئمة فيه، وقال ابن حبان في المجروحين (في الورقة ١٨٧) : كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه، ولا كتبة الحديث إلا على سبيل الاختبار". وأما ميمون بن مهران فتابعي ثقة معروف، فقيه حجة. وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٥٠ مجهلا بلفظ "وقيل: هو الإسلام". ونقله السيوطي ١: ١٥ منسوبا لابن جريج فقط، على خطأ مطبعي فيه "ابن جريج"!]] . ١٨١ - حدثني محمود بن خِدَاش، قال: حدثنا محمد بن ربيعة الكِلابي، عن إسماعيل الأزرق، عن أبي عُمر البزّار، عن ابن الحنفية، في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العِباد غيرَه [[الأثر ١٨١ - ابن الحنفية: هو محمد بن علي بن أبي طالب، والحنفية أمه، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة، عرف بالنسبة إليها. وهذا الإسناد إليه ضعيف: محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي: ثقة من شيوخ أحمد وابن معين. وإسماعيل الأزرق: هو إسماعيل بن سلمان، وهو ضعيف، قال ابن معين: "ليس حديثه بشيء"، وقال ابن نمير والنسائي: "متروك"، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص ٧٨ رقم ٣٥) : "ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير". وأبو عمر البزار: هو دينار بن عمر الأسدي الكوفي الأعمى، وهو ثقة. والأثر ذكره ابن كثير ١: ٥١ دون نسبة ولا إسناد.]] . ١٨٢ - حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدّثنا عَمرو بن طلحة القنَّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السدِّي -في خبر ذكره- عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود -وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو الإسلام [[الخبر ١٨٢ - هذا من تفسير السدي، وقد سبق شرح إسناده ١٦٨. وقد نقله ابن كثير ١: ٥٠ والسويطي ١: ١٥.]] ١٨٣ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الطريق [[الخبر ١٨٣ - نقله السيوطي ١: ١٤ منسوبا للطبري وابن المنذر. وقد سبق أول هذا الإسناد: ١٤٤، وهو هنا منقطع، لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس، إنما يروي عن الرواة عنه.]] . ١٨٤ - حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف الآمُلي، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية، في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، قال: هو رسول الله ﷺ، وصاحباه من بعدِه أبو بكر وعمر. قال: فذكرتُ ذلك للحسن، فقال: صدَق أبو العالية ونصح [[الأثر ١٨٤ - عبد الله بن كثير أبو صديف الآملي، شيخ الطبري: لم أعرف من هو، ولم أجد له ذكرًا، وأخشى أن يكون فيه تحريف. هاشم بن القاسم: هو ابو النضر - بالنون والصاد المعجمة - الحافظ الخراساني الإمام، شيخ الأئمة: أحمد وابن راهويه وابن المديني وابن معين وغيرهم. حمزة بن المغيرة بن نشيط - بفتح النون وكسر الشين المعجمة - الكوفي العابد: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير ٢ / ١ / ٤٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢١٤ - ٢١٥، وذكره ابن حبان في الثقات ٤٤٣، قال: "حمزة بن المغيرة العابد، من أهل الكوفة. يروي عن عاصم الأحول عن أبي العالية (اهدنا الصراط المستقيم) ، قال: هو النبي ﷺ وصاحباه. روى عنه أبو النضر هاشم بن القاسم". ووقع هنا: في الأصول "حمزة بن أبي المغيرة". وهو خطأ من الناسخين. عاصم: هو ابن سليمان الأحول، تابعي ثقة ثبت. أبو العالية: هو الرياحي - بكسر الراء وتخفيف الياء، واسمه: رفيع -بالتصغير- ابن مهران، من كبار التابعين الثقات، مجمع على توثيقه. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٥١ ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم. والسيوطي ١: ١٥ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن عدي وابن عساكر. وأبو العالية لم يقله من قبل نفسه: فقد رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٥٩ من طريق أبي النضر بهذا الإسناد إلى "أبي العالية عن ابن عباس". وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. واختصره السيوطي ونسبه للحاكم فقط.]] ١٨٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " اهدنا الصراط المستقي"، قال: الإسلام [[الأثر ١٨٥ - هذا من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد نقله ابن كثير ١: ٥١ دون نسبة. وعبد الرحمن بن زيد: متأخر، من أتباع التابعين، مات سنة ١٨٢. وهو ضعيف جدا، بينت ضعفه في حديث المسند: ٥٧٢٣، ويكفي منه قول ابن خزيمة: "ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه، لسوء خفظه، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث".]] . ١٨٦- حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أنّ عبد الرحمن بن جُبير، حدّثه عن أبيه، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري، عن رسول الله ﷺ قال: ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا ". والصِّراط: الإسلامُ. ١٨٧ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري، عن النبي ﷺ، بمثله [[الحديث ١٨٦، ١٨٧ - رواه الطبري عن شيخه "المثنى" بإسنادين، أولهما أعلى من الثاني درجة: بين المثنى وبين معاوية بن صالح في أولهما شيخ واحد، وفي ثانيهما شيخان. أما المثنى شيخ الطبري: فهو المثنى بن إبراهيم الآملي، يروي عنه الطبري كثيرا في التفسير والتاريخ. وأبو صالح، في الإسناد الأول: هو عبد الله بن صالح المصري، كاتب الليث بن سعد، صحبه عشرين سنة. وهو ثقة، ومن تكلم فيه، في بعض حديثه عن الليث، تكلم بغير حجة. وله ترجمة في التهذيب جيدة، وكذلك في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٨٦ - ٨٧، وتذكرة الحفاظ ١: ٣٥١ - ٣٥٣. ولد عبد الله بن صالح سنة ١٣٧ ومات سنة ٢٢٢. ووقع تاريخ مولده في التهذيب (١٧٣) وهو خطأ مطبعي، صوابه في تذكرة الحفاظ. وآدم العسقلاني، في الإسناد الثاني: هو آدم بن أبي إياس، وهو ثقة مأمون متعبد، من خيار عباد الله، كما قال أبو حاتم. الليث: هو ابن سعد، إمام أهل مصر. معاوية بن صالح، في الإسنادين: هو الحمصي، أحد الأعلام وقاضي الأندلس، ثقة، من تكلم فيه أخطأ. عبد الرحمن بن جبير بن نفير - بالتصغير فيهما - الحضرمي الحمصي: تابعي ثقة. وأبوه: من كبار التابعين، أدرك زمن النبي ﷺ. وهو ثقة مشهور بالعلم، وقد ذكره الطبري في طبقات الفقهاء. النواس -بفتح النون وتشديد الواو- بن سمعان الكلابي: صحابي معروف. وهذا الحديث مختصر من حديث طويل، رواه احمد في المسند: ١٧٧١١ (ج ٤ ص ١٨٢ حلبي) عن الحسن بن سوار عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح، به. ونقله ابن كثير ١: ٥١ من رواية المسند، قال: "وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد، به. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر بن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان، به. وهو إسناد حسن صحيح". ونسبه السيوطي ١: ١٥، والشوكاني ١: ١٣ أيضًا للحاكم "وصححه"، ولغيره.]] . قال أبو جعفر: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سمّاه مستقيمًا، لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلافٌ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه.
