Classical (تراثي)
abu_hayyan — البحر المحيط
﴿إيّاكَ﴾ إيّا تَلْحَقُهُ ياءُ المُتَكَلِّمِ وكافُ المُخاطَبِ وهاءُ الغائِبِ وفُرُوعُها، فَيَكُونُ ضَمِيرَ نَصْبٍ مُنْفَصِلًا لا اسْمًا ظاهِرًا أُضِيفَ، خِلافًا لِزاعِمِهِ، وهَلِ الضَّمِيرُ هو مَعَ لَواحِقِهِ أوْ هو وحْدَهُ ؟ واللَّواحِقُ حُرُوفٌ، أوْ هو واللَّواحِقٌ أسْماءٌ أُضِيفَ هو إلَيْها، أوِ اللَّواحِقُ وحْدَها وإيّا زائِدَةٌ لِتَتَّصِلَ بِها الضَّمائِرُ، أقْوالٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. وأمّا لُغاتُهُ فَبِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وبِها قَرَأ الفَضْلُ الرَّقاشِيُّ، وبِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وبِها قَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ عَنْ أُبَيٍّ، وبِإبْدالِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ هاءً، وبِإبْدالِ الهَمْزَةِ المَفْتُوحَةِ هاءً، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ السَّوّارِ الغَنَوِيُّ، وذَهابُ أبِي عُبَيْدَةَ إلى أنَّ إيّا مُشْتَقٌّ ضَعِيفٌ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ لا يُحْسِنُ النَّحْوَ، وإنْ كانَ إمامًا في اللُّغاتِ وأيّامِ العَرَبِ. وإذا قِيلَ بِالِاشْتِقاقِ فاشْتِقاقُهُ مِن لَفْظِ ”آوِ“ مِن قَوْلِهِ:
؎فَآوِ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتَها
فَتَكُونُ مِن بابِ قُوَّةٍ أوْ مِنَ الآيَةِ فَتَكُونُ عَيْنُها ياءً كَقَوْلِهِ:
؎لَمْ يُبْقِ هَذا الدَّهْرُ مِن إيّائِهِ
قَوْلانِ، وهَلْ وزْنُهُ افْعَلْ وأصْلُهُ إأْوَوْ أوْ إأْوى، أوْ فَعِيلٌ فَأصْلُهُ إوْيَوْ أوْ إوْيَي، أوْ فَعُولٌ وأصْلُهُ إوْوَوْ أوْ إوْيى، أوْ فَعْلى فَأصْلُهُ أوْوى أوِ أوْيا، أقاوِيلُ كُلَّها ضَعِيفَةٌ، والكَلامُ عَلى تَصارِيفِها حَتّى صارَتْ إيّا تُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإضافَةُ إيّا لِظاهِرٍ نادِرٌ نَحْوُ: وإيّا الشَّوابِّ، أوْ ضَرُورَةٌ نَحْوُ: دَعْنِي وإيّا خالِدٍ، واسْتِعْمالُهُ تَحْذِيرًا مَعْرُوفٌ فَيَتَحَمَّلُ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا يَجُوزُ أنْ يُتْبَعَ بِالرَّفْعِ نَحْوَ: إيّاكَ أنْتَ نَفْسَكَ.
﴿نَعْبُدُ﴾ العِبادَةُ: التَّذَلُّلُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ التَّجْرِيدُ، قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وتَعَدِّيهِ بِالتَّشْدِيدِ مُغايِرٌ لِتَعَدِّيهِ بِالتَّخْفِيفِ، نَحْوَ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ ذَلَّلْتُهُ، وعَبَدْتُ اللَّهَ ذَلَلْتُ لَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: إيّاكَ يُعْبَدُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ نَعْبُدْ بِإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ: نَعْبُدُ بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿نَسْتَعِينُ﴾ الِاسْتِعانَةُ طَلَبُ العَوْنِ، والطَّلَبُ أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ، وهي اثْنا عَشَرَ مَعْنًى، وهي: الطَّلَبُ، والِاتِّحادُ، والتَّحَوُّلُ، وإلْقاءُ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ وعَدُّهُ كَذَلِكَ، ومُطاوَعَةُ أفْعَلَ ومُوافَقَتُهُ، ومُوافَقَةُ تَفَعَّلَ وافْتَعَلَ والفِعْلِ المُجَرَّدِ، والإغْناءُ عَنْهُ وعَنْ فَعَلَ، مِثْلُ ذَلِكَ اسْتَطْعَمَ، واسْتَعْبَدَهُ واسْتَنْسَرَ واسْتَعْظَمَهُ واسْتَحْسَنَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، واسْتَشْلى مُطاوِعُ أشْلى، واسْتَبَلَّ مُوافِقٌ مُطاوِعٌ أبَلَّ، واسْتَكْبَرَ مُوافِقُ تَكَبَّرَ، واسْتَعْصَمَ مُوافِقُ اعْتَصَمَ، واسْتَغْنى مُوافِقُ غِنًى، واسْتَنْكَفَ واسْتَحْيا مُغْنِيانِ عَنِ المُجَرَّدِ، واسْتَرْجَعَ واسْتَعانَ حَلَقَ عانَتَهُ، مُغْنِيانِ عَنْ فَعَلَ، فاسْتَعانَ طَلَبَ العَوْنَ كاسْتَغْفَرَ واسْتَعْظَمَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقَدْ جاءَ فِيهِ وِيّاكَ أبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، فَلا أدْرِي أذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ أمْ عَنِ العَرَبِ ؟ وهَذا عَلى العَكْسِ مِمّا فَرُّوا إلَيْهِ في نَحْوِ أشاحَ فِيمَن هَمَزَ لِأنَّهم فَرُّوا مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ إلى الهَمْزَةِ، واسْتِثْقالًا لِلْكَسْرَةِ عَلى الواوِ. وُفي ويّاكَ فَرُّوا مِنَ الهَمْزَةِ إلى الواوِ، وعَلى لُغَةِ مَن يَسْتَثْقِلُ الهَمْزَةَ جُمْلَةٌ لِما فِيها مِن شَبَهِ التَّهَوُّعِ، وبِكَوْنِ اسْتَفْعَلَ أيْضًا لِمُوافَقَةِ تَفاعَلَ وفَعَلَ. حَكى أبُو الحَسَنِ بْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ: تَماسَكْتُ بِالشَّيْءِ ومَسَكْتُ بِهِ واسْتَمْسَكَ بِهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيِ احْتَبَسْتُ بِهِ، قالَ ويُقالُ: مَسَكْتُ بِالشَّيْءِ وأمْسَكْتُ وتَمَسَّكْتُ احْتَبَسْتُ، انْتَهى. فَتَكُونُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ حِينَئِذٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ لِزِيادَةِ مُوافَقَةِ تَفاعَلَ وتَفَعَّلَ. وفَتْحُ نُونِ نَسْتَعِينُ قَرَأ بِها الجُمْهُورُ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وهي الفُصْحى. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ والأعْمَشُ بِكَسْرِها، وهي لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ وأسَدٍ ورَبِيعَةَ، وكَذَلِكَ حُكْمُ حَرْفِ المُضارَعَةِ في هَذا الفِعْلِ وما (p-٢٤)أشْبَهَهُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: هي لُغَةُ هَذِيلٍ، وانْقِلابُ الواوِ ألِفًا في اسْتَعانَ ومُسْتَعانٍ، وياءً في نَسْتَعِينُ ومُسْتَعِينٍ، والحَذْفُ في الِاسْتِعانَةِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ التَّصْرِيفِ، ويُعَدّى اسْتَعانَ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ. إيّاكَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، والزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أنَّهُ لا يُقَدَّمُ عَلى العامِلِ إلّا لِلتَّخْصِيصِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في تَقْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ أتْلُوا، وذَكَرْنا نَصَّ سِيبَوَيْهِ هُناكَ. فالتَّقْدِيمُ عِنْدَنا إنَّما هو لِلِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ بِالمَفْعُولِ. وسَبَّ أعْرابِيٌّ آخَرَ فَأعْرَضَ عَنْهُ وقالَ: إيّاكَ أعْنِي، فَقالَ لَهُ: وعَنْكَ أُعْرِضُ، فَقَدَّما الأهَمَّ، وإيّاكَ التِفاتٌ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الغَيْبَةِ، إذْ لَوْ جَرى عَلى نَسَقٍ واحِدٍ لَكانَ إيّاهُ. والِانْتِقالُ مِن فُنُونِ البَلاغَةِ، وهو الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ لِلْخِطابِ أوِ التَّكَلُّمِ، ومِنَ الخِطابِ لِلْغَيْبَةِ أوِ التَّكَلُّمِ، ومِنَ التَّكَلُّمِ لِلْغَيْبَةِ أوِ الخِطابِ. والغَيْبَةُ تارَةً تَكُونُ بِالظّاهِرِ، وتارَةً بِالمُضْمَرِ، وشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ المَدْلُولُ واحِدًا. ألا تَرى أنَّ المُخاطَبَ بِإيّاكَ هو اللَّهُ - تَعالى - ؟ وقالُوا: فائِدَةُ هَذا الِالتِفاتِ إظْهارُ المَلَكَةِ في الكَلامِ والِاقْتِدارِ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم مَزِيدًا عَلى هَذا، وهو إظْهارُ فائِدَةٍ تَخُصُّ كُلَّ مَوْضِعٍ، ونَتَكَلَّمُ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ يَقَعُ لَنا مِنهُ شَيْءٌ، وفائِدَتُهُ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ المُتَّصِفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ والمُلْكِ والمَلِكِ لِلْيَوْمِ المَذْكُورِ، أقْبَلَ الحامِدُ مُخْبِرًا بِأثَرِ ذِكْرِهِ الحَمْدَ المُسْتَقِرَّ لَهُ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ، أنَّهُ وغَيْرُهُ يَعْبُدُهُ ويَخْضَعُ لَهُ. وكَذَلِكَ أتى بِالنُّونِ الَّتِي تَكُونُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَكَما أنَّ الحَمْدَ يَسْتَغْرِقُ الحامِدِينَ، كَذَلِكَ العِبادَةُ تَسْتَغْرِقُ المُتَكَلِّمَ وغَيْرَهُ. ونَظِيرُ هَذا أنَّكَ تَذْكُرُ شَخْصًا مُتَّصِفًا بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ، مُخْبِرًا عَنْهُ إخْبارَ الغائِبِ، ويَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ حاضِرًا مَعَكَ، فَتَقُولُ لَهُ: إيّاكَ أقْصِدُ، فَيَكُونُ في هَذا الخِطابِ مِنَ التَّلَطُّفِ عَلى بُلُوغِ المَقْصُودِ ما لا يَكُونُ في لَفْظِ إيّاهُ، ولِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِلدُّعاءِ في قَوْلِهِ اهْدِنا. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَلِكَ مُنادًى فَلا يَكُونُ إيّاكَ التِفاتًا لِأنَّهُ خِطابٌ بَعْدَ خِطابٍ وإنْ كانَ يَجُوزُ بَعْدَ النِّداءِ الغَيْبَةُ، كَما قالَ:
؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ.
ومِنَ الخِطابِ بَعْدَ النِّداءِ:
؎ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى ∗∗∗ ولا زالَ مُنْهَلًا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ.
ودَعْوى الزَّمَخْشَرِيُّ في أبْياتِ امْرِئِ القَيْسِ الثَّلاثَةِ أنَّ فِيهِ ثَلاثَةَ التِفاتاتٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هُما التِفاتانِ:
الأوَّلُ: خُرُوجٌ مِنَ الخِطابِ المُفْتَتَحِ بِهِ في قَوْلِهِ:
؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالإثْمِدِ ∗∗∗ ونامَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدِ
إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ:
؎وباتَ وباتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ ∗∗∗ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ
الثّانِي: خُرُوجٌ مِن هَذِهِ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ:
؎وذَلِكَ مِن نَبَأٍ جاءَنِي. ∗∗∗ وخَبَّرْتُهُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ
وتَأْوِيلُ كَلامِهِ أنَّها ثَلاثٌ خَطَأٌ وتَعْيِينُ أنَّ الأوَّلَ هو الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ أشَدُّ خَطَأً لِأنَّ هَذا الِالتِفاتَ هو مِن عَوارِضِ الألْفاظِ لا مِنَ التَّقادِيرِ المَعْنَوِيَّةِ، وإضْمارُ قُولُوا قَبْلَ الحَمْدِ لِلَّهِ، وإضْمارُها أيْضًا قَبْلَ إيّاكَ لا يَكُونُ مَعَهُ التِفاتٌ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ. وقَدْ عَقَدَ أرْبابُ عِلْمِ البَدِيعِ بابًا لِلِالتِفاتِ في كَلامِهِمْ، ومِن أجْلِهِمْ كَلامًا فِيهِ ابْنُ الأثِيرِ الجَزَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - . وقِراءَةُ مَن قَرَأ إيّاكَ يُعْبَدُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشْكِلَةٌ؛ لِأنَّ إيّاكَ ضَمِيرُ نَصْبٍ ولا ناصِبَ لَهُ وتَوْجِيهُها أنَّ فِيها اسْتِعارَةً والتِفاتًا، فالِاسْتِعارَةُ إحْلالُ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، فَكَأنَّهُ قالَ أنْتَ، ثُمَّ التَفَتَ فَأخْبَرَ عَنْهُ إخْبارَ الغائِبِ لَمّا كانَ إيّاكَ هو الغائِبَ مِن حَيْثُ المَعْنى فَقالَ يُعْبَدُ، وغَرابَةُ هَذا الِالتِفاتِ كَوْنُهُ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أأنْتَ الهِلالِيُّ الَّذِي كُنْتَ مَرَّةً ∗∗∗ سَمِعْنا بِهِ والأرْحَبِيُّ المُغَلِّبُ
وإلى قَوْلِ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:(p-٢٥)
؎يا لَهْفَ نَفْسِيَ كانَ جِدَّةُ خالِدٍ ∗∗∗ وبَياضُ وجْهِكَ للتُّرابِ الأعْفَرِ.
وفُسِّرَتِ العِبادَةُ في إيّاكَ نَعْبُدُ بِأنَّها التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، وهو أصْلُ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ أوِ الطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤]، أوِ التَّقَرُّبُ بِالطّاعَةِ أوِ الدُّعاءِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، أيْ عَنْ دُعائِي، أوِ التَّوْحِيدِ ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أيْ لِيُوَحِّدُونِ، وكُلُّها مُتَقارِبَةُ المَعْنى. وقُرِنَتِ الِاسْتِعانَةُ بِالعِبادَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ العَبْدُ إلى اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ ما يَطْلُبُهُ مِن جِهَتِهِ. وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ لِتَقْدِيمِ الوَسِيلَةِ قَبْلَ طَلَبِ الحاجَةِ لِتَحْصُلَ الإجابَةُ إلَيْها، وأطْلَقَ العِبادَةَ والِاسْتِعانَةَ لِتَتَناوَلَ كُلَّ مَعْبُودٍ بِهِ وكُلَّ مُسْتَعانٍ عَلَيْهِ. وكَرَّرَ إيّاكَ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنَ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ سِيقا في جُمْلَتَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما مَقْصُودَةٌ، ولِلتَّنْصِيصِ عَلى طَلَبِ العَوْنِ مِنهُ بِخِلافِ لَوْ كانَ إيّاكَ نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ، فَإنَّهُ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا بِطَلَبِ العَوْنِ، أيْ ولِيَطْلُبَ العَوْنَ مِن غَيْرِ أنْ يُعَيِّنَ مِمَّنْ يَطْلُبُ.
ونُقِلَ عَنِ المُنْتَمِينَ لِلصَّلاحِ تَقْيِيداتٌ مُخْتَلِفَةٌ في العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إيّاكَ نَعْبُدُ بِالعِلْمِ، وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِالمَعْرِفَةِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ: نَعْبُدُ قالُوا رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ، وفي نَسْتَعِينُ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ، ومَقامُ العِبادَةِ شَرِيفٌ، وقَدْ جاءَ الأمْرُ بِهِ في مَواضِعَ، قالَ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر: ٩٩] ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، والكِنايَةُ عَنْ أشْرَفِ المَخْلُوقِينَ ﷺ . قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [الأنفال: ٤١]، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ -: ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وقالَ تَعالى وتَقَدَّسَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فَذَكَرَ العِبادَةَ عَقِيبَ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الأصْلُ والعِبادَةُ فَرْعُهُ. وقالُوا في قَوْلِهِ إيّاكَ رَدٌّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ والمُعَطِّلَةِ والمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ الصّانِعِ، فَإنَّهُ خِطابٌ لِمَوْجُودٍ حاضِرٍ.
abu_suud — إرشاد العقل السليم
﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ وتَلْوِينٌ لِلنَّظْمِ مِن بابٍ إلى بابٍ؛ جارٍ عَلى نَهْجِ البَلاغَةِ؛ في افْتِنانِ الكَلامِ ومَسْلَكِ البَراعَةِ؛ حَسْبَما يَقْتَضِي المَقامُ؛ لِما أنَّ التَّنَقُّلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ أدْخُلُ في اسْتِجْلابِ النُّفُوسِ؛ واسْتِمالَةِ القُلُوبِ؛ يَقَعُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّكَلُّمِ والخِطابِ والغَيْبَةِ؛ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الآخَرَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾؛ الآيَةِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتاتِ الوارِدَةِ في التَّنْزِيلِ؛ لِأسْرارٍ تَقْتَضِيها؛ ومَزايا تَسْتَدْعِيها؛ ومِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ هَذا المَقامُ الجَلِيلُ مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ (تَعالى) لِما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ (تَعالى) أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ وأتَمَّ ظُهُورٍ؛ بِحَيْثُ تُبَدِّلُ خَفاءَ الغَيْبَةِ بِجَلاءِ الحُضُورِ؛ فاسْتَدْعى اسْتِعْمالُ صِيغَةِ الخِطابِ؛ والإيذانُ بِأنَّ حَقَّ التّالِي بَعْدَما تَأمَّلَ فِيما سَلَفَ - مِن تَفَرُّدِهِ تَعالى بِذاتِهِ الأقْدَسِ؛ المُسْتَوْجِبِ لِلْعُبُودِيَّةِ؛ وامْتِيازِهِ بِذاتِهِ عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ واسْتِبْدادِهِ بِجَلائِلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ الربوبية المُمَيِّزَةِ لَهُ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ؛ وافْتِقارِ الكُلِّ إلَيْهِ في الذّاتِ والوُجُودِ ابْتِداءً؛ وبَقاءً؛ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ - أنْ يَتَرَقّى مِن رُتْبَةِ البُرْهانِ إلى طَبَقَةِ العِيانِ؛ ويَنْتَقِلَ مِن عالَمِ الغَيْبَةِ إلى مَعالِمِ الشُّهُودِ؛ ويُلاحِظَ نَفْسَهُ في حَظائِرِ القُدْسِ حاضِرًا في مَحاضِرِ الأُنْسِ؛ كَأنَّهُ واقِفٌ لَدى مَوْلاهُ؛ ماثِلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو يَدْعُو بِالخُضُوعِ والإخْباتِ؛ ويَقْرَعُ بِالضَّراعَةِ بابَ المُناجاةِ؛ قائِلًا: يا مَن هَذِهِ شُئُونُ ذاتِهِ وصِفاتِهِ؛ نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ؛ فَإنَّ كُلَّ ما سِواكَ - كائِنًا ما كانَ - بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ؛ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ أنْ يُعْبَدَ؛ أوْ يُسْتَعانَ؛ ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في اخْتِصاصِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِوُجُوبِ القِراءَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ الَّتِي هي مُناجاةُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ؛ ومَئِنَّةٌ لِلتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ.
وَ"إيّا" ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ؛ مَنصُوبٌ؛ وما يَلْحَقُهُ مِنَ الكافِ والياءِ والهاءِ حُرُوفٌ زِيدَتْ لِتَعْيِينِ الخِطابِ؛ والتَّكَلُّمِ والغَيْبَةِ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ كالتّاءِ في "أنْتَ"؛ والكافِ في "أرَأيْتَكَ"؛ وما ادَّعاهُ الخَلِيلُ مِنَ الإضافَةِ - مُحْتَجًّا عَلَيْهِ بِما حَكاهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابَّ -؛ فَمِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: هي الضَّمائِرُ؛ و"إيّا" دِعامَةٌ لَها؛ لِتُصَيِّرَها مُنْفَصِلَةً؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ هو المَجْمُوعُ؛ وقُرِئَ "إيّاكَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والتَّشْدِيدِ؛ و"هِيّاكَ" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً. والعِبادَةُ أقْصى غايَةِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ؛ ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ مُذَلَّلٌ؛ والعُبُودِيَّةُ أدْنى مِنها؛ وقِيلَ: العِبادَةُ فِعْلُ ما يَرْضى بِهِ اللَّهُ؛ والعُبُودِيَّةُ (p-17)الرِّضا بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى؛ والِاسْتِعانَةُ طَلَبُ المَعُونَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ فِيهِما لِما ذُكِرَ مِنَ القَصْرِ والتَّخْصِيصِ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ والِاهْتِمامِ بِهِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ: نَعْبُدُكَ ولا نَعْبُدُ غَيْرَكَ؛ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَخْصِيصِهِ (تَعالى) بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ؛ ولِإبْرازِ الِاسْتِلْذاذِ بِالمُناجاةِ والخِطابِ؛ وتَقْدِيمُ العِبادَةِ لِما أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ مَدْلُولِ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ وإنْ ساعَدَهُ الصِّفاتُ المُجْراةُ عَلَيْهِ أيْضًا؛ وأمّا الِاسْتِعانَةُ فَمِنَ الأحْكامِ المَبْنِيَّةِ عَلى الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ؛ ولِأنَّ العِبادَةَ مِن حُقُوقِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والِاسْتِعانَةَ مِن حُقُوقِ المُسْتَعِينِ؛ ولِأنَّ العِبادَةَ واجِبَةٌ حَتْمًا؛ والِاسْتِعانَةَ تابِعَةٌ لِلْمُسْتَعانِ فِيهِ؛ في الوُجُوبِ وعَدَمِهِ؛ وقِيلَ: لِأنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ والقَبُولِ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ إطْلاقِ الِاسْتِعانَةِ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ؛ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُسْتَعانٍ فِيهِ؛ كَما قالُوا؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لِما أنَّ المَسْؤُولَ هو المَعُونَةُ في العِبادَةِ؛ والتَّوْفِيقُ لِإقامَةِ مَراسِمِها عَلى ما يَنْبَغِي؛ وهو اللّائِقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ والمُناسِبُ لِحالِ الحامِدِ؛ فَإنَّ اسْتِعانَتَهُ مَسْبُوقَةٌ بِمُلاحَظَةِ فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ؛ لِيَسْتَعِينَهُ (تَعالى) في إيقاعِهِ؛ ومِنَ البَيِّنِ أنَّهُ عِنْدَ اسْتِغْراقِهِ في مُلاحَظَةِ شُئُونِهِ (تَعالى)؛ واشْتِغالِهِ بِأداءِ ما يُوجِبُهُ تِلْكَ المُلاحَظَةُ مِنَ الحَمْدِ والثَّناءِ؛ لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالِهِ مِن أفْعالِهِ وأحْوالِهِ إلّا الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلَيْهِ؛ والتَّوَجُّهُ التّامُّ إلَيْهِ؛ ولَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى) أوَّلًا؛ وبِاسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ إلى ما يُوصِلُ إلَيْهِ آخِرًا؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْتَغِلَ فِيما بَيْنَهُما بِما لا يَعْنِيهِ مِن أُمُورِ دُنْياهُ؛ أوْ بِما يَعُمُّها وغَيْرَها؟! كَأنَّهُ قِيلَ: وإيّاكَ نَسْتَعِينُ في ذَلِكَ؛ فَإنّا غَيْرُ قادِرِينَ عَلى أداءِ حُقُوقِهِ مِن غَيْرِ إعانَةٍ مِنكَ؛ فَوَجْهُ التَّرْتِيبِ حِينَئِذٍ واضِحٌ؛ وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ عِبادَتِهِ (تَعالى)؛ وعِزَّةِ مَنالِها؛ وبِكَوْنِها عِنْدَ العابِدِ أشْرَفُ المَباغِي والمَقاصِدِ؛ وبِكَوْنِها مِن مَواهِبِهِ (تَعالى)؛ لا مِن أعْمالِ نَفْسِهِ؛ ومِنَ المُلاءَمَةِ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الدُّعاءِ ما لا يَخْفى؛ وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ إيّاكَ نَعْبُدُ مُسْتَعِينِينَ بِكَ؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في الفِعْلَيْنِ لِلْإيذانِ بِقُصُورِ نَفْسِهِ؛ وعَدَمِ لِياقَتِهِ بِالوُقُوفِ في مَواقِفِ الكِبْرِياءِ مُنْفَرِدًا؛ وعَرْضِ العِبادَةِ واسْتِدْعاءِ المَعُونَةِ والهِدايَةِ مُسْتَقِلًّا؛ وأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِن عِصابَةٍ هو مِن جُمْلَتِهِمْ؛ وجَماعَةٍ هو مِن زُمْرَتِهِمْ؛ كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ؛ أوْ لِلْإشْعارِ بِاشْتِراكِ سائِرِ المُوَحِّدِينَ لَهُ في الحالِ العارِضَةِ لَهُ؛ بِناءً عَلى تَعاضُدِ الأدِلَّةِ المُلْجِئَةِ إلى ذَلِكَ؛ وقُرِئَ: "نِسْتَعِينُ"؛ بِكَسْرِ النُّونِ؛ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ.
alusi — روح المعاني
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ (p-34)أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ (p-35)أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ (p-36)مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً (p-37)بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ (p-38)لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
baghawy — معالم التنزيل
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي.
سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا.
* * *
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ.
وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" [[من نسخة (ب) .]] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ [[ساقط من أ.]] ] .
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ
وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) [[في الأصل: تعظيما.]] لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) [[في الأصل: الفعل.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) [[ساقط من (أ) .]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ [[أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.]] .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .]] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) .
قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ.
قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ.
"وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) .
قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) [[في ب: ريان.]] الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ.
قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ.
قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) [[في أ، ب (الاستطاعة) .]] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ.
وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] [[ساقط من ب.]] وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ.
قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) [[في ب: كسر.]] فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ.
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [[زيادة من ب.]] بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ.
وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) [[ساقط من ب.]] مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ.
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .]] صَحِيحٌ.
فصل في فضل (الفاتحة) [[في "ب": فاتحة الكتاب.]]
أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) [[ساقط من (أ) .]] مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) [[ساقط من (أ) وفي ب: الذي.]] آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.]] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" [[رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] [[ساقط من ب.]]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ [[في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.]] غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [[ساقط من (ب) .]]
baghawy
قوله:
{إياك نعبد}
(( إياً )
) كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر ويستعمل مقدماً على الفعل؛ فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل، ولا يستعمل مؤخراً إلا منفصلاً. فيقال: ما عنيت إلا إياك.
قوله:
{نعبد}
: أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع وسمي العبد عبداً لذلته وانقياده، يقال: طريق معبد أي مذلل.
{وإياك نستعين}
: نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا، فإن قيل: لِمَ قَدَّم ذِكْر العبادة على الاستعانة والاستعانة تكون قبل العبادة؟ فلهذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل. ونحن بحمد الله نجعل التوفيق
(والاستعانة)
مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير.
ويقال: الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولاً ثم ذكر ما هو من تفاصيلها.
biqaai — نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فَلَمّا اسْتَجْمَعَ الأمْرُ اسْتِحْقاقًا وتَحْبِيبًا وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا كانَ مِن شَأْنِ كُلِّ ذِي لُبٍّ الإقْبالُ إلَيْهِ وقَصْرُ الهِمَمِ عَلَيْهِ فَقالَ عادِلًا عَنْ أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِهَذا مُقَدِّمًا (p-٣٣)لِلْوَسِيلَةِ عَلى طَلَبِ الحاجَةِ لِأنَّهُ أجْدَرُ بِالإجابَةِ ﴿إيّاكَ﴾ أيْ يا مَن هَذِهِ الصِّفاتُ صِفاتُهُ ! ﴿نَعْبُدُ﴾ إرْشادًا لَهم إلى ذَلِكَ؛ ومَعْنى ﴿نَعْبُدُ﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: نَبْلُغُ الغايَةَ في أنْحاءِ التَّذَلُّلِ، وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ مُكَرِّرًا لِلضَّمِيرِ حَثًّا عَلى المُبالَغَةِ في طَلَبِ العَوْنِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ عِبادَتَهُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِمَعُونَتِهِ وإلى أنَّ مِلاكَ الهِدايَةِ بِيَدِهِ: فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، ثُمَّ دَلَّ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ، ثُمَّ رَقى إلى الصِّفاتِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الذّاتِ إيماءً إلى أنَّهُ الأوَّلُ [ و] الآخِرُ المُحِيطُ، فَلَمّا حَصَلَ الوُصُولُ إلى شُعْبَةٍ مِن عِلْمِ الأفْعالِ والصِّفاتِ عُلِمَ الِاسْتِحْقاقُ لِلْإفْرادِ بِالعِبادَةِ (p-٣٤)فَعُلِمَ العَجْزُ عَنِ الوَفاءِ بِالحَقِّ فَطُلِبَتِ الإعانَةُ، فَهو كَقَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ في الصَّلاةِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ في الدُّعاءِ والنَّسائِيُّ وهَذا لَفْظُهُ في التَّعَوُّذِ عَنْ عائِشَةَ رِضَيَ اللَّهُ عَنْها: «أعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وبِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِكَ مِنكَ»؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ فِيما زادَ عَنِ النَّسائِيِّ الِاعْتِرافَ بِالعَجْزِ في قَوْلِهِ: «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» . وفي آخِرِ سُورَةِ اقْرَأْ شَرْحٌ بَدِيعٌ لِهَذا الحَدِيثِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الآياتُ أيْ هَذِهِ وما بَعْدَها مِمّا جاءَ كَلامُ اللَّهِ فِيهِ جارِيًا عَلى لِسانِ خَلْقِهِ فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كَلامُ اللَّهِ لَكِنْ مِنهُ ما هو كَلامُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ ومِنهُ ما هو كَلامُ اللَّهِ عَمّا كانَ يَجِبُ أنْ يَنْطِقَ بِهِ الخَلْقُ عَلى اخْتِلافِ (p-٣٥)ألْسِنَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ وتَرَقِّي دَرَجاتِهِمْ ورُتَبِ تَفاضُلِهِمْ مِمّا لا يُمْكِنُهُمُ البُلُوغُ إلى كُنْهِهِ لِقُصُورِهِمْ وعَجْزِهِمْ، فَتَوَلّى اللَّهُ الوَكِيلَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الإنْباءَ عَنْهم بِما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِمّا لا يَبْلُغُ إلَيْهِ وُسْعُ خَلْقِهِ وجَعَلَ تِلاوَتَهم لِما أنْبَأ بِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ نازِلًا لَهم مَنزِلَةَ أنْ لَوْ كانَ ذَلِكَ النُّطْقُ ظاهِرًا مِنهم لُطْفًا بِهِمْ وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَوْ وكَلَهم في ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَصْلُحُ بِهِ أحْوالُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إلّا أنْ يَتَوَلّى هو تَعالى بِما يُلَقِّنُهم مِن كَلامِهِ مِمّا يَكُونُ أداءً لِحَقِّ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وإذا كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ الإنْباءَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن حَقِّ رَبِّهِمْ فَكَيْفَ بِما يَكُونُ نَبَأً عَنْ تَحْمِيدِ اللَّهِ وتَمْجِيدِهِ، فَإذًا لَيْسَ لَهم (p-٣٦)وُصْلَةٌ إلّا تِلاوَةَ كَلامِهِ العَلِيِّ بِفَهْمٍ كانَ ذَلِكَ أوْ بِغَيْرِ فَهْمٍ، وتِلْكَ هي صَلاتُهم المُقَسَّمَةُ الَّتِي [ عَبَّرَ ] عَنْها فِيما صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: «قَسَمَتْ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ثُمَّ تَلا هَذِهِ السُّورَةَ؛ فَجاءَتِ الآياتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَإذا تَلاها العَبْدُ قَبِلَ اللَّهُ مِنهُ تِلاوَةَ عَبْدِهِ كَلامَهُ وجَعَلَها مِنهُ حَمْدًا وثَناءً وتَمْجِيدًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى لِسانِ خَلْقِهِ فَكانَ ظاهِرُها التِزامَ عُهَدِ العِبادَةِ وهو ما يَرْجِعُ إلى العَبْدِ وعِمادُها طَلَبُ المَعُونَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهو (p-٣٧)ما يَرْجِعُ إلى الحَقِّ، فَكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ وتَقَدَّمَتْ بَيْنِيَّتُهُ تَعالى؛ لِأنَّ المَعُونَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى العِبادَةِ وواقِعَةٌ بِها وهو مُجابٌ فِيما طَلَبَ مِنَ المَعُونَةِ، فَمَن كانَتْ عَلَيْهِ مَؤُنَةُ شَيْءٍ فاسْتَعانَ اللَّهُ فِيها عَلى مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْهُ المَعُونَةُ عَلى قَدْرِ مَؤُنَتِهِ، فَلا يَقَعُ لِمَنِ اعْتَمَدَ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ عَجْزٌ عَنْ مَرامٍ أبَدًا وإنَّما يَقَعُ العَجْزُ بِبَخْسِ الحَظِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى والجَهْلِ بِمُقْتَضى ما أحْكَمَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ والغَفْلَةُ عَنِ النِّعْمَةِ بِها، وفي قَوْلِهِ:﴿نَعْبُدُ﴾ بِنُونِ الِاسْتِتْباعِ إشْعارٌ بِأنَّ الصَّلاةَ بُنِيَتْ عَلى الِاجْتِماعِ. انْتَهى. وفي الآيَةِ نَدْبٌ إلى اعْتِقادِ العَجْزِ واسْتِشْعارِ الِافْتِقارِ والِاعْتِصامِ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، فاقْتَضى ذَلِكَ تَوْجِيهَ الرَّغَباتِ إلَيْهِ بِالسُّؤالِ فَقالَ:
ibn_abi_hatim — تفسير ابن أبي حاتم
قَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾
[٢٧] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”قُلْ يا مُحَمَّدُ، وهو جِماعُ إيّاكَ نَعْبُدُ يَعْنِي إيّاكَ نُوَحِّدُ ونَخافُ ونَرْجُو يا رَبَّنا لا غَيْرَكَ“»
[٢٨] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ دَلَّ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَذا فَقُولُوا
[٢٩] حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبّاحِ، ثَنا عَبْدُ الوَهّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: يَأْمُرُكم أنْ تُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، وأنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلى أمَرَكُمْ
قَوْلُهُ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[٣٠] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: عَلى طاعَتِكَ وعَلى أُمُورِنا كُلِّها
ibn_ashoor — التحرير والتنوير
﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إذا أتَمَّ الحامِدُ حَمْدَ رَبِّهِ يَأْخُذُ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِإظْهارِ الإخْلاصِ لَهُ انْتِقالًا مِنَ الإفْصاحِ عَنْ حَقِّ الرَّبِّ إلى إظْهارِ مُراعاةِ ما يَقْتَضِيهِ حَقُّهُ تَعالى عَلى عَبْدِهِ مِن إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ فَهَذا الكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
ومُفاتَحَةُ العُظَماءِ بِالتَّمْجِيدِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُخاطَبُوا طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ.
رَوى (p-١٧٨)أبُو الفَرَجِ الأصْفَهانِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النُّعْمانِ فَنادَمْتُهُ وأكَلْتُ مَعَهُ فَبَيْنا أنا عَلى ذَلِكَ مَعَهُ في قُبَّةٍ إذا رَجُلٌ يَرْتَجِزُ حَوْلَها:
؎أصُمَّ أمْ يَسْمَعُ رَبُّ القُبَّهْ يا أوْهَبُ النّاسِ لِعِيسٍ صُلْبَهْ
؎ضَرّابَةٍ بِالمِشْغَرِ الأذِبَّهْ
؎ذاتِ هِبابٍ في يَدَيْها خُلْبَهْ
؎فِي لاحِبٍ كَأنَّهُ الأطِبَّهْ
فَقالَ النُّعْمانُ: ألَيْسَ بِأبِي أُمامَةَ ؟ كُنْيَةُ النّابِغَةِ قالُوا: بَلى، قالَ: فَأذِنُوا لَهُ فَدَخَلَ.
والِانْتِقالُ مِن أُسْلُوبِ الحَدِيثِ بِطَرِيقِ الغائِبِ المُبْتَدَأِ مِن قَوْلِهِ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ إلى قَوْلِهِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، إلى أُسْلُوبِ طَرِيقِ الخِطابِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَنٌّ بَدِيعٌ مِن فُنُونِ نَظْمِ الكَلامِ البَلِيغِ عِنْدَ العَرَبِ، وهو المُسَمّى في عِلْمِ الأدَبِ العَرَبِيِّ والبَلاغَةِ التِفاتًا. وفي ضابِطِ أُسْلُوبِ الِالتِفاتِ رَأْيانِ لِأئِمَّةِ عِلْمِ البَلاغَةِ: أحَدُهُما رَأْيُ مَن عَدا السَّكّاكِيِّ مِن أئِمَّةِ البَلاغَةِ وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ بَعْدَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذاتٍ بِأحَدِ طُرُقٍ ثَلاثَةٍ مِن تَكَلُّمٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ خِطابٍ يَنْتَقِلُ في كَلامِهِ ذَلِكَ فَيُعَبِّرُ عَنْ تِلْكَ الذّاتِ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وخالَفَهُمُ السَّكّاكِيُّ فَجَعَلَ مُسَمّى الِالتِفاتِ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذاتٍ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ التَّكَلُّمِ أوِ الخِطابِ أوِ الغَيْبَةِ عادِلًا عَنْ أحَدِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ بِالتَّعْبِيرِ في ذَلِكَ الكَلامِ إلى طَرِيقٍ آخَرَ مِنها.
ويَظْهَرُ أثَرُ الخِلافِ بَيْنَ الجُمْهُورِ والسَّكّاكِيِّ في المُحَسِّنِ الَّذِي يُسَمّى بِالتَّجْرِيدِ في عِلْمِ البَدِيعِ مِثْلَ قَوْلِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ في طالِعِ قَصِيدَتِهِ:
؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ
مُخاطِبًا نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، فَهَذا لَيْسَ بِالتِفاتٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الِالتِفاتِ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ، فَتَسْمِيَةُ الِالتِفاتِ التِفاتًا عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ بِاعْتِبارِ أنَّ عُدُولَ المُتَكَلِّمِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ إلى طَرِيقٍ آخَرَ يُشْبِهُ حالَةَ النّاظِرِ إلى شَيْءٍ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْهُ، وأمّا تَسْمِيَتُهُ التِفاتًا عَلى رَأْيِ السَّكّاكِيِّ فَتَجْرِي عَلى اعْتِبارِ الغالِبِ مِن صُوَرِ الِالتِفاتِ دُونَ صُورَةِ التَّجْرِيدِ، ولَعَلَّ السَّكّاكِيَّ التَزَمَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لِأنَّها تَقَرَّرَتْ مِن قَبْلِهِ فَتابَعَ هو الجُمْهُورَ في هَذا الِاسْمِ. ومِمّا يَجِبُ (p-١٧٩)التَّنَبُّهُ لَهُ أنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ مُعْتَبَرٌ مِن قَبِيلِ الغائِبِ عَلى كِلا الرَّأْيَيْنِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾“ التِفاتًا عَلى كِلا الرَّأْيَيْنِ لِأنَّ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ”﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾“ تَعْبِيرٌ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ وصِفاتُهُ. ولِأهْلِ البَلاغَةِ عِنايَةٌ بِالِالتِفاتِ لِأنَّ فِيهِ تَجْدِيدَ أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ عَنِ المَعْنى بِعَيْنِهِ تَحاشِيًا مِن تَكَرُّرِ الأُسْلُوبِ الواحِدِ عِدَّةَ مِرارٍ فَيَحْصُلُ بِتَجْدِيدِ الأُسْلُوبِ تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ كَيْ لا يَمَلَّ مِن إعادَةِ أُسْلُوبٍ بِعَيْنِهِ.
قالَ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ العَرَبَ يَسْتَكْثِرُونَ مِنَ الِالتِفاتِ: أفَتَراهم يُحْسِنُونَ قِرى الأشْباحِ فَيُخالِفُونَ بَيْنَ لَوْنٍ ولَوْنٍ وطَعْمٍ وطَعْمٍ ولا يُحْسِنُونَ قِرى الأرْواحِ فَيُخالِفُونَ بَيْنَ أُسْلُوبٍ وأُسْلُوبٍ. فَهَذِهِ فائِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ في الِالتِفاتِ. ثُمَّ إنَّ البُلَغاءَ لا يَقْتَصِرُونَ عَلَيْها غالِبًا بَلْ يُراعُونَ لِلِالتِفاتِ لَطائِفَ ومُناسَباتٍ ولَمْ يَزَلْ أهْلُ النَّقْدِ والأدَبِ يَسْتَخْرِجُونَ ذَلِكَ مِن مَغاصِهِ.
وما هُنا التِفاتٌ بَدِيعٌ فَإنَّ الحامِدَ لَمّا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى ووَصَفَهُ بِعَظِيمِ الصِّفاتِ بَلَغَتْ بِهِ الفِكْرَةُ مُنْتَهاها فَتَخَيَّلَ نَفْسَهُ في حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَخاطَبَ رَبَّهُ بِالإقْبالِ، كَعَكْسِ هَذا الِالتِفاتِ في قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الخارِجِيِّ نِسْبَةً إلى بَنِي خارِجَةَ قَبِيلَةٌ:
؎ذُمِمْتَ ولَمْ تُحْمَدْ وأدْرَكْتُ حاجَةً ∗∗∗ تَوَلّى سِواكم أجْرَها واصْطِناعَها
؎أبى لَكَ كَسْبَ الحَمْدِ رَأْيٌ مُقَصِّرٌ ∗∗∗ ونَفْسٌ أضاقَ اللَّهُ بِالخَيْرِ باعَها
؎إذا هي حَثَّتْهُ عَلى الخَيْرِ مَرَّةً ∗∗∗ عَصاها وإنْ هَمَّتْ بِشَرٍّ أطاعَها
فَخاطَبَهُ ابْتِداءً ثُمَّ ذَكَرَ قُصُورَ رَأْيِهِ وعَدَمَ انْطِباعِ نَفْسِهِ عَلى الخَيْرِ فالتَفَتَ مِن خِطابِهِ إلى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَقالَ إذا هي حَثَّتْهُ فَكَأنَّهُ تَخَيَّلَهُ قَدْ تَضاءَلَ حَتّى غابَ عَنْهُ.
وبِعَكْسِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] لِاعْتِبارِ تَشْنِيعِ كُفْرِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ صاحِبِ ذَلِكَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وبَعْدَ تَقُرُّرِ ذَلِكَ انْتَقَلَ إلى أُسْلُوبِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إذْ هو الأصْلُ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأشْياءِ المُضافَةِ إلى ذاتِ المُتَكَلِّمِ.
ومِمّا يَزِيدُ الِالتِفاتَ وقْعًا في الآيَةِ أنَّهُ تَخَلَّصَ مِنَ الثَّناءِ إلى الدُّعاءِ ولا شَكَّ أنَّ الدُّعاءَ يَقْتَضِي الخِطابَ فَكانَ قَوْلُهُ إيّاكَ نَعْبُدُ تَخَلُّصًا يَجِيءُ بَعْدَهُ اهْدِنا الصِّراطَ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُ النّابِغَةِ في رِثاءِ النُّعْمانِ الغَسّانِيِّ:
؎أبى غَفْلَتِي أنِّي إذا ما ذَكَرْتُهُ ∗∗∗ تَحَرَّكَ داءٌ في فُؤادِيَ داخِلُ
؎ (p-١٨٠)وأنَّ تِلادِي إنْ نَظَرْتُ وشِكَّتِي ∗∗∗ ومُهْرِي وما ضَمَّتْ إلَيَّ الأنامِلُ
؎حِباؤُكَ والعِيسُ العِتاقُ كَأنَّها ∗∗∗ هِجانُ المَهى تُزْجى عَلَيْها الرَّحائِلُ
وأبُو الفَتْحِ ابْنُ جِنِّي يُسَمِّي الِالتِفاتَ ”شَجاعَةَ العَرَبِيَّةِ“ كَأنَّهُ عَنى أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى حِدَّةِ ذِهْنِ البَلِيغِ، وتَمَكُّنِهِ مِن تَصْرِيفِ أسالِيبِ كَلامِهِ كَيْفَ شاءَ كَما يَتَصَرَّفُ الشُّجاعُ في مَجالِ الوَغى بِالكَرِّ والفَرِّ.
و”إيّاكَ“ ضَمِيرُ خِطابٍ في حالَةِ النَّصْبِ والأظْهَرُ أنَّ كَلِمَةَ ”إيّا“ جُعِلَتْ لِيَعْتَمِدَ عَلَيْها الضَّمِيرُ عِنْدَ انْفِصالِهِ ولِذَلِكَ لَزِمَتْها الضَّمائِرُ نَحْوُ: إيّايَ تَعْنِي، وإيّاكَ أعْنِي، وإيّاهم أرْجُو. ومِن هُنالِكَ التُزِمَ في التَّحْذِيرِ لِأنَّ الضَّمِيرَ انْفَصَلَ عِنْدَ التِزامِ حَذْفِ العامِلِ.