thaalabi — الجواهر الحسان
وقوله تعالى: اهْدِنَا: رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغ الأمر كلها، فإِذا كانت من الأعلى، فهي أَمْرٌ. والهِدَايَةُ في اللغة: الإرشادُ، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإِرشاد وكلها إِذا تأملت راجِعةٌ إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خَلْقِ الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5] ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: 46] ، وإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: 56] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [الأنعام: 125] الآية، قال أبو المعالي [[عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالي بن أبي محمد الجويني، ولد سنة (419) ، وتفقه على والده، وقعد للتدريس بعده، وحصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الأسفراييني الإسكاف، وصار إماما، حضر درسه الأكابر، وتفقه به جماعة من الأئمة. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، ومن تصانيفه: النهاية والغياثي والإرشاد، وغيرهما. مات سنة (478) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 255) ، «طبقات السبكي» (3/ 249) ، «وفيات الأعيان» (2/ 341) ، و «الأنساب» (3/ 430) ، «شذرات الذهب» (3/ 358) ، «النجوم الزاهرة» (5/ 121) ، و «معجم البلدان» (2/ 193) .]] : فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد [[ينظر: ص 486.]] . 8 أوقد جاء الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] أي: داع/ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] . وقد جاء الهدى بمعنى الإِلهام من ذلك قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50] . قال المفسِّرون: ألهم الحيواناتِ كلَّها إِلى منافعها. وقد جاء الهدى بمعنى البيان من ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: 17] قال المفسِّرون: معناه: بيَّنَّا لهم. قال أبو المعالي [[ينظر: «الإرشاد» ص (190) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 73) .]] : معناه: دعوناهُمْ، وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: 12] ، أي: علينا أنْ نبيِّن. وفي هذا كله معنى الإِرشاد. قال أبو المعالي: وقد ترد الهدايةُ، والمراد بها إِرشاد المؤمنين إِلى مسالك الجِنَانِ والطرقِ المفضيةِ إِلَيْهَا كقوله تعالى في صفة المجاهدين: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: 4- 5] ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: 23] ، معناه: فاسلكوهم إِليها. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 73) .]] : وهذه الهدايةُ بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضدُّ الضلالِ، وهي الواقعة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ على صحيح التأويلات، وذلك بيِّن من لفظ «الصِّرَاط» والصراط في اللغة: الطريقُ الواضِحُ ومن ذلك قول جَرِيرٍ [[جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى بن بدر الكلبي، اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد سنة (28) هـ. ومات سنة 110 هـ. في «اليمامة» . وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءا مرّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفا، وهو من أغزل الناس شعرا. ينظر: «الأعلام» (2/ 19) ، «وفيات الأعيان» (1/ 102) ، «الشعر والشعراء» (179) ، و «خزانة الأدب» (1/ 36) .]] : [الوافر] أَمِيرُ المُؤْمِنيِنَ على صِرَاطٍ ... إِذَا اعوج المَوَارِدُ مستقيم [[البيت في مدح هشام بن عبد الملك، ينظر: ديوانه (507) ، «شرح الديوان» لمحمد بن حبيب (1/ 218) ، «المحتسب» (1/ 43) ، «مجاز القرآن» (1/ 24) ، «تفسير الطبري» (1/ 56) ، «تفسير القرطبي» (1/ 103) ، «اللسان» (سرط) ، «الجمهرة» (2/ 330) ، «الدر المصون» (1/ 78) . والموارد: الطرق، واحدها موردة.]] واختلف المفسِّرون في المعنى الذي استعير له «الصِّراط» في هذا الموضع: فقال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: الصراط المستقيم هنا القرآنُ [[أخرجه ابن جرير (1/ 173) (176) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 59) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 41) ، عن علي مرفوعا، وابن كثير (1/ 27) ، عن علي موقوفا عليه. وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري: والإسناد إلى علي بن أبي طالب فيه انهيار.]] ، وقال جابرٌ: هو الإِسلام، يعني الحنيفيَّة [[أخرجه ابن جرير (178) ، وصححه الحاكم (2/ 259) ، ووافقه الذهبي. وذكره الماوردي في تفسيره (1/ 59) ، والبغوي (1/ 41) ، وابن كثير (1/ 27) ، قال: صحيح، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 40) وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، والمحاملي في «أماليه» ، والحاكم. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.]] . وقال محمَّد بن الحنفيَّة [[محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، الإمام المعروف ب «ابن الحنفية» أمه خولة بنت جعفر الحنفية، نسب إليها. عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه: إبراهيم، وعبد الله، والحسن، وعمرو بن دينار، وخلق. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية. قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 440) ، و «تهذيب التهذيب» (9/ 354) ، و «الكاشف» (3/ 80) ، و «الثقات» (5/ 347) .]] : هو دينُ اللَّه الذي لا يَقْبَلُ مِن العِبَادِ غيره [[ذكره الماوردي في «تفسيره» (ص 59) ، وابن كثير (ص 27) ، وقال: صحيح.]] . وقال أبو العالية: هو رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بَكْر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريق محمد ﷺ وأبي بكر وعمر [[أخرجه ابن جرير (1/ 105) برقم (184) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 59) ، والبغوي (1/ 41) ، وابن كثير (1/ ص 27، 28) ، وقال: صحيح. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 41) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم في «المستدرك» ، عن ابن عباس، وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.]] ، وهذا قويٌّ في المعنى، إلاَّ أنَّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوُّز، ويجتمع من هذه الأقوال كلِّها أنَّ الدعوة هي أنْ يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام وهو حالُ رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه. وهذا الدعاء إِنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قوله: اهْدِنَا فيما هو حاصل عندهم: التثبيتُ والدوام، وفيما ليس بحاصل، إِما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة عليه: طلب الإرشاد إليه، فكلّ داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله، وأفعاله، ومعتقداته واختلف في المشار إِليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم، وقول ابن عبَّاس، وجمهور من المفسِّرين: أنه أراد صراط النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالِحِين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ... الآية [النساء: 66] إلى قوله: رَفِيقاً [[أخرجه ابن جرير (1/ 106) برقم (188) ، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري (1/ 178) (188) : في إسناده ضعف. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 75) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 42) .]] . وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، اعلم أنَّ حكم كل مضافٍ إلى معرفة أنْ يكون معرفة، وإنما تنكَّرت «غَيْرٌ» و «مِثْلٌ» [[هذا يكون في الإضافة المحضة المعنوية لا الإضافة غير المحضة اللفظية.]] مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إِذا قلْتَ: رأيتُ غَيْرَكَ، فكلُّ شيء سوى المخاطَبِ، فهو غيره وكذلك إِنْ قُلْتَ: رأيْتُ مثْلَكَ، فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة. والْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهودُ، والضالُّون: النصارى قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد [[أخرجه الطبري (1/ 111- 114) بأرقام (200- 201- 202- 205- 214- 219) عن ابن زيد، ومجاهد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ. وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (1/ 77) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 42- 43) . وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني روى عن أبيه، وعن وكيع وابن وهب، وقتيبة، وخلق. ضعّفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وغيرهم. توفي سنة (182) هـ. ينظر: «الخلاصة» (2/ 133) (4094) ، «الجرح والتعديل» (2/ 232- 233) ، و «المغني» (2/ 380) .]] . وروى ذلك عديّ بن حاتم [[هو: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعلب بن عمرو بن عوث بن طيّ ... وقيل في نسبه غير ذلك، أبو الطريف. وقيل: أبو وهب، الطائي. وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بكرمه وجوده المثل، وكان هو أيضا كريما جوادا، وقد أسلم بعد أن كان نصرانيا. وروى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وثبت هو وقومه بعد موت النبي ﷺ وردت كثير من العرب، فجاء إلى أبي بكر بصدقة قومه. وأخباره في الكلام كثيرة، وسيرته بين الصحابة شهيرة. توفي سنة (67) وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 8) ، «الإصابة» (4/ 228) ، «الثقات» (1/ 316) ، «الاستيعاب» (1057) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 376) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 322) ، «التاريخ الكبير» (7/ 43) ، «التاريخ الصغير» (1/ 148) ، «الجرح والتعديل» (7/ 2) .]] عن النبيّ ﷺ [[أخرجه الترمذي (5/ 204) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، حديث (2954) . -- وأحمد (4/ 378- 379) ، وابن حبان (1715- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 99- 100) ، رقم (237) ، والطبري في «تفسيره» (1/ 193- شاكر) ، رقم (208) والبيهقي في «دلائل النبوة» (5/ 340) ، كلهم من طريق سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم به مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث سماك بن حرب، وروى شعبة، عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ الحديث بطوله. وصححه ابن حبان. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 43) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقد ورد هذا الحديث مرسلا. أخرجه سعيد بن منصور (179) ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، أن رسول الله ﷺ قال لعدي بن حاتم: «المغضوب عليهم: اليهود، والنصارى هم الضالون» . وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 43) ، وزاد نسبته إلى سفيان بن عيينة في «تفسيره» . وللحديث طرق أخرى ضعيفة أخرجها الطبري في «تفسيره» (1/ 193) . وللحديث أيضا شاهد من حديث أبي ذر، أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 30) . وحسنه الحافظ في «الفتح» (8/ 9) فقال: وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر.]] ، وذلك بيِّن من كتاب اللَّه لأنَّ ذِكْرَ 8 ب غضَبِ اللَّه على اليهود متكرِّر فيه كقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ/ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 112] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية [المائدة: 60] وغضب اللَّه تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محناً وعقوباتٍ وذِلَّةً، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعْداً مؤكَّداً مبالغاً فيه، والنصارى كان محقِّقوهم على شِرْعَةٍ قبل ورود شرعِ محمَّد ﷺ، فلما ورد، ضلُّوا، وأما غير متحقِّقيهم، فضلالتهم متقرِّرة منذ تفرَّقت أقوالهم في عيسى عليه السلام، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] . وأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبْعُ آيات العالمين آية، الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيفٌ. (القَوْلُ فِي «آمِينَ» ) روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا «آمِينَ» ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ فِي السَّماءِ تَقُولُ: «آميِنَ» ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه» [[أخرجه مالك (1/ 88) ، كتاب «الصلاة» ، باب التأمين خلف الإمام، الحديث (47) ، وأحمد (2/ 440) ، والبخاري (2/ 266) ، كتاب «الأذان» ، باب جهر المأموم بالتأمين، الحديث (782) ، ومسلم-- (1/ 310) ، كتاب «الصلاة» ، باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير، الحديث (87/ 415) ، وأبو داود (1/ 575) ، كتاب «الصلاة» ، باب التأمين وراء الإمام، الحديث (935) ، والنسائي (2/ 144) ، كتاب «الافتتاح» ، باب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة به بزيادة: «فإنه من وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذنبه» . وأخرجه عبد الرزاق (2/ 97) ، كتاب «الصلاة» ، باب آمين، الحديث (2644) بزيادة، فقال: ثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» . وأخرجه أحمد (2/ 233) ، والنسائي (2/ 144) ، كتاب «الافتتاح» ، باب جهر الإمام بآمين، من طريق معمر به.]] . ت: وخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ من طريق أبي موسى رضي اللَّه عنه عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليُؤمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: «آمِينَ» ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ ... » الحديثَ [[أخرجه مسلم (2/ 283: 286- الأبي) ، كتاب «الصلاة» ، باب التشهد في الصلاة، حديث (62/ 404) ، وأبو داود (1/ 319- 320) ، كتاب «الصلاة» ، باب التشهد، حديث (972) ، والنسائي (2/ 196) ، كتاب «التطبيق» ، باب قوله، ربنا لك الحمد، حديث (1064) . وابن ماجة (1/ 276) ، كتاب «الصلاة» ، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، حديث (847) ، وأحمد (4/ 393، 394، 401، 405، 415) ، وابن خزيمة (1584، 1593) ، والبيهقي (2/ 96) ، كلهم من طريق حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا.]] . انتهى. ومعنى «آمِينَ» عند أكثر أهل العلم: اللَّهُمَّ، استجب، أو أجبْ [[«آمين» ليست من القرآن إجماعا، ومعناها: استجب، فهي اسم فعل مبني على الفتح. وقيل: ليس اسم فعل، بل هو من أسماء الباري تعالى، والتقدير: يا آمين، وقد ضعف أبو البقاء هذا القول بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يبنى على الضم لأنه منادى مفرد معرفة. والثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية. وفي «آمين» لغتان: المد والقصر، تقول العرب: آمين، وأمين، قال الشاعر: [الطويل] تباعد عنّي فطحلّ إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وقال المجنون: [البسيط] يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 54) ، و «الوسيط» (1/ 70) ، و «الدر المصون» (1/ 86) ، و «الزاهر» (1/ 161) ، و «غرائب النيسابوري» (1/ 75) ، وابن كثير (1/ 31) .]] يَا رَبِّ. ومقتضى الآثار أنَّ كل داع ينبغي له في آخر دعائه أنْ يقول: «آمِينَ» ، وكذلك كل قارئ للحمدِ في غير صلاة، وأما في الصلاة، فيقولها المأموم والفَذُّ، وفي الإمام في الجهر اختلاف [[ذهب جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الجهر بالتأمين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال عطاء: كنت أسمع الأئمة- وذكر ابن الزّبير ومن بعده- يقولون: آمين، ويقول من خلفه: آمين، حتى إنّ للمسجد للجّة. ينظر: «شرح السنة» (2/ 208) .]] . واختلف في معنى قوله ﷺ: «فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ» ، فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجَّح أنَّ المعنى: فمن وافق في الوقْتِ مع خلوصِ النيةِ والإِقبالِ على الرغبة إِلى اللَّه بقلْبٍ سليمٍ فالإِجابة تتبع حينئذ لأِنَّ من هذه حاله، فهو على الصراط المستقيم. وفي «صحيح مُسْلِمٍ» وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت النبيّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أثنى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهدنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» [[تقدم تخريجه.]] انتهى، وعند مالك: «فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي» . وأسند أبو بكر بن الخَطِيبِ [[أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد سنة (392) ، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر ابن الصباغ، وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب. قال ابن ماكولا: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله. وقال الشيرازي: كان أبو بكر يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. مات (463) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 240) ، «طبقات السبكي» (3/ 12) ، «وفيات الأعيان» (1/ 76) .]] عن نافعٍ [[نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني عن ابن عمر، وأنس. وعنه ابن أخيه مالك بن أنس، والزهري. وثقه أبو حاتم وغيره. قال الواقدي: هلك في إمارة أبي العباس. ينظر: «تاريخ الإسلام» (5/ 307) ، «الثقات» (5/ 471) ، «تراجم الأحبار» (4/ 139) ، «تاريخ أسماء الثقات» (1473) ، «سير الأعلام» (5/ 283) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1404) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 409) (737) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (3/ 89) ، «الكاشف» (3/ 197) .]] عن ابن عُمَرَ [[عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن-- عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. أبو عبد الرحمن. القرشي، العدوي. ولد سنة: (3) من البعثة النبوية توفي سنة: (84) . ينظر ترجمته في: «الإصابة» (4/ 107) ، «أسد الغابة» (3/ 340) ، «الثقات» (3/ 209) ، «شذرات الذهب» (2/ 15) ، «الجرح والتعديل» (5/ 107) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 203) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 325) ، «تقريب التهذيب» (1/ 435) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 328) .]] قال: قال النبيُّ ﷺ: «من كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» انتهى من «تَارِيخِ بَغْدَاد» ولم يذكر في سنده مَطْعَناً. وقال ابن العربيِّ [[محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، ولد (468) هـ.، من حفاظ الحديث بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، صنف كتبا في الحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، والأدب، والتاريخ، وولي قضاء إشبيلية، من مؤلفاته «أحكام القرآن» و «المحصول» ، و «الناسخ والمنسوخ» ، وغيرها كثير، توفي (543) هـ. ينظر: «طبقات الحفاظ» للسيوطي، «وفيات» (1/ 489) ، «نفح الطيب» (1/ 340) ، «قضاة الأندلس» (105) ، «جذوة الاقتباس» (2160) ، «الأعلام» (6/ 230) .]] في «أحكامه» [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 5) .]] : والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها على المأمومِ فيما أسر فيه، وتحريمها فيما جهر فيه، إذا سمع/ الإِمام لِمَا عليه من وجوب الإِنصاتِ 9 أوالاستماع، فإِنْ بَعُدَ عن الإِمام، فهو بمنزلة صلاة السرِّ. انتهى. نجز تفسير سورة الحَمْدِ، والحَمْدُ للَّه بجميع محامده كلِّها ما علمْتُ منها، وما لم أعلم.
thalabi — الكشف والبيان
اهْدِنَا، قال علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) وأبيّ بن كعب: أرشدتنا فهذا كما يقال للرجل الذي يأكل: كل، والذي يقرأ: اقرأ، وللقائم: قم لي حتّى أعود لك أي دم على ما أنت عليه. وقال السدّي ومقاتل: أرشدنا، يقال: هديته للدّين وهديته الى الدين هدى وهداية، قال الحسن بن الفضل: الهدى في القرآن على وجهين: الوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [[سورة الشورى: 52.]] ، وقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [[سورة الرعد: 7.]] ووَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [[سورة فصّلت: 17.]] . الوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[سورة النحل: 93.]] ، وقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [[سورة القصص: 56.]] . والصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الطريق الواضح المستوي، قال عامر بن الطفيل: خشونا أرضهم بالخيل حتّى ... تركناهم أذل من الصراط [[الفروق اللغوية: 313.]] وقال جرير: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجّ الموارد مستقيم [[الصحاح: 2/ 550.]] الإختلاف في قراءة الصِّراطَ وفي الصِّراطَ خمس قراءات: بالسين وهو الأصل، سمّي الطريق سراطا لأنّه يسترط المارّة. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن حمدويه، حدّثنا محمود بن آدم، حدّثنا سفيان عن عمر عن ثابت قال: سمعت ابن عباس قرأ السراط بالسين ، وبه قرأ ابن كثير [من] طريق.. [[بياض في المخطوط.]] .. ويعقوب [من] طريق.. [[بياض في المخطوط.]] ... وبإشمام السين وهي رواية أبي حمدون عن الكسائي، وبالزاي وهي رواية أبي حمدون عن سليم عن حمزة. وبإشمام الزاي وهي قراءة حمزة في أكثر الروايات والكسائي في رواية نهشل والشيرازي. وبالصاد قراءة الباقين من القرّاء. وكلّها لغات فصيحة صحيحة إلّا إن الاختيار الصاد لموافقة المصحف لأنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد. ولأن آخرتها بالطاء لأنهما موافقتان في الاطباق والاستعلاء. واختلف المفسّرون في الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد، وأبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري قالا: أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدّثنا الحسين بن علي عن حمزة الزيّات عن أبي المختار الطائي عن [ابن] أبي أخ الحرث الأعسر عن الحرث عن علي قال: سمعت النبي ﷺ‎ [يقول] : «الصراط المستقيم كتاب الله عزّ وجلّ» [[معاني القرآن: 1/ 76، وتفسير القرطبي: 8/ 329.]] [29] . وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد بن محمد، حدّثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدّثنا زكريا بن عديّ عن مقتضي عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم كتاب الله عزّ وجلّ. وأخبرنا عبد الله، أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد، حدّثنا ليث، حدّثنا عقبة بن سليمان، حدّثنا الحسين بن صالح عن أبي عقيل عن جابر قال: الصراط المستقيم الإسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض [وإنما كان] الصراط المستقيم الإسلام لأن كل دين وطريق [غير] الإسلام فليس بمستقيم. وروى عاصم الأحول عن أبي العالية الرياحي: هو طريق النبي ﷺ‎ وصاحباه [[الكامل لابن عدي: 3/ 163.]] . قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح. وقال بكر بن عبد الله المزني: رأيت رسول الله ﷺ‎ في المنام، فسألته عن الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، فقال: سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. وقال سعيد بن جبير: يعني طريق [الحق] . وقال السدّي: أرشدنا إلى دين يدخل صاحبه به الجنة ولا يعذب في النار أبدا، ويكون خروجه من قبره إلى الجنة. وقال محمد بن الحنفية: هو دين [الله] الذي لا يقبل من عباده غيره. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله العايني، حدّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي ببغداد، حدّثنا أبو القاسم [....] [[بياض في مصورة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.]] ابن نهار، حدّثنا أبو حفص المستملي، حدّثنا أبي، حدّثنا حامد بن سهل، حدّثنا عبد الله بن محمد العجلي، حدّثنا إبراهيم بن جابر عن مسلم بن حيان عن أبي بريدة في قول الله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال: صراط محمد ﷺ‎ وآله (عليهم السلام) [[تفسير أبي حمزة الثمالي: 167، وشواهد التنزيل: 1/ 74 ح 86، ونهج الايمان لابن جبر عن كتاب ابن شاهين: 54.]] . وقال عبد العزيز بن يحيى: يعني طريق السواد الأعظم. [وقال] أبو بكر الورّاق: يعني صراطا لا تزيغ به الأهواء يمينا وشمالا. وقال محمد بن علي النهدي: يعني طريق الخوف والرجاء. وقال أبو عثمان الداراني: [يعني] طريق العبودية. وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله بهرات يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن واصل العنبري يقول: سمعت [سهل] بن عبد الله التستري يقول: طريق السنّة والجماعة لأن البدعة لا تكون مستقيمة. وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن عاصم عن زر عن أبي وائل عن عبد الله قال: خطّ رسول الله ﷺ‎ خطّين، خطّا عن يمينه وخطّا عن شماله ثم قال: «هذه السبل، وعلى كلّ سبيل منهما شيطان يدعو إليه، وهذا سبيل الله» [30] [[مسند أحمد: 1/ 465، السنن الكبرى: 6/ 343 بتفاوت.]] ، ثم قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [[سورة الأنعام: 153.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدّثنا معمّر بن سفيان الصغير، حدّثنا يعقوب بن سفيان الكبير، حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدّثنا معاوية بن صالح أن عبد الرّحمن بن جبير بن نصر حدّثه عن أبيه جبير عن نواس بن معاذ عن رسول الله ﷺ‎ أنه قال: «ضرب الله مثلا (صِراطاً مُسْتَقِيماً) وعلى جانبي الصراط ستور مرخاة فيها أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه بالصراط: الإسلام. والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله عزّ وجلّ، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم» [31] [[مسند أحمد: 4/ 182، المستدرك: 1/ 73 بتفاوت يسير.]] .
wahidi_basit — التفسير البسيط