ومِنَ النُّحاةِ مَن جَعَلَ إيّا ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا مُلازِمًا حالَةً واحِدَةً وجَعْلَ الضَّمائِرَ الَّتِي مَعَهُ أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِلتَّأْكِيدِ. ومِنهم مَن جَعَلَ (إيّا) هو الضَّمِيرُ وجَعَلَ ما بَعْدَهُ حُرُوفًا لِبَيانِ الضَّمِيرِ. ومِنهم مَن جَعَلَ (إيّا) اعْتِمادًا لِلضَّمِيرِ كَما كانَتْ أيُّ اعْتِمادًا لِلْمُنادى الَّذِي فِيهِ (ال) . ومِنهم مَن جَعَلَ (إيّا) اسْمًا ظاهِرًا مُضافًا لِلْمُضْمَراتِ. والعِبادَةُ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى الخُضُوعِ أوِ التَّعْظِيمِ الزّائِدَيْنِ عَلى المُتَعارَفِ بَيْنَ النّاسِ. وأمّا إطْلاقُها عَلى الطّاعَةِ فَهو مَجازٌ.
والعِبادَةُ في الشَّرْعِ أخَصُّ فَتُعَرَّفُ بِأنَّها فِعْلُ ما يُرْضِي الرَّبَّ مِن خُضُوعٍ وامْتِثالٍ واجْتِنابٍ، أوْ هي فِعْلُ المُكَلَّفِ عَلى خِلافِ هَوى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ، وقالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] العِبادَةُ تَعْظِيمُ أمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى الخَلْقِ.
وهَذا المَعْنى هو الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ وإنِ اخْتَلَفُوا في الوَضْعِ والهَيْئَةِ والقِلَّةِ والكَثْرَةِ ا هـ فَهي بِهَذا التَّفْسِيرِ تَشْمَلُ الِامْتِثالَ لِأحْكامِ الشَّرِيعَةِ كُلِّها.
وقَدْ فَسَّرَ الصُّوفِيَّةُ العِبادَةَ بِأنَّها فِعْلُ ما يُرْضِي الرَّبَّ. والعُبُودِيَّةُ بِالرِّضا بِما يَفْعَلُ الرَّبُّ. فَهي أقْوى. وقالَ بَعْضُهم: العُبُودِيَّةُ الوَفاءُ بِالعُهُودِ، وحِفْظُ الحُدُودِ، والرِّضا بِالمَوْجُودِ. والصَّبْرُ عَلى المَفْقُودِ، وهَذِهِ اصْطِلاحاتٌ لا مُشاحَّةَ فِيها.
قالَ الفَخْرُ مَراتِبُ العِبادَةِ ثَلاثٌ: الأُولى أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ طَمَعًا في الثَّوابِ وخَوْفًا مِنَ العِقابِ وهي العِبادَةُ، وهي دَرَجَةٌ نازِلَةٌ ساقِطَةٌ لِأنَّهُ جَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً لِنَيْلِ المَطْلُوبِ.
الثّانِيَةُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأجْلِ أنْ يَتَشَرَّفَ بِعِبادَتِهِ والِانْتِسابِ إلَيْهِ بِقَبُولِ تَكالِيفِهِ وهي أعْلى مِنَ الأُولى إلّا (p-١٨١)أنَّها لَيْسَتْ كامِلَةً لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ غَيْرُ اللَّهِ. الثّالِثَةُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِكَوْنِهِ إلَهًا خالِقًا مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ وكَوْنِهِ هو عَبْدًا لَهُ، وهَذِهِ أعْلى المَقاماتِ وهو المُسَمّى بِالعُبُودِيَّةِ اهـ.
قُلْتُ ولَمْ يُسَمِّ الإمامُ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ بِاسْمٍ والظّاهِرُ أنَّها مُلْحَقَةٌ في الِاسْمِ بِالمَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ أعْنِي العُبُودِيَّةَ لِأنَّ الشَّيْخَ ابْنَ سِينا قالَ في الإشاراتِ ”العارِفُ يُرِيدُ الحَقَّ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ ولا يُؤْثِرُ شَيْئًا عَلى عِرْفانِهِ وتَعَبُّدُهُ لَهُ فَقَطْ ولِأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ ولِأنَّها نِسْبَةٌ شَرِيفَةٌ إلَيْهِ لا لِرَغْبَةٍ أوْ رَهْبَةٍ اهـ. فَجَعَلَهُما حالَةً واحِدَةً.
وما ادَّعاهُ الفَخْرُ في سُقُوطِ الدَّرَجَةِ الأُولى ونُزُولِ مَرْتَبَتِها قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهِ اصْطِلاحُ غُلاةِ الصُّوفِيَّةِ وإلّا فَإنَّ العِبادَةَ لِلطَّمَعِ والخَوْفِ هي الَّتِي دَعا إلَيْها الإسْلامُ في سائِرِ إرْشادِهِ، وهي الَّتِي عَلَيْها جُمْهُورُ المُؤْمِنِينَ وهي غايَةُ التَّكْلِيفِ، كَيْفَ وقَدْ قالَ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَإنْ بَلَغَ المُكَلَّفُ إلى المُرَتَّبَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فَذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ وقَلِيلٌ ما هم، عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِن مُلاحَظَةِ الخَوْفِ والطَّمَعِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ، نَعَمْ إنَّ أفاضِلَ الأُمَّةِ مُتَفاوِتُونَ في الِاحْتِياجِ إلى التَّخْوِيفِ والإطْماعِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِهِمْ في العِلْمِ بِأسْرارِ التَّكْلِيفِ ومَصالِحِهِ وتَفاوُتِهِمْ في التَّمَكُّنِ مِن مُغالَبَةِ نُفُوسِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ الرُّجُوعِ إلى الخَوْفِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ والطَّمَعِ في أحْوالٍ أكْثَرَ.
وأعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى ما قُلْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ في كِتابِهِ المُتَّقِينَ في مَواضِعَ جَمَّةٍ ودَعا إلى التَّقْوى، وهَلِ التَّقْوى إلّا كاسْمِهِما بِمَعْنى الخَوْفِ والِاتِّقاءِ مِن غَضَبِ اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ هي الَّتِي أشارَ لَها قَوْلُهُ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ كَيْفَ تُجْهِدُ نَفْسَكَ في العِبادَةِ وقَدْ غَفَرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ فَقالَ «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» لِأنَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ الشُّكْرَ هُنا عَلى نِعْمَةٍ قَدْ حَصَلَتْ فَلَيْسَ فِيهِ حَظٌّ لِلنَّفْسِ بِالطَّمَعِ في المَزِيدِ لِأنَّ الغُفْرانَ العامَّ قَدْ حَصَلَ لَهُ فَصارَ الشُّكْرُ لِأجْلِ المَشْكُورِ لا غَيْرَ وتَمَحَّضَ أنَّهُ لا لِخَوْفٍ ولا طَمَعٍ.
(p-١٨٢)واعْلَمْ أنَّ مِن أهَمِّ المَباحِثِ البَحْثَ عَنْ سِرِّ العِبادَةِ وتَأْثِيرِها وسِرِّ مَشْرُوعِيَّتِها لَنا وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذا العالَمَ لِيَكُونَ مَظْهَرًا لِكَمالِ صِفاتِهِ تَعالى: الوُجُودُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ. وجَعَلَ قَبُولَ الإنْسانِ لِلْكَمالاتِ الَّتِي بِمِقْياسِها يَعْلَمُ نِسْبَةَ مَبْلَغِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، وأوْدَعَ فِيهِ الرُّوحَ والعَقْلَ اللَّذَيْنِ بِهِما يَزْدادُ التَّدَرُّجُ في الكَمالِ لِيَكُونَ غَيْرَ قانِعٍ بِما بَلَغَهُ مِنَ المَراتِبِ في أوْجِ الكَمالِ والمَعْرِفَةِ، وأرْشَدَهُ وهَداهُ إلى ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى مَرامِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ بِالِارْتِقاءِ العاجِلِ رُقِيٌّ آجِلٌ لا يَضْمَحِلُّ، وجَعَلَ اسْتِعْدادَهُ لِقَبُولِ الخَيْراتِ كُلِّها عاجِلِها وآجِلِها مُتَوَقِّفًا عَلى التَّلْقِينِ مِنَ السَّفَرَةِ المُوحى إلَيْهِمْ بِأُصُولِ الفَضائِلِ.
ولَمّا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلى مُراقَبَةِ النَّفْسِ في نَفَراتِها وشَرَداتِها وكانَتْ تِلْكَ المُراقَبَةُ تَحْتاجُ إلى تَذَكُّرِ المُجازِي بِالخَيْرِ وضِدِّهِ، شُرِعَتِ العِبادَةُ لِتَذَكُّرِ ذَلِكَ المُجازِيِّ لِأنَّ عَدَمَ حُضُورِ ذاتِهِ واحْتِجابِهِ بِسُبُحاتِ الجَلالِ يُسَرِّبُ نِسْيانَهُ إلى النُّفُوسِ، كَما أنَّهُ جَعَلَ نِظامَهُ في هَذا العالَمِ مُتَّصِلَ الِارْتِباطِ بَيْنَ أفْرادِهِ فَأمَرَهم بِلُزُومِ آدابِ المُعاشَرَةِ والمُعامَلَةِ لِئَلّا يَفْسُدَ النِّظامُ، ولِمُراقَبَةِ الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا شُرِعَتِ العِبادَةُ لِتُذَكِّرَ بِهِ، عَلى أنَّ في ذَلِكَ التَّذَكُّرِ دَوامَ الفِكْرِ في الخالِقِ وشُؤُونِهِ وفي ذَلِكَ تَخَلُّقٌ بِالكَمالاتِ تَدْرِيجًا فَظَهَرَ أنَّ العِبادَةَ هي طَرِيقُ الكَمالِ الذّاتِيِّ والِاجْتِماعِيِّ مَبْدَأً ونِهايَةً، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فالعِبادَةُ عَلى الجُمْلَةِ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها مُحَقِّقَةً لِلْمَقْصِدِ مِنَ الخَلْقِ، ولَمّا كانَ سِرُّ الخَلْقِ والغايَةُ مِنهُ خَفِيَّةَ الإدْراكِ عَرَّفَنا اللَّهُ تَعالى إيّاها بِمَظْهَرِها وما يُحَقِّقُها جَمْعًا لِعَظِيمِ المَعانِي في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ وهي جُمْلَةُ إلّا لِيَعْبُدُونِ وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي نَحَوْناهُ وأقَلُّ مِنهُ قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ سِينا في الإشاراتِ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ بِحَيْثُ يَسْتَقِلُّ وحْدَهُ بِأمْرِ نَفْسِهِ إلّا بِمُشارَكَةِ آخَرَ مِن بَنِي جِنْسِهِ وبِمُعاوَضَةٍ ومُعارَضَةٍ تَجْرِيانِ بَيْنَهُما يُفْرِغُ كُلُ واحِدٌ مِنهُما لِصاحِبِهِ عَنْ مُهِمٍّ لَوْ تَوَلّاهُ بِنَفْسِهِ لازْدَحَمَ عَلى الواحِدِ كَثِيرٌ وكانَ مِمّا يَتَعَسَّرُ إنْ أمْكَنَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ النّاسِ مُعامَلَةٌ وعَدْلٌ يَحْفَظُهُ شَرْعٌ يَفْرِضُهُ شارِعٌ مُتَمَيِّزٌ بِاسْتِحْقاقِ الطّاعَةِ ووَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ جَزاءٌ مِن عِنْدِ القَدِيرِ الخَبِيرِ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةٌ المُجازِي والشّارِعِ وأنْ يَكُونَ مَعَ مَعْرِفَةِ سَبَبٍ حافِظٍ لِلْمَعْرِفَةِ فَفُرِضَتْ عَلَيْهِمُ العِبادَةُ المُذَكِّرَةُ لِلْمَعْبُودِ، وكُرِّرَتْ عَلَيْهِمْ لِيُسْتَحْفَظَ التَّذْكِيرُ بِالتَّكْرِيرِ اهـ.
لا شَكَّ أنَّ داعِيَ العِبادَةِ التَّعْظِيمُ والإجْلالُ، وهو إمّا عَنْ مَحَبَّةٍ أوْ عَنْ خَوْفٍ مُجَرَّدٍ (p-١٨٣)وأهَمُّهُ ما كانَ عَنْ مَحَبَّةٍ؛ لِأنَّهُ يُرْضِي نَفْسَ فاعِلِهِ قالَ:
؎أهابُكِ إجْلالًا وما بِكِ قُدْرَةٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ولَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها
وهِيَ تَسْتَلْزِمُ الخَوْفَ مِن غَضَبِ المَحْبُوبِ قالَ مَحْمُودٌ الوَرّاقُ، أوْ مَنصُورٌ الفَقِيهُ:
؎تَعْصِي الإلَهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ∗∗∗ هَذا لَعَمْرِي في القِياسِ بَدِيعُ
؎لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ
ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّ اتِّباعَ الشَّرِيعَةِ يُوجِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وأنَّ المُحِبَّ يَوَدُّ أنْ يُحِبَّهُ حَبِيبُهُ كَما قالَ المُتَنَبِّي:
؎أنْتَ الحَبِيبُ ولَكِنِّي أعُوذُ بِهِ ∗∗∗ مِن أنْ أكُونَ مُحِبًّا غَيْرَ مَحْبُوبِ
وإلى هَذا النَّوْعِ تَرْجِعُ عِبادَةُ أكْثَرِ الأُمَمِ، ومِنها العِبادَةُ المَشْرُوعَةُ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ عِبادَةُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهم قالَ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ومِنَ الأُمَمِ مَن عَبَدَتْ عَنْ خَوْفٍ دُونَ مَحَبَّةٍ وإنَّما هو لِاتِّقاءِ شَرٍّ كَما عَبَدَتْ بَعْضُ الأُمَمِ الشَّياطِينَ وعَبَدَتِ المانَوِيَّةُ مِنَ المَجُوسِ المَعْبُودِ (أهْرُمُنْ) وهو عِنْدَهم رَبُّ الشَّرِّ والضُّرِّ ويَرْمُزُونَ إلَيْهِ بِعُنْصُرِ الظُّلْمَةِ وأنَّهُ تَوَلَّدَ مِن خاطِرِ سُوءٍ خَطَرَ لِلرَّبِّ يَزْدانَ إلَهِ الخَيْرِ، قالَ المَعَرِّيُّ:
؎فَكَّرَ يَزْدانُ عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ
والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ في قَوْلِهِ تَعالى:“ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ”حَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ المُلَقَّنِينَ لِهَذا الحَمْدِ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ.
وزَعَمَ ابْنُ الحاجِبِ في إيضاحِ المُفَصَّلِ في شَرْحِ دِيباجَةِ المُفَصَّلِ عِنْدَ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ“ اللَّهَ أحْمَدُ ”أنَّ التَّقْدِيمَ لا يُفِيدُ إلّا الِاهْتِمامَ دُونَ حَصْرٍ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى:“ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ”تَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ دُونَ قَصْرٍ وأنَّ تَمَسُّكَهم بِقَوْلِهِ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] ضَعِيفٌ لِوُرُودِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] وإبْطالُ رَأْيِهِ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ عِلْمِ المَعانِي. وأنا أرى اسْتِدْلالَهُ بِوُرُودِ قَوْلِهِ تَعالى:“ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ [الزمر: ٢] ”لا يَلِيقُ بِمَقامِهِ العِلْمِيِّ إذْ لا يُظَنُّ أنَّ مَحامِلَ الكَلامِ مُتَماثِلَةً في كُلِّ مَقامٍ، ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ“ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ”وإنَّما لَمْ تُفْصَلْ عَنْ جُمْلَةِ“ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ”بِطَرِيقَةِ تَعْدادِ الجُمَلِ مَقامِ التَّضَرُّعِ ونَحْوِهِ مِن مَقاماتِ التَّعْدادِ والتَّكْرِيرِ كُلًّا أوْ بَعْضًا لِلْإشارَةِ إلى خُطُورِ الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا في إرادَةِ المُتَكَلِّمِينَ بِهَذا التَّخْصِيصِ، أيْ نَخُصُّكَ (p-١٨٤)بِالِاسْتِعانَةِ أيْضًا مَعَ تَخْصِيصِكَ بِالعِبادَةِ. والِاسْتِعانَةُ طَلَبُ العَوْنِ. والعَوْنُ والإعانَةُ تَسْهِيلُ فِعْلِ شَيْءٍ يَشُقُّ ويَعْسُرُ عَلى المُسْتَعِينِ وحْدَهُ، فَهي تَحْصُلُ بِإعْدادِ طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ مِن إعارَةِ آلَةٍ، أوْ مُشارَكَةٍ بِعَمَلِ البَدَنِ كالحَمْلِ والقَوْدِ، أوْ بِقَوْلٍ كالإرْشادِ والتَّعْلِيمِ، أوْ بِرَأْيٍ كالنَّصِيحَةِ. قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ“ وخُلُقِيٌّ نِعْمَ العَوْنُ ”، أوْ بِمالٍ كَدَفْعِ المَغْرَمِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ الأمْرُ بِعَسِيرٍ مِن جُهُودِ المُسْتَعِينِ والمُعِينِ.
وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ فَهي طَلَبُ المَعُونَةِ عَلى ما لا قِبَلَ لِلْبَشَرِ بِالإعانَةِ عَلَيْهِ ولا قِبَلَ لِلْمُسْتَعِينِ بِتَحْصِيلِهِ بِمُفْرَدِهِ، ولِذَلِكَ فَهي مُشْعِرَةٌ بِأنَّ المُسْتَعِينَ يَصْرِفُ مَقْدِرَتَهُ لِتَحْصِيلِ الفِعْلِ ويَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ العَوْنَ عَلَيْهِ بِتَيْسِيرِ ما لا قِبَلَ لِقُدْرَةِ المُسْتَعِينِ عَلى تَحْصِيلِهِ بِمُفْرَدِهِ، فَهَذِهِ هي المَعُونَةُ شَرْعًا وقَدْ فَسَّرَها العُلَماءُ بِأنَّها هي خَلْقُ ما بِهِ تَمامُ الفِعْلِ أوْ تَيْسِيرُهُ، فَتَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ضَرُورِيَّةٌ أيْ ما يَتَوَقَّفُ الفِعْلُ عَلَيْها فَلا يَحْصُلُ بِدُونِها أيْ لا يَحْصُلُ بِدُونِ تَوَفُّرِ مُتَعَلِّقِها وهي إعْطاءُ الِاقْتِدارِ لِلْفاعِلِ وتَصَوُّرُهُ لِلْفِعْلِ وحُصُولُ المادَّةِ والآلَةِ، ومَجْمُوعُ هاتِهِ الأرْبَعَةِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِطاعَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِسَلامَةِ الأسْبابِ والآلاتِ وبِها يَصِحُّ تَكْلِيفُ المُسْتَطِيعِ.
القِسْمُ الثّانِي المَعُونَةُ غَيْرُ الضَّرُورِيَّةِ ويَنْبَغِي أنْ تُخَصَّ بِاسْمِ الإعانَةِ وهي إيجادُ المُعِينِ ما يَتَيَسَّرُ بِهِ الفِعْلُ لِلْمُعانِ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْهِ ويَقْرُبَ مِنهُ كَإعْدادِ الرّاحِلَةِ في السَّفَرِ لِلْقادِرِ عَلى المَشْيِ. وبِانْضِمامِ هَذا المَعْنى لِلْمَعْنى الأوَّلِ تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْفِيقِ المُعَرَّفِ عِنْدَهم بِأنَّهُ خَلْقُ القُدْرَةِ والدّاعِيَةُ إلى الطّاعَةِ، وسَمّى الرّاغِبُ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ بِالتَّوْفِيقِ ولا تَعارُضَ بَيْنَ كَلامِهِ وبَيْنَ تَعْرِيفِهِمْ إيّاهُ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ المَعُونَةِ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَتَمَّ التَّوْفِيقُ؛ والمَقْصُودُ هُنا الِاسْتِعانَةُ عَلى الأفْعالِ المُهِمَّةِ كُلِّها الَّتِي أعْلاها تَلَقِّي الدِّينِ وكُلِّ ما يَعْسُرُ عَلى المَرْءِ تَذْلِيلُهُ مِن تَوَجُّهاتِ النُّفُوسِ إلى الخَيْرِ وما يَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ مِن تَحْصِيلِ الفَضائِلِ.
وقَرِينَةُ هَذا المَقْصُودِ رَسْمُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ ووُقُوعُ تَخْصِيصِ الإعانَةِ عَقِبَ التَّخْصِيصِ بِالعِبادَةِ. ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ نَسْتَعِينُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُذْكَرَ مَجْرُورًا بِعَلى، وقَدْ أفادَ هَذا الحَذْفُ الهامُّ عُمُومَ الِاسْتِعانَةِ المَقْصُورَةِ عَلى الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ تَأدُّبًا مَعَهُ تَعالى، ومِن تَوابِعِ ذَلِكَ وأسْبابِهِ وهي المَعارِفُ والإرْشاداتُ والشَّرائِعُ وأُصُولُ العُلُومِ فَكُلُّها مِنَ الإعانَةِ المَطْلُوبَةِ وكُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو الَّذِي ألْهَمَنا مَبادِئَ العُلُومِ وكَلَّفَنا الشَّرائِعَ ولَقَّنَنا النُّطْقَ، قالَ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فالأوَّلُ إيماءٌ إلى طَرِيقِ المَعارِفِ وأصْلُها المَحْسُوساتُ وأعْلاها المُبْصِراتُ، والثّانِي إيماءٌ إلى (p-١٨٥)النُّطْقِ والبَيانِ لِلتَّعْلِيمِ، والثّالِثُ إلى الشَّرائِعِ. والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ في قَوْلِهِ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالِاسْتِعاناتِ المُتَعارَفَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ في شُئُونِهِمْ، ومَعْنى الحَصْرِ هُنا لا نَسْتَعِينُ عَلى عَظائِمِ الأُمُورِ الَّتِي لا يُسْتَعانُ فِيها بِالنّاسِ إلّا بِاللَّهِ تَعالى.
ويُفِيدُ هَذا القَصْرُ فِيهِما التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ ويَسْتَعِينُونَ بِغَيْرِهِ لِأنَّهم كانُوا فَرِيقَيْنِ مِنهم مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ عَلى قَصْدِ التَّشْرِيكِ إلّا أنَّ ولَعَهُ واسْتِهْتارَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أنْساهُ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى كَما عَبَدَتْ سَبَأُ الشَّمْسَ وعَبَدَ الفُرْسُ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وعَبَدَ القِبْطُ العِجْلَ وألَّهُوا الفَراعِنَةَ، وعَبَدَتْ أُمَمُ السُّودانِ الحَيَواناتِ كالثَّعابِينِ.
ومِنَ المُشْرِكِينَ مَن أشْرَكَ مَعَ عِبادَةِ اللَّهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ وهَذا حالُ مُعْظَمِ العَرَبِ مِمَّنْ عَبَدَ الأصْنامَ أوْ عَبَدَ الكَواكِبَ، فَقَدْ عَبَدَتْ ضَبَّةُ وتَيْمٌ وعُكْلُ الشَّمْسَ، وعَبَدَتْ كِنانَةُ القَمَرَ، وعَبَدَتْ لَخْمٌ وخُزاعَةُ وبَعْضُ قُرَيْشٍ الشِّعْرى وعَبَدَتْ تَمِيمٌ الدَّبَرانَ، وعَبَدَتْ طَيْءٌ الثُّرَيّا، وهَؤُلاءِ كُلُّهم جَعَلُوا الآلِهَةَ بِزَعْمِهِمْ وسِيلَةً يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، فَهَؤُلاءِ جَمَعُوا العِبادَةَ والِاسْتِعانَةَ بِهِمْ لِأنَّ جَعْلَهم وسِيلَةً إلى اللَّهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ اسْتِفادَةَ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ ونَحْوِهِمْ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ أيْ بِطَرِيقِ عَرْضِ الكَلامِ لِأنَّ القَصْرَ الحَقِيقِيَّ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الِاعْتِقادِ إلّا تَعْرِيضًا لِأنَّ مَعْناهُ حاصِلٌ عَلى الحَقِيقَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ السَّلْكُوتِيُّ في حاشِيَةِ التَّفْسِيرِ.
فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ أُمِرْنا بِأنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نَسْتَعِينَ إلّا بِهِ حَسْبَما تُشِيرُ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا عَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ قالَ لَهُ إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» فَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ، قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الجَدُّ قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ في تَعْلِيقِهِ عَلى هَذا الحَدِيثِ أنَّ تَرْكَ طَرِيقَةِ القَصْرِ إيماءٌ إلى أنَّ المَقامَ لا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ وأنَّ مِن حَقِّ السُّؤالِ أنْ لا يَكُونَ إلّا لِلَّهِ القادِرِ العَلِيمِ.
وقَدْ قالَ عُلَماءُ البَلاغَةِ إذا كانَ الفِعْلُ مَقْصُورًا في نَفْسِهِ فارْتِكابُ طَرِيقِ القَصْرِ لَغْوٌ مِنَ الكَلامِ اهـ.
وأقُولُ تَقْفِيَةً عَلى أثَرِهِ إنَّ مَقامَ الحَدِيثِ غَيْرُ مَقامِ الآيَةِ فَمَقامُ الحَدِيثِ مَقامُ تَعْلِيمٍ خاصٍّ لِمَن نَشَأ وشَبَّ وتَرَجَّلَ في الإسْلامِ فَتَقَرُّرُ قَصْرِ الحُكْمِ لَدَيْهِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ ولِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْهُ وأمّا مَقامُ هَذِهِ الآيَةِ فَمَقامُ مُفْتَتَحِ الوَحْيِ والتَّشْرِيعِ واسْتِهْلالِ الوَعْظِ والتَّقْرِيعِ، فَناسَبَ تَأْكِيدَ الحُكْمِ بِالقَصْرِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِحالِ الشِّرْكِ الشَّنِيعِ عَلى أنَّ تَعْلِيقَ الأمْرِ بِهِما في جَوابِ الشَّرْطِ عَلى حُصُولِ أيِّ سُؤالٍ وأيَّةِ اسْتِعانَةٍ يُفِيدُ مَفادَ القَصْرِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ (p-١٨٦)وبَراءَةً مِن صَنِيعِهِمْ فَقَدْ كانُوا يَسْتَعِينُونَ بِآلِهَتِهِمْ. ومِن ذَلِكَ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ المَوْضُوعَةِ عِنْدَ الآلِهَةِ والأصْنامِ، وضَمِيرا“ نَعْبُدُ ”و“ نَسْتَعِينُ ”، يَعُودانِ إلى تالِي السُّورَةِ ذاكِرًا مَعَهُ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ. وفي العُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ الواحِدِ إلى الإتْيانِ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ هَذِهِ المَحامِدَ صادِرَةٌ مِن جَماعاتٍ.
فَفِيهِ إغاظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ يَعْلَمُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ صارُوا في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، ولِأنَّهُ أبْلَغُ في الثَّناءِ مِن“ أعْبُدَ ”“ وأسْتَعِينَ ”لِئَلّا تَخْلُوَ المُناجاةُ عَنْ ثَناءٍ أيْضًا بِأنَّ المَحْمُودَ المَعْبُودَ المُسْتَعانَ قَدْ شَهِدَ لَهُ الجَماعاتُ وعَرَفُوا فَضْلَهُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ النّابِغَةِ في رِثاءِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:
؎قُعُودًا لَهُ غَسّانُ يَرْجُونَ أوْبَةً ∗∗∗ وتُرْكٌ ورَهْطُ الأعْجَمِينَ وكابُلُ
إذْ قَصَدَ مِن تَعْدادِ أصْنافٍ مِنَ الأُمَمِ الكِنايَةَ عَنْ عَظَمَةِ النُّعْمانِ وكَثْرَةِ رَعِيَّتِهِ.
فَكَأنَّ الحامِدَ لَمّا انْتَقَلَ مِنَ الحَمْدِ إلى المُناجاةِ لَمْ يُغادِرْ فُرْصَةً يَقْتَنِصُ مِنها الثَّناءَ إلّا انْتَهَزَها.
ووَجْهُ تَقْدِيمِ قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أنَّ العِبادَةَ تَقَرُّبٌ لِلْخالِقِ تَعالى فَهي أجْدَرُ بِالتَّقْدِيمِ في المُناجاةِ.
وأمّا الِاسْتِعانَةُ فَهي لِنَفْعِ المَخْلُوقِ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ فَناسَبَ أنْ يُقَدِّمَ المُناجِي ما هو مِن عَزْمِهِ وصُنْعِهِ عَلى ما يَسْألُهُ مِمّا يُعِينُ عَلى ذَلِكَ، ولِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ تَتَرَكَّبُ عَلى كَوْنِهِ مَعْبُودًا لِلْمُسْتَعِينِ بِهِ ولِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما تُطْلَبُ الإعانَةُ عَلَيْهِ العِبادَةُ فَكانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلى الِاسْتِعانَةِ في التَّعَقُّلِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن ذَلِكَ التَّقْدِيمِ أيْضًا إيفاءُ حَقِّ فَواصِلِ السُّورَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحَرْفِ السّاكِنِ المُتَماثِلِ أوِ القَرِيبِ في مَخْرَجِ اللِّسانِ، وأُعِيدَ لَفْظُ إيّاكَ في الِاسْتِعانَةِ دُونَ أنْ يَعْطِفَ فِعْلَ“ نَسْتَعِينُ ”عَلى“ نَعْبُدُ ”مَعَ أنَّهُما مَقْصُودانِ جَمِيعًا كَما أنْبَأ عَنْهُ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لِأنَّ بَيْنَ الحَصْرَيْنِ فَرْقًا، فالحَصْرُ في“ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ”حَقِيقِيٌّ والقَصْرُ في“ إيّاكَ نَسْتَعِينُ " ادِّعائِيٌّ فَإنَّ المُسْلِمَ قَدْ يَسْتَعِينُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ وقَدْ قالَ تَعالى ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢] ولَكِنَّهُ لا يَسْتَعِينُ في عَظائِمِ الأُمُورِ إلّا بِاللَّهِ ولا يَعُدُّ الِاسْتِعانَةَ حَقِيقَةً إلّا الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ تَعالى.
ibn_atiyyah — المحرر الوجيز
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ نُطْقُ المُؤْمِنِ بِهِ إقْرارٌ بِالرُبُوبِيَّةِ، وتَذَلُّلٌ وتَحْقِيقٌ لِعِبادَةِ اللهِ، إذْ سائِرُ الناسِ يَعْبُدُونَ سِواهُ مِن أصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى الفِعْلِ اهْتِمامًا، وشَأْنُ العَرَبِ تَقْدِيمُ الأهَمِّ. ويَذْكُرُ أنَّ أعْرابِيًّا سَبَّ آخَرَ، فَأعْرَضَ المَسْبُوبُ عنهُ، فَقالَ لَهُ السابُّ: إيّاكَ أعْنِي، فَقالَ الآخَرُ: وعنكَ أعْرِضُ، فَقَدَّما الأهَمَّ. وقَرَأ الفَضْلُ الرُقاشِيُّ "أيّاكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "إيّاكَ" (p-٨٣)بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وذَلِكَ أنَّهُ كَرِهَ تَضْعِيفَ الياءِ لِثِقَلِها، وكَوْنُ الكَسْرَةِ قَبْلَها، وهَذا كَتَخْفِيفِ "رَبِ" و"إنْ". وقَرَأ أبُو السِوارِ الغَنَوِيُّ "هَيّاكَ نَعْبُدُ، وهَيّاكَ نَسْتَعِينُ" بِالهاءِ وهي لُغَةٌ.
واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "إيّاكَ"، قالَ الخَلِيلُ: "إيّا" اسْمٌ مُضْمَرٌ، أُضِيفَ إلى ما بَعْدَهُ لِلْبَيانِ لا لِلتَّعْرِيفِ، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "إذا بَلَغَ الرَجُلُ السِتِّينَ فَإيّاهُ وايا الشَوابِّ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "إيّا" اسْمٌ مُبْهَمٌ، أُضِيفَ لِلتَّخْصِيصِ لا لِلتَّعْرِيفِ. وحَكى ابْنُ كَيْسانَ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ "إيّاكَ" بِكَمالِهِ اسْمٌ مُضْمَرٌ، ولا يُعْرَفُ اسْمٌ مُضْمَرٌ يُتَغَيَّرُ آخِرُهُ غَيْرُهُ.
وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الكافُ والهاءُ والياءُ هي الِاسْمُ المُضْمَرُ، لَكِنَّها لا تَقُومُ بِأنْفُسِها، ولا تَكُونُ إلّا مُتَّصِلاتٍ، فَإذا تَقَدَّمَتِ الأفْعالُ جَعَلَ "إيّا" عِمادًا لَها، فَيُقالُ: "إيّاكَ، وإيّاهُ، وإيّايَ". وإذا تَأخَّرَتِ اتَّصَلَتْ بِالأفْعالِ واسْتُغْنِيَ عن "إيّا". وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: أنَّ "إيّا" اسْمٌ مُبْهَمٌ يُكَنّى بِهِ عَنِ المَنصُوبِ، وزِيدَتِ الكافُ والهاءُ تَفْرِقَةً بَيْنَ المُخاطَبِ والغائِبِ والمُتَكَلِّمِ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَهي كالكافِ في ذَلِكَ، وفي أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما فَعَلَ.
و"نَعْبُدُ" مَعْناهُ: نُقِيمُ الشَرْعَ والأوامِرَ مَعَ تَذَلُّلٍ واسْتِكانَةٍ، والطَرِيقُ المُذَلَّلُ يُقالُ لَهُ مُعَبَّدٌ، وكَذَلِكَ البَعِيرُ، وقالَ طَرَفَةُ:
؎ تُبارِي عِتاقًا ناجِياتٍ وأتْبَعَتْ وظِيفًا وظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
وتَكَرَّرَتْ "إيّاكَ" بِحَسَبِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، فاحْتاجَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى تَأْكِيدٍ واهْتِمامٍ.
و"نَسْتَعِينُ"، مَعْناهُ نَطْلُبُ العَوْنَ مِنكَ في جَمِيعِ أُمُورِنا، وهَذا كُلُّهُ تَبَرُّو مِن (p-٨٤)الأصْنامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ: "نَسْتَعِينُ" بِكَسْرِ النُونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ في النُونِ والتاءِ والهَمْزَةِ، ولا يَقُولُونَها في ياءِ الغائِبِ، وإنَّما ذَلِكَ في كُلِّ فِعْلٍ سُمِّيَ فاعِلُهُ فِيهِ زَوائِدَ، أو فِيما يَأْتِي مِنَ الثُلاثِيِّ عَلى فَعِلَ يَفْعَلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي، وفَتْحِها في المُسْتَقْبَلِ، نَحْوُ عَلِمَ وشَرِبَ، وكَذَلِكَ فِيما جاءَ مُعْتَلَّ العَيْنِ نَحْوُ خالٍ يَخالُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: تَخالُ وأخالُ. و"نَسْتَعِينُ" أصْلُهُ نَسْتَعْوِنُ. نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
والمَصْدَرُ: "اسْتِعانَةٌ"، أصْلُهُ "اسْتِعْوانٌ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى العَيْنِ، فَلَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وهي في نِيَّةِ الحَرَكَةِ انْقَلَبَتْ ألِفًا، فَوَجَبَ حَذْفُ أحَدِ الألِفَيْنِ الساكِنَيْنِ، فَقِيلَ: حُذِفَتِ الأولى لِأنَّ الثانِيَةَ مَجْلُوبَةٌ لِمَعْنًى فَهي أولى بِالبَقاءِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الثانِيَةُ لِأنَّ الأُولى أصْلِيَّةٌ فَهي أولى بِالبَقاءِ، ثُمَّ لَزِمَتِ الهاءَ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ.
ibn_juzayy — التسهيل لعلوم التنزيل
وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.
الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن".
الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده.
الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.
الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.
الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة"
والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله.
الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.
الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.
الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.
الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣].
الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.
الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.
الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.
الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.
الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.
الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.
الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.
الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.
الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
ibn_qayyim — تفسير ابن القيم
فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظرَ جواب ربه له: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وتأمل عبوديةَ هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميَّز الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وفَقِهَ سرّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميَّزَ بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نعبد" والتوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نستعين"، وفَقِهَ سر كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما، وفَقِهَ تقديم "إياك نعبد" على "إياك نستعين"، وتقديم المعمول على الفعل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلمَ ما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تُدخِله الكلمتان في صريح العبودية، وعَلِمَ كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين، بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمنتا لأجلِّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب.
وهذا موضع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، وفي كتاب "الرسالة المصرية".
[فائدة]
والعَبْدُ إذا عَزَمَ عَلى فِعْلِ أمْرٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ أوَّلًا هَلْ هو طاعَةٌ لِلَّهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ طاعَةٌ فَلا يَفْعَلُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مُباحًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى الطّاعَةِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ طاعَةً، فَإذا بانَ لَهُ أنَّهُ طاعَةٌ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْظُرَ هَلْ هو مُعانٌ عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعانًا عَلَيْهِ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيُذِلَّ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ مُعانًا عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ آخَرُ، وهو أنْ يَأْتِيَهُ مِن بابِهِ؛ فَإنْ أتاهُ مِن غَيْرِ بابِهِ أضاعَهُ أوْ فَرَّطَ فِيهِ أوْ أفْسَدَ مِنهُ شَيْئًا؛ فَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أصْلُ سَعادَةِ العَبْدِ وفَلاحِهِ، وهي مَعْنى قَوْلِ العَبْدِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾
فَأسْعَدُ الخَلْقِ أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ والهِدايَةِ إلى المَطْلُوبِ، وأشْقاهم مَن عُدِمَ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَعْدُومٌ أوْ ضَعِيفٌ؛ فَهَذا مَخْذُولٌ مُهِينٌ مَحْزُونٌ، ومِنهم مَن يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَوِيًّا ونَصِيبُهُ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ضَعِيفًا أوْ مَفْقُودًا؛ فَهَذا لَهُ نُفُوذٌ وتَسَلُّطٌ وقُوَّةٌ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، بَلْ عاقِبَتُهُ أسْوَأُ عاقِبَةً، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَكِنْ نَصِيبُهُ مِن الهِدايَةِ إلى المَقْصُودِ ضَعِيفٌ جِدًّا، كَحالِ كَثِيرٍ مِن العِبادِ والزُّهّادِ الَّذِينَ قَلَّ عِلْمُهم بِحَقائِقِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن الهُدى ودِينِ الحَقِّ.
وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فَمَن خَلَصَتْ نِيَّتُهُ في الحَقِّ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ " إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكْفِي قِيامُهُ في الحَقِّ لِلَّهِ إذا كانَ عَلى غَيْرِهِ، حَتّى يَكُونَ أوَّلَ قائِمٍ بِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قِيامُهُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإلّا فَكَيْفَ يُقْبَلُ الحَقُّ مِمَّنْ أهْمَلَ القِيامَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ؟ وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمًا وعَلَيْهِ ثَوْبانِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ ألا تَسْمَعُونَ؟ فَقالَ سَلْمانُ: لا نَسْمَعُ، فَقالَ عُمَرُ: ولِمَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؟ قالَ: إنّك قَسَّمْت عَلَيْنا ثَوْبًا ثَوْبًا وعَلَيْك ثَوْبانِ، فَقالَ: لا تَعْجَلْ. يا عَبْدَ اللَّهِ، يا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقالَ: لَبَّيْكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الَّذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أهْوَ ثَوْبُكَ؟ قالَ: نَعَمْ، اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ سَلْمانُ: أمّا الآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ.
* [فصلٌ: لِلَّهِ عَلى كُلِّ أحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ]
وَقَوْلُهُ: " فَإنَّ القَضاءَ في مَواطِنِ الحَقِّ مِمّا يُوجِبُ اللَّهُ بِهِ الأجْرَ، ويُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ "
هَذا عُبُودِيَّةُ الحُكّامِ ووُلاةِ الأمْرِ الَّتِي تُرادُ مِنهُمْ، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ، سِوى العُبُودِيَّةِ العامَّةِ الَّتِي سَوّى بَيْنَ عِبادِهِ فِيها؛ فَعَلى العالِمِ مِن عُبُودِيَّتِهِ نَشْرُ السُّنَّةِ والعِلْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ما لَيْسَ عَلى الجاهِلِ، وعَلَيْهِ مِن عُبُودِيَّةِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ ما لَيْسَ عَلى غَيْرِهِ، وعَلى الحاكِمِ مِن عُبُودِيَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وتَنْفِيذِهِ وإلْزامِهِ مِمَّنْ هو عَلَيْهِ بِهِ والصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والجِهادِ عَلَيْهِ ما لَيْسَ عَلى المُفْتِي. وعَلى الغَنِيِّ مِن عُبُودِيَّةِ أداءِ الحُقُوقِ الَّتِي في مالِهِ ما لَيْسَ عَلى الفَقِيرِ، وعَلى القادِرِ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ بِيَدِهِ ولِسانِهِ ما لَيْسَ عَلى العاجِزِ عَنْهُما.
وَتَكَلَّمَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيّ يَوْمًا في الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: هَذا واجِبٌ قَدْ وُضِعَ عَنّا، فَقالَ: هَبِي أنَّهُ قَدْ وُضِعَ عَنْكُنَّ سِلاحُ اليَدِ واللِّسانِ، فَلَمْ يُوضَعْ عَنْكُنَّ سِلاحُ القَلْبِ، فَقالَتْ: صَدَقْت جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا.
وَقَدْ غَرَّ إبْلِيسُ أكْثَرَ الخَلْقِ بِأنْ حَسَّنَ لَهم القِيامَ بِنَوْعٍ مِن الذِّكْرِ والقِراءَةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ، وعَطَّلُوا هَذِهِ العُبُودِيّاتِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا قُلُوبَهم بِالقِيامِ بِها، وهَؤُلاءِ عِنْدَ ورَثَةِ الأنْبِياءِ مِن أقَلِّ النّاسِ دِينًا؛ فَإنَّ الدِّينَ هو القِيامُ لِلَّهِ بِما أمَرَ بِهِ، فَتارِكُ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ أسْوَأُ حالًا عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن مُرْتَكِبِ المَعاصِي؛ فَإنَّ تَرْكَ الأمْرِ أعْظَمُ مِن ارْتِكابِ النَّهْيِ مِن أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ وجْهًا ذَكَرَها شَيْخُنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في بَعْضِ تَصانِيفِهِ؛ ومَن لَهُ خِبْرَةٌ بِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وبِما كانَ عَلَيْهِ هو وأصْحابُهُ رَأْيٌ أنَّ أكْثَرَ مَن يُشارُ إلَيْهِمْ بِالدِّينِ هم أقَلُّ النّاسِ دِينًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وأيُّ دِينٍ وأيُّ خَيْرٍ فِيمَن يَرى مَحارِمَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ وحُدُودَهُ تُضاعُ ودِينَهُ يُتْرَكُ وسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرْغَبُ عَنْها وهو بارِدُ القَلْبِ ساكِتُ اللِّسانِ؟ شَيْطانٌ أخْرَسُ، كَما أنَّ المُتَكَلِّمَ بِالباطِلِ شَيْطانٌ ناطِقٌ، وهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلّا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا سَلَّمْت لَهم مَآكِلَهم ورِياساتِهِمْ فَلا مُبالاةَ بِما جَرى عَلى الدِّينِ؟، وخِيارُهم المُتَحَزِّنُ المُتَلَمِّظُ، ولَوْ نُوزِعَ في بَعْضِ ما فِيهِ غَضاضَةٌ عَلَيْهِ في جاهِهِ أوْ مالِهِ بَذَلَ وتَبَذَّلَ وجَدَّ واجْتَهَدَ، واسْتَعْمَلَ مَراتِبَ الإنْكارِ الثَّلاثَةِ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. وهَؤُلاءِ - مَعَ سُقُوطِهِمْ مِن عَيْنِ اللَّهِ ومَقْتِ اللَّهِ لَهم - قَدْ بُلُوا في الدُّنْيا بِأعْظَمَ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وهم لا يَشْعُرُونَ، وهو مَوْتُ القُلُوبِ؛ فَإنَّهُ القَلْبُ كُلَّما كانَتْ حَياتُهُ أتَمَّ كانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ أقْوى، وانْتِصارُهُ لِلدِّينِ أكْمَلُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ أثَرًا «أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مَلِكٍ مِن المَلائِكَةِ أنْ اخْسِفْ بِقَرْيَةِ كَذا وكَذا، فَقالَ: يا رَبِّ كَيْفَ وفِيهِمْ فُلانُ العابِدُ؟ فَقالَ: بِهِ فابْدَأْ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ في يَوْمًا قَطُّ».
وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ في كِتابِ التَّمْهِيدِ «أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ أنْ قُلْ لِفُلانٍ الزّاهِدِ: أمّا زُهْدُك في الدُّنْيا فَقَدْ تَعَجَّلْت بِهِ الرّاحَةَ، وأمّا انْقِطاعُك إلَيَّ فَقَدْ اكْتَسَبْت بِهِ العِزَّ، ولَكِنْ ماذا عَمِلَتْ فِيما لِي عَلَيْك؟ فَقالَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ لَك عَلَيَّ؟ قالَ: هَلْ والَيْت في ولِيًّا أوْ عادَيْت في عَدُوًّا»؟
* [فَصْلٌ: سِرُّ الخَلْقِ والأمْرِ والشَّرائِعِ]
وَسِرُّ الخَلْقِ والأمْرِ، والكُتُبِ والشَّرائِعِ، والثَّوابِ والعِقابِ انْتَهى إلى هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، وعَلَيْهِما مَدارُ العُبُودِيَّةِ والتَّوْحِيدِ، حَتّى قِيلَ: أنْزَلَ اللَّهُ مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ مَعانِيَها في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ، وجَمَعَ مَعانِيَ هَذِهِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ في القُرْآنِ، وجَمَعَ مَعانِيَ القُرْآنِ في المُفَصَّلِ، وجَمَعَ مَعانِيَ المُفَصَّلِ في الفاتِحَةِ، ومَعانِيَ الفاتِحَةِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وَهُما الكَلِمَتانِ المَقْسُومَتانِ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ عَبْدِهِ نِصْفَيْنِ، فَنَصِفُهُما لَهُ تَعالى، وهو " إيّاكَ نَعْبُدُ " ونِصْفُهُما لِعَبْدِهِ وهو " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ".
وَسَيَأْتِي سِرُّ هَذا ومَعْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في مَوْضِعِهِ.
والعِبادَةُ تَجْمَعُ أصْلَيْنِ: غايَةُ الحُبِّ بِغايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، والتَّعَبُّدُ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، فَمَن أحْبَبْتَهُ ولَمْ تَكُنْ خاضِعًا لَهُ، لَمْ تَكُنْ عابِدًا لَهُ، ومَن خَضَعْتَ لَهُ بِلا مَحَبَّةٍ لَمْ تَكُنْ عابِدًا لَهُ حَتّى تَكُونَ مُحِبًّا خاضِعًا، ومِن هاهُنا كانَ المُنْكِرُونَ مَحَبَّةَ العِبادِ لِرَبِّهِمْ مُنْكِرِينَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، والمُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مَحْبُوبًا لَهُمْ، بَلْ هو غايَةُ مَطْلُوبِهِمْ، ووَجْهُهُ الأعْلى نِهايَةُ بُغْيَتِهِمْ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِهِ إلَهًا، وإنْ أقَرُّوا بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ وخالِقًا لَهُمْ، فَهَذا غايَةُ تَوْحِيدِهِمْ، وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، ولَمْ يَخْرُجُوا بِهِ عَنِ الشِّرْكِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ [المؤمنون: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] ولِهَذا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ إلَهِيَّتِهِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ، كَما أنَّهُ لا خالِقَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ.
والِاسْتِعانَةُ تَجْمَعُ أصْلَيْنِ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، فَإنَّ العَبْدَ قَدْ يَثِقُ بِالواحِدِ مِنَ النّاسِ، ولا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ مَعَ ثِقَتِهِ بِهِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وقَدْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولِعَدَمِ مَن يَقُومُ مَقامَهَ، فَيَحْتاجُ إلى اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ غَيْرُ واثِقٍ بِهِ.
والتَّوَكُّلُ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِن أصْلَيْنِ: مِنَ الثِّقَةِ، والِاعْتِمادِ، وهو حَقِيقَةُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " وهَذانَ الأصْلانِ وهُما التَّوَكُّلُ، والعِبادَةُ قَدْ ذُكِرا في القُرْآنِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، قَرَنَ بَيْنَهُما فِيها، هَذا أحَدُها.
الثّانِي: قَوْلُ شُعَيْبٍ ﴿وَما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤].
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠].
فَهَذِهِ سِتَّةُ مَواضِعَ يُجْمَعُ فِيها بَيْنَ الأصْلَيْنِ، وهُما " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
وَتَقْدِيمُ " العِبادَةِ " عَلى " الِاسْتِعانَةِ " في الفاتِحَةِ مِن بابِ تَقْدِيمِ الغاياتِ عَلى الوَسائِلِ، إذِ " العِبادَةُ " غايَةُ العِبادِ الَّتِي خُلِقُوا لَها، و" الِاسْتِعانَةُ " وسِيلَةٌ إلَيْها، ولِأنَّ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ واسْمِهِ " اللَّهِ " " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ واسْمِهِ " الرَّبِّ " فَقَدَّمَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى " إيّاكَ نَسْتَعِينُ " كَما قَدَّمَ اسْمَ " اللَّهِ " عَلى " الرَّبِّ " في أوَّلِ السُورَةِ، ولِأنَّ " إيّاكَ نَعْبُدُ " قَسْمُ " الرَّبِّ "، فَكانَ مِنَ الشَّطْرِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِكَوْنِهِ أوْلى بِهِ، و" إيّاكَ نَسْتَعِينُ " قَسْمُ العَبْدِ، فَكانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ، وهو " ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " إلى آخِرِ السُّورَةِ.
وَلِأنَّ " العِبادَةَ " المُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ " الِاسْتِعانَةُ " مِن غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ ولا يَنْعَكِسُ، لِأنَّ صاحِبَ الأغْراضِ والشَّهَواتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى شَهَواتِهِ، فَكانَتِ العِبادَةُ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولِهَذا كانَتْ قَسْمَ الرَّبِّ.
وَلِأنَّ " الِاسْتِعانَةَ " جُزْءٌ مِنِ " العِبادَةِ " مِن غَيْرٍ عَكْسٍ، ولِأنَّ " الِاسْتِعانَةَ " طَلَبٌ مِنهُ، و" العِبادَةَ " طَلَبٌ لَهُ.
وَلِأنَّ " العِبادَةَ " لا تَكُونُ إلّا مِن مُخْلِصٍ، و" الِاسْتِعانَةَ " تَكُونُ مِن مُخْلِصٍ ومِن غَيْرِ مُخْلِصٍ.
وَلِأنَّ " العِبادَةَ " حَقُّهُ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ، و" الِاسْتِعانَةُ " طَلَبُ العَوْنِ عَلى " العِبادَةِ "، وهو بَيانُ صَدَقَتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِها عَلَيْكَ، وأداءُ حَقِّهِ أهَمُّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِصَدَقَتِهِ.
وَلِأنَّ " العِبادَةَ " شُكْرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، واللَّهُ يُحِبُّ أنْ يَشْكُرَ، والإعانَةُ فِعْلُهُ بِكَ وتَوْفِيقُهُ لَكَ، فَإذا التَزَمْتَ عُبُودِيَّتَهُ، ودَخَلْتَ تَحْتَ رِقِّها أعانَكَ عَلَيْها، فَكانَ التِزامُها والدُّخُولُ تَحْتَ رِقِّها سَبَبًا لِنَيْلِ الإعانَةِ، وكُلَّما كانَ العَبْدُ أتَمَّ عُبُودِيَّةً كانَتِ الإعانَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُ أعْظَمَ.
والعُبُودِيَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِإعانَتَيْنِ: إعانَةٍ قَبْلَها عَلى التِزامِها والقِيامِ بِها، وإعانَةٍ بَعْدَها عَلى عُبُودِيَّةٍ أُخْرى، وهَكَذا أبَدًا، حَتّى يَقْضِيَ العَبْدُ نَحْبَهُ.
وَلِأنَّ " إيّاكَ نَعْبُدُ " لَهُ، و" إيّاكَ نَسْتَعِينُ " بِهِ، وما لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى ما بِهِ، لِأنَّ ما لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، وما بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، وما تَعَلَّقَ بِمَحَبَّتِهِ أكْمَلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ، فَإنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، والمَلائِكَةُ والشَّياطِينُ والمُؤْمِنُونَ والكُفّارُ، والطّاعاتُ والمَعاصِي، والمُتَعَلِّقُ بِمَحَبَّتِهِ: طاعَتُهم وإيمانُهُمْ، فالكُفّارُ أهْلُ مَشِيئَتِهِ، والمُؤْمِنُونَ أهْلُ مَحَبَّتِهِ، ولِهَذا لا يَسْتَقِرُّ في النّارِ شَيْءٌ لِلَّهِ أبَدًا، وكُلُّ ما فِيها فَإنَّهُ بِهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ.
فَهَذِهِ الأسْرارُ يَتَبَيَّنُ بِها حِكْمَةُ تَقْدِيمِ " إيّاكَ نَعْبُدُ " عَلى " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ".
وَأمّا تَقْدِيمُ المَعْبُودِ والمُسْتَعانِ عَلى الفِعْلَيْنِ، فَفِيهِ: أدَبُهم مَعَ اللَّهِ بِتَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلى فِعْلِهِمْ، وفِيهِ الِاهْتِمامُ وشِدَّةُ العِنايَةِ بِهِ، وفِيهِ الإيذانُ بِالِاخْتِصاصِ، المُسَمّى بِالحَصْرِ، فَهو في قُوَّةٍ: لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ، ولا نَسْتَعِينُ إلّا بِكَ، والحاكِمُ في ذَلِكَ ذَوْقُ العَرَبِيَّةِ والفِقْهُ فِيها، واسْتِقْراءُ مَوارِدِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ مُقَدَّمًا، وسِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلى الِاهْتِمامِ، ولَمْ يَنْفِ غَيْرَهُ.
وَلِأنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ القائِلِ أنْ يُعْتِقَ عَشَرَةَ أعْبُدٍ مَثَلًا، ثُمَّ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: إيّاكَ أعْتَقْتُ، ومَن سَمِعَهُ أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: وغَيْرَهُ أيْضًا أعْتَقْتَ، ولَوْلا فَهْمُ الِاخْتِصاصِ لَما قُبِّحَ هَذا الكَلامُ، ولا حَسُنَ إنْكارُهُ.
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] كَيْفَ تَجِدُهُ في قُوَّةِ: لا تَرْهَبُوا غَيْرِي، ولا تَتَّقُوا سِوايَ، وكَذَلِكَ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " هو في قُوَّةِ: لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، ولا نَسْتَعِينُ بِسِواكَ، وكُلُّ ذِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ يَفْهَمُ هَذا الِاخْتِصاصَ مِن عِلَّةِ السِّياقِ.
وَلا عِبْرَةَ بِجَدَلِ مَن قَلَّ فَهْمُهُ، وفُتِحَ عَلَيْهِ بابُ الشَّكِّ والتَّشْكِيكِ، فَهَؤُلاءِ هم آفَةُ العُلُومِ، وبَلِيَّةُ الأذْهانِ والفُهُومِ، مَعَ أنَّ في ضَمِيرِ " إيّاكَ " مِنَ الإشارَةِ إلى نَفْسِ الذّاتِ والحَقِيقَةِ ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، فَفِي: إيّاكَ قَصَدْتُ وأحْبَبْتُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَعْنى حَقِيقَتِكَ وذاتِكَ قَصْدِي، ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: قَصَدْتُكَ وأحْبَبْتُكَ، وإيّاكَ أعْنِي فِيهِ مَعْنى: نَفْسَكَ وذاتَكَ وحَقِيقَتَكَ أعْنِي.
وَمِن هاهُنا قالَ مَن قالَ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ " إيّا " اسْمٌ ظاهِرٌ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِرَدٍّ شافٍ.
وَلَوْلا أنّا في شَأْنٍ وراءَ هَذا لَأشْبَعْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَكَرْنا مَذاهِبَ النُّحاةِ فِيها، ونَصَرْنا الرّاجِحَ، ولَعَلَّنا أنْ نَعْطِفَ عَلى ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ.
وَفِي إعادَةِ " إيّاكَ " مَرَّةً أُخْرى دَلالَةٌ عَلى تَعَلُّقِ هَذِهِ الأُمُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، فَفي إعادَةِ الضَّمِيرِ مِن قُوَّةِ الِاقْتِضاءِ لِذَلِكَ ما لَيْسَ في حَذْفِهِ، فَإذا قُلْتَ لِمَلِكٍ مَثَلًا: إيّاكَ أُحِبُّ، وإيّاكَ أخافُ، كانَ فِيهِ مِنَ اخْتِصاصِ الحُبِّ والخَوْفِ بِذاتِهِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، ما لَيْسَ في قَوْلِكِ: إيّاكَ أُحِبُّ وأخافُ.
* [فَصْلٌ: أقْسامُ النّاسِ في العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ]
إذا عَرَفْتَ هَذا، فالنّاسُ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وهُما العِبادَةُ والِاسْتِعانَةُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ:
أجَلُّها وأفْضَلُها: أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالَلَّهِ عَلَيْها، فَعِبادَةُ اللَّهِ غايَةُ مُرادِهِمْ، وطَلَبُهم مِنهُ أنْ يُعِينَهم عَلَيْها، ويُوَفِّقَهم لِلْقِيامِ بِها، ولِهَذا كانَ مِن أفْضَلِ ما يُسْألُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى الإعانَةُ عَلى مَرْضاتِهِ، وهو الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِبِّهِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ «يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ».
فَأنْفَعُ الدُّعاءِ طَلَبُ العَوْنِ عَلى مَرْضاتِهِ، وأفْضَلُ المَواهِبِ إسْعافُهُ بِهَذا المَطْلُوبِ، وجَمِيعُ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ مَدارُها عَلى هَذا، وعَلى دَفْعِ ما يُضادُّهُ، وعَلى تَكْمِيلِهِ وتَيْسِيرِ أسْبابِهِ، فَتَأمَّلْها.
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: تَأمَّلْتُ أنْفَعَ الدُّعاءِ فَإذا هو سُؤالُ العَوْنِ عَلى مَرْضاتِهِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ في الفاتِحَةِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وَمُقابِلُ هَؤُلاءِ القِسْمُ الثّانِي، وهُمُ المُعْرِضُونَ عَنْ عِبادَتِهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ، فَلا عِبادَةَ ولا اسْتِعانَةَ، بَلْ إنْ سَألَهُ أحَدُهم واسْتَعانَ بِهِ فَعَلى حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ، لا عَلى مَرْضاةِ رَبِّهِ وحُقُوقِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ يَسْألُهُ أوْلِياؤُهُ وأعْداؤُهُ ويَمُدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، وأبْغَضُ خَلْقِهِ عَدُّوُهُ إبْلِيسُ ومَعَ هَذا فَقَدَ سَألَهُ حاجَةً فَأعْطاهُ إيّاها، ومَتَّعَهُ بِها، ولَكِنْ لَمّا لَمْ تَكُنْ عَوْنًا لَهُ عَلى مَرْضاتِهِ، كانَتْ زِيادَةً لَهُ في شِقْوَتِهِ، وبُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ وطَرْدِهِ عَنْهُ، وهَكَذا كُلُّ مَنِ اسْتَعانَ بِهِ عَلى أمْرٍ وسَألَهُ إيّاهُ، ولَمْ يَكُنْ عَوْنًا عَلى طاعَتِهِ كانَ مُبْعِدًا لَهُ عَنْ مَرْضاتِهِ، قاطِعًا لَهُ عَنْهُ ولا بُدَّ.
وَلْيَتَأمَّلِ العاقِلُ هَذا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ إجابَةَ اللَّهِ لِسائِلِيهِ لَيْسَتْ لِكَرامَةِ السّائِلِ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْألُهُ عَبْدُهُ الحاجَةَ فَيَقْضِيها لَهُ، وفِيها هَلاكُهُ وشِقْوَتُهُ، ويَكُونُ قَضاؤُهُ لَهُ مِن هَوانِهِ عَلَيْهِ، وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِهِ، ويَكُونُ مَنعُهُ مِنها لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ ومَحَبَّتِهِ لَهُ، فَيَمْنَعُهُ حِمايَةً وصِيانَةً وحِفْظًا لا بُخْلًا، وهَذا إنَّما يَفْعَلُهُ بِعَبْدِهِ الَّذِي يُرِيدُ كَرامَتَهُ ومَحَبَّتَهُ، ويُعامِلُهُ بِلُطْفِهِ، فَيَظُنُّ بِجَهْلِهِ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُ ولا يُكْرِمُهُ، ويَراهُ يَقْضِي حَوائِجَ غَيْرِهِ، فَيُسِيءُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، وهَذا حَشْوُ قَلْبِهِ ولا يَشْعُرُ بِهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، والإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وعَلامَةُ هَذا حَمْلُهُ عَلى الأقْدارِ وعِتابُهُ الباطِنُ لَها، كَما قِيلَ:
؎وَعاجِزُ الرَّأْيِ مِضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ ∗∗∗ حَتّى إذا فاتَ أمْرٌ عاتَبَ القَدَرا
فَواللَّهِ لَوْ كَشَفَ عَنْ حاصِلِهِ وسِرِّهِ لَرَأى هُناكَ مُعاتَبَةَ القَدَرِ واتِّهامَهُ، وأنَّهُ قَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا وكَذا، ولَكِنْ ما حِيلَتِي، والأمْرُ لَيْسَ إلَيَّ؟ والعاقِلُ خَصْمُ نَفْسِهِ، والجاهِلُ خَصْمُ أقْدارِ رَبِّهِ.
فاحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ أنْ تَسْألَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا خِيرَتُهُ وعاقِبَتُهُ مُغَيَّبَةٌ عَنْكَ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن سُؤالِهِ بُدًّا، فَعَلِّقْهُ عَلى شَرْطِ عِلْمِهِ تَعالى فِيهِ الخِيَرَةَ، وقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ سُؤالِكَ الِاسْتِخارَةَ، ولا تَكُنِ اسْتِخارَةٌ بِاللِّسانِ بِلا مَعْرِفَةٍ، بَلِ اسْتِخارَةُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِمَصالِحِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، ولا اهْتِداءَ لَهُ إلى تَفاصِيلِها، ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا، بَلْ إنْ وُكِّلَّ إلى نَفْسِهِ هَلَكَ كُلَّ الهَلاكِ، وانْفَرَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ.
وَإذا أعْطاكَ ما أعْطاكَ بِلا سُؤالٍ تَسْألُهُ أنْ يَجْعَلَهُ عَوْنًا لَكَ عَلى طاعَتِهِ وبَلاغًا إلى مَرْضاتِهِ، ولا يَجْعَلَهُ قاطِعًا لَكَ عَنْهُ، ولا مُبْعِدًا عَنْ مَرْضاتِهِ، ولا تَظُنُّ أنَّ عَطاءَهُ كُلَّ ما أعْطى لِكَرامَةِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ، ولا مَنعَهُ كُلَّ ما يَمْنَعُهُ لِهَوانِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ عَطاءَهُ ومَنعَهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، يَمْتَحِنُ بِهِما عِبادَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ - كَلّا﴾ [الفجر: ١٥-١٧] أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن أعْطَيْتُهُ ونَعَّمْتُهُ وخَوَّلْتُهُ فَقَدْ أكْرَمْتُهُ، وما ذاكَ لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ مِنِّي، وامْتِحانٌ لَهُ أيَشْكُرُنِي فَأُعْطِيَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، أمْ يَكْفُرُنِي فَأسْلُبَهُ إيّاهُ، وأُخَوِّلَ فِيهِ غَيْرَهُ؟ ولَيْسَ كُلُّ مَنِ ابْتَلَيْتُهُ فَضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وجَعَلْتُهُ بِقَدَرٍ لا يُفَضَّلُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مِن هَوانِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنِّي لَهُ أيَصْبِرُ فَأُعْطِيَهُ أضْعافَ أضْعافِ ما فاتَهُ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، أمْ يَتَسَخَّطُ فَيَكُونَ حَظُّهُ السُّخْطَ؟
فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى مَن ظَنَّ أنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ إكْرامٌ، وأنَّ الفَقْرَ إهانَةٌ، فَقالَ: لَمْ أبْتَلِ عَبْدِي بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، فَأخْبَرَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ لا يَدُورانِ عَلى المالِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وتَقْدِيرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُوَسِّعُ عَلى الكافِرِ لا لِكَرامَتِهِ، ويُقَتِّرُ عَلى المُؤْمِنِ لا لِإهانَتِهِ، إنَّما يُكْرِمُ مَن يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، ويُهِينُ مَن يُهِينُهُ بِالإعْراضِ عَنْهُ ومَعْصِيَتِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وعَلى هَذا، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
فَعادَتْ سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
القِسْمُ الثّالِثُ: مَن لَهُ نَوْعُ عِبادَةٍ بِلا اسْتِعانَةٍ، وهَؤُلاءِ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: القَدَرِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِالعَبْدِ جَمِيعَ مَقْدُورِهِ مِنَ الألْطافِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في مَقْدُورِهِ إعانَةٌ لَهُ عَلى الفِعْلِ، فَإنَّهُ قَدْ أعانَهُ بِخَلْقِ الآلاتِ وسَلامَتِها، وتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وتَمْكِينِهِ مِنَ الفِعْلِ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إعانَةٌ مَقْدُورَةٌ يَسْألُهُ إيّاها، بَلْ قَدْ ساوى بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ في الإعانَةِ، فَأعانَ هَؤُلاءِ كَما أعانَ هَؤُلاءِ، ولَكِنَّ أوْلِياءَهُ اخْتارُوا لِنُفُوسِهِمُ الإيمانَ، وأعْداءَهُ اخْتارُوا لِنُفُوسِهِمُ الكُفْرَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وفَّقَ هَؤُلاءِ بِتَوْفِيقٍ زائِدٍ أوْجَبَ لَهُمُ الإيمانَ، وخَذَلَ هَؤُلاءِ بِأمْرٍ آخَرَ أوْجَبَ لَهُمُ الكُفْرَ، فَهَؤُلاءِ لَهم نَصِيبٌ مَنقُوصٌ مِنَ العِبادَةِ، لا اسْتِعانَةَ مَعَهُ، فَهم مَوْكُولُونَ إلى أنْفُسِهِمْ، مَسْدُودٌ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الِاسْتِعانَةِ والتَّوْحِيدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الإيمانُ بِالقَدَرِ نِظامُ التَّوْحِيدِ، فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وكَذَّبَ بِقَدَرِهِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ.
النَّوْعُ الثّانِي: مَن لَهم عِباداتٌ وأوْرادٌ، ولَكِنَّ حَظَّهم ناقِصٌ مِنَ التَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ، لَمْ تَتَّسِعْ قُلُوبُهم لِارْتِباطِ الأسْبابِ بِالقَدَرِ، وتَلاشِيها في ضِمْنِهِ، وقِيامِها بِهِ، وأنَّها بِدُونِ القَدَرِ كالمَواتِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ لَهُ، بَلْ كالعَدَمِ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، وأنَّ القَدَرَ كالرُّوحِ المُحَرِّكِ لَها، والمُعَوَّلُ عَلى المُحَرِّكِ الأوَّلِ.
فَلَمْ تَنْفُذْ قُوى بَصائِرِهِمْ مِنَ المُتَحَرِّكِ إلى المُحَرِّكِ، ومِنَ السَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، ومِنَ الآلَةِ إلى الفاعِلِ، فَضَعُفَتْ عَزائِمُهم وقَصُرَتْ هِمَمُهُمْ، فَقَلَّ نَصِيبُهم مِن " ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " ولَمْ يَجِدُوا ذَوْقَ التَّعَبُّدِ بِالتَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ، وإنْ وجَدُوا ذَوْقَهُ بِالأوْرادِ والوَظائِفِ.
فَهَؤُلاءِ لَهم نَصِيبٌ مِنَ التَّوْفِيقِ والنُّفُوذِ والتَّأْثِيرِ، بِحَسَبِ اسْتِعانَتِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ، ولَهم مِنَ الخُذْلانِ والضَّعْفِ والمَهانَةِ والعَجْزِ بِحَسَبِ قِلَّةِ اسْتِعانَتِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ، ولَوْ تَوَكَّلَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ في إزالَةِ جَبَلٍ عَنْ مَكانِهِ وكانَ مَأْمُورًا بِإزالَتِهِ لَأزالَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ؟
قُلْتُ: هو حالٌ لِلْقَلْبِ يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، والإيمانِ بِتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والضُّرِّ والنَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأِ النّاسُ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وإنْ شاءَهُ النّاسُ، فَيُوجِبُ لَهُ هَذا اعْتِمادًا عَلَيْهِ، وتَفْوِيضًا إلَيْهِ، وطُمَأْنِينَةً بِهِ، وثِقَةً بِهِ، ويَقِينًا بِكِفايَتِهِ لِما تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ، وأنَّهُ مَلِيٌّ بِهِ، ولا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، شاءَهُ النّاسُ أمْ أبَوْهُ.
فَتُشْبِهُ حالَتُهُ حالَةَ الطِّفْلِ مَعَ أبَوَيْهِ فِيما يَنْوِيهِ مِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ هُما مَلِيّانِ بِهِما، فانْظُرْ في تَجَرُّدِ قَلْبِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ أبَوَيْهِ، وحَبْسِ هَمِّهِ عَلى إنْزالِ ما يَنْوِيهِ بِهِما، فَهَذِهِ حالُ المُتَوَكِّلِ، ومَن كانَ هَكَذا مَعَ اللَّهِ فاللَّهُ كافِيهِ ولا بُدَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أيْ كافِيهِ، والحَسْبُ الكافِي، فَإنْ كانَ مَعَ هَذا مِن أهْلِ التَّقْوى كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّقْوى فَهو.
القِسْمُ الرّابِعُ: وهو مَن شَهِدَ تَفَرُّدَ اللَّهِ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولَمْ يَدْرِ مَعَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، واسْتَعانَ بِهِ عَلى حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ وأغْراضِهِ، وطَلَبَها مِنهُ، وأنْزَلَها بِهِ، فَقُضِيَتْ لَهُ، وأُسْعِفَ بِها، سَواءٌ كانَتْ أمْوالًا أوْ رِياسَةً أوْ جاهًا عِنْدَ الخَلْقِ، أوْ أحْوالًا مِن كَشْفٍ وتَأْثِيرٍ وقُوَّةٍ وتَمْكِينٍ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، فَإنَّها مِن جِنْسِ المُلْكِ الظّاهِرِ، والأمْوالُ لا تَسْتَلْزِمُ الإسْلامَ، فَضْلًا عَنِ الوِلايَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ المُلْكَ والجاهَ والمالَ والحالَ مُعْطاةٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِمَن آتاهُ إيّاهُ ورِضاهُ عَنْهُ، وأنَّهُ مِن أوْلِيائِهِ المُقَرَّبِينَ، فَهو مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وأبْعَدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ دِينِهِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، ويَكْرَهُهُ ويُسْخِطُهُ، فالحالُ مِنَ الدُّنْيا، فَهو كالمُلْكِ والمالِ إنْ أعانَ صاحِبَهُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ ألْحَقَهُ بِالمُلُوكِ العادِلِينَ البَرَرَةِ، وإلّا فَهو وبالٌ عَلى صاحِبِهِ، ومُبْعِدٌ لَهُ عَنِ اللَّهِ، ومُلْحِقٌ لَهُ بِالمُلُوكِ الظَّلَمَةِ، والأغْنِياءِ الفَجَرَةِ.
* [فَصْلٌ: لا يَكُونُ العَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِـ (إيّاكَ نَعْبُدُ) إلّا بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ والإخْلاصِ وأقْسامُ النّاسِ في ذَلِكَ]
إذا عُرِفَ هَذا فَلا يَكُونُ العَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " إلّا بِأصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ:
أحَدُهُما: مُتابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ.
والثّانِي: الإخْلاصُ لِلْمَعْبُودِ، فَهَذا تَحْقِيقُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
والنّاسُ مُنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ أيْضًا إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: أهْلُ الإخْلاصِ لِلْمَعْبُودِ والمُتابَعَةِ، وهم أهْلُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقِيقَةً، فَأعْمالُهم كُلُّها لِلَّهِ، وأقْوالُهم لِلَّهِ، وعَطاؤُهم لِلَّهِ، ومَنعُهم لِلَّهِ، وحُبُّهم لِلَّهِ، وبُغْضُهم لِلَّهِ، فَمُعامَلَتُهم ظاهِرًا وباطِنًا لِوَجْهِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مِنَ النّاسِ جَزاءً ولا شُكُورًا، ولا ابْتِغاءَ الجاهِ عِنْدَهُمْ، ولا طَلَبَ المُحَمَّدَةِ، والمُنْزِلَةِ في قُلُوبِهِمْ، ولا هَرَبًا مِن ذَمِّهِمْ، بَلْ قَدْ عَدُّوا النّاسَ بِمَنزِلَةِ أصْحابِ القُبُورِ، لا يَمْلِكُونَ لَهم ضُرًّا ولا نَفْعًا، ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، فالعَمَلُ لِأجْلِ النّاسِ، وابْتِغاءُ الجاهِ والمَنزِلَةِ عِنْدَهُمْ، ورَجاؤُهم لِلضُّرِّ والنَّفْعِ مِنهم لا يَكُونُ مِن عارِفٍ بِهِمُ ألْبَتَّةَ، بَلْ مِن جاهِلٍ بِشَأْنِهِمْ، وجاهِلٍ بِرَبِّهِ، فَمَن عَرَفَ النّاسَ أنْزَلَهم مَنازِلَهُمْ، ومَن عَرَفَ اللَّهَ أخْلَصَ لَهُ أعْمالَهُ وأقْوالَهُ، وعَطاءَهُ ومَنعَهُ وحُبَّهُ وبُغْضَهُ، ولا يُعامِلُ أحَدَ الخَلْقِ دُونَ اللَّهِ إلّا لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ وجَهْلِهِ بِالخَلْقِ، وإلّا فَإذا عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ النّاسَ آثَرَ مُعامَلَةَ اللَّهِ عَلى مُعامَلَتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ أعْمالُهم كُلُّها وعِبادَتُهم مُوافَقَةٌ لِأمْرِ اللَّهِ، ولِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وهَذا هو العَمَلُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن عامِلٍ سِواهُ، وهو الَّذِي بَلا عِبادَهُ بِالمَوْتِ والحَياةِ لِأجْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وجَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَخْتَبِرَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: العَمَلُ الحَسَنُ هو أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ، قالُوا: يا أبا عَلِيٍّ ما أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ؟ قالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا ولَمْ يَكُنْ صَوابًا لَمْ يُقْبَلْ، وإذا كانَ صَوابًا، ولَمْ يَكُنْ خالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا، والخالِصُ: ما كانَ لِلَّهِ، والصَّوابُ: ما كانَ عَلى السُّنَّةِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وفي قَوْلِهِ ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] فَلا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ العَمَلِ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ، عَلى مُتابَعَةِ أمْرِهِ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَرْدُودٌ عَلى عامِلِهِ، يُرَدُّ عَلَيْهِ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ هَباءً مَنثُورًا، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ» وكُلُّ عَمَلٍ بِلا اقْتِداءٍ فَإنَّهُ لا يَزِيدُ عامِلَهُ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُعْبَدُ بِأمْرِهِ، لا بِالآراءِ والأهْواءِ.
* (فَصْلٌ)
الضَّرْبُ الثّانِي: مَن لا إخْلاصَ لَهُ ولا مُتابَعَةَ، فَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هو خالِصًا لِلْمَعْبُودِ، كَأعْمالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنّاسِ، المُرائِينَ لَهم بِما لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ شِرارُ الخَلْقِ، وأمْقَتُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَهم أوْفَرُ نَصِيبٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨] يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ والشِّرْكِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِاتِّباعِ السُّنَّةِ والإخْلاصِ.
وَهَذا الضَّرْبُ يَكْثُرُ فِيمَنِ انْحَرَفَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى العِلْمِ والفَقْرِ والعِبادَةِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهم يَرْتَكِبُونَ البِدَعَ والضَّلالاتِ، والرِّياءَ والسُّمْعَةَ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّباعِ والإخْلاصِ والعِلْمِ، فَهم أهْلُ الغَضَبِ والضَّلالِ.
[مُخْلِصٌ في أعْمالِهِ لَكِنَّها عَلى غَيْرِ مُتابَعَةِ الأمْرِ]
الضَّرْبُ الثّالِثُ: مَن هو مُخْلِصٌ في أعْمالِهِ، لَكِنَّها عَلى غَيْرِ مُتابَعَةِ الأمْرِ، كَجُهّالِ العُبّادِ، والمُنْتَسِبِينَ إلى طَرِيقِ الزُّهْدِ والفَقْرِ، وكُلِّ مَن عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ أمْرِهِ، واعْتَقَدَ عِبادَتَهُ هَذِهِ قُرْبَةً إلى اللَّهِ فَهَذا حالُهُ، كَمَن يَظُنُّ أنَّ سَماعَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ قُرْبَةٌ، وأنَّ الخَلْوَةَ الَّتِي يَتْرُكُ فِيها الجُمْعَةَ والجَماعَةَ قُرْبَةٌ، وأنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأنَّ صِيامَ يَوْمِ فِطْرِ النّاسِ كُلِّهِمْ قُرْبَةٌ، وأمْثالِ ذَلِكَ.
[مَن أعْمالُهُ عَلى مُتابَعَةِ الأمْرِ لَكِنَّها لِغَيْرِ اللَّهِ]
* فَصْلٌ
الضَّرْبُ الرّابِعُ: مَن أعْمالُهُ عَلى مُتابَعَةِ الأمْرِ، لَكِنَّها لِغَيْرِ اللَّهِ، كَطاعَةِ المُرائِينَ، وكالرَّجُلِ يُقاتِلُ رِياءً وحَمِيَّةً وشَجاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقالَ، فَهَؤُلاءِ أعْمالُهم ظاهِرُها أعْمالٌ صالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِها، لَكِنَّها غَيْرُ صالِحَةٍ، فَلا تُقْبَلُ ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَكُلُّ أحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ بِما أمَرَ، والإخْلاصِ لَهُ في العِبادَةِ، وهم أهْلُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
* [فَصْلٌ: أهْلُ مَقامِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) لَهم في أفْضَلِ العِبادَةِ وأنْفَعِها وأحَقِّها بِالإيثارِ والتَّخْصِيصِ أرْبَعُ طُرُقٍ]
ثُمَّ أهْلُ مَقامِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " لَهم في أفْضَلِ العِبادَةِ وأنْفَعِها وأحَقِّها بِالإيثارِ والتَّخْصِيصِ أرْبَعُ طُرُقٍ، فَهم في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ:
الصِّنْفُ الأوَّلُ: عِنْدَهم أنْفَعُ العِباداتِ وأفْضَلُها أشَقُّها عَلى النُّفُوسِ وأصْعَبُها.
قالُوا: لِأنَّهُ أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ هَواها، وهو حَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ.
قالُوا: والأجْرُ عَلى قَدْرِ المَشَقَّةِ، ورَوَوْا حَدِيثًا لا أصْلَ لَهُ " «أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها» " أيْ أصْعَبُها وأشَقُّها.
وَهَؤُلاءِ: هم أهْلُ المُجاهَداتِ والجَوْرِ عَلى النُّفُوسِ.
قالُوا: وإنَّما تَسْتَقِيمُ النُّفُوسُ بِذَلِكَ، إذْ طَبْعُها الكَسَلُ والمَهانَةُ، والإخْلادُ إلى الأرْضِ، فَلا تَسْتَقِيمُ إلّا بِرُكُوبِ الأهْوالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ.
الصِّنْفُ الثّانِي، قالُوا: أفْضَلُ العِباداتِ التَّجَرُّدُ، والزُّهْدُ في الدُّنْيا، والتَّقَلُّلُ مِنها غايَةَ الإمْكانِ، واطِّراحُ الِاهْتِمامِ بِها، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِكُلِّ ما هو مِنها.
ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمانِ:
فَعَوامُّهم ظَنُّوا أنَّ هَذا غايَةٌ، فَشَمَّرُوا إلَيْهِ وعَمِلُوا عَلَيْهِ، ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ، وقالُوا: هو أفْضَلُ مِن دَرَجَةِ العِلْمِ والعِبادَةِ، فَرَأوُا الزُّهْدَ في الدُّنْيا غايَةَ كُلِّ عِبادَةٍ ورَأْسَها.
وَخَواصُهم رَأوْا هَذا مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ، وأنَّ المَقْصُودَ بِهِ عُكُوفُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، وجَمْعُ الهِمَّةِ عَلَيْهِ، وتَفْرِيغُ القَلْبِ لِمَحَبَّتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَرْضاتِهِ، فَرَأوْا أنَّ أفْضَلَ العِباداتِ في الجَمْعِيَّةِ عَلى اللَّهِ، ودَوامِ ذِكْرِهِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، والِاشْتِغالِ بِمُراقَبَتِهِ، دُونَ كُلِّ ما فِيهِ تَفْرِيقٌ لِلْقَلْبِ وتَشْتِيتٌ لَهُ.
ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمانِ، فالعارِفُونَ المُتَّبِعُونَ مِنهم إذا جاءَ الأمْرُ والنَّهْيُ بادَرُوا إلَيْهِ ولَوْ فَرَّقَهم وأذْهَبَ جَمْعِيَّتَهُمْ، والمُنْحَرِفُونَ مِنهم يَقُولُونَ: المَقْصُودُ مِنَ العِبادَةِ جَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، فَإذا جاءَ ما يُفَرِّقُهُ عَنِ اللَّهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلُهُمْ:
؎يُطالَبُ بِالأوْرادِ مَن كانَ غافِلًا ∗∗∗ فَكَيْفَ بِقَلْبٍ كُلُّ أوْقاتِهِ وِرْدُ
. ثُمَّ هَؤُلاءِ أيْضًا قِسْمانِ، مِنهم مَن يَتْرُكُ الواجِباتِ والفَرائِضَ لِجَمْعِيَّتِهِ، ومِنهم مَن يَقُومُ بِها ويَتْرُكُ السُّنَنَ والنَّوافِلَ، وتَعَلُّمَ العِلْمِ النّافِعِ لِجَمْعِيَّتِهِ.
وَسَألَ بَعْضُ هَؤُلاءِ شَيْخًا عارِفًا، فَقالَ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأنا في جَمْعِيَّتِي عَلى اللَّهِ، فَإنْ قُمْتُ وخَرَجْتُ نَفَقْتُ، وإنْ بَقِيتُ عَلى حالِي بَقِيتُ عَلى جَمْعِيَّتِي، فَما الأفْضَلُ في حَقِّي؟
فَقالَ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأنْتَ تَحْتَ العَرْشِ فَقُمْ، وأجِبْ داعِيَ اللَّهِ، ثُمَّ عُدْ إلى مَوْضِعِكَ، وهَذا لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ عَلى اللَّهِ حَظُّ الرُّوحِ والقَلْبِ، وإجابَةَ الدّاعِي حَقُّ الرَّبِّ، ومَن آثَرَ حَظَّ رُوحِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ فَلَيْسَ مِن أهْلِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
الصِّنْفُ الثّالِثُ: رَأوْا أنَّ أنْفَعَ العِباداتِ وأفْضَلَها: ما كانَ فِيهِ نَفْعٌ مُتَعَدٍّ، فَرَأوْهُ أفْضَلَ مِن ذِي النَّفْعِ القاصِرِ، فَرَأوْا خِدْمَةَ الفُقَراءِ، والِاشْتِغالَ بِمَصالِحِ النّاسِ وقَضاءَ حَوائِجِهِمْ، ومُساعَدَتِهِمْ بِالمالِ والجاهِ والنَّفْعِ أفْضَلَ، فَتَصَدَّوْا لَهُ وعَمِلُوا عَلَيْهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الخَلْقُ كُلُّهم عِيالُ اللَّهِ، وأحَبُّهم إلَيْهِ أنْفَعُهم لِعِيالِهِ» رَواهُ أبُو يَعْلى.
واحْتَجُّوا بِأنَّ عَمَلَ العابِدِ قاصِرٌ عَلى نَفْسِهِ، وعَمَلَ النَّفّاعِ مُتَعَدٍّ إلى الغَيْرِ، وأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ؟
قالُوا: ولِهَذا كانَ فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.
قالُوا: وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَأنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» وهَذا التَّفْضِيلُ إنَّما هو لِلنَّفْعِ المُتَعَدِّي، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى مُعَلِّمِي النّاسِ الخَيْرَ» وبِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، حَتّى الحِيتانُ في البَحْرِ، والنَّمْلَةُ في جُحْرِها».
واحْتَجُّوا بِأنَّ صاحِبَ العِبادَةِ إذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وصاحِبَ النَّفْعِ لا يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ، ما دامَ نَفْعُهُ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ.
واحْتَجُّوا بِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما بُعِثُوا بِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ وهِدايَتِهِمْ، ونَفْعِهِمْ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، لَمْ يُبْعَثُوا بِالخُلْواتِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ والتَّرَهُّبِ، ولِهَذا أنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِالِانْقِطاعِ لِلتَّعَبُّدِ، وتَرْكِ مُخالَطَةِ النّاسِ، ورَأى هَؤُلاءِ التَّفَرُّقَ في أمْرِ اللَّهِ، ونَفْعَ عِبادِهِ، والإحْسانَ إلَيْهِمْ، أفْضَلَ مِنَ الجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ.
الصِّنْفُ الرّابِعُ، قالُوا: إنَّ أفْضَلَ العِبادَةِ العَمَلُ عَلى مَرْضاةِ الرَّبِّ في كُلِّ وقْتٍ بِما هو مُقْتَضى ذَلِكَ الوَقْتِ ووَظِيفَتُهُ، فَأفْضَلُ العِباداتِ في وقْتِ الجِهادِ: الجِهادُ، وإنْ آَلَ إلى تَرْكِ الأوْرادِ، مِن صَلاةِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، بَلْ ومِن تَرْكِ إتْمامِ صَلاةِ الفَرْضِ، كَما في حالَةِ الأمْنِ.
والأفْضَلُ في وقْتِ حُضُورِ الضَّيْفِ مَثَلًا القِيامُ بِحَقِّهِ، والِاشْتِغالُ بِهِ عَنِ الوِرْدِ المُسْتَحَبِّ، وكَذَلِكَ في أداءِ حَقِّ الزَّوْجَةِ والأهْلِ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ السَّحَرِ الِاشْتِغالُ بِالصَّلاةِ والقُرْآنِ، والدُّعاءِ والذِّكْرِ والِاسْتِغْفارِ.
والأفْضَلُ في وقْتِ اسْتِرْشادِ الطّالِبِ، وتَعْلِيمِ الجاهِلِ الإقْبالُ عَلى تَعْلِيمِهِ والِاشْتِغالِ بِهِ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ الأذانِ تَرْكُ ما هو فِيهِ مِن وِرْدِهِ، والِاشْتِغالُ بِإجابَةِ المُؤَذِّنِ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ الجِدُّ والنُّصْحُ في إيقاعِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والمُبادَرَةُ إلَيْها في أوَّلِ الوَقْتِ، والخُرُوجُ إلى الجامِعِ، وإنْ بَعُدَ كانَ أفْضَلَ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ ضَرُورَةِ المُحْتاجِ إلى المُساعَدَةِ بِالجاهِ، أوِ البَدَنِ، أوِ المالِ الِاشْتِغالُ بِمُساعَدَتِهِ، وإغاثَةُ لَهْفَتِهِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى أوْرادِكَ وخَلْوَتِكَ.
والأفْضَلُ في وقْتِ قِراءَةِ القُرْآنِ جَمْعِيَّةُ القَلْبِ والهِمَّةِ عَلى تَدَبُّرِهِ وتَفَهُّمِهِ، حَتّى كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُخاطِبُكَ بِهِ، فَتَجْمَعُ قَلْبَكَ عَلى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ، والعَزْمُ عَلى تَنْفِيذِ أوامِرِهِ أعْظَمُ مِن جَمْعِيَّةِ قَلْبِ مَن جاءَهُ كِتابٌ مِنَ السُّلْطانِ عَلى ذَلِكَ.
والأفْضَلُ في وقْتِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الِاجْتِهادُ في التَّضَرُّعِ والدُعاءِ والذِكْرِ دُونَ الصَّوْمِ المُضْعِفِ عَنْ ذَلِكَ.
والأفْضَلُ في أيّامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الإكْثارُ مِنَ التَّعَبُّدِ، لاسِيَّما التَّكْبِيرُ والتَهْلِيلُ والتَحْمِيدُ، فَهو أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ.
والأفْضَلُ في العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ لُزُومُ المَسْجِدِ فِيهِ والخَلْوَةِ والِاعْتِكافِ دُونَ التَّصَدِّي لِمُخالَطَةِ النّاسِ والِاشْتِغالِ بِهِمْ، حَتّى إنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الإقْبالِ عَلى تَعْلِيمِهِمُ العِلْمَ، وإقْرائِهِمُ القُرْآنَ، عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ.
والأفْضَلُ في وقْتِ مَرَضِ أخِيكَ المُسْلِمِ أوْ مَوْتِهِ عِيادَتُهُ، وحُضُورُ جِنازَتِهِ وتَشْيِيعُهُ، وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى خَلْوَتِكَ وجَمْعِيَّتِكَ.
والأفْضَلُ في وقْتِ نُزُولِ النَّوازِلِ وأذاةِ النّاسِ لَكَ أداءُ واجِبِ الصَّبْرِ مَعَ خُلْطَتِكَ بِهِمْ، دُونَ الهَرَبِ مِنهُمْ، فَإنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يُخالِطُ النّاسَ لِيَصْبِرَ عَلى أذاهم أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يُخالِطُهم ولا يُؤْذُونَهُ.
والأفْضَلُ خُلْطَتُهم في الخَيْرِ، فَهي خَيْرٌ مِنَ اعْتِزالِهِمْ فِيهِ، واعْتِزالُهم في الشَّرِّ، فَهو أفْضَلُ مِن خُلْطَتِهِمْ فِيهِ، فَإنْ عَلِمَ أنَّهُ إذا خالَطَهم أزالَهُ أوْ قَلَّلَهُ فَخُلْطَتُهم حِينَئِذٍ أفْضَلُ مِنِ اعْتِزالِهِمْ.
فالأفْضَلُ في كُلِّ وقْتٍ وحالٍ إيثارُ مَرْضاةِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ والحالِ، والِاشْتِغالُ بِواجِبِ ذَلِكَ الوَقْتِ ووَظِيفَتِهِ ومُقْتَضاهُ.