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى [[في (ج): (هدي).]]، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق [["تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3737، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 73، "اللسان" (هدى) 8/ 4639.]]. وأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة [[ذكر نحوه الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (هدى) 4/ 3738، وانظر: "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "معجم مقاييس اللغة" (هدى) 6/ 42.]]. قال عبيد [[كذا في "تهذيب اللغة"، وفي الهامش، في المنسوخة: أبو عبيد 6/ 383، والصحيح (عبيد) فالبيت لعبيد بن الأبرص.]] يذكر الخيل [[في (ج): (الخليل).]]: وغداة صبحن الجفار عوابسا [[في (ج): (عواسا).]] ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ [[يذكر الخيل: صبحن الجفار: أتينه صبحا و (الجفار): موضع، (شعث): المغبرة == المتلبدة الشعر، (شزب): ضمر، انظر: "ديوان عبيد" ص 7، "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" (هدى) 8/ 4641، "التاج" (هدى) 20/ 333.]] هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة [[انظر: "التهذيب" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" (هدى) 8/ 4641.]]. ومنه: كأن دماء الهاديات بنحره [[في (ب): (منجره) وفي (ج): (ينحر). والبيت لامرئ القيس وعجزه: ... ... ... ... ... عصارة حناء بشيب مرجل شبه دم الوحش بنحر هذا الفرس بعصارة الحناء على الشيب، ورد البيت في "ديوانه" ص 121، "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "اللسان" (هدى) 8/ 4641، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 39.]] يريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها [[انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3738، "اللسان" (هدى) 8/ 4640.]]. وقول طرفة: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه [[في (ب): (فما ساقه).]] قدمه [[في (ج): (قدميه). ورد البيت في الطبري 1/ 73، "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "اللسان" 8/ 4641، "التاج" 20/ 333، "العقد الفريد" 5/ 479، "أمالي ابن الشجري" 2/ 262، "الهمع" 3/ 207، "الدرر اللوامع" 1/ 181، "الخزانة" 7/ 19.]] أي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا [[انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739.]] في قوله: إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا [[في (ج): (الأمير). قوله (صدر القناة): أعلى العصا التي يقبض عليها، لأنه أعمى، == (الأمير) الذي يأمره ويقوده، ورد البيت في "ديوان الأعشى" ص 87، "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" 8/ 4641، "التاج" 20/ 331، "المحتسب" 1/ 126، 290.]] إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى [[في (ب): (إلى المعونة الهداية).]] الهداية، لأن من دلك [[في (ج): (ذلل).]] على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل [[انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" 8/ 4641.]]. والفعل من (الهدى) [[في (ب): (الهادي).]] يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و (اللام [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 123، "الكشاف" 1/ 66 - 67، "البحر المحيط" 1/ 25، (تفسير أبي السعود) 1/ 17.]]) كقوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [[في (ج): (فاهدهم) تصحيف.]] [الصافات: 23]، وقوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: 35]. ومثل هذا في التعدي [[أي: التعدي بأحد حرفي الجر (إلى) و (اللام).]] (الإيحاء) [[في (ب): (بالإيحا).]] قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68]، وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾ [الزلزلة: 5]. وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر [[انظر: ابن كثير، 1/ 29، "البحر المحيط" 1/ 25.]]. كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه [[قال ابن جرير: معنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في هذا الموضع، وفقنا == للثبات عليه. وضعف أن يكون المعنى: زدنا هدى، أو: أسلكنا طريق الجنة والمعاد. الطبري 1/ 71 - 72، وانظر: ابن كثير 1/ 29.]]. ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة [[انظر: "الكشاف" 1/ 67.]]، ولا ينتقل إلى الجهالة. والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على [[في (ب): (جهة).]] وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر رضي الله عنه: فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا [[ورد البيت في الطبري 1/ 72، "الكامل" 2/ 199، "المقتضب" 3/ 224، (الهمع) 3/ 110، "اللسان" (حنن) 2/ 1030، ورواية الطبري (ولا تعجلني) وبقية المصادر (تحنن علي).]] لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق و [[في (ب)، (ج): (أو).]] التثبيت [[وهذا هو المعنى الذي ارتضاه الطبري 1/ 72، وذكره الزجاج في "المعاني" ص 12، والماوردي 1/ 58، والبغوي 1/ 54، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 15، والرازي 1/ 357، وقد ذكر الماوردي وابن الجوزي والرازي معاني أخرى.]]. وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن [[في (ب): (فهم يسألون أن يخلق لهم).]] يخلق له أمثالها [[في (ج): (مثلها). ما ذكره مبني على مذهب أصحابه الأشاعرة: أن العرض لا يبقى زمانين، والهداية عرض فهي عندهم لا تبقى في الزمان الثاني، فهو يسأل أن تجدد له الهداية، وهذا مذهب رده جماهير العلماء. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 216، 6/ 41، 16/ 275.]]. وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 16]. وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: 6] [[في (ج): (صراط).]]، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام [[الإشمام: هو إطباق الشفتين عقب تسكين الحرف المرفوع، والمراد هنا بإشمام الصاد الزاي هو خلط لفظ الصاد بالزاي. انظر: "الكشف" 1/ 122، (البدور الزاهرة) ص 15.]] الصاد الزاي [[روي عن ابن كثير: بالسين والصاد، وروي عن أبي عمرو: السين والصاد، والزاي والمضارعة بين الزاي والصاد. وحمزة: يشم بين الصاد والزاي. وبقية السبعة بالصاد. انظر (السبعة) لابن مجاهد ص 105، 106، "الحجة" لأبي علي 1/ 49، (الكشف) لمكي 1/ 34.]]. فمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع [[يقال: استراط الطعام: إذا ابتلعه. انظر: "تهذيب اللغة" (سرط) 4/ 1993.]]، فالسراط يسترط السابلة [[السراط: الطريق، و (السابلة) المارة يسترطهم لكثرة مرورهم به. انظر: "اللسان" (سرط) 4/ 1993.]]. ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء [[في (ج): (الظاء).]]) لم يعلم [[في (ب): (ما يعلم).]] ما أصل الكلمة [[ذكره أبو علي في "الحجة" عن أبي بكر محمد بن السري 1/ 49، وانظر: "حجة == القراءات" لابن زنجلة ص 80، "الحجة" لابن خالويه ص 62، "الكشف" 1/ 34.]]. ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء [[بنصه في "الحجة" 1/ 49، 50، وانظر المراجع السابقة.]]. ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا [[أي: أبدلت من (الصاد) حرفا مجهورا وهو (الزاي).]] حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) [[في (ب): (زفر في صفر) وفي "الحجة": (صقر) و (سقر) و (زقر)، 1/ 50.]]. ويقول من قرأ بالمضارعة [[بين الزاي والصاد.]]: رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما [[بنصه من "الحجة" 1/ 50، وانظر: "الكشف" 1/ 34، 35.]]