وَهَؤُلاءِ هم أهْلُ التَّعَبُّدِ المُطْلَقِ، والأصْنافُ قِبَلَهم أهْلُ التَّعَبُّدِ المُقَيَّدِ، فَمَتى خَرَجَ أحَدُهم عَنِ النَّوْعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ العِبادَةِ وفارَقَهُ يَرى نَفْسَهُ كَأنَّهُ قَدْ نَقَصَ وتَرَكَ عِبادَتَهُ، فَهو يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى وجْهٍ واحِدٍ، وصاحِبُ التَّعَبُّدِ المُطْلَقِ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في تَعَبُّدٍ بِعَيْنِهِ يُؤْثِرُهُ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ غَرَضُهُ تَتَبُّعُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى أيْنَ كانَتْ، فَمَدارُ تَعَبُّدِهِ عَلَيْها، فَهو لا يَزالُ مُتَنَقِّلًا في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ، كُلَّما رُفِعَتْ لَهُ مَنزِلَةٌ عَمِلَ عَلى سَيْرِهِ إلَيْها، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَلُوحَ لَهُ مَنزِلَةٌ أُخْرى، فَهَذا دَأْبَهُ في السَّيْرِ حَتّى يَنْتَهِيَ سَيْرُهُ، فَإنْ رَأيْتَ العُلَماءَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ العُبّادَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ المُجاهِدِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ الذّاكِرِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ المُتَصَدِّقِينَ المُحْسِنِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ أرْبابَ الجَمْعِيَّةِ وعُكُوفِ القَلْبِ عَلى اللَّهِ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، فَهَذا هو العَبْدُ المُطْلَقُ، الَّذِي لَمْ تَمْلِكْهُ الرُّسُومُ، ولَمْ تُقَيِّدْهُ القُيُودُ، ولَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ عَلى مُرادِ نَفْسِهِ وما فِيهِ لَذَّتُها وراحَتُها مِنَ العِباداتِ، بَلْ هو عَلى مُرادِ رَبِّهِ، ولَوْ كانَتْ راحَةُ نَفْسِهِ ولَذَّتُها في سِواهُ، فَهَذا هو المُتَحَقِّقُ بِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقًّا، القائِمُ بِهِما صِدْقًا، مَلْبَسُهُ ما تَهَيَّأ، ومَأْكَلُهُ ما تَيَسَّرَ، واشْتِغالُهُ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ بِوَقْتِهِ، ومَجْلِسُهُ حَيْثُ انْتَهى بِهِ المَكانُ ووَجَدَهُ خالِيًا، لا تَمْلِكُهُ إشارَةٌ، ولا يَتَعَبَّدُهُ قَيْدٌ، ولا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ رَسْمٌ، حُرٌّ مُجَرَّدٌ، دائِرٌ مَعَ الأمْرِ حَيْثُ دارَ، يَدِينُ بِدِينِ الآمِرِ أنّى تَوَجَّهَتْ رَكائِبُهُ، ويَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُهُ، يَأْنَسُ بِهِ كُلُّ مُحِقٍّ، ويَسْتَوْحِشُ مِنهُ كُلُّ مُبْطِلٍ، كالغَيْثِ حَيْثُ وقَعَ نَفَعَ، وكالنَخْلَةِ لا يَسْقُطُ ورَقُها وكُلُّها مَنفَعَةٌ حَتّى شَوْكُها، وهو مَوْضِعُ الغِلْظَةِ مِنهُ عَلى المُخالِفِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، والغَضَبِ إذا انْتُهِكَتْ مَحارِمُ اللَّهِ، فَهو لِلَّهِ وبِاللَّهِ ومَعَ اللَّهِ، قَدْ صَحِبَ اللَّهَ بِلا خَلْقٍ، وصَحِبَ النّاسَ بِلا نَفْسٍ، بَلْ إذا كانَ مَعَ اللَّهِ عَزَلَ الخَلائِقَ عَنِ البَيْنِ، وتَخَلّى عَنْهُمْ، وإذا كانَ مَعَ خَلْقِهِ عَزَلَ نَفْسَهُ مِنَ الوَسَطِ وتَخَلّى عَنْها، فَواهًا لَهُ! ما أغْرَبَهُ بَيْنَ النّاسِ! وما أشَدَّ وحْشَتَهُ مِنهُمْ! وما أعْظَمَ أُنْسَهُ بِاللَّهِ وفَرَحَهُ بِهِ، وطُمَأْنِينَتَهُ وسُكُونَهُ إلَيْهِ! واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُكْلانُ.
* [فَصْلٌ: مَنفَعَةُ العِبادَةِ وحِكْمَتُها ومَقْصُودُها وانْقِسامُ النّاسِ في ذَلِكَ لِأرْبَعَةِ أصْنافٍ]
[نُفاةُ التَّعْلِيلِ]
ثُمَّ لِلنّاسِ في مَنفَعَةِ العِبادَةِ وحِكْمَتِها ومَقْصُودِها طُرُقٌ أرْبَعَةٌ، وهم في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ.
الصِّنْفُ الأوَّلُ: نُفاةُ الحُكْمِ والتَّعْلِيلِ، الَّذِينَ يَرُدُّونَ الأمْرَ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، وصِرْفِ الإرادَةِ، فَهَؤُلاءِ عِنْدَهُمُ القِيامُ بِها لَيْسَ إلّا لِمُجَرَّدِ الأمْرِ، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِسَعادَةٍ في مَعاشٍ ولا مَعادٍ، ولا سَبَبًا لِنَجاةٍ، وإنَّما القِيامُ بِها لِمُجَرَّدِ الأمْرِ ومَحْضِ المَشِيئَةِ، كَما قالُوا في الخَلْقِ: إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ ما خَلَقَهُ لِعِلَّةٍ، ولا لِغايَةٍ هي المَقْصُودَةُ بِهِ، ولا لِحِكْمَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ مِنهُ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ أسْبابٌ مُقْتَضِياتٌ لِمُسَبَّباتِها، ولا فِيها قُوًى ولا طَبائِعُ، فَلَيْسَتِ النّارُ سَبَبًا لِلْإحْراقِ، ولا الماءُ سَبَبًا لِلْإرْواءِ والَبْرِيدِ وإخْراجِ النَّباتِ، ولا فِيهِ قُوَّةٌ ولا طَبِيعَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وحُصُولُ الإحْراقِ والرِّيِّ لَيْسَ بِهِما، لَكِنْ بِإجْراءِ العادَةِ الاقْتِرانِيَّةِ عَلى حُصُولِ هَذا عِنْدَ هَذا لا بِسَبَبٍ ولا بِقُوَّةٍ قامَتْ بِهِ، وهَكَذا الأمْرُ عِنْدَهم في أمْرِهِ الشَّرْعِيِّ سَواءٌ، لا فَرْقَ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَ المَأْمُورِ والمَحْظُورِ، ولَكِنَّ المَشِيئَةَ اقْتَضَتْ أمْرَهُ بِهَذا ونَهْيَهُ عَنْ هَذا، مِن غَيْرِ أنْ يَقُومَ بِالمَأْمُورِ بِهِ صِفَةٌ اقْتَضَتْ حُسْنَهُ، ولا المَنهِيِّ عَنْهُ صِفَةٌ اقْتَضَتْ قُبْحَهُ.
وَلِهَذا الأصْلِ لَوازِمُ وفُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فاسِدَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في كِتابِنا الكَبِيرِ المُسَمّى " مِفْتاحُ دارِ السَّعادَةِ ومَطْلَبُ أهْلِ العِلْمِ والإرادَةِ " وبَيَّنّا فَسادَ هَذا الأصْلِ مِن نَحْوِ سِتِّينَ وجْهًا، وهو كِتابٌ بَدِيعٌ في مَعْناهُ، وذَكَرْناهُ أيْضًا في كِتابِنا المُسَمّى " سَفَرُ الهِجْرَتَيْنِ وطَرِيقُ السَّعادَتَيْنِ ".
وَهَؤُلاءِ لا يَجِدُونَ حَلاوَةَ العِبادَةِ ولا لَذَّتَها، ولا يَتَنَعَّمُونَ بِها، ولَيْسَتِ الصَّلاةُ قُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، ولَيْسَتِ الأوامِرُ سُرُورَ قُلُوبِهِمْ، وغِذاءَ أرْواحِهِمْ وحَياتِهِمْ، ولِهَذا يُسَمُّونَها تَكالِيفَ، أيْ قَدْ كُلِّفُوا بِها، ولَوْ سَمّى مُدَّعٍ لِمَحَبَّةِ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ أوْ غَيْرِهِ ما يَأْمُرُهُ بِهِ تَكْلِيفًا، وقالَ: إنِّي إنَّما أفْعَلُهُ بِكُلْفَةٍ، لَمْ يَعُدَّهُ أحَدٌ مُحِبًّا لَهُ، ولِهَذا أنْكَرَ هَؤُلاءِ أوْ كَثِيرٌ مِنهم مَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ، وقالُوا: إنَّما يُحِبُّ ثَوابَهُ وما يَخْلُقُهُ لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهِ، لا أنَّهُ يُحِبُّ ذاتَهُ، فَجَعَلُوا المَحَبَّةَ لِمَخْلُوقِهِ دُونَهُ، وحَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ هي كَمالُ المَحَبَّةِ، فَأنْكَرُوا حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ ولُبَّها، وحَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ كَوْنُهُ مَأْلُوهًا مَحْبُوبًا بِغايَةِ الحُبِّ، المَقْرُونِ بِغايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ، والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، فَأنْكَرُوا كَوْنَهُ مَحْبُوبًا، وذَلِكَ إنْكارٌ لِإلَهِيَّتِهِ، وشَيْخُ هَؤُلاءِ هو الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ الَّذِي ضَحّى بِهِ خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ في يَوْمٍ أضْحى، وقالَ: إنَّهُ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسى تَكْلِيمًا، ولَمْ يَتَّخِذْ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وإنَّما كانَ إنْكارُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى مَحْبُوبًا مُحِبًّا، لَمْ يُنْكِرْ حاجَةَ إبْراهِيمَ إلَيْهِ، الَّتِي هي الخُلَّةُ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ، الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيها جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَكُلُّهم أخِلّاءُ لِلَّهِ عِنْدَهم.
وَقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِهِمْ هَذا، وإنْكارِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ مِن أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ وجْهًا في كِتابِنا المُسَمّى " قُرَّةُ عُيُونِ المُحِبِّينَ، ورَوْضَةُ قُلُوبِ العارِفِينَ " وذَكَرْنا فِيهِ وُجُوبُ تَعَلُّقِ المَحَبَّةِ بِالحَبِيبِ الأوَّلِ مِن جَمِيعِ طُرُقِ الأدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والذَّوْقِيَّةِ والفِطْرِيَّةِ وأنَّهُ لا كَمالَ لِلْإنْسانِ بِدُونِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، كَما أنَّهُ لا كَمالَ لِجِسْمِهِ إلّا بِالرُّوحِ والحَياةِ، ولا لِعَيْنِهِ إلّا بِالنُّورِ الباصِرِ، ولا لِأُذُنِهِ إلّا بِالسَّمْعِ، وأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ وأعْظَمُ.
[القَدَرِيَّةُ النُفاةُ]
الصِّنْفُ الثّانِي: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ، الَّذِينَ يُثْبِتُونَ نَوْعًا مِنَ الحِكْمَةِ والتَّعْلِيلِ ولَكِنْ لا يَقُومُ بِالرَّبِّ، ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ يَرْجِعُ إلى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ المَخْلُوقِ ومَنفَعَتِهِ.
فَعِنْدَهُمْ: أنَّ العِباداتِ شُرِعَتْ أثْمانًا لِما يَنالُهُ العِبادُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، وأنَّها بِمَنزِلَةِ اسْتِيفاءِ أُجْرَةِ الأجِيرِ.
قالُوا: ولِهَذا يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى عِوَضًا كَقَوْلِهِ ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وقَوْلِهِ ﷺ فِيما يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ «يا عِبادِي، إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكم إيّاها» وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
قالُوا: وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وأجْرًا وثَوابًا، لِأنَّهُ يَثُوبُ إلى العامِلِ مِن عَمَلِهِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنهُ.
قالُوا: ولَوْلا ارْتِباطُهُ بِالعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ جَزاءً ولا أجْرًا ولا ثَوابًا مَعْنًى.
قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ الوَزْنُ، فَلَوْلا تَعَلُّقُ الثَّوابِ والعِقابِ بِالأعْمالِ واقْتِضاؤُها لَها، وكَوْنُها كالأثْمانِ لَها لَمْ يَكُنْ لِلْوَزْنِ مَعْنًى، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ - ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩].
وَهاتانِ الطّائِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ أشَدَّ التَّقابُلِ، وبَيْنَهُما أعْظَمُ التَّبايُنِ.
فالجَبْرِيَّةُ لَمْ تَجْعَلْ لِلْأعْمالِ ارْتِباطًا بِالجَزاءِ ألْبَتَّةَ، وجَوَّزَتْ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ، ويُنَعِّمَ مَن أفْنى عُمْرَهُ في مَعْصِيَتِهِ، وكِلاهُما بِالنِسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، وجَوَّزَتْ أنْ يَرْفَعَ صاحِبَ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى مَن هو أعْظَمُ مِنهُ عَمَلًا، وأكْثَرُ وأفْضَلُ دَرَجاتٍ، والكُلُّ عِنْدَهم راجِعٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ ولا سَبَبٍ، ولا حِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا بِالثَوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
والقَدَرِيَّةُ أوْجَبَتْ عَلى اللَّهِ رِعايَةَ الأصْلَحِ، وجَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَحْضِ الأعْمالِ وثَمَنًا لَها، وأنَّ وُصُولَ الثَّوابِ إلى العَبْدِ بِدُونِ عَمَلِهِ فِيهِ تَنْغِيصٌ بِاحْتِمالِ مِنَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ.
فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ، ما أجْهَلَهم بِاللَّهِ وأغَرَّهم بِهِ! جَعَلُوا تَفَضُّلَهُ وإحْسانَهُ إلى عَبْدِهِ بِمَنزِلَةِ صَدَقَةِ العَبْدِ عَلى العَبْدِ، حَتّى قالُوا: إنَّ إعْطاءَهُ ما يُعْطِيهِ أُجْرَةً عَلى عَمَلِهِ أحَبُّ إلى العَبْدِ وأطْيَبُ لَهُ مِن أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلًا مِنهُ بِلا عَمَلٍ.
فَقابَلَتْهُمُ الجَبْرِيَّةُ أشَدَّ المُقابَلَةِ، ولَمْ يَجْعَلُوا لِلْأعْمالِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ ألْبَتَّةَ.
والطائِفَتانِ جائِرَتانِ، مُنْحَرِفَتانِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبادَهُ، وجاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وهو أنَّ الأعْمالَ أسْبابٌ مُوَصِّلَةٌ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، مُقْتَضِيَةٌ لَهُما كاقْتِضاءِ سائِرِ الأسْبابِ لِمُسَبَّباتِها، وأنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ وفَضْلِهِ ومَنِّهِ، وصَدَقَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، إنْ أعانَهُ عَلَيْها ووَفَّقَهُ لَها، وخَلَقَ فِيهِ إرادَتَها والقُدْرَةَ عَلَيْها، وحَبَّبَها إلَيْهِ، وزَيَّنَها في قَلْبِهِ وكَرَّهَ إلَيْهِ أضْدادُها، ومَعَ هَذا فَلَيْسَتْ ثَمَنًا لِجَزائِهِ وثَوابِهِ، ولا هي عَلى قَدْرِهِ، بَلْ غايَتُها إذا بَذَلَ العَبْدُ فِيها نُصْحَهُ وجُهْدَهُ، وأوْقَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ أنْ تَقَعَ شُكْرًا لَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ طالَبَهُ بِحَقِّهِ لَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ بَقِيَّةٌ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِها، فَلِذَلِكَ لَوْ عَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ لَعَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، ولَوْ رَحِمَهم لَكانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهم مِن أعْمالِهِمْ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِهَذا نَفى النَّبِيُّ ﷺ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما قالَ «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا مِنكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ،» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» وأثْبَتَ سُبْحانَهُ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ولا تَنافِي بَيْنَهُما، إذْ تَوارُدُ النَّفْيِ والإثْباتِ لَيْسَ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، فالمَنفِيُّ اسْتِحْقاقُها بِمُجَرَّدِ الأعْمالِ، وكَوْنِ الأعْمالِ ثَمَنًا وعِوَضًا لَها، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، الَّتِي زَعَمَتْ أنَّ التَفَضُّلَ بِالثَوابِ ابْتِداءً مُتَضَمِّنٌ لِتَكْرِيرِ المِنَّةِ.
وَهَذِهِ الطّائِفَةُ مِن أجْهَلِ الخَلْقِ بِاللَّهِ، وأغْلَظِهِمْ عَنْهُ حِجابًا، وحُقَّ لَهم أنْ يَكُونُوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَكْفِي في جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ في مِنَّتِهِ، وأنَّ مِن تَمامِ الفَرَحِ والسُرُورِ، والغِبْطَةِ واللَّذَّةِ اغْتِباطُهم بِمِنَّةِ سَيِّدِهِمْ ومَوْلاهُمُ الحَقِّ، وأنَّهم إنَّما طابَ لَهم عَيْشُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم مِنهُ مَنزِلَةً، وأقْرَبُهم إلَيْهِ أعْرَفُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم إقْرارًا بِها، وذِكْرًا لَها، وشُكْرًا عَلَيْها، ومَحَبَّةً لَهُ لِأجْلِها، فَهَلْ يَتَقَلَّبُ أحَدٌ قَطٌّ إلّا في مِنَّتِهِ؟ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
واحْتِمالُ مِنَّةِ المَخْلُوقِ إنَّما كانَتْ نَقْصًا لِأنَّهُ نَظِيرُهُ، فَإذا مَنَّ عَلَيْهِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ، ورَأى المَمْنُونُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ دُونَهُ، هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنَّةُ عَلى أُمَّتِهِ، وكانَ أصْحابُهُ يَقُولُونَ: " اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ " ولا نَقْصَ في مِنَّةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ولا عارَ عَلَيْهِ في احْتِمالِها، وكَذَلِكَ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي إنَّما يَتَقَلَّبُ الخَلائِقُ في بَحْرِ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ، ومَحْضِ صَدَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، بِلا عِوَضٍ مِنهُمُ ألْبَتَّةَ؟ وإنْ كانَتْ أعْمالُهم أسْبابًا لِما يَنالُونَهُ مِن كَرَمِهِ وجُودِهِ، فَهو المَنّانُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ وفَّقَهم لِتِلْكَ الأسْبابِ وهَداهم لَها، وأعانَهم عَلَيْها، وكَمَّلَها لَهُمْ، وقَبِلَها مِنهم عَلى ما فِيها؟ وهَذا هو المَعْنى الَّذِي أثْبَتَ بِهِ دُخُولَ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
فَهَذِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا ارْتِباطَ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ، ولا هي أسْبابٌ لَهُ، وإنَّما غايَتُها أنْ تَكُونَ أماراتٍ.
قالُوا: ولَيْسَتْ أيْضًا مُطَّرِدَةً، لِتَخَلُّفِ الجَزاءِ عَنْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَحْضُ الأمْرِ الكَوْنِيِّ والمَشِيئَةِ.
فالنُّصُوصُ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ هَؤُلاءِ، كَما هي مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ أُولَئِكَ، وأدِلَّةُ المَعْقُولِ والفِطْرَةِ أيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَ الفَرِيقَيْنِ، وتُبَيِّنُ لِمَن لَهُ قَلْبٌ ولُبٌّ مِقْدارَ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، وهُمُ الفِرْقَةُ الوَسَطُ، المُثْبِتُونَ لِعُمُومِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقِهِ العِبادَ وأعْمالَهُمْ، ولِحِكْمَتِهِ التّامَّةِ المُتَضَمِّنَةِ رَبْطَ الأسْبابِ بِمُسَبَّباتِها، وانْعِقادَها بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وتَرْتِيبَها عَلَيْها عاجِلًا وآجِلًا.
وَكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُنْحَرِفَتَيْنِ تَرَكَتْ نَوْعًا مِنَ الحَقِّ، وارْتَكَبَتْ لِأجْلِهِ نَوْعًا مِنَ الباطِلِ، بَلْ أنْواعًا، وهَدى اللَّهُ أهْلَ السُّنَّةِ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
[الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ فائِدَةَ العِبادَةِ رِياضَةُ النُّفُوسِ]
الصِّنْفُ الثّالِثُ: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ فائِدَةَ العِبادَةِ رِياضَةُ النُّفُوسِ، واسْتِعْدادُها لِفَيْضِ العُلُومِ عَلَيْها، وخُرُوجِ قُواها عَنْ قُوى النُّفُوسِ السَبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ، فَلَوْ عُطِّلَتْ عَنِ العِباداتِ لَكانَتْ مِن جِنْسِ نُفُوسِ السِّباعِ والبَهائِمِ، والعِباداتُ تُخْرِجُها عَنْ مَأْلُوفاتِها وعَوائِدِها، وتَنْقِلُها إلى مُشابَهَةِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ، فَتَصِيرُ عالِمَةً قابِلَةً لِانْتِقاشِ صُوَرِ العُلُومِ والمَعارِفِ فِيها، وهَذا يَقُولُهُ طائِفَتانِ:
إحْداهُما: مَن يَقْرُبُ إلى النُّبُوّاتِ والشَّرائِعِ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِقِدَمِ العالَمِ، وعَدَمِ انْشِقاقِ الأفْلاكِ، وعَدَمِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مَن تَفَلْسَفَتْ مِن صُوفِيَّةِ الإسْلامِ، وتَقَرَّبَ إلى الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ العِباداتِ رِياضاتٌ لِاسْتِعْدادِ النُّفُوسِ وتَجَرُّدِها، ومُفارَقَتِها العالَمَ الحِسِّيَّ، ونُزُولِ الوارِداتِ والمَعارِفِ عَلَيْها.
ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن لا يُوجِبُ العِباداتِ إلّا لِهَذا المَعْنى، فَإذا حَصَلَ لَها بَقِيَ مُخَيَّرًا في حِفْظِهِ أوْ رَدِّهِ، أوِ الِاشْتِغالِ بِالوارِدِ عَنْها، ومِنهم مَن يُوجِبُ القِيامَ بِالأوْرادِ والوَظائِفِ، وعَدَمِ الإخْلالِ بِها، وهم صِنْفانِ أيْضًا:
أحَدُهُما: مَن يُوجِبُونَهُ حِفْظًا لِلْقانُونِ، وضَبْطًا لِلنُّفُوسِ.
والآخَرُونَ: الَّذِينَ يُوجِبُونَهُ حِفْظًا لِلْوارِدِ، وخَوْفًا مَن تَدْرُجِ النَّفْسِ بِمُفارَقَتِها لَهُ إلى حالَتِها الأُولى مِنَ البَهِيمِيَّةِ.
فَهَذِهِ نِهايَةُ أقْدامِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى طَرِيقِ السُّلُوكِ، وغايَةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِحُكْمِ العِبادَةِ وما شُرِعَتْ لِأجْلِهِ، ولا تَكادُ تَجِدُ في كُتُبِ القَوْمِ غَيْر هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ.
[الطّائِفَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ]
وَأمّا الصِّنْفُ الرّابِعُ: فَهُمُ الطّائِفَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ، أتْباعُ الخَلِيلَيْنِ، العارِفُونَ بِاللَّهِ وحِكْمَتِهِ في أمْرِهِ وشَرْعِهِ وخَلْقِهِ، وأهْلُ البَصائِرِ في عِبادَتِهِ، ومُرادِهِ بِها.
فالطَّوائِفُ الثَّلاثُ مَحْجُوبُونَ عَنْهم بِما عِنْدَهم مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ، والقَواعِدِ الفاسِدَةِ، ما عِنْدَهم وراءَ ذَلِكَ شَيْءٌ، قَدْ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، وقَنَعُوا بِما ألِفُوهُ مِنَ الخَيالِ، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ وراءَهُ ما هو أجَّلُ مِنهُ وأعْظَمُ لَما ارْتَضَوْا بِدُونِهِ، ولَكِنَّ عُقُولَهم قَصُرَتْ عَنْهُ، ولَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِهِ، لِيَجْتَهِدُوا في طَلَبِهِ، ورَأوْا أنَّ ما مَعَهم خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، ورَأوْا تَناقُضَ ما مَعَ غَيْرِهِمْ وفَسادَهُ.
فَتَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ إيثارُ ما عِنْدَهم عَلى ما سِواهُ، وهَذِهِ بَلِيَّةُ الطَّوائِفِ، والمُعافى مَن عافاهُ اللَّهُ.
* [فَصْلٌ: سِرُّ العُبُودِيَّةِ وغايَتُها وحِكْمَتُها]
فاعْلَمْ أنَّ سِرَّ العُبُودِيَّةِ، وغايَتَها وحِكْمَتَها إنَّما يَطَّلِعُ عَلَيْها مَن عَرَفَ صِفاتِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُعَطِّلْها، وعَرَفَ مَعْنى الإلَهِيَّةِ وحَقِيقَتَها، ومَعْنى كَوْنِهِ إلَهًا، بَلْ هو الإلَهُ الحَقُّ، وكُلُّ إلَهٍ سِواهُ فَباطِلٌ، بَلْ أبْطَلُ الباطِلِ، وأنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لَهُ، وأنَّ العِبادَةَ مُوجَبُ إلَهِيَّتِهِ وأثَرُها ومُقْتَضاها، وارْتِباطُها بِها كارْتِباطِ مُتَعَلِّقِ الصِّفاتِ بِالصِّفاتِ، وكارْتِباطِ المَعْلُومِ بِالعِلْمِ، والمَقْدُورِ بِالقُدْرَةِ، والأصْواتِ بِالسَمْعِ، والإحْسانِ بِالرَحْمَةِ، والعَطاءِ بِالجُودِ.
فَمَن أنْكَرَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ ولَمْ يَعْرِفْها كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ العِباداتِ وغاياتِها ومَقاصِدِها وما شُرِعَتْ لِأجْلِهِ؟ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ العِلْمُ بِأنَّها هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالخَلْقِ، والَّتِي لَها خُلِقُوا، ولَها أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، ولِأجْلِها خُلِقَتِ الجَنَّةُ والنارُ؟ وأنَّ فَرْضَ تَعْطِيلِ الخَلِيقَةِ عَنْها نِسْبَةٌ لِلَّهِ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَتَعالى عَنْهُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، ولَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا، ولَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَبَثًا ولَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى مُهْمَلًا، قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ ولا حِكْمَةٍ، ولا لِعِبادَتِي ومُجازاتِي لَكُمْ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا في قَوْلِهِ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فالعِبادَةُ هي الغايَةُ الَّتِي خَلَقَ لَها الجِنَّ والإنْسَ والخَلائِقَ كُلَّها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ مُهْمَلًا، قالَ الشّافِعِيُّ: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ، والصَحِيحُ الأمْرانِ، فَإنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُتَرَتِّبانِ عَلى الأمْرِ والنَهْيِ، والأمْرُ والنَهْيُ طَلَبُ العِبادَةِ وإرادَتُها، وحَقِيقَةُ العِبادَةِ امْتِثالُهُما، وقالَ تَعالى ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وقالَ ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وقالَ ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢].
فَأخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ المُتَضَمِّنِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وثَوابَهُ وعِقابَهُ.
فَإذا كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما خُلِقَتْ لِهَذا، وهو غايَةُ الخَلْقِ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ لا عِلَّةَ لَهُ، ولا حِكْمَةَ مَقْصُودَةٌ هي غايَتُهُ؟ أوْ إنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ اسْتِئْجارِ العِبادِ حَتّى لا يُنَكَّدَ عَلَيْهِمُ الثَّوابُ بِالمِنَّةِ، أوْ لِمُجَرَّدِ اسْتِعْدادِ النُّفُوسِ لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ، وارْتِياضِها بِمُخالَفَةِ العَوائِدِ؟
فَلْيَتَأمَّلِ اللَّبِيبُ الفُرْقانَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ، وبَيْنَ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الوَحْيِ يَجِدْ أنَّ أصْحابَ هَذِهِ الأقْوالِ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ.
فاللَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ، الجامِعَةِ لِكَمالِ مَحَبَّتِهِ، مَعَ الخُضُوعِ لَهُ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ.
فَأصْلُ العِبادَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ، بَلْ إفْرادُهُ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ يَكُونَ الحُبُّ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَلا يُحِبُّ مَعَهُ سِواهُ، وإنَّما يُحِبُّ لِأجْلِهِ وفِيهِ، كَما يُحِبُّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ وأوْلِياءَهُ، فَمَحَبَّتُنا لَهم مِن تَمامِ مَحَبَّتِهِ، ولَيْسَتْ مَحَبَّةً مَعَهُ، كَمَحَبَّةِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ.
وَإذا كانَتِ المَحَبَّةُ لَهُ هي حَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ وسِرَّها، فَهي إنَّما تَتَحَقَّقُ بِاتِّباعِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، فَعِنْدَ اتِّباعِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ، ولِهَذا جَعَلَ تَعالى اتِّباعَ رَسُولِهِ عَلَمًا عَلَيْها، وشاهِدًا لِمَنِ ادَّعاها، فَقالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَجَعَلَ اتِّباعَ رَسُولِهِ مَشْرُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وشَرْطًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، ووُجُودُ المَشْرُوطِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ وُجُودِ شَرْطِهِ وتَحَقُّقُهُ بِتَحَقُّقِهِ فَعُلِمَ انْتِفاءُ المَحَبَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ المُتابَعَةِ، فانْتِفاءُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ لازِمٌ لِانْتِفاءِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وانْتِفاءُ المُتابَعَةِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ إذًا ثُبُوتُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وثُبُوتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهم بِدُونِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ.
وَدَلَّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ ﷺ هي حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وطاعَةُ أمْرِهِ، ولا يَكْفِي ذَلِكَ في العُبُودِيَّةِ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِمّا سِواهُما، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَتى كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُما فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصاحِبِهِ ألْبَتَّةَ، ولا يَهْدِيهِ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
* [فَصْلٌ: بِناءُ إيّاكَ نَعْبُدُ عَلى أرْبَعِ قَواعِدَ]
وَبَنى " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى أرْبَعِ قَواعِدَ: التَّحَقُّقُ بِما يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ويَرْضاهُ، مِن قَوْلِ اللِّسانِ والقَلْبِ، وعَمَلِ القَلْبِ والجَوارِحِ.
فالعُبُودِيَّةُ: اسْمٌ جامِعٌ لِهَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعِ، فَأصْحابُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقًّا هم أصْحابُها.
فَقَوْلُ القَلْبِ: هو اعْتِقادُ ما أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ومَلائِكَتِهِ ولِقائِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ.
وَقَوْلُ اللِّسانِ: الإخْبارُ عَنْهُ بِذَلِكَ، والدَعْوَةُ إلَيْهِ، والذَبُّ عَنْهُ، وتَبْيِينُ بُطْلانِ البِدَعِ المُخالِفَةِ لَهُ، والقِيامُ بِذِكْرِهِ، وتَبْلِيغُ أوامِرِهِ.
وَعَمَلُ القَلْبِ: كالمَحَبَّةِ لَهُ، والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والخَوْفِ مِنهُ والرَجاءِ لَهُ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ، والصَبْرِ عَلى أوامِرِهِ، وعَنْ نَواهِيهِ، وعَلى أقْدارِهِ، والرِضى بِهِ وعَنْهُ، والمُوالاةِ فِيهِ، والمُعاداةِ فِيهِ، والذُلِّ لَهُ والخُضُوعِ، والإخْباتِ إلَيْهِ، والطُمَأْنِينَةِ بِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ الَّتِي فَرْضُها أفْرَضُ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، ومُسْتَحِبُّها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن مُسْتَحِبِّها، وعَمَلُ الجَوارِحِ بِدُونِها إمّا عَدِيمُ المَنفَعَةِ أوْ قَلِيلُ المَنفَعَةِ.
وَأعْمالُ الجَوارِحِ: كالصَلاةِ والجِهادِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجُمْعَةِ والجَماعاتِ، ومُساعَدَةِ العاجِزِ، والإحْسانِ إلى الخَلْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
فَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " التِزامٌ لِأحْكامِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وإقْرارٌ بِها، " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " طَلَبٌ لِلْإعانَةِ عَلَيْها والتَّوْفِيقِ لَها، و" ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " مُتَضَمِّنٌ لِلتَّعْرِيفِ بِالأمْرَيْنِ عَلى التَّفْصِيلِ، وإلْهامِ القِيامِ بِهِما، وسُلُوكِ طَرِيقِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ بِها.
* [فَصْلٌ: دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ إلى (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ)]
وَجَمِيعُ الرُّسُلِ إنَّما دَعَوْا إلى " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " فَإنَّهم كُلَّهم دَعَوْا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإخْلاصِ عِبادَتِهِ، مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وكَذَلِكَ قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقالَ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١-٥٢].
* [فَصْلٌ: اللَّهُ تَعالى جَعَلَ العُبُودِيَّةَ وصْفَ أكْمَلِ خَلْقِهِ]
واللَّهُ تَعالى جَعَلَ العُبُودِيَّةَ وصْفَ أكْمَلِ خَلْقِهِ، وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، فَقالَ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ١٩] هاهُنا، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] فَهُما جُمْلَتانِ تامَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، أيْ إنَّ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ عَبِيدًا ومِلْكًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً أُخْرى فَقالَ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يَعْنِي لا يَأْنَفُونَ عَنْها، ولا يَتَعاظَمُونَ ولا يَسْتَحْسِرُونَ، فَيَعْيَوْنَ ويَنْقَطِعُونَ يُقالُ: حَسِرَ واسْتَحْسَرَ، إذا تَعِبَ وأعْيا بَلْ عِبادَتُهم وتَسْبِيحُهم كالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ، فالأوَّلُ وصْفٌ لِعَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ، والثّانِي وصْفٌ لِعَبِيدِ إلَهِيَّتِهِ، وقالَ تَعالى ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقالَ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] وقالَ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧] وقالَ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وقالَ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] وقالَ عَنْ سُلَيْمانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقالَ عَنِ المَسِيحِ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] فَجَعَلَ غايَتَهُ العُبُودِيَّةَ لا الإلَهِيَّةَ، كَما يَقُولُ أعْداؤُهُ النَّصارى، ووَصَفَ أكْرَمَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وأعْلاهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وقالَ تَبارَكَ وتَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وقالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ، وفي مَقامِ التَّحَدِّي بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وقالَ ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ الإسْراءِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى» المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وفي الحَدِيثِ «أنا عَبْدٌ، آكُلُ كَما يَأْكُلُ العَبْدُ، وأجْلِسُ كَما يَجْلِسُ العَبْدُ» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ بِالأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ.
وَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ لِعِبادِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وجَعَلَ الأمْنَ المُطْلَقَ لَهُمْ، فَقالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨-٦٩] وعَزَلَ الشَّيْطانَ عَنْ سُلْطانِهِ عَلَيْهِمْ خاصَّةً، وجَعَلَ سُلْطانَهُ عَلى مَن تَوَلّاهُ وأشْرَكَ بِهِ، فَقالَ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]
وَقالَ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩-١٠٠].
وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إحْسانَ العُبُودِيَّةِ أعْلى مَراتِبِ الدِّينِ وهو الإحْسانُ فَقالَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وقَدْ سَألَهُ عَنِ الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ».
* [فَصْلٌ: في لُزُومِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) لِكُلِّ عَبْدٍ إلى المَوْتِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وقالَ أهْلُ النّارِ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦] واليَقِينُ هاهُنا هو المَوْتُ بِإجْماعِ أهْلِ التَّفْسِيرِ، وفي الصَّحِيحِ «فِي قِصَّةِ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ أمّا عُثْمانُ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ أيِ المَوْتُ وما فِيهِ»، فَلا يَنْفَكُّ العَبْدُ مِنَ العُبُودِيَّةِ ما دامَ في دارِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلَيْهِ في البَرْزَخِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرى لَمّا يَسْألُهُ المَلَكانِ مَن كانَ يَعْبُدُ؟ وما يَقُولُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ ويَلْتَمِسانِ مِنهُ الجَوابَ، وعَلَيْهِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرى يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَدْعُو اللَّهُ الخَلْقَ كُلَّهم إلى السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ، ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ، فَإذا دَخَلُوا دارَ الثَّوابِ والعِقابِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ هُناكَ، وصارَتْ عُبُودِيَّةُ أهْلِ الثَّوابِ تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِأنْفاسِهِمْ لا يَجِدُونَ لَهُ تَعَبًا ولا نَصْبًا.
وَمَن زَعَمَ أنَّهُ يَصِلُ إلى مَقامٍ يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فَهو زِنْدِيقٌ كافِرٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وإنَّما وصَلَ إلى مَقامِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والِانْسِلاخِ مِن دِينِهِ، بَلْ كُلَّما تَمَكَّنَ العَبْدُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أعْظَمَ، والواجِبُ عَلَيْهِ مِنها أكْبَرَ وأكْثَرَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُ، ولِهَذا كانَ الواجِبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ عَلى جَمِيعِ الرُّسُلِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى أُمَمِهِمْ، والواجِبُ عَلى أُولِي العَزْمِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُمْ، والواجِبُ عَلى أُولِي العِلْمِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُمْ، وكُلُّ أحَدٍ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ.
* [فَصْلٌ: في انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى عامَّةٍ وخاصَّةٍ]
فالعُبُودِيَّةُ العامَّةُ عُبُودِيَّةُ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كُلِّهِمْ لِلَّهِ، بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ القَهْرِ والمُلْكِ، قالَ تَعالى ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا - تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا - أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا - وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا - إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٣] فَهَذا يَدْخُلُ فِيهِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم.
وَقالَ تَعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] فَسَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقالَ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] وقالَ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] فَهَذا يَتَناوَلُ العُبُودِيَّةَ الخاصَّةَ والعامَّةَ.
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] فَقالَ تَعالى عَنْهم ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ.
وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ.
وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨].
الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ.
وَإنَّما انْقَسَمَتِ العُبُودِيَّةُ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ، لِأنَّ أصْلَ مَعْنى اللَّفْظَةِ الذُّلُّ والخُضُوعُ، يُقالُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إذا كانَ مُذَلَّلًا بِوَطْءِ الأقْدامِ، وفُلانٌ عَبَّدَهُ الحُبُّ إذا ذَلَّلَهُ، لَكِنْ أوْلِياؤُهُ خَضَعُوا لَهُ وذَلُّوا طَوْعًا واخْتِيارًا، وانْقِيادًا لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأعْداؤُهُ خَضَعُوا لَهُ قَهْرًا ورَغْمًا.
وَنَظِيرُ انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ انْقِسامُ القُنُوتِ إلى خاصٍّ وعامٍّ، والُسُجُودُ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى في القُنُوتِ الخاصِّ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وقالَ في حَقِّ مَرْيَمَ ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
وَقالَ في القُنُوتِ العامِّ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أيْ خاضِعُونَ أذِلّاءُ.
وَقالَ في السُّجُودِ الخاصِّ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقالَ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
وَقالَ في السُّجُودِ العامِّ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥].
وَلِهَذا كانَ هَذا السُّجُودُ الكُرْهُ غَيْرَ السُّجُودِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَخَصَّ بِالسُّجُودِ هُنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ وعَمَّهم بِالسُّجُودِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٤٩] وهو سُجُودُ الذُّلِّ والقَهْرِ والخُضُوعِ، فَكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ذَلِيلٌ لِعِزَّتِهِ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى.
* [فَصْلٌ: في مَراتِبِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) عِلْمًا وعَمَلًا]
لِلْعُبُودِيَّةِ مَراتِبُ، بِحَسَبِ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأمّا مَراتِبُها العِلْمِيَّةُ فَمَرْتَبَتانِ:
إحْداهُما: العِلْمُ بِاللَّهِ، والثّانِيَةُ: العِلْمُ بِدِينِهِ.
فَأمّا العِلْمُ بِهِ سُبْحانَهُ، فَخَمْسُ مَراتِبَ: العِلْمُ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وأسْمائِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
والعِلْمُ بِدِينِهِ مَرْتَبَتانِ، إحْداهُما: دِينُهُ الأمْرِيُّ الشَّرْعِيُّ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ المُوصِلُ إلَيْهِ.
والثّانِيَةُ: دِينُهُ الجَزائِيُّ، المُتَضَمِّنُ ثَوابَهُ وعِقابَهُ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا العِلْمِ العِلْمُ بِمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ.
وَأمّا مَراتِبُها العِلْمِيَّةُ، فَمَرْتَبَتانِ: مَرْتَبَةٌ لِأصْحابِ اليَمِينِ، ومَرْتَبَةٌ لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ.
فَأمّا مَرْتَبَةُ أصْحابِ اليَمِينِ: فَأداءُ الواجِباتِ، وتَرْكُ المُحَرَّماتِ، مَعَ ارْتِكابِ المُباحاتِ، وبَعْضِ المَكْرُوهاتِ، وتَرْكِ بَعْضِ المُسْتَحَبّاتِ.
وَأمّا رُتْبَةُ المُقَرَّبِينَ: فالقِيامُ بِالواجِباتِ والمَندُوباتِ، وتَرْكُ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ، زاهِدِينَ فِيما لا يَنْفَعُهم في مَعادِهِمْ، مُتَوَرِّعِينَ عَمّا يَخافُونَ ضَرَرَهُ.
وَخاصَّتُهم قَدِ انْقَلَبَتِ المُباحاتُ في حَقِّهِمْ طاعاتٍ وقُرُباتٍ بِالنِّيَّةِ فَلَيْسَ في حَقِّهِمْ مُباحٌ مُتَساوِي الطَّرَفَيْنِ، بَلْ كُلُّ أعْمالِهِمْ راجِحَةٌ، ومَن دُونَهم يَتْرُكُ المُباحاتِ مُشْتَغِلًا عَنْها بِالعِباداتِ، وهَؤُلاءِ يَأْتُونَها طاعاتٍ وقُرُباتٍ، ولِأهْلِ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ دَرَجاتٌ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ.
* [فَصْلٌ: مَراتِبُ العُبُودِيَّةِ وهي خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْتَبَةً]
[عِبادَةُ القَلْبِ]
وَرَحى العُبُودِيَّةِ تَدُورُ عَلى خَمْسَ عَشْرَةَ قاعِدَةً، مَن كَمَّلَها كَمَّلَ مَراتِبَ العُبُودِيَّةِ.
وَبَيانُها أنَّ العُبُودِيَّةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلى القَلْبِ، واللِّسانِ، والجَوارِحِ، وعَلى كُلٍّ مِنها عُبُودِيَّةٌ تَخُصُّهُ.
والأحْكامُ الَّتِي لِلْعُبُودِيَّةِ خَمْسَةٌ: واجِبٌ، ومُسْتَحَبٌّ، وحَرامٌ، ومَكْرُوهٌ، ومُباحٌ، وهي لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَلْبِ، واللِّسانِ، والجَوارِحِ.
فَواجِبُ القَلْبِ مِنهُ مُتَّفَقٌ عَلى وُجُوبِهِ، ومُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فالمُتَّفَقُ عَلى وُجُوبِهِ كالإخْلاصِ، والتَّوَكُّلِ، والمَحَبَّةِ، والبِرِّ، والإنابَةِ، والخَوْفِ، والرَّجاءِ، والتَّصْدِيقِ الجازِمِ، والنِّيَّةِ في العِبادَةِ، وهَذِهِ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى الإخْلاصِ، فَإنَّ الإخْلاصَ هو إفْرادُ المَعْبُودِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَنِيَّةُ العِبادَةِ لَها مَرْتَبَتانِ:
إحْداهُما: تَمْيِيزُ العِبادَةِ عَنِ العادَةِ.
والثّانِيَةُ: تَمْيِيزُ مَراتِبِ العِباداتِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
والأقْسامُ الثَّلاثَةُ واجِبَةٌ.
وَكَذَلِكَ الصِّدْقُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإخْلاصِ أنَّ لِلْعَبْدِ مَطْلُوبًا وطَلَبًا، فالإخْلاصُ تَوْحِيدُ مَطْلُوبِهِ، والصِّدْقُ تَوْحِيدُ طَلَبِهِ.
فالإخْلاصُ: أنْ لا يَكُونَ المَطْلُوبُ مُنْقَسِمًا، والصِّدْقُ: أنْ لا يَكُونَ الطَّلَبُ مُنْقَسِمًا، فالصِّدْقُ بَذْلُ الجُهْدِ، والإخْلاصُ إفْرادُ المَطْلُوبِ.
واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى وُجُوبِ هَذِهِ الأعْمالِ عَلى القَلْبِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ.
وَكَذَلِكَ النُّصْحُ في العُبُودِيَّةِ، ومَدارُ الدِّينِ عَلَيْهِ، وهو بَذْلُ الجُهْدِ في إيقاعِ العُبُودِيَّةِ عَلى الوَجْهِ المَحْبُوبِ لِلرَّبِّ المَرْضِيِّ لَهُ، وأصْلُ هَذا واجِبٌ، وكَمالُهُ مَرْتَبَةُ المُقَرَّبِينَ.
وَكَذَلِكَ كَلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الواجِباتِ القَلْبِيَّةِ لَهُ طَرَفانِ، واجِبٌ مُسْتَحَقٌّ، وهو مَرْتَبَةُ أصْحابِ اليَمِينِ، وكَمالٌ مُسْتَحَبٌّ، وهو مَرْتَبَةُ المُقَرَّبِينَ.
وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ واجِبٌ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ذَكَرَ اللَّهُ الصَّبْرَ في تِسْعِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ، أوْ بِضْعًا وتِسْعِينَ، ولَهُ طَرَفانِ أيْضًا: واجِبٌ مُسْتَحَقٌّ، وكَمالٌ مُسْتَحَبٌّ.