. قال ابن السراج [[هو أبو بكر محمد السري، المعروف بابن السراج، وكلامه في "الحجة" 1/ 50.]]: الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع [[(مع) غير واضحة في (ب).]] (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست [[في (ج): (فليت).]] بمعروفة [[كلام ابن السراج في "الحجة": (وأما الزاي فأحسب الأصمعي لم يضبط عن أبي عمرو؛ لأن الأصمعي كان غير نحوي، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهمها زايا)، "الحجة" 1/ 51.]]، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة. وأما المضارعة [[كلام ابن السراج في "الحجة": (وأما القراءة بالمضارعة التي بين (الزاي) و (الصاد) == فعدلت عن القراءة بها؛ لأنه تكلف حرف بين حرفين). "الحجة" 1/ 51.]] فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب "الحجة" [[هو أبو علي الفارسي. وكتابه "الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد" وهو مصدر رئيس للواحدي خصوصا في القراءات. انظر: مصادر الواحدي ص 78، انظر كلام الفارسي في "الحجة" 1/ 51.]]: الحجة لمن قرأ بالصاد: أن [[في "الحجة": (أن القراءة بالسين مضارعة ...)، 1/ 51.]] السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل [[في (ب): (السفل).]] بالإمالة. فكذلك يكره [[في "الحجة": (يكره على هذا أن يستفل ..)، "الحجة" 1/ 51.]] أن يتسفل [[في (ب): (يستقل).]] بالسين [[(بالسين) غير موجود في "الحجة" 1/ 51.]] ثم يتصعد [[لأن (السين) حرف منخفض، و (الطاء) من حروف الاستعلاء والتصعد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 62.]] بالطاء في (سراط)، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) [[في (ب): (صفه وصديق). أصل صقت: (سقت) و (صويق): (سويق). انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 212. (السويق) ما يتخذ من الحنطة والشعير. ويقال: السويق: المقل الحتى، والسويق: السبق الفتي، والسويق: الخمر. "اللسان" (سوق) 4/ 2156.]] ليجعلوها في استعلاء (القاف) [[في "الحجة" (.. في استعلاء (القاف) مع بعد (القاف) من (السين) وقرب (الطاء) منها، فإن يبدلوا منها الصاد ...)، "الحجة" 1/ 52.]]، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء) أجدر [[في (ب): (فصدر).]] من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) [[(منه إلى القاف) ليست في "الحجة" 1/ 52.]]. ألا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 52.]]. وأن [[قال أبو علي: (ويدلك على أن حسن إبدال (الصاد) من (السين) في (سراط) لما ذكرت لك: من كراهة التصعد بعد التسفل، أن من يقول: صويق وصقت ... الخ). "الحجة" 1/ 52.]] من يقول: (صويق) و (صقت)، إذا قال: (قست وقست) [[كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة": (قست وقسوت) 1/ 52. وهذا هو الصواب.]] لم يبدل (الصاد) من [[في "الحجة" (منها) بدل (من السين).]] (السين)، لأنه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخف ولا يستثقل كما استثقل عكسه. واحتجاجهم بأن (السين) هو الأصل، قلنا: قد يترك ما هو الأصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل؛ طلبا لاتفاق الصوتين [[من قوله: (واحتجاجهم إلى قوله (الصوتين) ملخص كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 1/ 52، 53.]]. ألا تراهم قالوا: (شنباء)، و (من بكر) [[في (ب): (شبنا) و (من نكر) وفي "الحجة": (شمباء) و (مم بك) وفي الحاشية: في ط (شنباء ومن بك). قال سيبويه: (... فجعلوا ما هو من موضع ما وافقها في الصوت بمنزلة ما قرب من أقرب الحروف منها في الموضع، ولم يجعلوا (النون): (باء) لبعدها في المخرج، وأنها ليست فيها غنة. ولكنهم أبدلوا من مكانها أشبه الحروف بالنون وهي الميم وذلك قولهم: (ممبك)، يريدون: (من بك). و (شمباء) و (عمبر) يريدون: (شنباء) و (عنبرا). انظر: "الكتاب" 4/ 453 تحقيق: عبد السلام هارون. "سر صناعة الإعراب" 1/ 421.]] فلم يبينوا [[في (ب): (يثبتوا).]] (النون) التي هي الأصل في (الشنب) [[الشنب (البرد والعذوبة في الفم). "اللسان" (شنب) 4/ 2336.]]، و (من عامر) [[في (ب): (غامر). يريد أن النون أصل في (الشنب) و (ومن عامر) ومع ذلك أبدلوها ميما في (شنباء) و (من بكر). أما (من عامر) فإن النون فيه يجب إظهارها.]]؟ لما أرادوا أن يوفقوا بين الصوتين [[ترك المؤلف بعض كلام أبي علي. انظر: "الحجة" 1/ 53.]]. فكما تركوا الأصل ههنا طلبًا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في (صراط) [[في "الحجة" (سراط) بالسين، 1/ 53، وهو الأقرب.]] فتترك السين [[(فتترك السين) ليس في "الحجة"، 1/ 53.]] ويختار إبدال الصاد من السين. وأما القراءة (بالزاي) فليس بالوجه، وذلك أن من قال في: (أصدرت): (أزدرت) وفي (القصد): (القزد) [[في (أ)، (ج): (الفصد، الفرد) وفي (ب): (القصد، الفرد) وما أثبت من "الحجة" 1/ 53. وعند سيبويه: (الفصد: الفزد)، "الكتاب" 4/ 478.]] فأبدل [[في (ب): (وأبدل).]] من (الصاد الزاي)، فإنه إذا تحركت (الصاد) في نحو [[في (ب): (نحمد).]] (صدرت) و (قصدت [[في (أ): (فصدت) وفي "الحجة" (صدقت) 1/ 53، وفي "الكتاب" (صدقت) 4/ 478.]]) لم يبدل، فإذا لم يبدلوا (الصاد) (زايا) إذا تحركت مع (الدال)، وكانت (الطاء) في (الصراط) مثل الدال في (القصد) [[في (أ)، (ج): (الفصد) وما في (ب) موافق لما في "الحجة"، 1/ 53.]] في الجهر [[في "الحجة" (في حكم الجهر)، 1/ 53.]]، فكذلك ينبغي ألا يبدل من (السين) (الزاي) في (سراط)، من أجل (الطاء)، لأنها قد تحركت كما تحركت في (قصدت) [[في (أ)، (ج): (فصدت) وما في (ب) هو الموافق لما في "الحجة"، 1/ 54. وانظر: "الكتاب" 4/ 478.]] مع أن بينهما في (سراط) حاجزين [[وهما (الراء والألف)، انظر: "الكتاب" 478/ 4. وانظر بقية كلام أبي علي في "الحجة"، 1/ 54، 55.]]. ومما يحتج [[كذا في جميع النسخ وفي "الحجة" (ومما يحتج به من أخلص الصاد ...)، 1/ 56.]] من أخلص (الصاد [[في (ج): (الضاد).]]) على من ضارع بها (الزاي [[تكلم أبو علي قبل هذا على الحجة من (ضارع الصاد بالزاي) ولم ينقل الواحدي كلامه في ذلك. انظر: "الحجة" 1/ 55.]]) أن يقول: إن الحرف قد أعل مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة؛ لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين [[في (ب): (متفرقين).]]، فألا [[في (ب): (بأن).]] يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر [[الإعلالان هنا: إبدال السين صادا، ثم مضارعة الصاد بالزاي.]]. مثاله [[في "الحجة": (ويقوي ذلك أنهم ....)، 1/ 56.]] أنهم حذفوا النون من نحو (بلعنبر) و (بلحرث [[قال سيبويه: (ومن الشاذ قولهم: في (بني العنبر) و (بني الحارث): بلعنبر وبلحارث، بحذف النون)، "الكتاب" 4/ 484. بنو العنبر: قبيلة تنسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم. وانظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 360، "اللسان" (عنبر)، 5/ 3120. و (بلحرث) لبني الحرث بن كعب. قال في "اللسان": وهذا من شواذ الإدغام؛ لأن النون واللام قريبا المخرج .. وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة. "اللسان" (حرث)، 2/ 821.]])