وَأمّا المُخْتَلَفُ فِيهِ فَكالرِّضا، فَإنَّ في وُجُوبِهِ قَوْلَيْنِ لِلْفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ، والقَوْلانِ لِأصْحابِ أحْمَدَ، فَمَن أوْجَبَهُ قالَ: السُّخْطُ حَرامٌ، ولا خَلاصَ عَنْهُ إلّا بِالرِّضا، وما لا خَلاصَ عَنِ الحَرامِ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ.
واحْتَجُّوا بِأثَرِ " مَن لَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائِي، ولَمْ يَرْضَ بِقَضائِي، فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوايَ ".
وَمَن قالَ: هو مُسْتَحَبٌّ، قالَ: لَمْ يَجِئِ الأمْرُ بِهِ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ، بِخِلافِ الصَّبْرِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ، وكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ، قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وأمَرَ بِالإنابَةِ، فَقالَ ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] وأمَرَ بِالإخْلاصِ كَقَوْلِهِ ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وكَذَلِكَ الخَوْفُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] وقَوْلِهِ ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وكَذَلِكَ الصِّدْقُ، قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وكَذَلِكَ المَحَبَّةُ، وهي أفْرَضُ الواجِباتِ، إذْ هي قَلْبُ العِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، ومُخُّها ورُوحُها.
وَأمّا الرِّضا فَإنَّما جاءَ في القُرْآنِ مَدْحُ أهْلِهِ، والثَّناءُ عَلَيْهِمْ، لا الأمْرُ بِهِ.
قالُوا: وأمّا الأثَرُ المَذْكُورُ فَإسْرائِيلِيٌّ، لا يُحْتَجُّ بِهِ.
قالُوا: وفي الحَدِيثِ المَعْرُوفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ الرِّضا مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ النَّفْسُ خَيْرًا كَثِيرًا» وهو في بَعْضِ السُّنَنِ.
قالُوا: وأمّا قَوْلُكم " لا خَلاصَ عَنِ السُّخْطِ إلّا بِهِ " فَلَيْسَ بِلازِمٍ، فَإنَّ مَراتِبَ النّاسِ في المَقْدُورِ ثَلاثَةٌ: الرِّضا، وهو أعْلاها، والسُّخْطُ، وهو أسْفَلُها، والصَّبْرُ عَلَيْهِ بِدُونِ الرِّضا بِهِ، وهو أوْسَطُها، فالأُولى لِلْمُقَرَّبِينَ السّابِقِينَ، والثّالِثَةُ لِلْمُقْتَصِدِينَ، والثّانِيَةُ لِلظّالِمِينَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَصْبِرُ عَلى المَقْدُورِ فَلا يَسْخَطُ، وهو غَيْرُ راضٍ بِهِ، فالرِّضا أمْرٌ آخَرُ.
وَقَدْ أُشْكِلَ عَلى بَعْضِ النّاسِ اجْتِماعُ الرِّضا مَعَ التَّألُّمِ، وظَنَّ أنَّهُما مُتَبايِنانِ، ولَيْسَ كَما ظَنَّهُ، فالمَرِيضُ الشّارِبُ لِلدَّواءِ الكَرِيهِ مُتَألِّمٌ بِهِ راضٍ بِهِ، والصّائِمُ في شَهْرِ رَمَضانَ في شِدَّةِ الحَرِّ مُتَألِّمٌ بِصَوْمِهِ راضٍ بِهِ، والبَخِيلُ مُتَألِّمٌ بِإخْراجِ زَكاةِ مالِهِ راضٍ بِها، فالتَّألُّمُ كَما لا يُنافِي الصَّبْرَ لا يُنافِي الرِّضا بِهِ.
وَهَذا الخِلافُ بَيْنَهم إنَّما هو في الرِّضا بِقَضائِهِ الكَوْنِيِّ، وأمّا الرِّضا بِهِ رَبًّا وإلَهًا، والرِّضا بِأمْرِهِ الدِّينِيِّ فَمُتَّفَقٌ عَلى فَرْضِيَّتِهِ، بَلْ لا يَصِيرُ العَبْدُ مُسْلِمًا إلّا بِهَذا الرِّضا أنْ يَرْضى بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.
وَمِن هَذا أيْضًا اخْتِلافُهم في الخُشُوعِ في الصَّلاةِ، وفِيهِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ، وهُما في مَذْهَبِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وَعَلى القَوْلَيْنِ اخْتِلافُهم في وُجُوبِ الإعادَةِ عَلى مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْواسُ في صَلاتِهِ، فَأوْجَبَها ابْنُ حامِدٍ مِن أصْحابِ أحْمَدَ، وأبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في إحْيائِهِ، ولَمْ يُوجِبْها أكْثَرُ الفُقَهاءِ.
واحْتَجُّوا بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن سَها في صَلاتِهِ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعادَةِ مَعَ قَوْلِهِ «إنَّ الشَّيْطانَ يَأْتِي أحَدَكم في صِلاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذا، اذْكُرْ كَذا لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلّى» ولَكِنْ لا نِزاعَ أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يُثابُ عَلى شَيْءٍ مِنها إلّا بِقَدْرِ حُضُورِ قَلْبِهِ وخُضُوعِهِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ العَبْدَ لِيَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاةِ ولَمْ يُكْتَبْ لَهُ إلّا نِصْفُها، ثُلْثُها، رُبْعُها حَتّى بَلَغَ عُشْرَها» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ مِن صَلاتِكَ إلّا ما عَقَلْتَ مِنها، فَلَيْسَتْ صَحِيحَةً بِاعْتِبارِ تَرَتُّبِ كَمالِ مَقْصُودِها عَلَيْها، وإنْ سُمِّيَتْ صَحِيحَةً بِاعْتِبارِ أنّا لا نَأْمُرُهُ بِالإعادَةِ ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ لَفْظُ الصِّحَّةِ عَلَيْها، فَيُقالُ صَلاةٌ صَحِيحَةٌ مَعَ أنَّهُ لا يُثابُ عَلَيْها فاعِلُها.
والقَصْدُ أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ واجِبَها ومُسْتَحَبَّها هي عُبُودِيَّةُ القَلْبِ، فَمَن عَطَّلَها فَقَدْ عَطَّلَ عُبُودِيَّةَ المَلِكِ، وإنْ قامَ بِعُبُودِيَّةِ رَعِيَّتِهِ مِنَ الجَوارِحِ.
والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَلِكُ الأعْضاءِ وهو القَلْبُ قائِمًا بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، هو ورَعِيَّتُهُ.
وَأمّا المُحَرَّماتُ الَّتِي عَلَيْهِ: فالكِبْرُ، والرِّياءُ، والعُجْبُ، والحَسَدُ، والغَفْلَةُ، والنِّفاقُ، وهي نَوْعانِ: كُفْرٌ، ومَعْصِيَةٌ:
فالكُفْرُ: كالشَّكِّ، والنِّفاقِ، والشِّرْكِ، وتَوابِعِها.
والمَعْصِيَةُ نَوْعانِ: كَبائِرُ، وصَغائِرُ.
فالكَبائِرُ: كالرِّياءِ، والعُجْبِ، والكِبْرِ، والفَخْرِ، والخُيَلاءِ، والقُنُوطِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ، والفَرَحِ والسُّرُورِ بِأذى المُسْلِمِينَ، والشَّماتَةِ بِمُصِيبَتِهِمْ، ومَحَبَّةِ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فِيهِمْ، وحَسَدِهِمْ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وتَمَنِّي زَوالِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وتَوابِعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي هي أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنَ الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ وغَيْرِهِما مِنَ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ، ولا صَلاحَ لِلْقَلْبِ ولا لِلْجَسَدِ إلّا بِاجْتِنابِها، والتَّوْبَةِ مِنها، وإلّا فَهو قَلْبٌ فاسِدٌ، وإذا فَسَدَ القَلْبُ فَسَدَ البَدَنُ.
وَهَذِهِ الآفاتُ إنَّما تَنْشَأُ مِنَ الجَهْلِ بِعُبُودِيَّةِ القَلْبِ، وتَرْكِ القِيامِ بِها.
فَوَظِيفَةُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى القَلْبِ قَبْلَ الجَوارِحِ، فَإذا جَهِلَها وتَرَكَ القِيامَ بِها امْتَلَأ بِأضْدادِها ولا بُدَّ، وبِحَسَبِ قِيامِهِ بِها يَتَخَلَّصُ مِن أضْدادِها.
وَهَذِهِ الأُمُورُ ونَحْوُها قَدْ تَكُونُ صَغائِرَ في حَقِّهِ، وقَدْ تَكُونُ كَبائِرَ، بِحَسَبِ قُوَّتِها وغِلَظِها، وخِفَّتِها ودِقَّتِها.
وَمِنَ الصَّغائِرِ أيْضًا: شَهْوَةُ المُحَرَّماتِ وتَمَنِّيها، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ الشَّهْوَةِ في الكِبَرِ والصِّغَرِ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ المُشْتَهى، فَشَهْوَةُ الكُفْرِ والشِّرْكِ كُفْرٌ، وشَهْوَةُ البِدْعَةِ فِسْقٌ، وشَهْوَةُ الكَبائِرِ مَعْصِيَةٌ، فَإنْ تَرَكَها لِلَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْها أُثِيبَ، وإنْ تَرَكَها عَجْزًا بَعْدَ بَذْلِهِ مَقْدُورِهِ في تَحْصِيلِها اسْتَحَقَّ عُقُوبَةَ الفاعِلِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَتَهُ في أحْكامِ الثَّوابِ
والعِقابِ، وإنْ لَمْ يَنْزِلْ مَنزِلَتَهُ في أحْكامِ الشَّرْعِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ " «إذا تَواجَهَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما، فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قالُوا: هَذا القاتِلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» " فَنَزَّلَهُ مَنزِلَةَ القاتِلِ، لِحِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ، في الإثْمِ دُونَ الحُكْمِ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الثَّوابِ والعِقابِ.
وَقَدْ عُلِمَ بِهَذا مُسْتَحَبُّ القَلْبِ ومُباحُهُ.
* [فَصْلٌ: عِبادَةُ اللِّسانِ]
وَأمّا عُبُودِيّاتُ اللِّسانِ الخَمْسُ، فَواجِبُها النُّطْقُ بِالشَّهادَتَيْنِ، وتِلاوَةُ ما يَلْزَمُهُ تِلاوَتُهُ مِنَ القُرْآنِ، وهو ما تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ صَلاتِهِ عَلَيْهِ، وتَلَفُّظُهُ بِالأذْكارِ الواجِبَةِ في الصَّلاةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها ورَسُولُهُ، كَما أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأمَرَ بِقَوْلِ " رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ " بَعْدَ الِاعْتِدالِ، وأمَرَ بِالتَّشَهُّدِ، وأمَرَ بِالتَّكْبِيرِ.
وَمِن واجِبِهِ رَدُّ السَّلامِ، وفي ابْتِدائِهِ قَوْلانِ.
وَمِن واجِبِهِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وتَعْلِيمُ الجاهِلِ، وإرْشادُ الضّالِّ، وأداءُ الشَّهادَةِ المُتَعَيِّنَةِ، وصِدْقُ الحَدِيثِ.
وَأمّا مُسْتَحَبُّهُ فَتِلاوَةُ القُرْآنِ، ودَوامُ ذِكْرِ اللَّهِ، والمُذاكَرَةُ في العِلْمِ النّافِعِ، وتَوابِعُ ذَلِكَ.
وَأمّا مُحَرَّمُهُ فَهو النُّطْقُ بِكُلِّ ما يُبْغِضُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، كالنُّطْقِ بِالبِدَعِ المُخالِفَةِ لِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، والدُّعاءِ إلَيْها، وتَحْسِينِها وتَقْوِيَتِها، وكالقَذْفِ وسَبِّ المُسْلِمِ وأذاهُ بِكُلِّ قَوْلٍ، والكَذِبِ، وشَهادَةِ الزُّورِ، والقَوْلِ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، وهو أشَدُّها تَحْرِيمًا.
وَمَكْرُوهُهُ التَّكَلُّمُ بِما تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنَ الكَلامِ بِهِ، مَعَ عَدَمِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ في حَقِّهِ كَلامٌ مُباحٌ، مُتَساوِي الطَّرَفَيْنِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ، أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَخْلُو كُلُّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أوْ عَلَيْهِ، ولَيْسَ في حَقِّهِ شَيْءٌ لا لَهُ ولا عَلَيْهِ.
واحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ، وهو " «كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ما كانَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ وما والاهُ» ".
واحْتَجُّوا بِأنَّهُ يُكْتَبُ عَلَيْهِ كَلامُهُ كُلُّهُ، ولا يُكْتَبُ إلّا الخَيْرُ والشَّرُّ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هَذا الكَلامُ مُباحٌ، لا لَهُ ولا عَلَيْهِ، كَما في حَرَكاتِ الجَوارِحِ.
قالُوا: لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الكَلامِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ أمْرٌ ولا نَهْيٌ، وهَذا شَأْنُ المُباحِ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ حَرَكَةَ اللِّسانِ بِالكَلامِ لا تَكُونُ مُتَساوِيَةَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ إمّا راجِحَةً وإمّا مَرْجُوحَةً، لِأنَّ لِلِّسانِ شَأْنًا لَيْسَ لِسائِرِ الجَوارِحِ، وإذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإنَّ الأعْضاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّما نَحْنُ بِكَ، فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإنَّ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا، وأكْثَرُ ما يَكُبُّ النّاسَ عَلى مِناخِرِهِمْ في النّارِ حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ، وكُلُّ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ اللِّسانُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ ورَسُولَهُ أوْ لا، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو الرّاجِحُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو المَرْجُوحُ، وهَذا بِخِلافِ حَرَكاتِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَإنَّ صاحِبَها يَنْتَفِعُ بِتَحْرِيكِها في المُباحِ المُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الرّاحَةِ والمَنفَعَةِ، فَأُبِيحَ لَهُ اسْتِعْمالُها فِيما فِيهِ مَنفَعَةٌ لَهُ، ولا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ في الآخِرَةِ، وأمّا حَرَكَةُ اللِّسانِ بِما لا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلا يَكُونُ إلّا مَضَرَّةً، فَتَأمَّلْهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يَتَحَرَّكُ بِما فِيهِ مَنفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مُباحَةٌ مُسْتَوِيَةُ الطَّرَفَيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ حَرَكَتِهِ حُكْمَ ذَلِكَ الفِعْلِ.
قِيلَ: حَرَكَتُهُ بِها عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْها راجِحَةٌ، وعِنْدَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْها مَرْجُوحَةٌ لا تُفِيدُهُ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ لا لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ الفِعْلُ مُتَساوِيَ الطَّرَفَيْنِ، كانَتْ حَرَكَةُ اللِّسانِ الَّتِي هي الوَسِيلَةُ إلَيْهِ كَذَلِكَ، إذِ الوَسائِلُ تابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ في الحُكْمِ.
قِيلَ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُباحًا، بَلْ واجِبًا، ووَسِيلَتُهُ مَكْرُوهَةٌ كالوَفاءِ بِالطّاعَةِ المَنذُورَةِ هو واجِبٌ، مَعَ أنَّ وسِيلَتَهُ وهو النَّذْرُ مَكْرُوهٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وكَذَلِكَ الحَلِفُ المَكْرُوهُ مَرْجُوحٌ، مَعَ وُجُوبِ الوَفاءِ بِهِ أوِ الكَفّارَةِ، وكَذَلِكَ سُؤالُ الخَلْقِ عِنْدَ الحاجَةِ مَكْرُوهٌ، ويُباحُ لَهُ الِانْتِفاعُ بِما أخْرَجَتْهُ لَهُ المَسْألَةُ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا، فَقَدْ تَكُونُ الوَسِيلَةُ مُتَضَمِّنَةً مَفْسَدَةً تُكْرَهُ أوْ تُحَرَّمُ لِأجْلِها، وما جُعِلَتْ وسِيلَةً إلَيْهِ لَيْسَ بِحَرامٍ ولا مَكْرُوهٍ.
* [فَصْلٌ: عِبادَةُ الجَوارِحِ]
وَأمّا العُبُودِيّاتُ الخَمْسُ عَلى الجَوارِحِ فَعَلى خَمْسٍ وعِشْرِينَ مَرْتَبَةً أيْضًا، إذِ الحَواسُّ خَمْسَةٌ، وعَلى كُلِّ حاسَّةٍ خَمْسُ عُبُودِياتٍ.
فَعَلى السَّمْعِ وُجُوبُ الإنْصاتِ والِاسْتِماعِ لِما أوْجَبَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلَيْهِ، مِنَ اسْتِماعِ الإسْلامِ والإيمانِ وفُرُوضِهِما، وكَذَلِكَ اسْتِماعُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ إذا جَهَرَ بِها الإمامُ، واسْتِماعُ الخُطْبَةِ لِلْجُمْعَةِ في أصَحِّ قَوْلَيِ العُلَماءِ.
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ الكُفْرِ والبِدَعِ، إلّا حَيْثُ يَكُونُ في اسْتِماعِهِ مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ مِن رَدِّهِ، أوِ الشَّهادَةِ عَلى قائِلِهِ، أوْ زِيادَةِ قُوَّةِ الإيمانِ والسُّنَّةِ بِمَعْرِفَةِ ضِدِّهِما مِنَ الكُفْرِ والبِدْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكاسْتِماعِ أسْرارِ مَن يَهْرُبُ عَنْكَ بِسِرِّهِ، ولا يُحِبُّ أنْ يُطْلِعَكَ عَلَيْهِ، ما لَمْ يَكُنْ مُتَضَمِّنًا لَحِقَّ لِلَّهِ يَجِبُ القِيامُ بِهِ، أوْ لِأذى مُسْلِمٍ يَتَعَيَّنُ نُصْحُهُ، وتَحْذِيرُهُ مِنهُ.
وَكَذَلِكَ اسْتِماعُ أصْواتِ النِّساءِ الأجانِبِ الَّتِي تُخْشى الفِتْنَةُ بِأصْواتِهِنَّ، إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حاجَةٌ مِن شَهادَةٍ، أوْ مُعامَلَةٍ، أوِ اسْتِفْتاءٍ، أوْ مُحاكَمَةٍ، أوْ مُداواةٍ ونَحْوِها.
وَكَذَلِكَ اسْتِماعُ المَعازِفِ، وآلاتِ الطَّرَبِ واللَّهْوِ، كالعُودِ والُنْبُورِ واليَراعِ ونَحْوَها، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ سَدُّ أُذُنِهِ إذا سَمِعَ الصَّوْتَ، وهو لا يُرِيدُ اسْتِماعَهُ، إلّا إذا خافَ السُّكُونَ إلَيْهِ والإنْصاتَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ لِتَجَنُّبِ سَماعِها وُجُوبُ سَدِّ الذَّرائِعِ.
وَنَظِيرُ هَذا المُحْرِمُ لا يَجُوزُ لَهُ تَعَمُّدُ شَمِّ الطَّيبِ، وإذا حَمَلَتِ الرِّيحُ رائِحَتَهُ وألْقَتْها في مَشامِّهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَدُّ أنْفِهِ.
وَنَظِيرُ هَذا نَظْرَةُ الفُجاءَةِ لا تَحْرُمُ عَلى النّاظِرِ، وتَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظْرَةُ الثّانِيَةُ إذا تَعَمَّدَها.
وَأمّا السَّمْعُ المُسْتَحَبُّ فَكاسْتِماعِ المُسْتَحَبِّ مِنَ العِلْمِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِماعِ كُلِّ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ، ولَيْسَ بِفَرْضٍ.
والمَكْرُوهُ عَكْسُهُ، وهو اسْتِماعُ كُلِّ ما يُكْرَهُ ولا يُعاقَبُ عَلَيْهِ.
والمُباحُ ظاهِرٌ.
وَأمّا النَّظَرُ الواجِبُ: فالنَّظَرُ في المُصْحَفِ وكُتُبِ العِلْمِ عِنْدَ تَعَيُّنِ تَعَلُّمِ الواجِبِ مِنها، والنَّظَرُ إذا تَعَيَّنَ لِتَمْيِيزِ الحَلالِ مِنَ الحَرامِ في الأعْيانِ الَّتِي يَأْكُلُها أوْ يُنْفِقُها أوْ يَسْتَمْتِعُ بِها، والأماناتِ الَّتِي يُؤَدِّيها إلى أرْبابِها لِيُمَيِّزَ بَيْنَها، ونَحْوِ ذَلِكَ.
والنَّظَرُ الحَرامُ النَّظَرُ إلى الأجْنَبِيّاتِ بِشَهْوَةٍ مُطْلَقًا، وبِغَيْرِها إلّا لِحاجَةٍ، كَنَظَرِ الخاطِبِ، والمُسْتامِ والمَعامِلِ، والشّاهِدِ، والحاكِمِ، والطَّبِيبِ، وذِي المَحْرَمِ.
والمُسْتَحَبُّ النَّظَرُ في كُتُبِ العِلْمِ والدِّينِ الَّتِي يَزْدادُ بِها الرَّجُلُ إيمانًا وعِلْمًا، والنَّظَرُ في المُصْحَفِ، ووُجُوهِ العُلَماءِ الصّالِحِينَ والوالِدَيْنِ، والنَّظَرُ في آياتِ اللَّهِ المَشْهُودَةِ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى تَوْحِيدِهِ ومَعْرِفَتِهِ وحِكْمَتِهِ.
والمَكْرُوهُ فُضُولُ النَّظَرِ الَّذِي لا مَصْلَحَةَ فِيهِ، فَإنَّ لَهُ فُضُولًا كَما لِلِّسانِ فُضُولًا، وكَمْ قادَ فُضُولُها إلى فُضُولٍ عَزَّ التَّخَلُّصُ مِنها، وأعْيى دَواؤُها، وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ النَّظَرِ، كَما يَكْرَهُونَ فُضُولَ الكَلامِ.
والمُباحُ النَّظَرُ الَّذِي لا مَضَرَّةَ فِيهِ في العاجِلِ والآجِلِ ولا مَنفَعَةَ.
وَمِنَ النَّظَرِ الحَرامِ: النَّظَرُ إلى العَوْراتِ، وهي قِسْمانِ:
عَوْرَةٌ وراءَ الثِّيابِ، وعَوْرَةٌ وراءَ الأبْوابِ.
وَلَوْ نَظَرَ في العَوْرَةِ الَّتِي وراءَ الأبْوابِ فَرَماهُ صاحِبُ العَوْرَةِ فَفَقَأ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وذَهَبَتْ هَدْرًا بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ، وإنْ ضَعَفَّهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّصُّ، أوْ تَأوَّلَهُ.
وَهَذا إذا لَمْ يَكُنْ لِلنّاظِرِ سَبَبٌ يُباحُ النَّظَرُ لِأجْلِهِ، كَعَوْرَةٍ لَهُ هُناكَ يَنْظُرُها، أوْ رِيبَةٍ هو مَأْمُورٌ أوْ مَأْذُونٌ لَهُ في الِاطِّلاعِ عَلَيْها.
وَأمّا الذَّوْقُ: الواجِبُ فَتَناوُلُ الطَّعامِ والشَّرابِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ إلَيْهِ وخَوْفِ المَوْتِ، فَإنْ تَرَكَهُ حَتّى ماتَ، ماتَ عاصِيًا قاتِلًا لِنَفْسِهِ، قالَ الإمامُ أحْمَدُ وطاوُسٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ المَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتّى ماتَ، دَخَلَ النّارَ.
وَمِن هَذا تَناوُلُ الدَّواءِ إذا تَيَقَّنَ النَّجاةَ بِهِ مِنَ الهَلاكِ، عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإنْ ظَنَّ الشِّفاءَ بِهِ، فَهَلْ هو مُسْتَحَبٌّ مُباحٌ، أوِ الأفْضَلُ تَرْكُهُ؟ فِيهِ نِزاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
والذَّوْقُ الحَرامُ: كَذَوْقِ الخَمْرِ، والسُّمُومِ القاتِلَةِ، والذَّوْقِ المَمْنُوعِ مِنهُ لِلصَّوْمِ الواجِبِ.
وَأمّا المَكْرُوهُ: فَكَذَوْقِ المُشْتَبِهاتِ، والأكْلِ فَوْقَ الحاجَةِ، وذَوْقِ طَعامِ الفُجاءَةِ، وهو الطَّعامُ الَّذِي تَفَجَّأ آكِلُهُ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَدْعُوَكَ إلَيْهِ، وكَأكْلِ أطْعِمَةِ المُرائِينَ في الوَلائِمِ والدَّعَواتِ ونَحْوِها، وفي السُّنَنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «نَهى عَنْ طَعامِ المُتَبارِينَ»، وذَوْقُ طَعامِ مَن يُطْعِمُكَ حَياءً مِنكَ لا بِطِيبَةِ نَفْسٍ.
والذَّوْقُ المُسْتَحَبُّ: أكْلُ ما يُعِينُكَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِمّا أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، والأكْلُ مَعَ الضَّيْفِ لِيَطِيبَ لَهُ الأكْلُ، فَيَنالَ مِنهُ غَرَضَهُ، والأكْلُ مِن طَعامِ صاحِبِ الدَّعْوَةِ الواجِبِ إجابَتُها أوِ المُسْتَحَبِّ.
وَقَدْ أوْجَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ الأكْلَ مِنَ الوَلِيمَةِ الواجِبِ إجابَتُها لِلْأمْرِ بِهِ عَنِ الشّارِعِ.
والذَّوْقُ المُباحُ: ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْمٌ ولا رُجْحانٌ.
وَأمّا تَعَلُّقُ العُبُودِيّاتِ الخَمْسِ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، فالشَّمُّ الواجِبُ: كُلُّ شَمٍّ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، كالشَّمِّ الَّذِي تُعْلَمُ بِهِ هَذِهِ العَيْنُ هَلْ هي خَبِيثَةٌ أوْ طَيِّبَةٌ؟ وهَلْ هي سُمٌّ قاتِلٌ أوْ لا مَضَرَّةَ فِيهِ؟ أوْ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ ما يَمْلِكُ الِانْتِفاعَ بِهِ، وما لا يَمْلِكُ؟ ومِن هَذا شَمُّ المُقَوِّمِ، ورَبِّ الخِبْرَةِ عِنْدَ الحُكْمِ بِالتَّقْوِيمِ، وشَمُّ العَبِيدِ ونَحْوُ ذَلِكَ.
وَأمّا الشَّمُّ الحَرامُ: فالتَّعَمُّدُ لِشَمِّ الطِّيبِ في الإحْرامِ، وشَمِّ الطِّيبِ المَغْصُوبِ والمَسْرُوقِ، وتَعَمُّدُ شَمِّ الطِّيبِ مِنَ النِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ خَشْيَةَ الِافْتِتانِ بِما وراءَهُ.
وَأمّا الشَّمُّ المُسْتَحَبُّ: فَشَمُّ ما يُعِينُكَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، ويُقَوِّي الحَواسَّ، ويَبْسُطُ النَّفْسَ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، ومِن هَذا هَدِيَّةُ الطِّيبِ والرَّيْحانِ إذا أُهْدِيَتْ لَكَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحانٌ فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ، خَفِيفُ المَحْمَلِ».
والمَكْرُوهُ: كَشَمِّ طِيَبِ الظَّلَمَةِ، وأصْحابِ الشُّبُهاتِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
والمُباحُ: ما لا مَنعَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ ولا تَبِعَةَ، ولا فِيهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، ولا تَعَلُّقُ لَهُ بِالشَّرْعِ.
وَأمّا تَعَلُّقُ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِحاسَّةِ اللَّمْسِ: فاللَّمْسُ الواجِبُ كَلَمْسِ الزَّوْجَةِ حِينَ يَجِبُ جِماعُها، والأمَةِ الواجِبِ إعْفافُها.
والحَرامُ: لَمْسُ ما لا يَحِلُّ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ.
والمُسْتَحَبُّ: إذا كانَ فِيهِ غَضُّ بَصَرِهِ، وكَفُّ نَفْسِهِ عَنِ الحَرامِ، وإعْفافُ أهْلِهِ.
والمَكْرُوهُ: لَمْسُ الزَّوْجَةِ في الإحْرامِ لِلَذَّةٍ، وكَذَلِكَ في الِاعْتِكافِ، وفي الصِّيامِ إذا لَمْ يَأْمَن عَلى نَفْسِهِ.
وَمِن هَذا لَمْسُ بَدَنِ المَيِّتِ لِغَيْرِ غاسِلِهِ لِأنَّ بَدَنَهُ قَدْ صارَ بِمَنزِلَةِ عَوْرَةِ الحَيِّ تَكْرِيمًا لَهُ، ولِهَذا يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ عَنِ العُيُونِ وتَغْسِيلُهُ في قَمِيصِهِ في أحَدِ القَوْلَيْنِ، ولَمْسُ فَخْذِ الرَّجُلِ إذا قُلْنا هي عَوْرَةٌ.
والمُباحُ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ ولا مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ.
وَهَذِهِ المَراتِبُ أيْضًا مُرَتَّبَةٌ عَلى البَطْشِ بِاليَدِ، والمَشْيِ بِالرِّجْلِ، وأمْثِلَتُها لا تَخْفى.
فالتَّكَسُّبُ المَقْدُورُ لِلنَّفَقَةِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ وعِيالِهِ واجِبٌ، وفي وُجُوبِهِ لِقَضاءِ دَيْنِهِ خِلافٌ، والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ لِيُمَكِّنَهُ مِن أداءِ دَيْنِهِ، ولا يَجِبُ لِإخْراجِ الزَّكاةِ، وفي وُجُوبِهِ لِأداءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ نَظَرٌ، والأقْوى في الدَّلِيلِ وجُوبُهُ لِدُخُولِهِ في الِاسْتِطاعَةِ وتَمَكُّنِهِ بِذَلِكَ مِن أداءِ النُّسُكِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ وُجُوبِهِ.
وَمِنَ البَطْشِ الواجِبِ: إعانَةُ المُضْطَرِّ، ورَمْيُ الجِمارِ، ومُباشَرَةُ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ.
والحَرامُ: كَقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَها، ونَهْبُ المالِ المَعْصُومِ، وضَرْبُ مِن لا يَحِلُّ ضَرْبُهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَأنْواعِ اللَّعِبِ المُحَرَّمِ بِالنَّصِّ كالنَّرْدِ، أوْ ما هو أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنهُ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ كالشِّطْرَنْجِ، أوْ مِثْلِهِ عِنْدَ فُقَهاءِ الحَدِيث كَأحْمَدَ وغَيْرِهِ، أوْ دُونَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، ونَحْوِ كِتابَةِ البِدَعِ المُخالِفَةِ لِلسُّنَّةِ تَصْنِيفًا أوْ نَسْخًا، إلّا مَقْرُونًا بِرَدِّها ونَقْضِها، وكِتابَةِ الزُّورِ والظُّلْمِ، والحُكْمِ الجائِرِ، والقَذْفِ والتَّشْبِيبِ بِالنِّساءِ الأجانِبِ، وكِتابَةِ ما فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلى المُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ، ولاسِيَّما إنْ كَسَبْتَ عَلَيْهِ مالًا ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] وكَذَلِكَ كِتابَةُ المُفْتِي عَلى الفَتْوى ما يُخالِفُ حُكْمَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا، فالإثْمُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ.
وَأمّا المَكْرُوهُ فَكالعَبَثِ واللَّعِبِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرامٍ، وكِتابَةِ ما لا فائِدَةَ في كِتابَتِهِ، ولا مَنفَعَةَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والمُسْتَحَبُّ كِتابَةُ كُلِّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ في الدِّينِ، أوْ مَصْلَحَةٌ لِمُسْلِمٍ، والإحْسانُ بِيَدِهِ بِأنْ يَعِينَ صانِعًا، أوْ يَصْنَعَ لِأخْرَقَ، أوْ يُفْرِغَ مِن دَلْوِهِ في دَلْوِ المُسْتَسْقِي، أوْ يَحْمِلَ لَهُ عَلى دابَّتِهِ، أوْ يُمْسِكَها حَتّى يُحْمَلَ عَلَيْها، أوْ يُعاوِنَهُ بِيَدِهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ لَمْسُ الرُّكْنِ بِيَدِهِ في الطَّوافِ، وفي تَقْبِيلِها بَعْدَ اللَّمْسِ قَوْلانِ.
والمُباحُ ما لا مَضَرَةَ فِيهِ ولا ثَوابَ.
وَأمّا المَشْيُ الواجِبُ: فالمَشْيُ إلى الجُمْعاتِ والجَماعاتِ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ لِبِضْعَةٍ وعِشْرِينَ دَلِيلًا مَذْكُورَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والمَشْيُ حَوْلَ البَيْتِ لِلطَّوافِ الواجِبِ، والمَشْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَرْكُوبِهِ، والمَشْيُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ إذا دُعِيَ إلَيْهِ، والمَشْيُ إلى صِلَةِ رَحِمِهِ، وبِرِّ والِدَيْهِ، والمَشْيُ إلى مَجالِسِ العِلْمِ الواجِبِ طَلَبُهُ وتَعَلُّمُهُ، والمَشْيُ إلى الحَجِّ إذا قَرُبَتِ المَسافَةُ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ.
والحَرامُ: المَشْيُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو مِن رَجِلِ الشَّيْطانِ، قالَ تَعالى ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِرُكْبانِ جُنْدِكَ ومُشاتِهِمْ، فَكُلُّ راكِبٍ وماشٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهو مِن جُنْدِ إبْلِيسَ.
وَكَذَلِكَ تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الأحْكامُ الخَمْسُ بِالرُّكُوبِ أيْضًا.
فَواجِبُهُ في الرُّكُوبِ في الغَزْوِ، والجِهادِ، والحَجِّ الواجِبِ.
وَمُسْتَحَبُّهُ في الرُّكُوبِ المُسْتَحَبِّ مِن ذَلِكَ، ولِطَلَبِ العِلْمِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وبِرِّ الوالِدَيْنِ، وفي الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ نِزاعٌ هَلِ الرُّكُوبُ فِيهِ أفْضَلُ، أمْ عَلى الأرْضِ؟ والتَّحْقِيقُ أنَّ الرُّكُوبَ أفْضَلُ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِن تَعْلِيمٍ لِلْمَناسِكِ، واقْتِداءٍ بِهِ، وكانَ أعْوَنَ عَلى الدُّعاءِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الدّابَّةِ.
وَحَرامُهُ: الرُّكُوبُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَمَكْرُوهُهُ الرُّكُوبُ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ، وكُلُّ ما تَرْكُهُ خَيْرٌ مِن فِعْلِهِ.
وَمُباحُهُ الرُّكُوبُ لِما لَمْ يَتَضَمَّنْ فَوْتَ أجْرٍ، ولا تَحْصِيلَ وِزْرٍ.
فَهَذِهِ خَمْسُونَ مَرْتَبَةً عَلى عَشَرَةِ أشْياءَ: القَلْبُ، واللِّسانُ، والسَّمْعُ، والبَصَرُ، والأنْفُ، والفَمُ، واليَدُ، والرِّجْلُ، والفَرْجُ، والِاسْتِواءُ عَلى ظَهْرِ الدّابَّةِ.
* [فَصْلٌ: نِهايَةُ السّالِكِينَ تَكْمِيلُ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ صَرْفًا]
فَإنْ لَمْ يَسْمَحْ قَلْبُكَ بِكَوْنِ التَّوْبَةِ غايَةَ مَقاماتِ السّالِكِينَ، ولَمْ تُصْغِ إلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْنا، وأبَيْتَ إلّا أنْ يَكُونَ تَلاشِي نِهايَةِ الِاتِّصالِ في عَيْنِ الوُجُودِ مَحْقًا، وتَلاشِي عُلُومِ الشَّواهِدِ في العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ صَرْفًا، وجَمْعُ الوُجُودِ وجَمْعُ العَيْنِ: هو نِهايَةُ مَقاماتِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ سالِكٍ، فاعْلَمْ أنَّ هَذا الجَمْعَ المَذْكُورَ بِمُجَرَّدٍ لا يُعْطِي عُبُودِيَّةً ولا إيمانًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ غايَةَ كُلِّ نَبِيٍّ ووَلِيٍّ وعارِفٍ، فَإنَّ هَذا الجَمْعَ يَحْصُلُ لِلصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ، ولِلْمَلاحِدَةِ والِاتِّحادِيَّةِ مِنهُ حَظٌّ كَبِيرٌ، وحَوْلَهُ يُدَنْدِنُونَ، وهو عِنْدَهم نِهايَةُ التَّحْقِيقِ، فَأيْنَ تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ، والقِيامُ بِأعْبائِها، واحْتِمالُ فَرائِضِها وسُنَنِها وأدائِها، والجِهادُ لِأعْداءِ اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وتَحَمُّلُ الأذى في اللَّهِ في هَذا الجَمْعِ؟! وأيْنَ مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ فِيهِ مُفَصَّلًا؟ وأيْنَ مَعْرِفَةُ ما يُحِبُّهُ الرَّبُّ تَعالى، ويَكْرَهُهُ مُفَصَّلًا؟ وأيْنَ مَعْرِفَةُ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ فِيهِ؟ وأيْنَ العِلْمُ بِمَراتِبِ العُبُودِيَّةِ ومَنازِلِها فِيهِ؟!.
فالحَقُّ أنَّ نِهايَةَ السّالِكِينَ تَكْمِيلُ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ صَرْفًا، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِبَنِي الطَّبِيعَةِ، وإنَّما خُصَّ بِذَلِكَ الخَلِيلانِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ، أمّا إبْراهِيمُ الخَلِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ شَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ وفّى، وأمّا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - فَإنَّهُ كَمَّلَ مَرْتَبَةَ العُبُودِيَّةِ، فاسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ عَلى سائِرِ الخَلائِقِ، فَكانَ صاحِبَ الوَسِيلَةِ والشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَأخَّرُ عَنْها جَمِيعُ الرُّسُلِ، ويَقُولُ هُوَ: أنا لَها، ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالعُبُودِيَّةِ في أعْلى مَقاماتِهِ، وأشْرَفِ أحْوالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ولِهَذا يَقُولُ المَسِيحُ، حِينَ يُرْغَبُ إلَيْهِ في الشَّفاعَةِ: اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فاسْتَحَقَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ العُلْيا بِتَكْمِيلِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، وبِكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ.
فَرَجَعَ الأمْرُ إلى أنَّ غايَةَ المَقاماتِ ونِهايَتَها: هو التَّوْبَةُ والعُبُودِيَّةُ المَحْضَةُ، لا جَمْعُ العَيْنِ، ولا جَمْعُ الوُجُودِ، ولا تَلاشِي الِاتِّصالِ.
فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا الجَمْعُ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن قامَ بِحَقِيقَةِ التَّوْبَةِ والعُبُودِيَّةِ.
قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الجَمْعُ الَّذِي يَحْصُلُ لِمَن قامَ بِذَلِكَ: هو جَمْعُ الرُّسُلِ وخُلَفائِهِمْ، وهو جَمْعُ الهِمَّةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ مَحَبَّةً وإنابَةً وتَوَكُّلًا، وخَوْفًا ورَجاءً ومُراقَبَةً، وجَمْعُ الهِمَّةِ عَلى تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ في الخَلْقِ دَعْوَةً وجِهادًا، فَهُما جَمْعانِ: جَمْعُ القَلْبِ عَلى المَعْبُودِ وحْدَهُ، وجَمْعُ الهَمِّ لَهُ عَلى مَحْضِ عُبُودِيَّتِهِ.
فَإنْ قُلْتَ: فَأيْنَ شاهِدُ هَذَيْنِ الجَمْعَيْنِ؟ قُلْتُ: في القُرْآنِ كُلِّهِ، فَخُذْهُ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وتَأمَّلْ ما في قَوْلِهِ " إيّاكَ ": التَّخْصِيصُ لِذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، وما في قَوْلِهِ: " نَعْبُدُ " الَّذِي هو لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، ولِلْعِبادَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ مِنِ اسْتِيفاءِ أنْواعِ العِبادَةِ، حالًا واسْتِقْبالًا، قَوْلًا وعَمَلًا، ظاهِرًا وباطِنًا، والِاسْتِعانَةُ عَلى ذَلِكَ بِهِ لا بِغَيْرِهِ، ولِهَذا كانَتِ الطَّرِيقُ كُلُّها في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، وهي مَعْنى قَوْلِهِمْ: الطَّرِيقُ فِي: إيّاكَ أُرِيدُ بِما تُرِيدُ، فَجَمَعَ المُرادَ في واحِدٍ، والإرادَةَ في مُرادِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَإلى هَذا دَعَتِ الرُّسُلُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وإلَيْهِ شَخَصَ العامِلُونَ، وتَوَجَّهَ المُتَوَجِّهُونَ، وكُلُّ الأحْوالِ والمَقاماتِ - مِن أوَّلِها إلى آخِرِها - مُنْدَرِجَةٌ في ضِمْنِ ذَلِكَ، ومِن ثَمَراتِهِ ومُوجِباتِهِ.
فالعُبُودِيَّةُ تَجْمَعُ كَمالَ الحُبِّ في كَمالِ الذُّلِّ، وكَمالَ الِانْقِيادِ لِمَراضِي المَحْبُوبِ وأوامِرِهِ، فَهي الغايَةُ الَّتِي لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ إلى القِيامِ بِحَقِيقَتِها - كَما يَجِبُ - سَبِيلٌ، فالتَّوْبَةُ هي المِعْوَلُ والآخِيَّةُ، وقَدْ عَرَفْتَ - بِهَذا وبِغَيْرِهِ - أنَّ الحاجَةَ إلَيْها في النِّهايَةِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْها في البِدايَةِ، ولَوْلا تَنَسُّمُ رُوحِها لَحالَ اليَأْسُ بَيْنَ ابْنِ الماءِ والطِّينِ وبَيْنَ الوُصُولِ إلى رَبِّ العالَمِينَ، هَذا لَوْ قامَ بِما يَنْبَغِي عَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِهِ لِسَيِّدِهِ مِن حُقُوقِهِ، فَكَيْفَ والغَفْلَةُ والتَّقْصِيرُ والتَّفْرِيطُ والتَّهاوُنُ، وإيثارُ حُظُوظِهِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى حُقُوقِ رَبِّهِ لا يَكادُ يَتَخَلَّصُ مِنها، ولاسِيَّما السّالِكُ عَلى دَرْبِ الفَناءِ والجَمْعِ؟ لِأنَّ رَبَّهُ يُطالِبُهُ بِالعُبُودِيَّةِ، ونَفْسُهُ تُطالِبُهُ بِالجَمْعِ والفَناءِ، ولَوْ حَقَّقَ النَّظَرَ مَعَ نَفْسِهِ وحاسَبَها حِسابًا صَحِيحًا لَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّ حَظَّهُ يُرِيدُ، ولَذَّتَهُ يَطْلُبُ، نَعَمْ كُلُّ أحَدٍ يَطْلُبُ ذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّأْنَ في الفَرْقِ بَيْنَ مَن صارَ حَظُّهُ نَفْسَ مَرْضاةِ اللَّهِ ومَحابِّهِ، أحَبَّتْ ذَلِكَ نَفْسُهُ أوْ كَرِهَتْهُ، وبَيْنَ مَن حَظُّهُ ما يُرِيدُ مِن رَبِّهِ، فالأوَّلُ: حَظُّهُ مُرادُ رَبِّهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ مِنهُ، وهَذا حَظُّهُ مُرادُهُ مِن رَبِّهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا البابُ مُسَلَّمٌ لِأهْلِ الذَّوْقِ، وأنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِلِسانِ العِلْمِ لا بِلِسانِ الذَّوْقِ، والذّائِقُ واجِدٌ، والواجِدُ لا يُمْكِنُهُ إنْكارُ مَوْجُودِهِ، فَلا يَرْجِعُ إلى صاحِبِ العِلْمِ، بَلْ يَدْعُوهُ إلى ذَوْقِ ما ذاقَهُ، ويَقُولُ:
؎أقُولُ لِلّائِمِ المُهْدِي مَلامَتَهُ ∗∗∗ ذُقِ الهَوى وإنِ اسْطَعْتَ المَلامَ لُمْ
قِيلَ: لَمْ يُنْصِفْ مَن أحالَ عَلى الذَّوْقِ، فَإنَّها حِوالَةٌ عَلى مَحْكُومٍ عَلَيْهِ لا عَلى حاكِمٍ، وعَلى مَشْهُودٍ لَهُ، لا عَلى شاهِدٍ، وعَلى مَوْزُونٍ، لا عَلى مِيزانٍ.