، ولم يحذفوا من (بني النجار) [[بنو النجار قبيلة من (الخزرج) تنسب إلى النجار واسمه (تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. انظر (اللباب) 3/ 298.]] مع توالي النونات حيث كانت (اللام) قد أعلت بالقلب (لئلا يتوالى إعلالان: [الحذف والقلب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وإن كانا من كلمتين مفترقتين [[في ب، (ج): (متفرقتين).]]، فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد [[في (ج): (بعد).]]. قوله تعالى: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: (الاستقامة) في اللغة: الاستواء، يقال: قام إذا استوى منتصبا، وأقامه: إذا سواه، وقاومه إذا ساواه في القوة. وقيمة الشيء ما يساويه من ثمنه، ومعنى الاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة [["تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2865، وانظر: "اللسان" (قوم)، 6/ 3782.]]. وأما تفسير ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فروى علي وابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: "الصراط المستقيم: كتاب الله عز وجل" [[حديث علي رضي الله عنه بهذا اللفظ: أخرجه الثعلبي بسنده 1/ 30/ ب، وبنحوه أخرجه الطبري، وقال شاكر: إسناده ضعيف جدا 1/ 171 (ط. شاكر)، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: ضعيف جدا 1/ 159، وهو جزء من حديث فضائل القرآن الطويل الذي أخرجه الترمذي في: أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، قال الترمذي بعده: هذا حديث لا نعرفه إلى من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال. الترمذي (2906)، وأخرجه الدارمي في (سننه) كتاب فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن 4/ 2098 (3374)، وذكره ابن كثير في كتابه "فضائل القرآن" ص 44 - 46، ونقل كلام الترمذي عليه، ثم قال: (وقصارى هذا == الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ) وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 40 - 41. أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه الطبري موقوفًا على ابن مسعود وكذا الثعلبي 1/ 30/ ب، والحاكم في "المستدرك" 1/ 258، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والأنباري، والحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان". "الدر" 1/ 40، وذكره الشوكاني في "فتح القدير" 1/ 37. ولم يذكروا رفعه، وكلام ابن كثير السابق حول حديث علي يدل على أنه مرفوع، انظر: "فضائل القرآن" ص 44/ 46.]]. وقال جابر ومقاتل: (هو الإسلام) [[قول جابر ذكره الثعلبي بسنده 1/ 30/ أ، والطبري: قال شاكر: موقوف على جابر وإسناده صحيح، 1/ 173، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 259، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والمحاملي في "أماليه"، والحاكم. "الدر" 1/ 14، 15. وقول مقاتل ذكره الثعلبي بدون سند 1/ 30/ أ، والبغوي 1/ 41.]]. وعن أبي العالية الرياحي [[رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، بصري مقرئ فقيه، سمع من عداد من الصحابة، مات سنة تسعين أو ثلاث وتسعين. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" 3/ 284، "غاية النهاية" 1/ 284، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 178، "معرفة القراء" 1/ 49.]]، قال: هو طريق رسول الله ﷺ وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر) [[ذكره الثعلبي 1/ 31/ أ، والأثر أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: شيخ الطبري لا أعرف من هو، ولعل فيه تحريفا، ووثق بقية رجاله الطبري 1/ 175، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: إسناده حسن. (رسالة دكتوراه) 1/ 160. وذكره السيوطي في، "الدر" ونسبه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، == وابن عساكر. "الدر" 1/ 15. وذكره ابن كثير في "التفسير" 1/ 56. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" بسنده عن أبي العالية عن ابن عباس. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، "المستدرك" 1/ 259.]]. وقال بكر بن عبد الله المزني [[هو بكر بن عبد الله المزني، بصري تابعي ثقة، كثير الحديث، حجة، توفي سنة ست ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 209، "ذكر أسماء التابعين" 1/ 81، "تاريخ الثقات" 1/ 251، "تهذيب التهذيب" 1/ 244.]]: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: "سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" [[(بعدي) ساقط من (ج). والأثر ذكره الثعلبي في (تفسيره) 1/ 31/ أ، والبغوي 1/ 54. وهذِه الأقوال يصدق بعضها بعضا وتجتمع، قال الطبري: والذي هو أولى بتأويل هذِه الآية: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء فقد وفق للإسلام واتباع منهج النبي ﷺ ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم) 1/ 74، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 122، "فتح القدير" 1/ 38.]]. قال أهل المعاني: إنما وصف الدين الحق [[في (أ)، (ج): (والحق) زيادة (واو) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح.]] بأنه الصراط المستقيم؛ لأنه يؤدي إلى الغرض المطلوب من رضاء الله تعالى والخلود في النعيم المقيم، كما أن الصراط المستقيم يؤديك إلى مقصودك [[في (ب): (مقصدك). انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 121، قال الطبري: (وإنما وصفه الله بالاستقامة؛ لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سماه مستقيما لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويل لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه)، 1/ 75.]].
wahidi_wajiz — الوجيز
﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أَيْ: دُلَّنا عليه واسلكْ بنا فيه وثبِّتنا عليه
zamakhshari — الكشاف
هدى أصله أن يتعدى باللام أو بإلى، كقوله تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فعومل معاملة- اختار- في قوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) . ومعنى طلب الهداية- وهم مهتدون- طلب زيادة الهدى بمنح الإلطاف، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً) ، (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) . وعن على وأبىّ رضى اللَّه عنهما: اهدنا ثبتنا، وصيغة الأمر والدعاء واحدة، لأنّ كل واحد منهما طلب، وإنما يتفاوتان في الرتبة. وقرأ عبد اللَّه: أرشدنا. (السراط) الجادّة، من سرط الشيء إذا ابتلعه، لأنه يسترط السابلة إذا سلكوه، كما سمى: لقما، لأنه يلتقمهم. والصراط من قلب السين صاداً لأجل الطاء، كقوله: مصيطر، في مسيطر، وقد تشم الصاد صوت الزاى، وقرئ بهنّ جميعا، وفصاحهنّ إخلاص الصاد، وهي لغة قريش وهي الثابتة في الإمام، ويجمع سرطا، نحو كتاب وكتب، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، والمراد طريق الحق وهو ملة الإسلام.

Agent (قرآني)

No agent tafsir generated yet (Layer 5C output absent for this aya).

Comparative (مقارنة)

Layer 5D not yet generated for this aya.