وَيا سُبْحانَ اللَّهِ! هَلْ يَدُلُّ مُجَرَّدُ ذَوْقِ الشَّيْءِ عَلى حُكْمِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ؟ وهَلْ جَعَلَ اللَّهُ ورَسُولُهُ الأذْواقَ والمَواجِيدَ حُجَجًا وأدِلَّةً، يُمَيَّزُ بِها بَيْنَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وبَيْنَ ما يَكْرَهُهُ ويَسْخَطُهُ؟ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: لاحْتَجَّ كُلُّ مُبْطِلٍ عَلى باطِلِهِ بِالذَّوْقِ والوَجْدِ، كَما تَجِدُهُ في كَثِيرٍ مِن أهْلِ الباطِلِ والإلْحادِ، فَهَؤُلاءِ الِاتِّحادِيَّةُ - وهم أكْفَرُ الخَلْقِ - يَحْتَجُّونَ بِالذَّوْقِ والوَجْدِ عَلى كُفْرِهِمْ وإلْحادِهِمْ حَتّى لَيَقُولُ قائِلُهُمْ:
؎يا صاحِبِي أنْتَ تَنْهانِي وتَأْمُرُنِي ∗∗∗ والوَجْدُ أصْدَقُ نَهّاءٍ وأمّارِ
؎فَإنْ أُطِعْكَ وأعْصِ الوَجْدَ رُحْتُ عَمٍ ∗∗∗ عَنِ اليَقِينِ إلى أوْهامِ أخْبارِ
؎وَعَيْنُ ما أنْتَ تَدْعُونِي إلَيْهِ إذا ∗∗∗ حَقَّقْتُهُ بَدَّلَ المَنهِيَّ يا جارِ
وَيَقُولُ هَذا القائِلُ: ثَبَتَ عِنْدَنا - بِالكَشْفِ والذَّوْقِ - ما يُناقِضُ صَرِيحَ العَقْلِ، وكُلُّ مُعْتَقِدٍ لِأمْرٍ جازِمٍ بِهِ، مُسْتَحْسِنٌ لَهُ: يَذُوقُ طَعْمَهُ، فالمُلْحِدُ يَذُوقُ طَعْمَ الِاتِّحادِ والِانْحِلالِ مِنَ الدِّينِ، والرّافِضِيُّ يَذُوقُ طَعْمَ الرَّفْضِ، ومُعاداةِ خِيارِ الخَلْقِ، والقَدَرِيُّ يَذُوقُ طَعْمَ إنْكارِ القَدَرِ، ويَعْجَبُ مِمَّنْ يُثْبِتُهُ، والجَبْرِيُّ عَكْسُهُ، والمُشْرِكُ يَذُوقُ طَعْمَ الشِّرْكِ، حَتّى إنَّهُ لِيَسْتَبْشِرُ إذا ذُكِرَ إلَهُهُ ومَعْبُودُهُ مِن دُونِ اللَّهِ، ويَشْمَئِزُّ قَلْبُهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ.
وَهَذا الِاحْتِجاجُ قَدْ سَلَكَهُ أرْبابُ السَّماعِ المُحْدَثِ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي هو مَحْضُ شَهْوَةِ النَّفْسِ وهَواها، واحْتَجُّوا عَلى إباحَةِ هَذا السَّماعِ بِما فِيهِ مِنَ الذَّوْقِ والوَجْدِ واللَّذَّةِ، وأنْتَ تَجِدُ النَّصْرانِيَّ لَهُ في تَثْلِيثِهِ ذَوْقٌ، ووَجْدٌ وحَنِينٌ، بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ أشَدُّ العَذابِ لاخْتارَهُ، دُونَ أنْ يُفارِقَ تَثْلِيثَهُ، لِما لَهُ فِيهِ مِنَ الذَّوْقِ.
وَحِينَئِذٍ، فَيُقالُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، وأنَّ المُتَكَلِّمَ المُنْكِرَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسانِ الذَّوْقِ، فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَوْقُ الذّائِقِ لِذَلِكَ حُجَّةً صَحِيحَةً نافِعَةً لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ؟ ولَوْ فَرَضْنا أنَّ هَذا المُنْكِرَ قالَ: نَعَمْ، أنا مَحْجُوبٌ عَنِ الوُصُولِ إلى ما أنْكَرْتُهُ، غَيْرُ ذائِقٍ لَهُ، وأنْتَ ذائِقٌ واصِلٌ، فَما عَلامَةُ ما ذُقْتَهُ، ووَصَلْتَ إلَيْهِ؟ وما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ وأنا لا أُنْكِرُ ذَوْقَكَ لَهُ ووَجْدَكَ بِهِ، ولَكِنَّ الشَّأْنَ في المَذُوقِ لا في الذَّوْقِ، وإذا ذاقَ المُحِبُّ العاشِقُ طَعْمَ مَحَبَّتِهِ وعِشْقِهِ لِمَحْبُوبِهِ، ما كانَ غايَةَ ذَلِكَ: إلّا أنْ يَدُلَّ عَلى وُجُودِ مَحَبَّتِهِ وعِشْقِهِ، لا عَلى كَوْنِ ذَلِكَ نافِعًا لَهُ أوْ ضارًّا، أوْ مُوجِبًا لِكَمالِهِ أوْ نَقْصِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* [فَصْلٌ الجَمْعُ الصَّحِيحُ هو جَمْعُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وجَمْعُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ]
فَيَشْهَدُ صاحِبُهُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبَّ تَعالى فَوْقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أمْرَ عِبادِهِ وحْدَهُ، فَلا خالِقَ ولا رازِقَ، ولا مُعْطِيَ ولا مانِعَ، ولا مُمِيتَ ولا مُحْيِيَ، ولا مُدَبِّرَ لِأمْرِ المَمْلَكَةِ - ظاهِرًا وباطِنًا - غَيْرُهُ، فَما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَجْرِي حادِثٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ ولا تَسْقُطُ ورَقَةٌ إلّا بِعِلْمِهِ، ولا يَغْرُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا أحْصاها عِلْمُهُ، وأحاطَتْ بِها قُدْرَتُهُ، ونَفَذَتْ بِها مَشِيئَتُهُ، واقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ، فَهَذا جَمْعُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.
وَأمّا جَمْعُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، فَهُوَ: أنْ يَجْمَعَ قَلْبَهُ وهَمَّهُ وعَزْمَهُ عَلى اللَّهِ، وإرادَتَهُ، وحَرَكاتَهُ عَلى أداءِ حَقِّهِ تَعالى، والقِيامِ بِعُبُودِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، فَتَجْتَمِعُ شُئُونُ إرادَتِهِ عَلى مُرادِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ.
وَهَذانِ الجَمْعانِ: هُما حَقِيقَةُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَإنَّ العَبْدَ يَشْهَدُ مِن قَوْلِهِ " إيّاكَ " الذّاتَ الجامِعَةَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، الَّتِي لَها كُلُّ الأسْماءِ الحُسْنى، ثُمَّ يَشْهَدُ مِن قَوْلِهِ " نَعْبُدُ " جَمِيعَ أنْواعِ العِبادَةِ ظاهِرًا وباطِنًا، قَصْدًا وقَوْلًا وعَمَلًا وحالًا واسْتِقْبالًا، ثُمَّ يَشْهَدُ مِن قَوْلِهِ " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " جَمِيعَ أنْواعِ الِاسْتِعانَةِ، والتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ، فَيَشْهَدُ مِنهُ جَمْعَ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَشْهَدُ مِن " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " جَمْعَ الإلَهِيَّةِ، ويَشْهَدُ مِن " إيّاكَ " الذّاتَ الجامِعَةَ لِكُلِّ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى.
* [فَصْلُ: خاصِّيَّةِ التَّعَبُّدِ]
وَخاصِّيَّةُ التَّعَبُّدِ: الحُبُّ مَعَ الخُضُوعِ، والذُّلِّ لِلْمَحْبُوبِ، فَمَن أحَبَّ مَحْبُوبًا وخَضَعَ لَهُ فَقَدْ تَعَبَّدَ قَلْبَهُ لَهُ، بَلِ التَّعَبُّدُ آخِرُ مَراتِبِ الحُبِّ، ويُقالُ لَهُ التَّتَيُّمُ أيْضًا، فَإنَّ أوَّلَ مَراتِبِهِ العَلاقَةُ، وسُمِّيَتْ عَلاقَةً لِتَعَلُّقِ المُحِبِّ بِالمَحْبُوبِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وَعُلِّقْتُ لَيْلى وهْيَ ذاتُ تَمائِمِ ∗∗∗ ولَمْ يَبْدُ لِلْأتْرابِ مِن ثَدْيِها حَجْمُ
وَقالَ الآخَرُ:
؎أعَلاقَةٌ أُمَّ الوَلِيدِ بُعَيْدَ ما ∗∗∗ أفْنانُ رَأْسِكَ كالثِّغامِ المُخْلِسِ
ثُمَّ بَعْدَها الصَّبابَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْصِبابِ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَشَكّى المُحِبُّونَ الصَّبابَةَ لَيْتَنِي ∗∗∗ تَحَمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ مِن بَيْنِهِمْ وحْدِي
؎فَكانَتْ لِقَلْبِي لَذَّةُ الحُبِّ كُلُّها ∗∗∗ فَلَمْ يَلْقَها قَبْلِي مُحِبٌّ ولا بَعْدِي
ثُمَّ الغَرامُ، وهو لُزُومُ الحُبِّ لِلْقَلْبِ لُزُومًا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ غَرِيمًا؛ لِمُلازَمَتِهِ صاحِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
وَقَدْ أُولِعَ المُتَأخِّرُونَ بِاسْتِعْمالِ هَذا اللَّفْظِ في الحُبِّ، وقَلَّ أنْ تَجِدَهُ في أشْعارِ العَرَبِ.
ثُمَّ العِشْقُ وهو إفْراطُ المَحَبَّةِ، ولِهَذا لا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يُطْلَقُ في حَقِّهِ.
ثُمَّ الشَّوْقُ وهو سَفَرُ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ أحَثَّ السَّفَرِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُهُ في حَقِّ الرَّبِّ تَعالى كَما في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أنَّهُ صَلّى صَلاةً فَأوْجَزَ فِيها، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ أما إنِّي دَعَوْتُ فِيها بِدَعْواتٍ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَدْعُو بِهِنَّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ، في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ».
وَفِي أثَرٍ آخَرَ: " «طالَ شَوْقُ الأبْرارِ إلى لِقائِي، وأنا إلى لِقائِهِمْ أشَدُّ شَوْقًا» ".
وَهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ».
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ البَصائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].
لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ شِدَّةَ شَوْقِ أوْلِيائِهِ إلى لِقائِهِ، وأنَّ قُلُوبَهم لا تَهْتَدِي دُونَ لِقائِهِ، ضَرَبَ لَهم أجَلًا ومَوْعِدًا لِلِقائِهِ، وتَسْكُنُ نُفُوسُهم بِهِ، وأطْيَبُ العَيْشِ وألَذُّهُ عَلى الإطْلاقِ عَيْشُ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ المُسْتَأْنِسِينَ، فَحَياتُهم هي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ولا حَياةَ لِلْقَلْبِ أطْيَبَ ولا أنْعَمَ ولا أهْنَأ مِنها، وهي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
لَيْسَ المُرادُ مِنها الحَياةَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، والأبْرارِ والفُجّارِ، ومِن طِيبِ المَأْكَلِ والمَلْبَسِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ، بَلْ رُبَّما زادَ أعْداءُ اللَّهِ عَلى أوْلِيائِهِ في ذَلِكَ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ مَن عَمِلَ صالِحًا أنْ يُحْيِيَهُ حَياةً طَيِّبَةً، فَهو صادِقُ الوَعْدِ الَّذِي لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وأيُّ حَياةٍ أطْيَبُ مِن حَياةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ هُمُومُهُ كُلُّها وصارَتْ هَمًّا واحِدًا في مَرْضاةِ اللَّهِ؟ ولَمْ يَتَشَعَّبْ قَلْبُهُ، بَلْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ، واجْتَمَعَتْ إرادَتُهُ وأفْكارُهُ الَّتِي كانَتْ مُتَقَسِّمَةً بِكُلِّ وادٍ مِنها شُعْبَةٌ عَلى اللَّهِ، فَصارَ ذِكْرُهُ بِمَحْبُوبِهِ الأعْلى وحُبُّهُ والشَّوْقُ إلى لِقائِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ هو المُسْتَوْلِي عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ تَدُورُ هُمُومُهُ وإرادَتُهُ وقُصُودُهُ بِكُلِّ خَطَراتِ قَلْبِهِ، فَإنْ سَكَتَ سَكَتَ بِاللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِاللَّهِ، وإنْ سَمِعَ فَبِهِ يَسْمَعُ، وإنْ أبْصَرَ فَبِهِ يُبْصِرُ، وبِهِ يَبْطِشُ، وبِهِ يَمْشِي، وبِهِ يَسْكُنُ، وبِهِ يَحْيا، وبِهِ يَمُوتُ، وبِهِ يُبْعَثُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أنَّهُ قالَ: " «ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَمْشِي، ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أنا فاعِلُهُ، كَتَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأكْرَهُ مُساءَتَهُ ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ "».
فَتَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ الإلَهِيُّ - الَّذِي حَرامٌ عَلى غَلِيظِ الطَّبْعِ كَسِيفِ القَلْبِ فَهْمُ مَعْناهُ والمُرادُ بِهِ - حَصْرَ أسْبابِ مَحَبَّتِهِ في أمْرَيْنِ: أداءِ فَرائِضِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ.
وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أداءَ فَرائِضِهِ أحَبُّ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ المُتَقَرِّبُونَ، ثُمَّ بَعْدَها النَّوافِلُ، وأنَّ المُحِبَّ لا يَزالُ يُكْثِرُ مِنَ النَّوافِلِ حَتّى يَصِيرَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ، فَإذا صارَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ أوْجَبَتْ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ لَهُ مَحَبَّةً أُخْرى مِنهُ فَوْقَ المَحَبَّةِ الأُولى، فَشَغَلَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ قَلْبَهُ عَنِ الفِكْرَةِ والِاهْتِمامِ بِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، ومَلَكَتْ عَلَيْهِ رُوحَهُ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِ سِعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ ألْبَتَّةَ، فَصارَ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ وحُبُّهُ ومَثَلُهُ الأعْلى، ومالِكًا لِزِمامِ قَلْبِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلى رُوحِهِ اسْتِيلاءَ المَحْبُوبِ عَلى مَحَبَّةِ الصّادِقِ في مَحَبَّتِهِ، الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَتْ قُوى مَحَبَّةِ حُبِّهِ كُلُّها لَهُ.
وَلا رَيْبَ أنَّ هَذا المُحِبَّ إنْ سَمِعَ سَمِعَ بِمَحْبُوبِهِ، وإنْ أبْصَرَ أبْصَرَ بِهِ، وإنْ بَطَشَ بَطَشَ بِهِ، وإنْ مَشى مَشى بِهِ، فَهو في قَلْبِهِ ومَعَهُ وأنِيسُهُ وصاحِبُهُ، فالباءُ هاهُنا لِلْمُصاحَبَةِ، وهي مُصاحَبَةٌ لا نَظِيرَ لَها، ولا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الإخْبارِ عَنْها والعِلْمِ بِها، فالمَسْألَةُ حالِيَّةٌ لا عِلْمِيَّةٌ مَحْضَةٌ.
وَإذا كانَ المَخْلُوقُ يَجِدُ هَذا في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَها ولَمْ يُفْطَرْ عَلَيْها، كَما قالَ بَعْضُ المُحِبِّينَ:
؎خَيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي ∗∗∗ ومَثْواكَ في قَلْبِي فَأيْنَ تَغِيبُ
وَقالَ الآخَرُ:
؎وَمِن عَجَبٍ أنِّي أحِنُّ إلَيْهِمُ ∗∗∗ فَأسْألُ عَنْهم مَن لَقِيتُ وهم مَعِي
؎وَتَطْلُبُهم عَيْنِي وهم في سَوادِها ∗∗∗ ويَشْتاقُهم قَلْبِي وهم بَيْنَ أضْلُعِي
وَهَذا ألْطَفُ مِن قَوْلِ الآخَرِ:
؎إنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لا يُصَدِّقُنِي ∗∗∗ إذْ أنْتَ فِيهِ مَكانَ السِّرِّ لَمْ تَغِبِ
؎أوْ قُلْتُ ما غِبْتِ قالَ الطَّرْفُ ذا كَذِبٌ ∗∗∗ فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ
فَلَيْسَ شَيْءٌ أدْنى إلى المُحِبِّ مِن مَحْبُوبِهِ، ورُبَّما تَمَكَّنَتْ مِنهُ المَحَبَّةُ، حَتّى يَصِيرَ أدْنى إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، بِحَيْثُ يَنْسى نَفْسَهُ ولا يَنْساهُ، كَما قالَ:
؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ
وَخَصَّ في الحَدِيثِ السَّمْعَ والبَصَرَ واليَدَ والرِّجْلَ بِالذِّكْرِ، فَإنَّ هَذِهِ الآلاتِ آلاتُ الإدْراكِ وآلاتُ الفِعْلِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ يُورِدانِ عَلى القَلْبِ الإرادَةَ والكَراهَةَ، ويَجْلِبانِ إلَيْهِ الحُبَّ والبُغْضَ، فَيَسْتَعْمِلُ اليَدَ والرِّجْلَ، فَإذا كانَ سَمْعُ العَبْدِ بِاللَّهِ، وبَصَرُهُ بِاللَّهِ كانَ مَحْفُوظًا في آلاتِ إدْراكِهِ، وكانَ مَحْفُوظًا في حُبِّهِ وبُغْضِهِ، فَحُفِظَ في بَطْشِهِ ومَشْيِهِ.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ اكْتَفى بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ واليَدِ والرِّجْلِ عَنِ اللِّسانِ، فَإنَّهُ إذا كانَ إدْراكُ السَّمْعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ تارَةً، وبِغَيْرِ اخْتِيارِهِ تارَةً، وكَذَلِكَ البَصَرُ قَدْ يَقَعُ بِغَيْرِ الِاخْتِيارِ فَجْأةً، وكَذَلِكَ حَرَكَةُ اليَدِ والرِّجْلِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنهُما، فَكَيْفَ بِحَرَكَةِ اللِّسانِ الَّتِي لا تَقَعُ إلّا بِقَصْدٍ واخْتِيارٍ؟ وقَدْ يَسْتَغْنِي العَبْدُ عَنْها إلّا حَيْثُ أُمِرَ بِها.
وَأيْضًا فانْفِعالُ اللِّسانِ عَنِ القَلْبِ أتَمُّ مِنَ انْفِعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ تُرْجُمانُهُ ورَسُولُهُ.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ حَقَّقَ تَعالى كَوْنَ العَبْدِ بِهِ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وبَطْشُهُ ومَشْيُهُ بِقَوْلِهِ: " «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها» " تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ مَعَ عَبْدِهِ، وكَوْنِ عَبْدِهِ في إدْراكاتِهِ، بِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وحَرَكاتِهِ بِيَدَيْهِ ورِجْلِهِ.
وَتَأمَّلْ كَيْفَ قالَ: " فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ " ولَمْ يَقُلْ: فَلِي يَسْمَعُ، ولِي يُبْصِرُ، ورُبَّما يَظُنُّ الظَّنّانُ أنَّ اللّامَ أوْلى بِهَذا المَوْضِعِ، إذْ هي أدَلُّ عَلى الغايَةِ، ووُقُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ لِلَّهِ، وذَلِكَ أخَصُّ مِن وُقُوعِها بِهِ، وهَذا مِنَ الوَهْمِ والغَلَطِ، إذْ لَيْسَتِ الباءُ هاهُنا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعانَةِ، فَإنَّ حَرَكاتِ الأبْرارِ والفُجّارِ وإدْراكاتِهِمْ إنَّما هي بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وإنَّ الباءَ هاهُنا لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: إنَّما يَسْمَعُ ويُبْصِرُ ويَبْطِشُ ويَمْشِي وأنا صاحِبُهُ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ الآخَرِ: " «أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ» " وهَذِهِ هي المَعِيَّةُ الخاصَّةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠].
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
وَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وَقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
وَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦].
فَهَذِهِ الباءُ مُفِيدَةٌ لِمَعْنى هَذِهِ المَعِيَّةِ دُونَ اللّامِ، ولا يَتَأتّى لِلْعَبْدِ الإخْلاصُ والصَّبْرُ والتَّوَكُّلُ، ونُزُولُهُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ إلّا بِهَذِهِ الباءِ وهَذِهِ المَعِيَّةِ.
فَمَتى كانَ العَبْدُ بِاللَّهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَشاقُّ، وانْقَلَبَتِ المَخاوِفُ في حَقِّهِ، فَبِاللَّهِ يَهُونُ كُلُّ صَعْبٍ، ويَسْهُلُ كُلُّ عَسِيرٍ، ويَقْرُبُ كُلُّ بَعِيدٍ، وبِاللَّهِ تَزُولُ الهُمُومُ والغُمُومُ والأحْزانُ، فَلا هَمَّ مَعَ اللَّهِ، ولا غَمَّ ولا حَزَنَ إلّا حَيْثُ يُفَوِّتُهُ العَبْدُ مَعْنى هَذِهِ الباءِ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ حِينَئِذٍ كالحُوتِ، إذا فارَقَ الماءَ يَثِبُ ويَنْقَلِبُ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِ.
وَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُوافَقَةُ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ في مَحابِّهِ؛ حَصَلَتْ مُوافَقَةُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ في حَوائِجِهِ ومَطالِبِهِ، فَقالَ:
«وَلَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
أيْ: كَما وافَقَنِي في مُرادِي بِامْتِثالِ أوامِرِي والتَّقَرُّبِ بِمَحابِّي، فَأنا أُوافِقُهُ في رَغْبَتِهِ ورَهْبَتِهِ فِيما يَسْألُنِي أنْ أفْعَلَهُ بِهِ، ويَسْتَعِيذُنِي أنْ يَنالَهُ، وقَوِيَ أمْرُ هَذِهِ المُوافَقَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ حَتّى اقْتَضى تَرَدُّدَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ
فِي إماتَةِ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ يَكْرَهُ المَوْتَ، والرَّبُّ تَعالى يَكْرَهُ ما يَكْرَهُهُ عَبْدُهُ، ويَكْرَهُ مُساءَتَهُ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ يَقْتَضِي أنْ لا يُمِيتَهُ ولَكِنَّ مَصْلَحَتَهُ في إماتَتِهِ، فَإنَّهُ ما أماتَهُ إلّا لِيُحْيِيَهُ، ولا أمْرَضَهُ إلّا لِيُصِحَّهُ، ولا أفْقَرَهُ إلّا لِيُغْنِيَهُ، ولا مَنَعَهُ إلّا لِيُعْطِيَهُ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنَ الجَنَّةِ في صُلْبِ أبِيهِ إلّا لِيُعِيدَهُ إلَيْها عَلى أحْسَنِ أحْوالِهِ، ولَمْ يَقُلْ لِأبِيهِ اخْرُجْ مِنها إلّا وهو يُرِيدُ أنْ يُعِيدَهُ إلَيْها، فَهَذا هو الحَبِيبُ عَلى الحَقِيقَةِ لا سِواهُ، بَلْ لَوْ كانَ في كُلِّ مَنبَتِ شَعْرَةٍ مِنَ العَبْدِ مَحَبَّةٌ تامَّةٌ لِلَّهِ، لَكانَ بَعْضُ ما يَسْتَحِقُّهُ عَلى عَبْدِهِ.
؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ
؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ
* [فَصْلٌ: آخِرُ مَراتِبِ الحُبِّ]
ثُمَّ التَّتَيُّمُ، وهو آخِرُ مَراتِبِ الحُبِّ، وهو تَعَبُّدُ المُحِبِّ لِمَحْبُوبِهِ، يُقالُ تَيَّمَهُ الحُبُّ، إذا عَبَّدَهُ، ومِنهُ: تَيْمُ اللَّهِ، أيْ عَبْدُ اللَّهِ، وحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ لِلْمَحْبُوبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، قَدْ ذَلَّلَتْهُ الأقْدامُ، فالعَبْدُ هو الَّذِي ذَلَّلَهُ الحُبُّ والخُضُوعُ لِمَحْبُوبِهِ، ولِهَذا كانْتَ أشْرَفُ أحْوالِ العَبْدِ ومَقاماتِهِ في العُبُودِيَّةِ، فَلا مَنزِلَ لَهُ أشْرَفُ مِنها.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمَ الخَلْقِ عَلَيْهِ وأحَبَّهم إلَيْهِ، وهو رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، وهي مَقامُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ومَقامُ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ، ومَقامُ الإسْراءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].
وَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
وَقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١].
حَدِيثُ الشَّفاعَةِ: «اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ»، فَنالَ مَقامَ الشَّفاعَةِ بِكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي هي أكْمَلُ أنْواعِ المَحَبَّةِ مَعَ أكْمَلِ أنْواعِ الخُضُوعِ، وهَذا هو حَقِيقَةُ الإسْلامِ ومِلَّةُ إبْراهِيمَ الَّتِي مَن رَغِبَ عَنْها فَقَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، قالَ تَعالى:
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ - إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ - ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠-١٣٣].
وَلِهَذا كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ الشِّرْكُ.
[الشِّرْكُ في المَحَبَّةِ]
وَأصْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، والإشْراكِ في المَحَبَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُشْرِكُ بِهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، وأخْبَرَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِن أصْحابِ الأنْدادِ لِأنْدادِهِمْ.
وَقِيلَ: بَلِ المَعْنى أنَّهم أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، فَإنَّهم وإنْ أحَبُّوا اللَّهَ، لَكِنْ لَمّا شَرِكُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْدادِهِمْ في المَحَبَّةِ ضَعُفَتْ مَحَبَّتُهم لِلَّهِ، والمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ لَمّا خَلُصَتْ مَحَبَّتُهم لَهُ كانَتْ أشَدَّ مِن مَحَبَّةِ أُولَئِكَ، والعَدْلُ بِرَبِّ العالَمِينَ، والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْدادِ هو في هَذِهِ المَحَبَّةِ، كَما تَقَدَّمَ.
وَلَمّا كانَ مُرادُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ خُلُوصَ هَذِهِ المَحَبَّةِ لَهُ، أنْكَرَ عَلى مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا أوْ شَفِيعًا غايَةَ الإنْكارِ، وجَمْعُ ذَلِكَ تارَةً، وإفْرادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
وَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤].
وَقالَ في الإفْرادِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤].
وَقالَ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].
وَقالَ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠].
فَإذا والى العَبْدُ رَبَّهُ وحْدَهُ أقامَ لَهُ الشُّفَعاءَ، وعَقَدَ المُوالاةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فَصارُوا أوْلِياءَهُ في اللَّهِ، بِخِلافِ مَنِ اتَّخَذَ مَخْلُوقًا ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ.
فَهَذا لَوْنٌ وذاكَ لَوْنٌ، كَما أنَّ الشَّفاعَةَ الشَّرِكِيَّةَ الباطِلَةَ لَوْنٌ، والشَّفاعَةَ الحَقَّ الثّابِتَةَ الَّتِي إنَّما تُنالُ بِالتَّوْحِيدِ لَوْنٌ، وهَذا مَوْضِعُ فُرْقانٍ بَيْنَ أهْلِ التَّوْحِيدِ وأهْلِ الإشْراكِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
والمَقْصُودُ: أنَّ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ لا تَحْصُلُ مَعَ الإشْراكِ بِاللَّهِ في المَحَبَّةِ، بِخِلافِ المَحَبَّةِ لِلَّهِ، فَإنَّها مِن لَوازِمِ العُبُودِيَّةِ ومُوجِباتِها، فَإنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ - بَلْ تَقْدِيمُهُ في الحُبِّ عَلى الأنْفُسِ والآباءِ والأبْناءِ - لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها، إذْ مَحَبَّتُهُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ كَلُّ حُبٍّ في اللَّهِ ولِلَّهِ، كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ».
وَفِي لَفْظٍ في الصَّحِيحَيْنِ: «لا يَجِدُ حَلاوَةَ الإيمانِ إلّا مَن كانَ فِيهِ ثَلاثُ خِصالٍ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَرْجِعَ في الكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النّارِ».
وَفِي الحَدِيثِ الَّذِي في السُّنَنِ: «مَن أحَبَّ لِلَّهِ، وأبْغَضَ لِلَّهِ، وأعْطى لِلَّهِ، ومَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ».
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «ما تَحابَّ رَجُلانِ في اللَّهِ إلّا كانَ أفْضَلُهُما أشَدَّهُما حُبًّا لِصاحِبِهِ».
فَإنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ مِن لَوازِمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ومُوجِباتِها، وكُلَّما كانَتْ أقْوى كانَ أصْلُها كَذَلِكَ.
* [فَصْلٌ]
لما كان الإنسان؛ بل وكل حي متحرك بالإرادة، لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطريق وسبب يوصل إليه، معين عليه، وتارة يكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحي مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في حصول مراده.
والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثاني: ما هو مراد لغيره.
والمستعان قسمان؛ أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثاني: ما هو تبع له وآلة.
فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان بنفسه.
فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وينتهي إليه محبته. ولا بد له من شيء يتوصل به؛ ويستعين به في حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسئول، والعبادة والاستعانة كثيرا ما يتلازمان، فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ومنفعته ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به، ويستعين بغيره عليه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به، فاجتمع له محبته والاستعانة به.
فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه.
فهذا أعلى الأقسام، وليس ذلك إلا لله وحده. وكل ما سواه فإنما ينبغي أن يحب تبعا لمحبته، ويستعان به لكونه آلة وسببا.
الثاني: محبوب لغيره ومستعان به أيضًا، كالمحبوب الذي هو قادر على تحصيل غرض محبه
الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره
الرابع: مستعان به غير محبوب في نفسه.
فإذا عرف ذلك تبين مَن أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة، وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان وعليه التكلان.
* [فَصْلٌ: المَشْهَدُ السّادِسُ مَشْهَدُ التَّوْحِيدِ]
وَهُوَ أنْ يَشْهَدَ انْفِرادَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى بِالخَلْقِ والحُكْمِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّهُ لا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ، وأنَّ الخَلْقَ مَقْهُورُونَ تَحْتَ قَبْضَتِهِ، وأنَّهُ ما مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبِعَيْنِ مِن أصابِعِهِ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ، فالقُلُوبُ بِيَدِهِ، وهو مُقَلِّبُها ومُصَرِّفُها كَيْفَ شاءَ وكَيْفَ أرادَ، وأنَّهُ هو الَّذِي آتى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ تَقْواها، وهو الَّذِي هَداها وزَكّاها، وألْهَمَ نُفُوسَ الفُجّارِ فُجُورَها وأشْقاها، مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، يَهْدِي مَن يَشاءُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، هَذا فَضْلُهُ وعَطاؤُهُ، وما فَضْلُ الكَرِيمِ بِمَمْنُونٍ، وهَذا عَدْلُهُ وقَضاؤُهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإيمانُ بِالقَدَرِ نِظامُ التَّوْحِيدِ، فَمَن كَذَّبَ بِالقَدَرِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ، ومَن آمَنَ بِالقَدَرِ صَدَّقَ إيمانُهُ تَوْحِيدَهُ.
وَفِي هَذا المَشْهَدِ يَتَحَقَّقُ لِلْعَبْدِ مَقامُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عِلْمًا وحالًا، فَيَثْبُتُ قَدَمُ العَبْدِ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ يَرْقى مِنهُ صاعِدًا إلى تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّهُ إذا تَيَقَّنَ أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ، والعَطاءَ والمَنعَ، والهُدى والضَّلالَ، والسَّعادَةَ والشَّقاءَ كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، وأنَّهُ الَّذِي يُقَلِّبُ القُلُوبَ، ويُصَرِّفُها كَيْفَ يَشاءُ، وأنَّهُ لا مُوَفَّقَ إلّا مَن وفَّقَهُ وأعانَهُ، ولا مَخْذُولَ إلّا مَن خَذَلَهُ وأهانَهُ وتَخَلّى عَنْهُ، وأنَّ أصَحَّ القُلُوبِ وأسْلَمَها وأقْوَمَها، وأرَقَّها وأصْفاها، وأشَدَّها وألْيَنَها مَنِ اتَّخَذَهُ وحْدَهُ إلَهًا ومَعْبُودًا، فَكانَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن كُلِّ ما سِواهُ، وأخْوَفَ عِنْدَهُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، وأرْجى لَهُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، فَتَتَقَدَّمُ مَحَبَّتُهُ في قَلْبِهِ جَمِيعَ المَحابِّ، فَتَنْساقُ المَحابُّ تَبَعًا لَها كَما يَنْساقُ الجَيْشُ تَبَعًا لِلسُّلْطانِ، ويَتَقَدَّمُ خَوْفُهُ في قَلْبِهِ جَمِيعَ المُخَوِّفاتِ، فَتَنْساقُ المَخاوِفُ كُلُّها تَبَعًا لِخَوْفِهِ، ويَتَقَدَّمُ رَجاؤُهُ في قَلْبِهِ جَمِيعَ الرَّجاءِ، فَيَنْساقُ كُلُّ رَجاءٍ تَبَعًا لِرَجائِهِ.
فَهَذا عَلامَةُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ في هَذا القَلْبِ، والبابُ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِ مِنهُ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، أيْ بابُ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ هو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ.
* [فصل: في أنه لا سعادة للقلب، ولا لذة، ولا نعيم، ولا صلاح إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده، وهو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه]
معلوم أن كل حَيّ سوى الله سبحانه: من ملك أو إنس أو جن أو حيوان، فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ولا يتم ذلك له إلا بتصوره للنافع والضار، والمنفعة من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب.
فلا بد له من أمرين: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذي ينتفع به ويلتذ بإدراكه، والثاني: معرفة المعين الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ذلك أمران آخران، أحدهما: مكروه بغيض ضار، والثاني: معين دافع له عنه، فهذه أربعة أشياء:
أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود.
الثاني: أمر مكروه مطلوب العدم.
الثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب.
الرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.
فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حيوان لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها.
فإذا تقرر ذلك، فالله تعالى هو الذي يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، الذي يراد وجهه، ويُبتغى قربه، ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ذلك. وعبودية ما سواه والالتفات إليه، والتعلق به: هو المكروه الضار، والله هو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه.
فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له. والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته، وهو المعين لعبده على دفعه عنه، كما قال أعرف الخلق به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أعُوذ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ" وقال: "اللهُمَّ إنِّي أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، ووَجَّهْتُ وجْهِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وألْجأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلا إلَيْكَ".
فمنه المنجى، وإليه الملجأ، وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته، فالإعاذة فعله، والمستعاذ منه فعله، أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته.
فالأمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخير كله في يديه، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه كل أحد من خلقه.
ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب.
فالأول: من معنى ألوهيته، والثاني: من معنى ربوبيته، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب: محبة، وإنابة، وإجلالا، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، وخوفا ورجاء، وتوكلا. والرب تعالى هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى مصالحه فلا إله إلا هو ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل، فكذلك إلهية ما سواه.
وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله:
﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله عن نبيه شعيب ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] وقوله ﴿وَتَوَكّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بحمدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] وقوله: ﴿وَتَبَتّلْ إلَيْهِ تَبْتيلًا رَبُّ المشْرِقِ والمغْرِبِ لا إلهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٨-٩] وقوله ﴿قُلْ هو رَبّي لاَ إلهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] وقوله عن الحنفاءِ أتباع إبراهيم عليه لسلام ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المصِيُر﴾ [الممتحنة: ٤].
فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيي التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما ألبتة.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته، والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم، فلا يعطيهم في الآخرة شيئا خيرًا لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم، ولا أنعم لقلوبهم: من النظر إليه، وسماع كلامه منه بلا واسطة. ولم يعطهم في الدنيا شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره.
وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي والإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه وغيرهم، من حديث عمار ابن ياسر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدعو به "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينى ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين".
فجمع في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقائه سبحانه، وأطيب شيء في الآخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه.
ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا. ويفتن في الدين قال: "فى غير ضرّاء مضرة ولا فتنة مضلة".
ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبعا له معلمًا لغيره، مرشدا له قال:
"واجْعَلْنا هُداةً مهتدينَ".
ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لا قبله، فإن ذلك عزم على الرضى، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم، سأل الرضى بعده، فإن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه. فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما، كما في المسند وغيره عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله تعالى".
ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير في المشهد والمغيب، سأله خشيته في الغيب والشهادة.
ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق في رضاه، فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل، وقد يدخله أيضًا رضاه في الباطل، سأل الله عز وجل من توفيقه لكلمة الحق في الغضب والرضى. ولهذا قال بعض السلف: لا تكن ممن إذا رضى أدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق.
ولما كان الفقر والغنى محنتين وبليتين، يبتلى الله بهما عبده. ففى الغنى يبسط يده، وفي الفقر يقبضها، سأل الله عز وجل القصد في الحالين، وهو التوسط الذي ليس معه إسراف ولا تقتير.
ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن، ونوعا للقلب، وهو قرة العين، وكماله بدوامه واستمراره، جمع بينهما في قوله "أسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع".
ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب، وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا، وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العقبى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: "زيِّنا بِزِينَةِ الإيمانِ".
ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان، بل هو محشو بالغصص والنكد، ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة، سأل برد العيش بعد الموت.
والمقصود: أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وأطيب ما في الآخرة.
فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه وتألههم له، كحاجتهم إليه في خلقه لهم، ورزقه إياهم، ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وتأمين روعاتهم، بل حاجتهم إلى تألهه ومحبته وعبوديته أعظم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم. ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال
ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس الأمر، وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم، فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم، كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار"، ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم، كما أن في ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه، فليس في الكائنات شيء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه، ويطمئن به ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة، فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه.
الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به، ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس، فيقاس بها، ولكن بينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، وهو كادح إليه كدحا فملاقيه، ولا بد له من لقائه، ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه، ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في حال، وبهذا في حال، وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فلا بد له منه في كل وقت وفي كل حال، وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ودلت عليه السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان، وبُخِس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة، لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان، كما في مقالات من بُخِسَ حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان، وفرح بما عنده من زبَدَ الأفكار وزُبالة الأذهان، بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان، وأفضل لذة للروح والقلب والجنان، وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشأن، والله المستعان، وعليه التكلان.
وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا في بعضها، لأسباب اقتضته لابد منها، هي من لوازم هذه النشأة.
فأوامره سبحانه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم هي قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لمِا في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحمةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفضْلِ اللهِ وبِرحمتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيٌر مِمّا يجمعُونَ﴾ [يونس: ٥٧-٥٨].
قال أبو سعيد الخدري "فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله" وقال هلال بن يساف "بالإسلام الذي هداكم إليه. وبالقرآن الذي علمكم إياه، هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضة" وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة "فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن" وقالت طائفة من السلف "فضله: القرآن، ورحمته: الإسلام".
والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢].
والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما.
فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله:
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢].
قيل: نعم، إنما جاء ذلك في جانب النفي، ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط، بل سماها روحا ونورا، وشفاء وهدى ورحمة، وحياة، وعهدا، ووصية، ونحو ذلك.
الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع خطابه، كما في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويُجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" وفي حديث آخر: "فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه" فبين النبيّ عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين، فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة. ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: ﴿كَلاَّ إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لمَحْجُوبُونَ ثُم إنَّهم لَصالُوا الجحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦].
فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة. ونعيم التمتع برؤيته، وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة فقال في حق الأبرار:
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢،: ٢٣].
ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون.
﴿ثُمَّ إنّهم لَصالُوا الجحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦].
وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم، بضده في القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم: ﴿وَإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] فقال تعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم، ثم قال: فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم:
﴿إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢].
فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم والإطلاق، ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك، خصوصا أو عموما.
وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم.
الوجه الخامس: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله، قال الله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الَحْكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] وقال تعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُردْكَ بِخَيْر فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] وقال تعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]. وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِِّ عَنى شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] وقال تعالى: ﴿يا أيها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣] وقال تعالى: ﴿أمَّنْ هذا الّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمنِ إنِ الكافِرُونَ إلاَّ في غُرُورٍ أمَّنْ هذا الّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢٠-٢١].
فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره، ويجلب له منافعه برزقه، فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذي ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه:
"أدْرِكْ لِى لَطِيفَ الفِطْنَةِ، وخَفِي اللُّطْفِ، فَإنِّي أُحِبُّ ذلِكَ. قالَ: يا رب وما لَطِيفُ الفِطْنَةِ؟ قالَ: إنْ وقَعَتْ عَلَيْكَ ذُبابَةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا أوْقَعْتُها فاسْألْنِي أرْفَعْها. قالَ: وما خَفِيُّ اللُّطْفِ؟ قالَ: إذا أتَتْكَ حَبَّةٌ فاعْلَمْ أنِّي أنا ذَكَرْتُكَ بِها" وقد قال تعالى عن السحرة: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فهو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال الله تعالى في بعض كتبه:
"بِعِزَّتى، إنّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِى، فَإنْ كادَتْهُ السَّمواتُ بِمَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ بِمَن فِيهِنَّ، فَإنِّي أجْعَلُ لَهُ مِن ذلِكَ مَخْرَجًا، ومَن لَمْ يَعْتَصِمْ بِى، فَإنِّي أقْطَعُ يَدَيْهِ مِن أسْبابِ السَّماءِ وأخْسِفُ بِهِ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأرْضَ، فَأجْعَلُهُ في الهَواءِ، ثُمَّ أكِلُهُ إلى نَفْسِهِ، كَفِّى لِعَبْدِي مَلأى، إذا كانَ عَبْدِي في طاعَتِي أعْطِيِه قَبْلَ أنْ يَسْألَنى، وأسْتَجِيبُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَنِي، فإنِّي أعْلَمُ بِحاجَتِهِ الَّتى تَرْفُقُ بِهِ مِنهُ".
قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثنى حديثا أحفظه عنك في مقامى هذا وأوجز، قال نعم:
"أوْحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى داوُدَ: يا داوُدُ، أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بِي عَبْدٌ مِن عَبِيدِي دُونَ خَلْقِي - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيتهِ - فَتَكِيدُهُ السَّمواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ إلا جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِهنَّ مَخْرَجا؛ أما وعِزَّتِي وعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِن عِبادِي بِمَخْلُوقٍ دُونى - أعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيَّتِهَ - إلا قَطَعْتُ أسبابَ السَّماءِ مِن يدِه، وأسَخْتُ الأرْضَ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ثُم لا أُبالِى بِأيِّ وادٍ هَلَكَ".
وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله. ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده
بهذا الوجه إلى الوجه الأول، وهذا الوجه يقتضي التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضا: محبته وعبادته، لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول.
ونظير ذلك: من ينزل به بلاء عظيم، أو فاقة شديدة، أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله سبحانه ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به، والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه، ويشتاق إليه، وفي نحو ذلك قال القائل:
؎جَزى اللهُ يَوْمَ الرَّوْعِ خَيْرًا، فَإنَّه ∗∗∗ أرانا عَلى عِلاتِهِ أمَّ ثابِتِ
؎أرانا مَصُوناتِ اْلحِجابِ، ولَمْ نَكُنْ ∗∗∗ نَراهنَّ إلا عِنْدَ نَعْتِ النَّواعِتِ
الوجه السادس: أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه، إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته، غير مستعين به على طاعته، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك، ولو أحب سوى الله ما أحب، فلا بد أن يسلبه ويفارقه، فإن أحبه لغير الله فلا بد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه، إما في الدنيا وإما في الآخرة، والغالب أنه يعذب به في الدارين، قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥].
وقال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهُم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥].
الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمله منه، فلا بد أن يخذل من الجهة التي قدر أن ينصر منها، ويذم من حيث قدر أن يحمد، وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزا كَلا سيَكْفُرُونَ بِعِبادَتهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدا﴾ [مريم: ٨١-٨٢] وقال تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلّهم يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥].
أي يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه، وهم لا يستطيعون نصرهم، بل هم كَل عليهم. وقال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولِكنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. أي غير تخسير، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]
وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخذلان والذم.
والمقصود: أن هذين الوجهين في المخلوق وضدهما في الخالق سبحانه. فصلاح القلب
وسعادته وفلاحه في عبادة الله تعالى والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به.
الوجه الثامن: أن الله سبحانه غني كريم، عزيز رحيم. فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعه إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه قوة، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ منْهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ إنّ اللهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨]
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الحمْدُ لِلَّهِ الّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في الملْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِى مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
فهو سبحانه لا يوالي من يواليه من الذل، كما يوالي المخلوق المخلوق، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز وجل: ﴿واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨].
الوجه التاسع: أن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك، حتى يقدره الله تعالى عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة. فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه، وهو الذي بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكلا وعبودية: ضرر محض، لا منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذي قدرها ويسرها وأوصلها إليك.
الوجه العاشر: أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك، وإن أضر ذلك بدينك ودنياك، فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك، والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، فكيف تعلق أملك ورجاءك، وخوفك بغيره؟ وجماع هذا أن تعلم:
"أنَّ الَخلْقَ كُلّهم لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعالى لَكَ، ولَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهم عَلى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلَيْكَ" قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَولانا وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
jazairi — أيسر التفاسير
شرح الكلمات:
إياك: ضمير نصب يخاطب به الواحد.
نعبد: نطيع ما غاية الذل لك والتعظيم والحب.
نستعين: نطلب عونك لنا على طاعتك.
معنى الآية:
علَّمنا الله تعالى كيف نتوسل إليه في قبول دعائنا فقال احمدوا الله واثنوا عليه ومجدوه، والتزموا له بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به وتستعينوه ولا تستعينوا بغيره.
هداية الآية:
من هداية هذه الآية ما يلي:
١- آداب الدعاء حيث يقدم السائل بين يدى دعائه حمد الله والثناء عليه وتمجيده. وزادت السنة الصلاة على النبيّ ﷺ، ثم يسأل حاجته فإنه يستجاب له.
٢- أن لا يعبد غير ربه. وأن لا يستعينه إلاّ هو سبحانه وتعالى.
katheer — تفسير القرآن العظيم
[قَرَأَ السَّبْعَةُ وَالْجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ ﴿إِيَّاكَ﴾ وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ فَايِدٍ بِتَخْفِيفِهَا مَعَ الْكَسْرِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ "إِيَّا" ضَوْءُ الشَّمْسِ. وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "أَيَّاكَ" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "هَيَّاكَ" بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَهَيَّاكَ وَالْأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَرَاحَبَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهُ
وَ ﴿نَسْتَعِينُ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ أَوَّلَ الْكَلِمَةِ فِي قِرَاءَةِ الْجَمِيعِ سِوَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشِ فَإِنَّهُمَا كَسَرَاهَا وَهِيَ لُغَةُ بَنِي أَسَدٍ وَرَبِيعَةَ وَبَنِي تَمِيمٍ وَقَيْسٍ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] . الْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الذِّلَّةِ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبّد، وَبَعِيرٌ مُعَبّد، أَيْ: مُذَلَّلٌ، وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَمَّا يَجْمَعُ كَمَالَ الْمَحَبَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالْخَوْفِ.
وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ وَهُوَ ﴿إِيَّاكَ﴾ ، وَكُرِّرَ؛ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ، أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ. وَالدِّينُ يَرْجِعُ كُلُّهُ [[في ؟ط: "كله يرجع".]] إِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥] فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ والقوة، والتفويض
إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هُودٍ: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الْمُلْكِ: ٢٩] ﴿رَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٩] ، وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وَتَحَوُّلُ الْكَلَامِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُوَاجَهَةِ بِكَافِ الْخِطَابِ، وَهُوَ مُنَاسَبَةٌ [[في جـ، ط: "مناسب".]] ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّهِ فَكَأَنَّهُ اقْتَرَبَ وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ الْحُسْنَى، وَإِرْشَادٌ لِعِبَادِهِ بِأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦) وصحيح مسلم برقم (٣٩٤) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى الحُرَقَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٢] قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٣] قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٦، ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[صحيح مسلم برقم (٣٩٥) .]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَعْنِي: إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُو يَا رَبَّنَا لَا غَيْرَكَ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أَمْرِكُمْ.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَالِاهْتِمَامُ وَالْحَزْمُ هُوَ أَنْ يُقَدَّمَ [[في جـ، ط، ب: "والحزم تقديم".]] مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى النُّونِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَإِنْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ فَالدَّاعِي وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّعْظِيمِ فَلَا تُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ؟ وَقَدْ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ جِنْسِ الْعِبَادِ وَالْمُصَلِّي فَرْدٌ مِنْهُمْ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ إِمَامَهُمْ، فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ إِخْوَانِهِ [[في أ، و: "إخوته".]] الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي خُلِقُوا لِأَجْلِهَا [[في و: "من أجلها".]] ، وَتَوَسَّطَ لَهُمْ بِخَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ، كَأَنَّ الْعَبْدَ قِيلَ لَهُ: إِذَا كُنْتَ فِي الْعِبَادَةِ فَأَنْتَ شَرِيفٌ وَجَاهُكَ عَرِيضٌ فَقُلْ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وَإِذَا كُنْتَ خَارِجَ الْعِبَادَةِ فَلَا تَقُلْ: نَحْنُ وَلَا فَعَلْنَا، وَلَوْ كُنْتَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ أَلْفِ أَلْفٍ لِافْتِقَارِ الْجَمِيعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَلْطَفُ فِي التَّوَاضُعِ مِنْ إِيَّاكَ أَعْبُدُ، لِمَا فِي الثَّانِي من تعظيمه نفسه
مِنْ جَعْلِهِ نَفْسَهُ وَحْدَهُ أَهْلًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْبُدَهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَلَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْعِبَادَةُ مَقَامٌ عَظِيمٌ [[في أ: "شريف".]] يَشْرُفُ بِهِ الْعَبْدُ لِانْتِسَابِهِ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ رَسُولَهُ بِعَبْدِهِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ [فَقَالَ] [[زيادة من و.]] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الْكَهْفِ: ١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الْجِنِّ: ١٩] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١] فَسَمَّاهُ عَبْدًا عِنْدَ إِنْزَالِهِ عَلَيْهِ وَقِيَامِهِ فِي الدَّعْوَةِ وَإِسْرَائِهِ بِهِ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٧-٩٩] .
وَقَدْ حَكَى فَخْرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ مَقَامَ الْعُبُودِيَّةِ أَشْرَفُ مِنْ مَقَامِ الرِّسَالَةِ؛ لِكَوْنِ الْعِبَادَةِ تَصْدُرُ [[في أ، و: "تصرفه".]] مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ وَالرِّسَالَةُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ؛ قَالَ: وَلِأَنَّ اللَّهَ مُتَوَلِّي مَصَالِحِ عَبْدِهِ، وَالرَّسُولُ مُتَوَلِّي مَصَالِحِ أُمَّتِهِ [[في أ: "العبد".]] وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ، وَالتَّوْجِيهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَا حَاصِلَ لَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ بِتَضْعِيفٍ وَلَا رَدَّهُ. وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: الْعِبَادَةُ إِمَّا لِتَحْصِيلِ ثَوَابٍ وَرَدِّ عِقَابٍ؛ قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ إِذْ مَقْصُودُهُ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ، وَإِمَّا لِلتَّشْرِيفِ بِتَكَالِيفِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا -أَيْضًا-عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ، بَلِ الْعَالِي أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْكَمَالِ، قَالُوا: وَلِهَذَا يَقُولُ الْمُصَلِّي: أُصَلِّي لِلَّهِ، وَلَوْ كَانَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ وَدَرْءِ [[في أ: "ورده".]] الْعَذَابِ لَبَطُلَتْ صَلَاتُهُ. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ وَقَالُوا: كَوْنُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يُنَافِي أَنْ يَطْلُبَ مَعَهَا ثَوَابًا، وَلَا أَنْ يَدْفَعَ عَذَابًا، كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ: أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ إِنَّمَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ" [[رواه أحمد في المسند (٣/٤٧٤) وأبو داود في السنن برقم (٧٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (٥١٤) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
katheer
قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من إياك وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر وهي قراءة شاذة مردودة ؛ لأن إيا ضوء الشمس . وقرأ بعضهم : أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء ، وقرأ بعضهم : هياك بالهاء بدل الهمزة ، كما قال الشاعر :
فهياك والأمر الذي إن تراحبت موارده ضاقت عليك مصادره
و نستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس ] . العبادة في اللغة من الذلة ، يقال : طريق معبد ، وبعير معبد ، أي : مذلل ، وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف .
وقدم المفعول وهو إياك ، وكرر ؛ للاهتمام والحصر ، أي : لا نعبد إلا إياك ، ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة . والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين ، وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة :
( إياك نعبد وإياك نستعين )
[ الفاتحة : 5 ]
فالأول تبرؤ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة ، والتفويض إلى الله عز وجل . وهذا المعنى في غير آية من القرآن ، كما قال تعالى :
( فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون )
[ هود : 123 ]
قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا )
[ الملك : 29 ]
رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا )
[ المزمل : 9 ]
، وكذلك هذه الآية الكريمة : ( إياك نعبد وإياك نستعين .
وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب ، وهو مناسبة ، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى ؛ فلهذا قال :
( إياك نعبد وإياك نستعين وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى ، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك ؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك ، وهو قادر عليه ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . وفي صحيح مسلم ، من حديث العلاء بن عبد الرحمن ، مولى الحرقة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، إذا قال العبد : ( الحمد لله رب العالمين )
[ الفاتحة : 2 ]
قال : حمدني عبدي ، وإذا قال :
( الرحمن الرحيم )
[ الفاتحة : 3 ]
قال : أثنى علي عبدي ، فإذا قال :
( مالك يوم الدين )
[ الفاتحة : 4 ]
قال الله : مجدني عبدي ، وإذا قال :
( إياك نعبد وإياك نستعين )
[ الفاتحة : 5 ]
قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
[ الفاتحة : 6 ، 7 ]
قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إياك نعبد يعني : إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها .
وقال قتادة : إياك نعبد وإياك نستعين يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم .
وإنما قدم : ( إياك نعبد على وإياك نستعين لأن العبادة له هي المقصودة ، والاستعانة وسيلة إليها ، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم ، والله أعلم .
فإن قيل : فما معنى النون في قوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين فإن كانت للجمع فالداعي واحد ، وإن كانت للتعظيم فلا تناسب هذا المقام ؟ وقد أجيب : بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم ، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم ، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها ، وتوسط لهم بخير ، ومنهم من قال : يجوز أن تكون للتعظيم ، كأن العبد قيل له : إذا كنت في العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ، وإذا كنت خارج العبادة فلا تقل : نحن ولا فعلنا ، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لافتقار الجميع إلى الله عز وجل . ومنهم من قال : ألطف في التواضع من إياك أعبد ، لما في الثاني من تعظيمه نفسه من جعله نفسه وحده أهلا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته ، ولا يثني عليه كما يليق به ، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى ، كما قال بعضهم :
لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته
[ فقال ]
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب )
[ الكهف : 1 ]
وأنه لما قام عبد الله يدعوه )
[ الجن : 19 ]
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا )
[ الإسراء : 1 ]
فسماه عبدا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به ، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين له ، حيث يقول :
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )
[ الحجر : 97 - 99 ]
.
وقد حكى فخر الدين في تفسيره عن بعضهم : أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة ؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق والرسالة من الحق إلى الخلق ؛ قال : ولأن الله متولي مصالح عبده ، والرسول متولي مصالح أمته وهذا القول خطأ ، والتوجيه أيضا ضعيف لا حاصل له ، ولم يتعرض له فخر الدين بتضعيف ولا رده . وقال بعض الصوفية : العبادة إما لتحصيل ثواب ورد عقاب ؛ قالوا : وهذا ليس بطائل إذ مقصوده تحصيل مقصوده ، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى ، وهذا - أيضا - عندهم ضعيف ، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال ، قالوا : ولهذا يقول المصلي : أصلي لله ، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العذاب لبطلت صلاته . وقد رد ذلك عليهم آخرون وقالوا : كون العبادة لله عز وجل ، لا ينافي أن يطلب معها ثوابا ، ولا أن يدفع عذابا ، كما قال ذلك الأعرابي : أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حولها ندندن .
makki — الهداية إلى بلوغ النهاية
اختلف النحويون في "إياك وإياه وإياي"؛ فللبصريين فيها قولان:
- أحدهما: أن "إيا" اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف. ولا يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا.
وحكى الخليل عن العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب". فأضاف "إيا" إلى الشواب للبيان.
- والقول الثاني: مروي عن المبرد قال: "إن "إيا" اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، ولا يعرف في كلام العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده غير هذا".
وللكوفيين في هذا أيضاً ثلاثة أقوال.
- حكى ابن كيسان وغيره. عنهم أن "إياك" بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره، فتقول: "إياه وإياك وإياي".
- والقول الثاني: إن الكاف والهاء والياء، هن الاسم المضمر في "إياك وإياه وإياي"، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلاً بما قبله من الأفعال، فلما تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل "إيا" عماداً له ليتصل به، ولو أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن "إيا" فقلت: "نعبده" و "نعبدك". وهو اختيار ابن كيسان.
- والقول الثالث: حكاه أيضاً ابن كيسان؛ وهو أن "إيا" اسم مبهم يكنى به عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في: إياك وإياه وإياي". "ليعلم المخاطب من الغائب من المُخْبِر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء والياء من الإعراب، فهي كالكاف في "ذلك" وأرأيتك زيداً ما صنع". ذكر معنى جميع ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه.
والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع.
فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: نذل لك ونخضع بالعبادة لك ونستعين بك على ذلك.
وإنما قدم ﴿نَعْبُدُ﴾ على ﴿نَسْتَعِينُ﴾ وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة، والعمل لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً. فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين.
وأما علة تكرير ﴿إِيَّاكَ﴾ فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر استعانة.
وقيل: كرر للتأكيد كما تقول: "المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين عمرو"، فتعيد "بين" للتأكيد.
* * *
قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾.
أصله "نَسْتَعْوِنُ" على وزن "نَسْتَفْعِلُ" من العون. والمصدر منه استعانة، وأصله استعواناً، فقلبت حركة الواو على العين، فلما انفتح ما قبل الواو - وهي في نية حركة - انقلبت ألفاً، فالتقى ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة، والأولى أصلية. وقيل: بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضاً من الألف المحذوفة.
والنون الأولى في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك التاء والهمزة في قولك: "أنْتَ تَسْتَعِين وأنا أسْتَعينُ". وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على "فَعِلَ، يَفْعَلُ" بفتح العين في المستقبل، وكسرها في الماضي نحو: "أنت تعلم وأنا أعلم".
mawardi — النكت والعيون
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ﴾ هو كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مُضافٌ إلى الكافِ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ كُنِّيَ بِها عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ فِيها إضافَةٌ لِأنَّ المُضْمَرَ لا يُضافُ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿نَعْبُدُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العِبادَةَ الخُضُوعُ، ولا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّها أعْلى (p-٥٨)
مَراتِبِ الخُضُوعِ، فَلا يَسْتَحِقُّها إلّا المُنْعِمُ بِأعْظَمِ النِّعَمِ، كالحَياةِ والعَقْلِ والسَّمْعِ والبَصَرِ.
والثّانِي: أنَّ العِبادَةَ الطّاعَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها التَّقَرُّبُ بِالطّاعَةِ.
والأوَّلُ أظْهَرُها، لِأنَّ النَّصارى عَبَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ تُطِعْهُ بِالعِبادَةِ، والنَّبِيُّ ﷺ مُطاعٌ، ولَيْسَ بِمَعْبُودٍ بِالطّاعَةِ.
mawsua_mathur — موسوعة التفسير المأثور
<h3>﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ - قراءات</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٢<span class="dash">-</span></span> عن أبي رَزِين الأسدي، قال: سمعتُ <span class="name-1">عليًّا</span> قرأ هذا الحرف -وكان قرشيًّا عربيًّا فصيحًا-: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنا﴾ برفعهما جميعًا[[عزاه السيوطي إلى وكيع، والفريابي.
وهي قراءة العشرة.]]. (١/٧٤)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٣<span class="dash">-</span></span> عن أبي رَزِين، أنّ <span class="name-1">عليًّا</span> قرأ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهَمَز ومَدَّ وشَدَّد[[أخرجه الخطيب في تاريخه ٥/٣٢٤.]]. (١/٧٤)</p>
</div>
<h3>﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ - تفسير الآية</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ يعني: إياك نُوَحِّد ونخاف ونرجو ربَّنا، لا غيرك، ﴿وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ على طاعتك، وعلى أمورنا كلها[[أخرجه ابن جرير ١/١٥٩، وابن أبي حاتم ١/٢٩ (٣٠).]]. (١/٧٣)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">قتادة بن دعامة</span> -من طريق مطر الوراق- ﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾، قال: دلَّ على نفسه أنّه كذا؛ فقولوا[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٩ (٢٨).]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">قتادة بن دعامة</span> -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾، قال: يأمركم أن تُخْلِصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أمركم[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٩ (٢٩).]]. (ز)</p>
</div>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٧<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان</span>: ﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ يعني: نُوَحِّد، كقوله سبحانه في المُفَصَّل: ﴿عابدات﴾ [التحريم:٥]، يعني: مُوَحِّدات، ﴿وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ على عبادتك[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٦.]]<span class=comment-ref>٢١</span>. (ز)</p>
</div>
<div><span class=comment-ref>٢١</span> قال <u>ابنُ جرير</u> (١/١٥٩-١٦٠): «وتأويل قوله ﴿إيّاكَ نعبُدُ﴾: لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية، لا لغيرك». وقال: «... معنى ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإياك رَبَّنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها، لا أحدًا سواك». <span class="mustanad">مستشهدًا بأثر ابن عباس من طريق أبي رَوْق عن الضحاك</span>.</div>
<h3>﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ - آثار متعلقة بالآية</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٤٨<span class="dash">-</span></span> عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال: كُنّا معَ رسول الله ﷺ في غزاة، فلقي العدو، فسمعته يقول: «<b>يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين</b>». قال: فلقد رأيت الرجال تُصْرَع، تَضرِبُها الملائكة من بين يديها ومن خلفها[[أخرجه الطبراني في الأوسط ٨/١٢٣ (٨١٦٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ١/٢٩٧ (٣٣٤).
قال الهيثمي في المجمع ٥/٣٢٨ (٩٦٨٠): «وفيه عبد السلام بن هاشم، وهو ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١١/١٧٩ (٥١٠٥): «إسناد ضعيف».]]. (١/٧٤)</p>
</div>
mukhtasar — المختصر في تفسير القرآن الكريم
نخصُّك وحدك بأنواع العبادة والطاعة، فلا نشرك معك غيرك، ومنك وحدك نطلب العون في كل شؤوننا، فبِيَدِكَ الخير كله، ولا مُعين سواك.
muyassar — التفسير الميسر
إنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة. وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء، والاستغاثة، والذبح، والطواف إلا لله وحده، وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء، والعجب، والكبرياء.
nasafi — مدارك التنزيل وحقائق التأويل
﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إيّا عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ اسْمٌ مُضْمَرٌ. والكافُ حَرْفُ خِطابٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ولا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعِنْدَ الخَلِيلِ هو اسْمٌ مُضْمَرٌ أُضِيفَ إيّا إلَيْهِ، لِأنَّهُ يُشْبِهُ المُظْهَرَ لِتَقَدُّمِهِ عَلى الفِعْلِ والفاعِلِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إيّاكَ بِكَمالِها اسْمٌ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ، والمَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ، وهِيَ: أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ والتَذَلُّلِ، ونَخُصُّكَ بِطَلَبِ المَعُونَةِ. وعَدَلَ عَنِ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلِالتِفاتِ، وهو قَدْ يَكُونُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى التَكَلُّمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يُونُسُ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ﴾ [فاطِرٌ: ٩] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ تَطاوَلَ لَيْلُكِ بِالإثْمِدِ ونامَ الخَلِيِّ ولَمْ تَرْقُدِ
؎ وباتَ وباتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ ∗∗∗ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ
؎ وذَلِكَ مِن نَبَإٍ جاءَنِي ∗∗∗ وخُبِّرْتُهُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ
فالتَفَتَ في الأبْياتِ الثَلاثَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لِيَلِي، وبَتُّ، وجاءَكِ، والعَرَبُ يَسْتَكْثِرُونَ مِنهُ، ويَرَوْنَ الكَلامَ إذا انْتَقَلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ أدْخَلَ في القَبُولِ عِنْدَ السامِعِ، وأحْسَنَ تَطْرِيَةً لِنَشاطِهِ، وأمْلَأ بِاسْتِدْرابِ إصْغائِهِ، وقَدْ تَخْتَصُّ مَواقِعُهُ بِفَوائِدَ ولَطائِفَ قَلَّما تَتَّضِحُ إلّا لِلْحُذّاقِ المَهَرَةِ، والعُلَماءِ النَحارِيرِ، وقَلِيلٌ ما هم. ومِمّا اخْتَصَّ بِهِ هَذا المَوْضِعُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الحَقِيقَ بِالحَمْدِ والثَناءِ، (p-٣٢)وَأجْرى عَلَيْهِ تِلْكَ الصِفاتِ العِظامِ، تَعَلَّقَ العِلْمُ بِمَعْلُومِ عَظِيمِ الشَأْنِ، حَقِيقٌ بِالثَناءِ وغايَةِ الخُضُوعِ والِاسْتِعانَةِ في المُهِمّاتِ، فَخُوطِبَ ذَلِكَ المَعْلُومُ المُتَمَيِّزُ بِتِلْكَ الصِفاتِ، فَقِيلَ: إيّاكَ يا مَن هَذِهِ صِفاتُهُ نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ لا غَيْرَكَ. وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ، لِأنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ قَبْلَ طَلَبِ الحاجَةِ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، أوْ لِنَظْمِ الآيِ كَما قَدَّمَ الرَحْمَنَ، وإنْ كانَ الأبْلَغُ لا يُقَدَّمُ. وأُطْلِقَتِ الِاسْتِعانَةُ لِتَتَناوَلَ كُلَّ مُسْتَعانٍ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الِاسْتِعانَةُ بِهِ وبِتَوْفِيقِهِ عَلى أداءِ العِبادَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا﴾ بَيانًا لِلْمَطْلُوبِ مِنَ المَعُونَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ أُعِينُكُمْ؟ فَقالُوا:
qannuji — فتح البيان في مقاصد القرآن
(إياك نعبد وإياك نستعين) أي نخصك بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك ومنك نطلب المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا، وفي هذه الآية إبطال الجبر والقدر معاً كما أشار إليه الثعلبي في تفسيره، و " إيَّا " عند سيبويه اسم مضمر والكاف حرف خطاب ولا محل له من الإعراب وهو الأصح وقد ارتضاه القاضي، وعند الخليل اسم مضمر أضيف " إيَّا " إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل والفاعل، وقال الكوفيون إياك بكمالها اسم، وجملة الأقوال فيه سبعة عد منها الخفاجي خمسة فقط، وتقديم المفعول على الفعل لقصد الاختصاص والحصر والقصر، وقيل للاهتمام، والصواب أنه لهما، ولا تزاحم بين المقتضيات.
والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، والعبودية أدنى منها، وسمي العبد عبداً لذلته وانقياده ولا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، قال ابن كثير: وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، والاستعانة طلب المعونة، وهي ضرورية وغير ضرورية.
والعدول عن الغيبة إلى الخطاب لقصد الإلتفاف وتلوين النظم من باب إلى باب، وفيه الترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود ومن المعقول إلى المحسوس، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر، وقد يكون من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) أي بكم وقوله (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه) أي فساقه، وقد يكون من التكلم إلى الغيبة، فهذه أربعة أقسام ذكرها البيضاوي، والتحقيق أنها ستة وهي ظاهرة لأن الملتفت منه والملتفت إليه اثنان وكل منهما إما غيبة أو خطاب أو تكلم، والعرب يستكثرون منه لفوائد تستدعيه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر كان أدخل في القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأُ لاستلذاذ إصغائه وأكثر إيقاظاً له كما تقرر في علم المعاني، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة وقليل ما هم.
ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء وأجرى عليه تلك الصفات، تعلق العلم بمعلوم على الذات، سمى الصفات، حري بالثناء وغاية التذلل والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم للتميز بتلك الأوصاف، فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك، والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد أو عن سائر الموحدين، وفيه إشعار على التزام الجماعة، وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي ولكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق العبادة والاستعانة لقصد التعميم لتتناول كل معبود به ومستعان فيه، وإستحسنه الزمخشري وقال لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض، وتكرير الضمير للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة منهما ولإبراز الالتذاذ بالمناجاة والخطاب.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي [[مسلم/395.]]، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي، وربما قال فوض إليّ عبدي، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم الخ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ".
وعن أبي طلحة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة نلقى العدو فسمعته يقول يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين قال: فلقد رأيت الرجال تصرع فتضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. أخرجه البغوي والماوردي معاً في معرفة الصحابة والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل.
qasimi — محاسن التأويل
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ ] ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: لَكَ، اللَّهُمَّ نَخْشَعُ ونَذِلُّ ونَسْتَكِينُ. إقْرارًا لَكَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لا لِغَيْرِكَ -قالَ- والعُبُودِيَّةُ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ أصْلُها الذِّلَّةُ، وأنَّها تُسَمِّي الطَّرِيقَ المُذَلَّلَ الَّذِي قَدْ وطِئَتْهُ الأقْدامُ، وذَلَّلَتْهُ السّابِلَةُ "مُعَبَّدًا"، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَعِيرِ المُذَلَّلِ بِالرُّكُوبِ في الحَوائِجِ "مُعَبَّدٌ"، ومِنهُ سُمِّيَ العَبْدُ "عَبْدًا"؛ لِذِلَّتِهِ لِمَوْلاهُ انْتَهى.
وفِيهِ إعْلامٌ بِما صَدَعَ بِهِ الإسْلامُ مِن تَحْرِيرِ الأنْفُسِ لِلَّهِ تَعالى وتَخْلِيصِها لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ. أعْنِي: أنْ لا يُشْرِكَ شَيْئًا ما مَعَهُ، لا في مَحَبَّتِهِ كَمَحَبَّتِهِ، ولا في خَوْفِهِ، ولا في رَجائِهِ، ولا (p-١٠)فِي التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ولا في العَمَلِ لَهُ، ولا في النَّذْرِ لَهُ، ولا في الخُضُوعِ لَهُ، ولا في التَّذَلُّلِ والتَّعْظِيمِ والسُّجُودِ والتَّقَرُّبِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما يَسْتَحِقُّهُ فاطِرُ الأرْضِ والسَّماواتِ وحْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ لَفْظَ العِبادَةِ يَتَضَمَّنُ كَمالَ الذُّلِّ بِكَمالِ الحُبِّ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ العابِدُ مُحِبًّا لِلْإلَهِ المَعْبُودِ كَمالَ الحُبِّ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِيلًا لَهُ كَمالَ الذُّلِّ، وهُما لا يَصْلُحانِ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ. فَهو الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، الَّذِي لا يَسْتَحِقُّها إلّا هو، وهي كَمالُ الحُبِّ والذُّلِّ والإجْلالِ والتَّوَكُّلِ والدُّعاءِ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو، تَعالى. وقَدْ أشارَ لِذَلِكَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ، فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى ما يَجِبُ لِلْعَبْدِ مِن تَخْصِيصِهِ رَبَّهُ بِالعِبادَةِ، وإسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ وحْدَهُ، لا كَما كانَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في عِبادَتِهِمْ، مُتَشاكِسِينَ في وُجْهَتِهِمْ: مِنهم مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأشْجارَ والأحْجارَ. . . إلى غَيْرِ ذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧] الآيَةَ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ (p-١١)تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] الآيَةَ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] وحَدِيثُ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى حُنَيْنٍ ونَحْنُ حُدَثاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَها، ويَنُوطُونَ بِها أسْلِحَتَهم يُقالُ لَها: ذاتُ أنْواطٍ، فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أكْبَرُ، إنَّها السَّنَنُ، قُلْتُمْ - والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠]»» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.
(p-١٢)وأمّا عِبادَتُهم لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إنّا لَسْنا نَعْبُدُهم، قالَ: «ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَ، ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ ؟» فَقُلْتُ: بَلى قالَ: «فَتِلْكَ عِبادَتُهم»» .
فالعِبادَةُ أنْواعٌ وأصْنافٌ، ولا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِتَوْحِيدِها كُلِّها لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ الدُّعاءَ هو العِبادَةُ؛ أيْ رُكْنُها المُهِمُّ الأعْظَمُ، وأصْلُهُ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] فَمَسّاهُ عِبادَةً.
(p-١٣)وفِي الخَبَرِ: ««الشِّرْكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ»» .
قالَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ: ولِهَذا كانَ العَبْدُ مَأْمُورًا في كُلِّ صَلاةٍ أنْ يَقُولَ: "إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ" والشَّيْطانُ يَأْمُرُ بِالشَّرَكِ، والنَّفْسُ تُطِيعُهُ في ذَلِكَ، فَلا تَزالُ النَّفْسُ تَلْتَفِتُ إلى غَيْرِ اللَّهِ، إمّا خَوْفًا مِنهُ، أوْ رَجاءً لَهُ، فَلا يَزالُ العَبْدُ مُفْتَقِرًا إلى تَخْلِيصِ تَوْحِيدِهِ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ؛ ولِذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم ما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ في ثَلاثِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وكَيْفَ يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن جَعَلَ لَهُ عِدْلًا ونِدًّا، يُحِبُّهُ، ويَخافُهُ، ويَرْجُوهُ، يَذِلُّ، ويَخْضَعُ لَهُ، ويَهْرُبُ مِن سُخْطِهِ، ويُؤْثِرُ مَرْضاتَهُ، والمُؤْثَرُ لا يَرْضى بِإيثارِهِ انْتَهى.
(فائِدَةٌ) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الفاتِحَةُ سِرُّ القُرْآنِ، وسِرُّها هَذِهِ الكَلِمَةُ "إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ": فالأوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، والثّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، والتَّفْوِيضُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا المَعْنى في غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
qortobi — الجامع لأحكام القرآن
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ رَجَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ عَلَى التَّلْوِينِ، لِأَنَّ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَاهُنَا خَبَرًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَنَاءً عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [[راجع ج ١٩ ص ١٤٥.]] ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزاءً". وَعَكْسُهُ:" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٤.]] " [يونس: ٢٢] عَلَى مَا يَأْتِي. وَ "نَعْبُدُ" مَعْنَاهُ نُطِيعُ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ وَالتَّذَلُّلُ. وَطَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إِذَا كَانَ مُذَلَّلًا لِلسَّالِكِينَ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ. وَنُطْقُ الْمُكَلَّفِ بِهِ إِقْرَارٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَتَحْقِيقٌ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ سَائِرُ النَّاسِ يَعْبُدُونَ سِوَاهُ مِنْ أَصْنَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أَيْ نَطْلُبُ الْعَوْنَ وَالتَّأْيِيدَ وَالتَّوْفِيقَ. قَالَ السُّلَمِيُّ فِي حَقَائِقِهِ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ الْفَرْغَانِيَّ يَقُولُ: مَنْ أَقَرَّ بِ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ إِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ الْمَفْعُولَ عَلَى الْفِعْلِ؟ قِيلَ لَهُ: قُدِّمَ اهْتِمَامًا، وَشَأْنُ الْعَرَبِ تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ. يُذْكَرُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَبَّ آخَرَ فَأَعْرَضَ الْمَسْبُوبُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ السَّابُّ: إِيَّاكَ أَعْنِي: فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: وَعَنْكَ أُعْرِضُ، فَقَدَّمَا الْأَهَمَّ. وَأَيْضًا لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعَبْدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى الْمَعْبُودِ، فَلَا يَجُوزُ نَعْبُدُكَ وَنَسْتَعِينُكَ، وَلَا نَعْبُدُ إِيَّاكَ وَنَسْتَعِينُ إِيَّاكَ، فَيُقَدَّمُ الْفِعْلُ عَلَى كِنَايَةِ الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا يُتَّبَعُ لَفْظُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
إِيَّاكَ أَدْعُو فَتَقَبَّلْ ملقي ... واغفر خطاياي وكثر ورقي
وَيُرْوَى: وَثَمِّرْ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هو حميد الأرقط. والمعنى: سارت هذه الناقة إليك حتى بلغتك.]]:
إِلَيْكَ حَتَّى بَلَغَتْ إِيَّاكَا
فَشَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالْوَرِقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَبِفَتْحِهَا الْمَالُ. وَكَرَّرَ الِاسْمَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَنَسْتَعِينُ غَيْرَكَ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى شَدِّ الْيَاءِ مِنْ "إِيَّاكَ" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ قَائِدٍ: "إِيَاكَ" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَ تَضْعِيفَ الْيَاءِ لِثِقَلِهَا وَكَوْنِ الْكِسْرَةِ قَبْلَهَا. وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْهَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: شَمْسَكَ نَعْبُدُ أَوْ ضَوْءَكَ، وَإِيَاةُ الشَّمْسُ (بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ): ضَوْءُهَا، وَقَدْ تُفْتَحُ. وقال [[قائله طرفة بن العبد. والهاء في (سقته) و (لثاته) يعود على الثغر، وكذا المضمر الذي في (أسف). ومعنى سقته: حسنته وبيضته وأشربته حسنا. و (أسف): ذر عليه. و (فلم تكدم عليه): أي لم تعضض عظما فيؤثر في ثغرها.
(عن شرح المعلقات).]]:
سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسُ إِلَّا لِثَاتِهِ ... أُسِفَّ فَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِإِثْمِدِ
فَإِنْ أَسْقَطْتَ الْهَاءَ مَدَدْتَ. وَيُقَالُ: الْإِيَاةُ لِلشَّمْسِ كَالْهَالَةِ لِلْقَمَرِ، وَهِيَ الدَّارَةُ حَوْلَهَا. وَقَرَأَ الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ: "إِيَّاكَ" (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. وَقَرَأَ أَبُو السَّوَّارِ الْغَنَوِيُّ: "هِيَّاكَ" فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ، قَالَ:
فَهِيَّاكَ وَالْأَمْرُ الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهُ
السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (٥) عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ: "نَسْتَعِينُ" بِكَسْرِ النُّونِ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَأَسَدٍ وَقَيْسٍ وَرَبِيعَةَ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ اسْتَعَانَ، فَكُسِرَتِ النُّونُ كَمَا تُكْسَرُ أَلِفُ الْوَصْلِ. وَأَصْلُ "نَسْتَعِينُ" نَسْتَعْوِنُ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الْعَيْنِ فصارت ياء، والمصدر اسْتِعَانَةُ، وَالْأَصْلُ اسْتِعْوَانٌ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الْعَيْنِ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا وَلَا يَلْتَقِي سَاكِنَانِ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَقِيلَ الْأُولَى لِأَنَّ الثانية للمعنى، ولزمت الهاء عوضا.
qortobi
قوله تعالى : إياك نعبد رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين ; لأن من أول السورة إلى هاهنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه ، كقوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا . ثم قال : إن هذا كان لكم جزاء . وعكسه : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم على ما يأتي .
و
( نعبد )
معناه نطيع ; والعبادة الطاعة والتذلل . وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين ; قاله الهروي . ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى ; إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك . وإياك نستعين أي نطلب العون والتأييد والتوفيق .
قال السلمي في حقائقه : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقر ب إياك نعبد وإياك نستعين فقد برئ من الجبر والقدر .
إن قيل : لم قدم المفعول على الفعل ؟ قيل له : قدم اهتماما ، وشأن العرب تقديم الأهم . يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه ; فقال له الساب : إياك أعني : فقال له الآخر : وعنك أعرض ; فقدما الأهم . وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود ; فلا يجوز نعبدك ونستعينك ، ولا نعبد إياك ونستعين إياك ; فيقدم الفعل على كناية المفعول ، وإنما يتبع لفظ القرآن . وقال العجاج :
إياك أدعو فتقبل ملقي واغفر خطاياي وكثر ورقي
ويروى : وثمر . وأما قول الشاعر :
إليك حتى بلغت إياكا
فشاذ لا يقاس عليه . والورق بكسر الراء من الدراهم ، وبفتحها المال . وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك .
الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من إياك في الموضعين . وقرأ عمرو بن قائد :
( إياك )
بكسر الهمزة وتخفيف الياء ، وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها . وهذه قراءة مرغوب عنها ، فإن المعنى يصير : شمسك نعبد أو ضوءك ; وإياة الشمس
( بكسر الهمزة )
: ضوءها ; وقد تفتح . وقال
[ طرفة بن العبد ]
:
سقته إياة الشمس إلا لثاته أسف فلم تكدم عليه بإثمد
فإن أسقطت الهاء مددت . ويقال : الإياة للشمس كالهالة للقمر ، وهي الدارة حولها . وقرأ الفضل الرقاشي :
" أياك "
( بفتح الهمزة )
وهي لغة مشهورة . وقرأ أبو السوار الغنوي :
" هياك "
في الموضعين ، وهي لغة ; قال :
فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره
وإياك نستعين عطف جملة على جملة . وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش :
( نستعين )
بكسر النون ، وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة ; ليدل على أنه من استعان ، فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل . وأصل
" نستعين "
نستعون ، قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء والمصدر استعانة ، والأصل استعوان ; قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة ، وقيل الأولى لأن الثانية للمعنى ، ولزمت الهاء عوضا .
razi — مفاتيح الغيب
الفَصْلُ الخامِسُ
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ
الفائِدَةُ الأُولى: العِبادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضِ تَعْظِيمِ الغَيْرِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَكَ إيّاكَ نَعْبُدُ مَعْناهُ لا أعْبُدُ أحَدًا سِواكَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا الحَصْرِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن صَدَرَ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وأعْظَمُ وُجُوهِ الإنْعامِ الحَياةُ الَّتِي تُفِيدُ المُكْنَةَ مِنَ الِانْتِفاعِ، وخَلْقُ المُنْتَفِعِ بِهِ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى - وهي الحَياةُ الَّتِي تُفِيدُ المُكْنَةَ مِنَ الِانْتِفاعِ - وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ - وهي خَلْقُ المُنْتَفِعِ بِهِ - وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ولَمّا كانَتِ المَصالِحُ الحاصِلَةُ في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إنَّما تَنْتَظِمُ بِالحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ عَلى سَبِيلِ إجْراءِ العادَةِ لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كُلَّ النِّعَمِ حاصِلٌ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا تُحْسِنَ العِبادَةَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فَلِهَذا المَعْنى قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ.
الوَجْهُ الثّانِي: في دَلائِلِ هَذا الحَصْرِ والتَّعْيِينِ: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِخَمْسَةِ أسْماءٍ: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، والرَّحِيمُ، ومالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، ولِلْعَبْدِ أحْوالٌ ثَلاثَةٌ: الماضِي والحاضِرُ والمُسْتَقْبَلُ؛ أمّا الماضِي فَقَدْ كانَ مَعْدُومًا مَحْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٩] وكانَ مَيِّتًا فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وكانَ جاهِلًا فَعَلَّمَهُ اللَّهُ كَما (p-١٩٧)قالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] والعَبْدُ إنَّما انْتَقَلَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَجْزِ إلى القُدْرَةِ ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدِيمًا أزَلِيًّا، فَبِقُدْرَتِهِ الأزَلِيَّةِ وعِلْمِهِ الأزَلِيِّ أحْدَثَهُ ونَقَلَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَهو إلَهٌ لِهَذا المَعْنى، وأمّا الحالُ الحاضِرَةُ لِلْعَبْدِ فَحاجَتُهُ شَدِيدَةٌ لِأنَّهُ كُلَّما كانَ مَعْدُومًا كانَ مُحْتاجًا إلى الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمّا لَمّا دَخَلَ في الوُجُوهِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحاجاتِ وحَصَلَتْ عِنْدَهُ أسْبابُ الضَّرُوراتِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا إلَهٌ لِأجْلِ أنِّي أخْرَجْتُكَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. أمّا بَعْدَ أنْ صِرْتَ مَوْجُودًا فَقَدْ كَثُرَتْ حاجاتُكَ إلَيَّ فَأنا رَبٌّ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، وأمّا الحالُ المُسْتَقْبِلَةُ لِلْعَبْدِ فَهي حالُ ما بَعْدَ المَوْتِ والصِّفَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ الحالَةِ هي قَوْلُهُ ”﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾“، فَصارَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الخَمْسُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ لِلْعَبْدِ فَظَهَرَ أنَّ جَمِيعَ مَصالِحِ العَبْدِ في الماضِي والحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ لا يَتِمُّ ولا يَكْتَمِلُ إلّا بِاللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَشْتَغِلَ العَبْدُ بِعِبادَةِ شَيْءٍ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ قالَ العَبْدُ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلِيلِ هَذا الحَصْرِ، وهو أنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى وُجُوبِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عالِمًا مُحْسِنًا جَوادًا كَرِيمًا حَلِيمًا، وأمّا كَوْنُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا أثَرَ يُضافُ إلى الطَّبْعِ والفَلَكِ والكَواكِبِ والعَقْلِ والنَّفْسِ إلّا ويُحْتَمَلُ إضافَتُهُ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ هَذا الِاحْتِمالِ صارَ ذَلِكَ الِانْتِسابُ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الإلَهِ تَعالى مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ أمْرٌ يَقِينِيٌّ، وأمّا كَوْنُ غَيْرِهِ مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ فَهو أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، والأخْذُ بِاليَقِينِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالشَّكِّ، فَوَجَبَ طَرْحُ المَشْكُوكِ والأخْذُ بِالمَعْلُومِ وعَلى هَذا لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلِهَذا المَعْنى قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ العُبُودِيَّةَ ذِلَّةٌ ومَهانَةٌ إلّا أنَّهُ كُلَّما كانَ المَوْلى أشْرَفَ وأعْلى كانَتِ العُبُودِيَّةُ بِهِ أهْنَأ وأمْرَأ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى أشْرَفَ المَوْجُوداتِ وأعْلاها فَكانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أوْلى مِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، وأيْضًا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أعْلى مِن قُدْرَةِ غَيْرِهِ، وعِلْمُهُ أكْمَلُ مِن عِلْمِ غَيْرِهِ، وجُودُهُ أفْضَلُ مِن جُودِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ عُبُودِيَّتَهُ أوْلى مِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الواجِبِ لِذاتِهِ يَكُونُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ وكُلَّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ كانَ مُحْتاجًا فَقِيرًا والمُحْتاجُ مَشْغُولٌ بِحاجَةِ نَفْسِهِ فَلا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنِ الغَيْرِ، والشَّيْءُ ما لَمْ يَكُنْ في ذاتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الحاجَةِ عَنْ غَيْرِهِ، والغَنِيُّ لِذاتِهِ هو اللَّهُ تَعالى، فَدافِعُ الحاجاتِ هو اللَّهُ تَعالى، فَمُسْتَحِقُّ العِباداتِ هو اللَّهُ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.
الوَجْهُ السّادِسُ: اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ يَسْتَدْعِي قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يُمْسِكَ سَماءً بِلا عَلاقَةٍ، وأرْضًا بِلا دِعامَةٍ، ويُسَيِّرُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويُسَكِّنُ القُطْبَيْنِ، ويُخْرِجُ مِنَ السَّحابِ تارَةً النّارَ وهو البَرْقُ، وتارَةً الهَواءَ وهي الرِّيحُ، وتارَةً الماءَ وهو المَطَرُ، وأمّا في الأرْضِ فَتارَةً يُخْرِجُ الماءَ مِنَ الحَجَرِ وهو ظاهِرٌ، وتارَةً يُخْرِجُ الحَجَرَ مِنَ الماءِ وهو الجَمْدُ، ثُمَّ جَعَلَ في الأرْضِ أجْسامًا مُقِيمَةً لا تُسافِرُ وهي الجِبالُ؛ وأجْسامًا مُسافِرَةً لا تُقِيمُ وهي الأنْهارُ، وخَسَفَ بِقارُونَ فَجَعَلَ الأرْضَ فَوْقَهُ، ورَفَعَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجُعِلَ قابَ قَوْسَيْنِ تَحْتَهُ، وجَعَلَ الماءَ نارًا عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا، وجَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، ورَفَعَ مُوسى فَوْقَ الطُّورِ، وقالَ لَهُ ”اخْلَعْ نَعْلَيْكَ“ ورَفَعَ الطُّورَ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ (p-١٩٨)[النساء: ١٥٤] وغَرَّقَ الدُّنْيا مِنَ التَّنُّورِ اليابِسَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] وجَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمَن كانَتْ قُدْرَتُهُ هَكَذا كَيْفَ يُسَوّى في العِبادَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الجَماداتِ أوِ النَّباتِ أوِ الحَيَوانِ أوِ الإنْسانِ أوِ الفَلَكِ أوِ المَلِكِ، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ النّاقِصِ والكامِلِ والخَسِيسِ والنَّفِيسِ تَدُلُّ عَلى الجَهْلِ والسَّفَهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ المَحْضِ. واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ طَوائِفُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اتَّخَذَ شَرِيكًا لِلَّهِ، فَذَلِكَ الشَّرِيكُ إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا وإمّا أنْ لا يَكُونَ، أمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا شَرِيكًا جُسْمانِيًّا فَذَلِكَ الشَّرِيكُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ أوْ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ، أمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ فَذَلِكَ الجِسْمُ إمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا أوْ بَسِيطًا، أمّا المُرَكَّبُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المَعادِنِ أوْ مِنَ النَّباتِ أوْ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مِنَ الإنْسانِ، أمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ المَعْدِنِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الأصْنامَ إمّا مِنَ الأحْجارِ أوْ مِنَ الذَّهَبِ أوْ مِنَ الفِضَّةِ ويَعْبُدُونَها، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ النَّباتِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شَجَرَةً مُعَيَّنَةً مَعْبُودًا لِأنْفُسِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الحَيَوانِ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ مَعْبُودًا لِأنْفُسِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ النّاسِ فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ البَسِيطَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ وهُمُ المَجُوسُ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ وسائِرَ الكَواكِبِ ويُضِيفُونَ السَّعادَةَ والنُّحُوسَةَ إلَيْها وهُمُ الصّابِئَةُ وأكْثَرُ المُنَجِّمِينَ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ مِن غَيْرِ الأجْسامِ فَهم أيْضًا طَوائِفُ:
الطّائِفَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: مُدَبِّرُ العالَمِ هو النُّورُ والظُّلْمَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ المانَوِيَّةُ والثَّنَوِيَّةُ.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: هُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ عِبارَةٌ عَنِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ، ولِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ، ولِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ هَذا العالَمِ رُوحٌ فَلَكِيٌّ يُدَبِّرُهُ، ويَتَّخِذُونَ لِتِلْكَ الأرْواحِ صُوَرًا وتَماثِيلَ ويَعْبُدُونَها، وهَؤُلاءِ عَبَدَةُ المَلائِكَةِ.
والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا لِلْعالَمِ إلَهانِ: أحَدُهُما خَيْرٌ، والآخَرُ شَرٌّ، وقالُوا: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ هو اللَّهُ تَعالى وإبْلِيسُ وهُما أخَوانِ، فَكُلُّ ما في العالَمِ مِنَ الخَيْراتِ فَهو مِنَ اللَّهِ، وكُلُّ ما فِيهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو مِن إبْلِيسَ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ فَنَقُولُ: كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى عِبادَةِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ إمّا طَلَبًا لِنَفْعِهِ أوْ هَرَبًا مِن ضَرَرِهِ، وأمّا الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى التَّوْحِيدِ وأبْطَلُوا القَوْلَ بِالشُّرَكاءِ والأضْدادِ ولَمْ يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى غَيْرِ اللَّهِ فَكانَ رَجاؤُهم مِنَ اللَّهِ وخَوْفُهم مِنَ اللَّهِ ورَغْبَتُهم في اللَّهِ ورَهْبَتُهم مِنَ اللَّهِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ولَمْ يَسْتَعِينُوا إلّا بِاللَّهِ؛ فَلِهَذا قالُوا إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، فَكانَ قَوْلُهُ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ قائِمًا مُقامَ قَوْلِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
واعْلَمْ أنَّ الذِّكْرَ المَشْهُورَ هو أنْ تَقُولَ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ مَعْنى قَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا تامًّا في ذاتِهِ، وقَوْلَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا مُتَمِّمًا لِغَيْرِهِ، والشَّيْءُ لا يَكُونُ مُكَمِّلًا مُتَمِّمًا لِغَيْرِهِ إلّا إذا كانَ قَبْلَ ذَلِكَ تامًّا كامِلًا في ذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنى قَوْلِنا (p-١٩٩)سُبْحانَ اللَّهِ، ولَمّا قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ فَأثْبَتَ جَمِيعَ أنْواعِ الحَمْدِ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ لِإثْباتِ جَمِيعِ أنْواعِ الحَمْدِ لِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِالصِّفاتِ الخَمْسِ وهي الَّتِي لِأجْلِها تَتِمُّ مَصالِحُ العَبْدِ في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ عَلى ما بَيَّناهُ، ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ قائِمٌ مُقامَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، ومَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلى وأجَلُّ وأكْبَرُ مِن أنْ يَتِمَّ مَقْصُودٌ مِنَ المَقاصِدِ وغَرَضٌ مِنَ الأغْراضِ إلّا بِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِنا ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، فَثَبَتَ أنَّ سُورَةَ الفاتِحَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُنْطَبِقَةٌ عَلى ذَلِكَ الذِّكْرِ، وآياتُ هَذِهِ السُّورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى الشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ لِلْمَراتِبِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ في ذَلِكَ الذِّكْرِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى قَوْلِهِ نَعْبُدُ ولَمْ يَقُلْ نَعْبُدُكَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِهِ لِيَتَنَبَّهُ العابِدُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو اللَّهُ الحَقُّ، فَلا يَتَكاسَلُ في التَّعْظِيمِ ولا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا؛ يُحْكى أنَّ واحِدًا مِنَ المُصارِعِينَ الأُسْتاذِينَ صارَعَ رُسْتاقِيًّا جِلْفًا فَصَرَعَ الرُّسْتاقِيُّ ذَلِكَ الأُسْتاذَ مِرارًا فَقِيلَ لِلرُّسْتاقِيِّ: إنَّهُ فُلانٌ الأُسْتاذُ، فانْصَرَعَ في الحالِ مِنهُ، وما ذاكَ إلّا لِاحْتِشامِهِ مِنهُ، فَكَذا هَهُنا: عَرَّفَهُ ذاتَهُ أوَّلًا حَتّى تَحْصُلَ العِبادَةُ مَعَ الحِشْمَةِ فَلا تَمْتَزِجَ بِالغَفْلَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ إنْ ثَقُلَتْ عَلَيْكَ الطّاعاتُ وصَعُبَتْ عَلَيْكَ العِباداتُ مِنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ فاذْكُرْ أوَّلًا قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ لِتَذْكُرَنِي وتَحْضُرَ في قَلْبِكَ مَعْرِفَتِي، فَإذا ذَكَرْتَ جَلالِي وعَظَمَتِي وعِزَّتِي وعَلِمْتَ أنِّي مَوْلاكَ وأنَّكَ عَبْدِي سَهَّلْتُ عَلَيْكَ تِلْكَ العِباداتِ، ومِثالُهُ أنَّ مَن أرادَ حَمْلَ الجِسْمِ الثَّقِيلِ تَناوَلَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يَزِيدُهُ قُوَّةً وشِدَّةً، فالعَبْدُ لَمّا أرادَ حَمْلَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الشَّدِيدَةِ تَناوَلَ أوَّلًا مَعْجُونَ مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بُسْتُوقَةِ قَوْلِهِ إيّاكَ حَتّى يَقْوى عَلى حَمْلِ ثِقَلِ العُبُودِيَّةِ، ومِثالٌ آخَرُ وهو أنَّ العاشِقَ الَّذِي يُضْرَبُ لِأجْلِ مَعْشُوقِهِ في حَضْرَةِ مَعْشُوقِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الضَّرْبُ، فَكَذا هَهُنا: إذا شاهَدَ جَمالَ إيّاكَ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ ثِقَلِ العُبُودِيَّةِ.
وثالِثُها: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] فالنَّفْسُ إذا مَسَّها طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ مِنَ الكَسَلِ والغَفْلَةِ والبِطالَةِ تَذَكَّرُوا حَضْرَةَ جَلالِ اللَّهِ مِن مَشْرِقِ قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ فَيَصِيرُونَ مُبْصِرِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِأداءِ العِباداتِ والطّاعاتِ.
ورابِعُها: أنَّكَ إذا قُلْتَ نَعْبُدُكَ فَبَدَأْتَ أوَّلًا بِذِكْرِ عِبادَةِ نَفْسِكَ ولَمْ تَذْكُرْ أنَّ تِلْكَ العِبادَةَ لِمَن، فَيُحْتَمَلُ أنْ إبْلِيسَ يَقُولُ هَذِهِ العِبادَةُ لِلْأصْنامِ أوْ لِلْأجْسامِ أوْ لِلشَّمْسِ أوِ القَمَرِ، أمّا إذا غَيَّرْتَ هَذا التَّرْتِيبَ وقُلْتَ أوَّلًا إيّاكَ ثُمَّ قُلْتَ ثانِيًا نَعْبُدُ كانَ قَوْلُكَ أوَّلًا إيّاكَ صَرِيحًا بِأنَّ المَقْصُودَ والمَعْبُودَ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ هَذا أبْلَغَ في التَّوْحِيدِ وأبْعَدَ عَنِ احْتِمالِ الشِّرْكِ.
وخامِسُها: وهو أنَّ القَدِيمَ الواجِبَ لِذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى المُحْدَثِ المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ مُتَقَدِّمًا عَلى جَمِيعِ الأذْكارِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى قَوْلِهِ نَعْبُدُ لِيَكُونَ ذِكْرُ الحَقِّ مُتَقَدِّمًا عَلى ذِكْرِ الخَلْقِ.
وسادِسُها: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَن كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ النِّعْمَةِ إلى المُنْعِمِ لا إلى النِّعْمَةِ كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ البَلاءِ إلى المُبْتَلِي لا إلى البَلاءِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ غَرِقًا في كُلِّ الأحْوالِ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ أبَدًا في أعْلى مَراتِبِ السِّعاداتِ، أمّا مَن كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ النِّعْمَةِ إلى النِّعْمَةِ لا إلى المُنْعِمِ كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ البَلاءِ إلى البَلاءِ لا إلى المُبْتَلِي فَكانَ غَرِقًا في كُلِّ الأوْقاتِ في الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَكانَ أبَدًا في الشَّقاوَةِ، لِأنَّ في وقْتِ وِجْدانِ النِّعْمَةَ يَكُونُ خائِفًا مِن زَوالِها فَكانَ في العَذابِ، وفي وقْتِ فَواتِ النِّعْمَةِ كانَ مُبْتَلًى بِالخِزْيِ والنَّكالِ فَكانَ في مَحْضِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، ولِهَذا التَّحْقِيقِ قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، وقالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم، (p-٢٠٠)إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى قَوْلِهِ نَعْبُدُ لِيَكُونَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ نُورِ جَلالِ إيّاكَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ في وقْتِ أداءِ العِبادَةِ مُسْتَقِرًّا في عَيْنِ الفِرْدَوْسِ، كَما قالَ تَعالى: ”«لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا» “ .
وسابِعُها: لَوْ قِيلَ نَعْبُدُكَ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ عِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ كَما هو دَأْبُ المُشْرِكِينَ، أمّا لَمّا قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ أفادَ أنَّهم يَعْبُدُونَهُ ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ.
وثامِنُها: أنَّ هَذِهِ النُّونَ نُونُ العَظَمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ مَتّى كَنْتَ خارِجَ الصَّلاةِ فَلا تَقُلْ نَحْنُ ولَوْ كُنْتَ في ألْفِ ألْفٍ مِنَ العَبِيدِ، أمّا لَمّا اشْتَغَلْتَ بِالصَّلاةِ وأظْهَرْتَ العُبُودِيَّةَ لَنا فَقُلْ نَعْبُدُ لِيَظْهَرَ لِلْكُلِّ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَبْدًا لَنا كانَ مَلِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وتاسِعُها: لَوْ قالَ إيّاكَ أعْبُدُ لَكانَ ذَلِكَ تَكَبُّرًا ومَعْناهُ أنِّي أنا العابِدُ، أمّا لَمّا قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ كانَ مَعْناهُ أنِّي واحِدٌ مِن عَبِيدِكَ، فالأوَّلُ تَكَبُّرٌ، والثّانِي تَواضُعٌ، ومَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: جَمِيعُ ما ذَكَرْتُمْ قائِمٌ في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ مَعَ أنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ الحَمْدِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ. فالجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ الحَمْدُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولِغَيْرِ اللَّهِ، فَإذا قُلْتَ لِلَّهِ فَقَدْ تَقَيَّدَ الحَمْدُ بِأنْ يَكُونَ لِلَّهِ، أمّا لَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ ”نَعْبُدُ“ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وذَلِكَ كُفْرٌ؛ والنُّكْتَةُ أنَّ الحَمْدَ لَمّا جازَ لِغَيْرِ اللَّهِ في ظاهِرِ الأمْرِ كَما جازَ لِلَّهِ، لا جَرَمَ حَسُنَ تَقَدُّمُ الحَمْدِ أمّا هَهُنا فالعِبادَةُ لَمّا لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِ اللَّهِ لا جَرَمَ قَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى نَعْبُدُ، فَتَعَيَّنَ الصَّرْفُ لِلْعِبادَةِ فَلا يَبْقى في الكَلامِ احْتِمالُ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النُّونُ في قَوْلِهِ نَعْبُدُ إمّا أنْ تَكُونَ نُونَ الجَمْعِ أوْ نُونَ التَّعْظِيمِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ لا يَكُونُ جَمْعًا، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ عِنْدَ أداءِ العِبادَةِ فاللّائِقُ بِالإنْسانِ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ والذِّلَّةِ لا بِالعَظَمَةِ والرِّفْعَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ، كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ:
فالوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ النُّونِ نُونُ الجَمْعِ وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأوْلى بِالإنْسانِ أنْ يُؤَدِّيَ الصَّلاةَ بِالجَماعَةِ، واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ الصَّلاةِ بِالجَماعَةِ مَعْلُومَةٌ في مَوْضِعِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّكْبِيرَةُ الأُولى في صَلاةِ الجَماعَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» “، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لَوْ أكَلَ الثُّومَ أوِ البَصَلَ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْضُرَ الجَماعَةَ لِئَلّا يَتَأذّى مِنهُ إنْسانٌ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذِهِ الطّاعَةُ الَّتِي لَها هَذا الثَّوابُ العَظِيمُ لا يَفِي ثَوابُها بِأنْ يَتَأذّى واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرائِحَةِ الثُّومِ والبَصَلِ، فَإذا كانَ هَذا الثَّوابُ لا يَفِي بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَفِي بِإيذاءِ المُسْلِمِ، وكَيْفَ يَفِي بِالنَّمِيمَةِ والغِيبَةِ والسِّعايَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ يُصَلِّي بِالجَماعَةِ فَيَقُولُ نَعْبُدُ، والمُرادُ مِنهُ ذَلِكَ الجَمْعُ، وإنْ كانَ يُصَلِّي وحْدَهُ كانَ المُرادُ أنِّي أعْبُدُكَ والمَلائِكَةُ مَعِي في العِبادَةِ. فَكانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ نَعْبُدُ هو وجَمِيعُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ فَلَوْ قالَ إيّاكَ أعْبُدُ لَكانَ قَدْ ذَكَرَ عِبادَةَ نَفْسِهِ ولَمْ يَذْكُرْ عِبادَةَ غَيْرِهِ، أمّا لَمّا قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ كانَ قَدْ ذَكَرَ عِبادَةَ نَفْسِهِ وعِبادَةَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ شَرْقًا وغَرْبًا فَكَأنَّهُ سَعى في إصْلاحِ مُهِمّاتِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، وإذا فَعَلَ ذَلِكَ قَضى اللَّهُ مُهِمّاتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن قَضى لِمُسْلِمٍ حاجَةً قَضى اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ حاجاتِهِ» “ .
(p-٢٠١)الوَجْهُ الرّابِعُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِلْعَبْدِ لَمّا أثْنَيْتَ عَلَيْنا بِقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وفَوَّضْتَ إلَيْنا جَمِيعَ مَحامِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُكَ عِنْدَنا وتَمَكَّنَتْ مَنزِلَتُكَ في حَضْرَتِنا، فَلا تَقْتَصِرُ عَلى إصْلاحِ مُهِمّاتِكَ وحْدَكَ، ولَكِنْ أصْلِحْ حَوائِجَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ فَقُلْ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي ما بَلَغَتْ عِبادَتِي إلى حَيْثُ أسْتَحِقُّ أنْ أذْكُرَها وحْدَها؛ لِأنَّها مَمْزُوجَةٌ بِجِهاتِ التَّقْصِيرِ، ولَكِنِّي أخْلِطُها بِعِباداتِ جَمِيعِ العابِدِينَ، وأذْكُرُ الكُلَّ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ وأقُولُ إيّاكَ نَعْبُدُ.
وهَهُنا مَسْألَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وهي أنَّ الرَّجُلَ إذا باعَ مِن غَيْرِهِ عَشَرَةً مِنَ العَبِيدِ فالمُشْتَرِي إمّا أنْ يَقْبَلَ الكُلَّ، أوْ لا يَقْبَلَ واحِدًا مِنها، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْبَلَ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ في تِلْكَ الصَّفْقَةِ فَكَذا هُنا إذا قالَ العَبْدُ إيّاكَ نَعْبُدُ فَقَدْ عَرَضَ عَلى حَضْرَةِ اللَّهِ جَمِيعَ عِباداتِ العابِدِينَ، فَلا يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يُمَيِّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ ويَقْبَلَ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، فَإمّا أنْ يَرُدَّ الكُلَّ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ دَخَلَ فِيهِ عِباداتُ المَلائِكَةِ وعِباداتُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وإمّا أنْ يَقْبَلَ الكُلَّ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ عِبادَةُ هَذا القائِلِ مَقْبُولَةً بِبَرَكَةِ قَبُولِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، والتَّقْدِيرُ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي إنْ لَمْ تَكُنْ عِبادَتِي مَقْبُولَةً فَلا تَرُدَّنِي لِأنِّي لَسْتُ بِوَحِيدٍ في هَذِهِ العِبادَةِ بَلْ نَحْنُ كَثِيرُونَ فَإنْ لَمْ أسْتَحِقَّ الإجابَةَ والقَبُولَ فَأتَشَفَّعُ إلَيْكَ بِعِباداتِ سائِرِ المُتَعَبِّدِينَ فَأجِبْنِي.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن عَرَفَ فَوائِدَ العِبادَةِ طابَ لَهُ الِاشْتِغالُ بِها؛ وثَقُلَ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِها، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ بِالذّاتِ، وأكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ وأقْواها في كَوْنِها سَعادَةً اشْتِغالُهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ بِنُورِ الإلَهِيَّةِ، ويَتَشَرَّفُ لِسانُهُ بِشَرَفِ الذِّكْرِ والقِراءَةِ، وتَتَجَمَّلُ أعْضاؤُهُ بِجَمالِ خِدْمَةِ اللَّهِ، وهَذِهِ الأحْوالُ أشْرَفُ المَراتِبِ الإنْسانِيَّةِ والدَّرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، فَإذا كانَ حُصُولُ هَذِهِ الأحْوالِ أعْظَمَ السَّعاداتِ الإنْسانِيَّةِ في الحالِ، وهي مُوجِبَةٌ أيْضًا لِأكْمَلِ السَّعاداتِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَمَن وقَفَ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ زالَ عَنْهُ ثِقَلُ الطّاعاتِ وعَظُمَتْ حَلاوَتُها في قَلْبِهِ.
الثّانِي: أنَّ العِبادَةَ أمانَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧٢] وأداءُ الأمانَةِ واجِبٌ عَقْلًا وشَرْعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] وأداءُ الأمانَةِ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ بِالذّاتِ؛ ولِأنَّ أداءَ الأمانَةِ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ سَبَبٌ لِأداءِ الأمانَةِ مِنَ الجانِبِ الثّانِي، قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: رَأيْتُ أعْرابِيًّا أتى بابَ المَسْجِدِ فَنَزَلَ عَنْ ناقَتِهِ وتَرَكَها ودَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ ودَعا بِما شاءَ، فَتَعَجَّبْنا، فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ ناقَتَهُ فَقالَ: إلَهِي أدَّيْتُ أمانَتَكَ فَأيْنَ أمانَتِي ؟ قالَ الرّاوِي فَزِدْنا تَعَجُّبًا، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى جاءَ رَجُلٌ عَلى ناقَتِهِ وقَدْ قُطِعَ يَدُهُ وسَلَّمَ النّاقَةَ إلَيْهِ، والنُّكْتَةُ أنَّهُ لَمّا حَفِظَ أمانَةَ اللَّهِ حَفِظَ اللَّهُ أمانَتَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ”«يا غُلامُ احْفَظِ اللَّهَ في الخَلَواتِ يَحْفَظْكَ في الفَلَواتِ» “ .
الثّالِثُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالعِبادَةِ انْتِقالٌ مِن عالَمِ الغُرُورِ إلى عالَمِ السُّرُورِ، ومِنَ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ اللَّذَّةِ والبَهْجَةِ. يُحْكى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وتَفَرَّقَ النّاسُ، وكانَ أبُو حَنِيفَةَ في الصَّلاةِ ولَمْ يَشْعُرْ بِها. ووَقَعَتِ الآكِلَةُ في بَعْضِ أعْضاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، واحْتاجُوا إلى قَطْعِ ذَلِكَ العُضْوِ، فَلَمّا شَرَعَ في الصَّلاةِ قَطَعُوا مِنهُ ذَلِكَ العُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةَ بِذَلِكَ القَطْعِ. وعَنْ رَسُولِ (p-٢٠٢)اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ حِينَ يَشْرَعُ في الصَّلاةِ كانُوا يَسْمَعُونَ مِن صَدْرِهِ أزِيزًا كَأزِيزِ المِرْجَلِ، ومَنِ اسْتَبْعَدَ هَذا فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] فَإنَّ النِّسْوَةَ لَمّا غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِنَّ جَمالُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَلَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ حَيْثُ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وما شَعَرْنَ بِذَلِكَ، فَإذا جازَ هَذا في حَقِّ البَشَرِ فَلَأنْ يَجُوزَ عِنْدَ اسْتِيلاءِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَلى القَلْبِ أوْلى، ولَأنَّ مَن دَخَلَ عَلى مَلِكٍ مَهِيبٍ فَرُبَّما مَرَّ بِهِ أبَواهُ وبَنُوهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يَعْرِفُهم لِأجْلِ أنَّ اسْتِيلاءَ هَيْبَةِ ذَلِكَ تَمْنَعُ القَلْبَ عَنِ الشُّعُورِ بِهِمْ، فَإذا جازَ هَذا في حَقِّ مَلِكٍ مَخْلُوقٍ مُجازى فَلَأنْ يَجُوزَ في حَقِّ خالِقِ العالَمِ أوْلى.
ثُمَّ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: العِبادَةُ لَها ثَلاثُ دَرَجاتٍ:
الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ طَمَعًا في الثَّوابِ أوْ هَرَبًا مِنَ العِقابِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالعِبادَةِ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ نازِلَةٌ ساقِطَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ مَعْبُودَهُ في الحَقِيقَةِ هو ذَلِكَ الثَّوابُ، وقَدْ جَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً إلى نَيْلِ المَطْلُوبِ، ومَن جَعَلَ المَطْلُوبَ بِالذّاتِ شَيْئًا مِن أحْوالِ الخَلْقِ وجَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً إلَيْهِ؛ فَهو خَسِيسٌ جِدًّا.
والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأجْلِ أنْ يَتَشَرَّفَ بِعِبادَتِهِ، أوْ يَتَشَرَّفَ بِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ أعْلى مِنَ الأُولى؛ إلّا أنَّها أيْضًا لَيْسَتْ كامِلَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ غَيْرُ اللَّهِ.
والدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِكَوْنِهِ إلَهًا وخالِقًا، ولِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، والإلَهِيَّةُ تُوجِبُ الهَيْبَةَ والعِزَّةَ، والعُبُودِيَّةُ تُوجِبُ الخُضُوعَ والذِّلَّةَ، وهَذا أعْلى المَقاماتِ وأشْرَفُ الدَّرَجاتِ، هَذا هو المُسَمّى بِالعُبُودِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ المُصَلِّي في أوَّلِ الصَّلاةِ: أُصَلِّي لِلَّهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ قالَ أصُلِّي لِثَوابِ اللَّهِ، أوْ لِلْهَرَبِ مِن عِقابِهِ؛ فَسَدَتْ صَلاتُهُ.
واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ والعُبُودِيَّةَ مَقامٌ عالٍ شَرِيفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ:
الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧] والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ المَوْتُ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِالعِبادَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ جَلالَةِ أمْرِ العِبادَةِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾؛ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: التَّسْبِيحُ: وهو قَوْلُه فَسَبِّحْ؛ والتَّحْمِيدُ: وهو قَوْلُهُ: بِحَمْدِ رَبِّكَ؛ والسُّجُودُ: وهو قَوْلُهُ: وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ؛ والعِبادَةُ: وهي قَوْلُهُ: واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِبادَةَ تُزِيلُ ضِيقَ القَلْبِ، وتُفِيدُ انْشِراحَ الصَّدْرِ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ العِبادَةَ تُوجِبُ الرُّجُوعَ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ زَوالَ ضِيقِ القَلْبِ.
الآيَةُ الثّانِيَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] ولَوْلا أنَّ العُبُودِيَّةَ أشْرَفُ المَقاماتِ، وإلّا لَما وصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ في أعْلى مَقاماتِ المِعْراجِ، ومِنهم مَن قالَ: العُبُودِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ بِالعُبُودِيَّةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وبِالرِّسالَةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ، وأيْضًا بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ يَنْعَزِلُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وبِسَبَبِ الرِّسالَةِ يُقْبِلُ عَلى التَّصَرُّفاتِ، واللّائِقُ بِالعَبْدِ الِانْعِزالُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وأيْضًا العَبْدُ يَتَكَفَّلُ المَوْلى بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ، والرَّسُولُ هو المُتَكَفِّلُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الأُمَّةِ، وشَتّانَ ما بَيْنَهُما.
(p-٢٠٣)الآيَةُ الثّالِثَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: أنَّ عِيسى أوَّلَ ما نَطَقَ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وصارَ ذِكْرُهُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ سَبَبًا لِطَهارَةِ أُمِّهِ، ولِبَراءَةِ وُجُودِهِ عَنِ الطَّعْنِ، وصارَ مِفْتاحًا لِكُلِّ الخَيْراتِ، ودافِعًا لِكُلِّ الآفاتِ، وأيْضًا لَمّا كانَ أوَّلُ كَلامِ عِيسى ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عاقِبَتُهُ الرِّفْعَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ادَّعى العُبُودِيَّةَ بِالقَوْلِ رُفِعَ إلى الجَنَّةِ، والَّذِي يَدَّعِيها بِالعَمَلِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ كَيْفَ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الجَنَّةِ ؟ .
الآيَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ لِأنَ التَّوْحِيدَ أصْلٌ والعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، والتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ والعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، ولا قِوامَ لِأحَدِهِما إلّا بِالآخَرِ، فَهَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ.
وأمّا المَعْقُولُ فَظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ مُحْدَثٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَلَوْلا تَأْثِيرُ قُدْرَةِ الحَقِّ فِيهِ لَبَقِيَ في ظُلْمَةِ العَدَمِ وفي فَناءِ الفَناءِ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الوُجُودُ فَضْلًا عَنْ كَمالاتِ الوُجُودِ، فَلَمّا تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ الحَقِّ بِهِ وفاضَتْ عَلَيْهِ آثارُ جُودِهِ وإيجادِهِ حَصَلَ لَهُ الوُجُودُ وكَمالاتُ الوُجُودِ ولا مَعْنى لِكَوْنِهِ مَقْدُورَ قُدْرَةِ الحَقِّ، ولِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ إيجادِ الحَقِّ إلّا العُبُودِيَّةُ، فَكُلُّ شَرَفٍ وكَمالٍ وبَهْجَةٍ وفَضِيلَةٍ ومَسَرَّةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ فَإنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَ العُبُودِيَّةَ مِفْتاحُ الخَيْراتِ، وعُنْوانُ السَّعاداتِ، ومَطْلَعُ الدَّرَجاتِ، ويَنْبُوعُ الكَراماتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ العَبْدُ: إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَقُولُ: كَفى بِي فَخْرًا أنْ أكُونَ لَكَ عَبْدًا، وكَفى بِي شَرَفًا أنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، اللَّهُمَّ إنِّي وجَدْتُكَ إلَهًا كَما أرَدْتَ فاجْعَلْنِي عَبْدًا كَما أرَدْتَ.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَقاماتِ مَحْصُورَةٌ في مَقامَيْنِ: مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ ومَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِما يَحْصُلُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أمّا مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكَمالُها مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَكَوْنُ العَبْدِ مُنْتَقِلًا مِنَ العَدَمِ السّابِقِ إلى الوُجُودِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، وحُصُولُ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لِلْعَبْدِ حالَ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا، وأحْوالُ مَعادِ العَبْدِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وعِنْدَ الإحاطَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى أقْصى الغاياتِ، وبَعْدَها جاءَتْ مَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، ولَها مَبْدَأٌ وكَمالٌ وأوَّلُ وآخِرُ، أمّا مَبْدَؤُها وأوَّلُها فَهو الِاشْتِغالُ بِالعُبُودِيَّةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأمّا كَمالُها فَهو أنْ يَعْرِفَ العَبْدُ أنْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ في تَحْصِيلِ كُلِّ المَطالِبِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَمّا تَمَّ الوَفاءُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وبِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الفائِدَةِ والثَّمَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عالٍ يَمْتَنِعُ في العُقُولِ حُصُولُ تَرْتِيبٍ آخَرَ أشْرَفَ مِنهُ.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كُلُّهُ مَذْكُورٌ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انْتِقالٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ الخِطابِ، فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُصَلِّيَ كانَ أجْنَبِيًّا عِنْدَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ أثْنى عَلى اللَّهِ بِألْفاظِ المُغايَبَةِ إلى قَوْلِهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ حَمِدْتَنِي وأقْرَرْتَ بِكَوْنِي إلَهًا رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا (p-٢٠٤)مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، فَنِعْمَ العَبْدُ أنْتَ قَدْ رَفَعْنا الحِجابَ وأبْدَلْنا البُعْدَ بِالقُرْبِ فَتَكَلَّمْ بِالمُخاطَبَةِ وقُلْ إيّاكَ نَعْبُدُ.
الوَجْهُ الثّانِي: إنَّ أحْسَنَ السُّؤالِ ما وقَعَ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ، ألا تَرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا سَألُوا رَبَّهم شافَهُوهُ بِالسُّؤالِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠]، ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ [الشعراء: ٨٣]، ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الرَّدَّ مِنَ الكَرِيمِ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ والمُخاطَبَةِ بَعِيدٌ، وأيْضًا العِبادَةُ خِدْمَةٌ والخِدْمَةُ في الحُضُورِ أوْلى.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثَناءً، والثَّناءُ في الغَيْبَةِ أوْلى، ومِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ دُعاءٌ، والدُّعاءُ في الحُضُورِ أوْلى. الوَجْهُ الرّابِعُ: العَبْدُ لَمّا شَرَعَ في الصَّلاةِ وقالَ نَوَيْتُ أنْ أُصَلِّيَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ فَيَنْوِي حُصُولَ القُرْبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّيَّةِ أنْواعًا مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فاقْتَضى كَرَمُ اللَّهِ إجابَتَهُ في تَحْصِيلِ تِلْكَ القُرْبَةِ، فَنَقَلَهُ مِن مَقامِ الغَيْبَةِ إلى مَقامِ الحُضُورِ، فَقالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
* * *
الفَصْلُ السّادِسُ
فِي قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القادِرَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَما لَمْ يَحْصُلِ المُرَجَّحُ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحانُ، وذَلِكَ المُرَجَّحُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لَعادَ في الطَّلَبِ، فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى الفِعْلِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الحَقَّ والِاعْتِقادَ الصِّدْقَ مَعَ اسْتِوائِهِمْ في القُدْرَةِ والعَقْلِ والجِدِّ والطَّلَبِ، فَفَوْزُ البَعْضِ بِدَرْكِ الحَقِّ لا يَكُونُ إلّا بِإعانَةِ مُعِينٍ، وما ذاكَ المُعِينُ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ ذَلِكَ المُعِينَ لَوْ كانَ بَشَرًا أوْ مَلَكًا لَعادَ الطَّلَبُ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُطالَبُ بِشَيْءٍ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ في أثْناءِ حالٍ أوْ وقْتٍ يَأْتِي بِهِ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، ولا يَتَّفِقُ لَهُ تِلْكَ الحالَةُ إلّا إذا وقَعَتْ داعِيَةٌ جازِمَةٌ في قَلْبِهِ تَدْعُوهُ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَإلْقاءُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في القَلْبِ وإزالَةُ الدَّواعِي المُعارِضَةِ لَها لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا مَعْنى لِلْإعانَةِ إلّا ذَلِكَ.
وأمّا النَّقْلُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: أُولاها: قَوْلُهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وثانِيتُها: قَوْلُهُ ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقَدِ اضْطَرَبَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ لَما كانَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى الفِعْلِ فائِدَةٌ، وأمّا القَدَرِيَّةُ فَقالُوا الِاسْتِعانَةُ إنَّما تَحْسُنُ لَوْ كانَ العَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِن أصْلِ الفِعْلِ، فَتَبْطُلُ الإعانَةُ مِنَ الغَيْرِ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الفِعْلِ لَمْ تَكُنْ لِلِاسْتِعانَةِ فائِدَةٌ.
وعِنْدِي أنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ في الفِعْلِ إلّا مَعَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، فالإعانَةُ المَطْلُوبَةُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ وإزالَةِ الدّاعِيَةِ الصّارِفَةِ. ولْنَذْكُرْ ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ اللَّطائِفِ والفَوائِدِ:
الفائِدَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِعانَةُ عَلى العَمَلِ إنَّما تَحْسُنُ قَبْلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ وهَهُنا ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: كَأنَّ المُصَلِّيَ يَقُولُ: شَرَعْتُ في العِبادَةِ فَأسْتَعِينُ بِكَ في إتْمامِها، فَلا تَمْنَعْنِي مِن إتْمامِها بِالمَوْتِ ولا بِالمَرَضِ ولا بِقَلْبِ الدَّواعِي وتَغَيُّرِها.
الثّانِي: كَأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: يا إلَهِي إنِّي أتَيْتُ بِنَفْسِي إلّا أنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأسْتَعِينُ (p-٢٠٥)بِكَ في إحْضارِهِ وكَيْفَ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ إحْضارُ القَلْبِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: لا أُرِيدُ في الإعانَةِ غَيْرَكَ لا جِبْرِيلَ ولا مِيكائِيلَ بَلْ أُرِيدُكَ وحْدَكَ وأقْتَدِي في هَذا المَذْهَبِ بِالخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَيَّدَ نُمْرُوذُ رِجْلَيْهِ ويَدَيْهِ ورَماهُ في النّارِ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَقالَ: سَلْهُ، فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، بَلْ رُبَّما أزِيدُ عَلى الخَلِيلِ في هَذا البابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قُيِّدَ رِجْلاهُ ويَداهُ لا غَيْرَ، وأمّا أنا فَقُيِّدَتْ رِجْلَيَّ فَلا أسِيرُ، ويَدَيَّ فَلا أُحَرِّكُهُما، وعَيْنَيَّ فَلا أنْظُرُ بِهِما، وأُذُنَيَّ فَلا أسْمَعُ بِهِما، ولِسانِي فَلا أتَكَلَّمُ بِهِ، وكانَ الخَلِيلُ مُشْرِفًا عَلى نارِ نُمْرُوذَ وأنا مُشْرِفٌ عَلى نارِ جَهَنَّمَ، فَكَما لَمْ يَرْضَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَيْرِكَ مُعِينًا فَكَذَلِكَ لا أُرِيدُ مُعِينًا غَيْرَكَ، فَإيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أتَيْتَ بِفِعْلِ الخَلِيلِ وزِدْتَ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نَزِيدُ أيْضًا في الجَزاءِ لِأنّا ثَمَّتَ قُلْنا: ﴿يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] وأمّا أنْتَ فَقَدْ نَجَّيْناكَ مِنَ النّارِ، وأوْصَلْناكَ إلى الجَنَّةِ، وزِدْناكَ سَماعَ الكَلامِ القَدِيمِ، ورُؤْيَةَ المَوْجُودِ القَدِيمِ، وكَما أنّا قُلْنا لِنارِ نُمْرُوذَ ”﴿يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾“ فَكَذَلِكَ تَقُولُ لَكَ نارُ جَهَنَّمَ: «جُزْ يا مُؤْمِنُ قَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي» .
الرّابِعُ: إيّاكَ نَسْتَعِينُ: أيْ: لا أسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ لا يُمْكِنُهُ إعانَتِي إلّا إذا أعَنْتَهُ عَلى تِلْكَ الإعانَةِ، فَإذا كانَتْ إعانَةُ الغَيْرِ لا تَتِمُّ إلّا بِإعانَتِكَ فَلْنَقْطَعْ هَذِهِ الواسِطَةَ ولْنَقْتَصِرْ عَلى إعانَتِكَ.
الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ رُتْبَةٍ عَظِيمَةٍ لِلنَّفْسِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُورِثُ العُجْبَ فَأرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ العِبادَةِ ما حَصَلَتْ مِن قُوَّةِ العَبْدِ، بَلْ إنَّما حَصَلَتْ بِإعانَةِ اللَّهِ فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إزالَةُ العُجْبِ، وإفْناءُ تِلْكَ النَّخْوَةِ والكِبْرِ.
saadi — تيسير الكريم الرحمن
وقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك. وقدم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده. و ﴿العبادة﴾ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة. و ﴿الاستعانة﴾ هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله ﷺ مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر ﴿الاستعانة﴾ بعد ﴿العبادة﴾ مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.
saadi
وقوله
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة, لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور, ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين بغيرك. وقدم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده. و
{ العبادة }
اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. و
{ الاستعانة }
هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة, إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة, وذكر
{ الاستعانة }
بعد
{ العبادة }
مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب النواهي.
samaani — تفسير السمعاني
قَوْله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ ، قَوْله: ﴿إياك نعْبد﴾ بِمَعْنى نَحن نعبدك، وَالْعِبَادَة: هِيَ الطَّاعَة مَعَ التذلل والخضوع، يُقَال: طَرِيق معبد: أَي مذلل، وَمَعْنَاهُ: نعبدك خاضعين.
﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ أَي: نطلب مِنْك المعونة، فَإِن قيل: لم قدم ذكر الْعِبَادَة على الِاسْتِعَانَة؛ تكون قبل الْعِبَادَة؟ وَلم ذكر قَوْله: إياك مرَّتَيْنِ، وَكَانَ يكفى أَن يَقُول: إياك نعْبد ونستعين؛ فَإِنَّهُ أوجز وألخص؟ يُقَال: أما الأول فَإِنَّمَا يلْزم من يَجْعَل الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل، وَنحن بِحَمْد الله نجْعَل الِاسْتِعَانَة والتوفيق مَعَ الْفِعْل، سَوَاء قرنه بِهِ أم أَخّرهُ جَازَ.
أَو يُقَال: لِأَن الِاسْتِعَانَة نوع تعبد، فَكَأَنَّهُ ذكر جملَة الْعِبَادَة، ثمَّ ذكر مَا هُوَ من تفاصيلها.
وَأما قَوْله: ﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ إِنَّمَا كَرَّرَه لِأَنَّهُ لَو اقْتصر على قَوْله: إياك نعْبد ونستعين؛ ليعلم أَنه المعبود، وَأَنه الْمُسْتَعَان، وعَلى أَن الْعَرَب قد تَتَكَلَّم بِمثل هَذَا، قد يدْخل الْكَلَام تجريدا أَو تفخيما وتعظيما. وَلَا يعد ذَلِك عَيْبا، كَمَا تَقول الْعَرَب: " هَذَا الْمَالِك بَين زيد، وَبَين عَمْرو "، وَإِن كَانَ يُفِيد قَوْلهم: " المَال بَين زيد، وَعَمْرو ". مَا يُفِيد الأول، وَلَا يعد ذَلِك عَيْبا فِي الْكَلَام؛ بل عد تفخيما وتجزيلا فِي الْكَلَام.
samarqandi — بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال:
حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.
وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل:
لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.
وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.
وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال:
اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر:
أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال:
أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم:
فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.
سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب.
فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.
وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال:
الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل:
(الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.
وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم:
الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.
وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.
والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.
قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.
قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.
وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي.
ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.
قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل:
أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.
وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.
قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم.
أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال:
حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.
وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى:
من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .
«آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل:
تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
وقال الآخر:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا
وصلى الله على سيدنا محمد.
shawkani — فتح القدير
قِراءَةُ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الكَسْرِ، وقَرَأ الفَضْلُ والرَّقاشِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو السَّوّارِ الغَنَوِيُّ هَيّاكَ في المَوْضِعَيْنِ وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.
والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ هو إيّا وما يَلْحَقُهُ مِنَ الكافِ والهاءِ والياءِ هي حُرُوفٌ لِبَيانِ الخِطابِ والغَيْبَةِ والتَّكَلُّمِ، ولا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: لِلِاهْتِمامِ، والصَّوابُ أنَّهُ لَهُما ولا تَزاحُمَ بَيْنَ المُقْتَضَياتِ.
والمَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ ونَخُصُّكَ بِالِاسْتِعانَةِ لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ ولا نَسْتَعِينُهُ، والعِبادَةُ أقْصى غاياتِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَمّا يَجْمَعُ كَمالَ المَحَبَّةِ والخُضُوعِ والخَوْفِ، وعَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ الِالتِفاتِ، لِأنَّ الكَلامَ إذا نُقِلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ كانَ أحْسَنَ تَطْرِيَةً لِنَشاطِ السّامِعِ وأكْثَرَ إيقاظًا لَهُ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي.
والمَجِيءُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ لِقَصْدِ الإخْبارِ مِنَ الدّاعِي عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، وقِيلَ: إنَّ المَقامَ لَمّا كانَ عَظِيًما لَمْ يَسْتَقِلَّ بِهِ الواحِدُ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ واسْتِصْغارًا لَها، فالمَجِيءُ بِالنُّونِ لِقَصْدِ التَّواضُعِ لا لِتَعْظِيمِ النَّفْسِ، وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ لِكَوْنِ الأُولى وسِيلَةً إلى الثّانِيَةِ، وتَقْدِيمُ الوَسائِلِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ المَطالِبِ، وإطْلاقُ الِاسْتِعانَةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ: يَعْنِي إيّاكَ نُوَحِّدُ ونَخافُ يا رَبَّنا لا غَيْرَكَ، وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلى طاعَتِكَ وعَلى أُمُورِنا كُلِّها.
وحَكى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: يَأْمُرُكم أنْ تُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ وأنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلى أمْرِكم.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ المُعَلّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي ونِصْفُها لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، إذا قالَ العَبْدُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ» .
وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ والباوَرْدِيُّ مَعًا في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «" كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في غَزاةٍ فَلَقِيَ العَدُوَّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ الرِّجالَ تُصْرَعُ فَتَضْرِبُها المَلائِكَةُ مِن بَيْنِ يَدَيْها ومِن خَلْفِها» " .
suyuti_durr — الدر المنثور في التفسير بالمأثور
﴿إيّاكَ نَعْبُد وإيّاكَ نَسْتَعِين﴾ أيْ نَخُصّك بِالعِبادَةِ مِن تَوْحِيد وغَيْره ونَطْلُب المَعُونَة عَلى العِباد وغَيْرها.
tabary
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
(5)
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ .
قال أبو جعفر: وتأويل قوله
(إيَّاكَ نعبُدُ)
: لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك.
171 - كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد:
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )
، إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك
(100)
.
وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا. وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف- وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة- لأنّ العبودية، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة: معبَّدًا . ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد:
تُبَــارِي عِتَاقًــا نَاجيـاتٍ وأَتْبَعـت
وَظِيفًــا وظيفًـا فـوق مَـوْرٍ مُعَبَّـدِ
(101)
يعني بالموْر: الطريق. وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء
(102)
. ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج: معبَّد. ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه. والشواهد على ذلك -من أشعار العرب وكلامها- أكثرُ من أن تُحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.
القول في تأويل قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .
قال أبو جعفر: ومعنى قوله:
( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
: وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها -لا أحدًا سواك، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة.
172 - كالذي حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، ص
[ 1-162 ]
قال: حدثني بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس:
( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
، قال: إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها
(103)
.
فإن قال قائل: وما معنى أمر الله عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته ؟ أوَ جائزٌ، وقد أمرهم بطاعته، أن لا يعينهم عليها؟ أم هل يقول قائل لربه: إياك نستعين على طاعتك، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ، وذلك هو الطاعة. فما وجهُ مسألة العبد ربَّه ما قد أعطاه إياه؟
قيل: إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما الداعي ربَّه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عُمره على ما كلّفه من طاعته، دون ما قد تَقضَّى ومَضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره . وجازت مسألةُ العبد ربَّه ذلك، لأن إعطاء الله عبدَه ذلك -مع تمكينه جوارحَه لأداء ما كلَّفه من طاعته، وافترض عليه من فرائضه، فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل به عليه، ولُطْف منه لَطَف له فيه. وليس في تَركه التفضُّلَ على بعض عبيده بالتوفيق -مع اشتغال عبده بمعصيته، وانصرافه عن مَحبته، ولا في بَسطه فضلَه على بعضهم، مع إجهاد العبد نفسه في مَحبته، ومسارعته إلى طاعته -فسادٌ في تدبير، ولا جَور في حكم، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله في أمرِه عبدَه بمسألته عَونَه على طاعته
(104)
.
وفي أمر الله جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا:
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
، بمعنى مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض من أهل القدر
(105)
، الذين أحالوا أن يأمُرَ الله أحدًا من عبيده بأمرٍ، أو يكلّفه ص
[1-163 ]
فرضَ عمل، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعلِه وعلى تركِه. ولو كانَ الذي قالوا من ذلك كما قالوا ، لبطلت الرَّغبة إلى الله في المعونة على طاعته. إذ كان -على قولهم، مع وجود الأمر والنهي والتكليف- حقًّا واجبًا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبدُه أو تركَ مسألة ذلك . بل تَرك إعطائه ذلك عندهم منه جَورٌ. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا، لكان القائل :
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور.
وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا -على تصويب قول القائل:
" اللهم إنا نستعينك "
، وتخطئَتِهم قول القائل:
" اللهم لا تَجُرْ علينا "
- دليل واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم. إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم : " اللهم إنّا نستعينك- اللهم لا تترك مَعونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ منك.
فإن قال قائل : وكيف قيل:
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
، فقُدِّم الخبرُ عن العِبادة، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها؟ وإنما تكون العِبادة بالمعونة، فمسألةُ المعونة كانت أحقَّّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل والعبادةُ بها.
قيل: لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل- كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه . كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها:
" قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ "
، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك، أو قلتَ: أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي"، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة. لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قول القائل: اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك، وقوله : اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ.
ص
[1-164 ]
قال أبو جعفر: وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذي معناه التأخيرُ، كما قال امرؤ القيس:
ولَـوْ أَنّ مَـا أسْـعَى لأَدْنَـى مَعِيشـةٍ
كَفـاني, ولـم أطلُـبْ, قليلٌ من المالِ
(106)
يريد بذلك: كفاني قليلٌ من المال ولم أطلب كثيرًا. وذلك -من معنى التقديم والتأخير، ومن مشابهة بيت امرئ القيس- بمعْزِل. من أجل أنّه قد يكفيه القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ، فليس وُجودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له تركَ طلب الكثير، فيكونَ نظيرَ العبادة التي بوجُودها وجود المعونة عليها، وبوجود المعونة عليها وُجُودها، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالا على الآخر، فيعتدلَ في صحة الكلام تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبه، أن يكونَ موضوعًا في درجته ومرتَّبًا في مرتَبتِه.
فإن قال: فما وجْه تكراره:
" إياك "
مع قوله :
" نستعين "
، وقد تقدَّم ذلك قَبْل نَعْبُدُ ؟ وهلا قيل:
" إياك نعبُدُ ونستعين "
، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ، هو المخبر عنه أنه المستعانُ؟
قيل له: إن الكاف التي مع
" إيَّا "
، هي الكاف التي كانت تصل بالفعل -أعني بقوله: نَعْبُدُ -لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل. وهي كنايةُ اسم المخاطبِ المنصوب بالفعل، فكُثِّرت بـ
" إيّا "
متقدِّمةً، إذْ كان الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد.
فلمّا كانت الكاف من
" إياكَ "
هي كنايةَ اسم المخاطَب التي كانت تكون كافًا وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ فعل اتصلتْ به، فيقال:
" اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك "
، وكان ذلك أفصحَ في كلام العرب من أن يقال:
" اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد "
- كان كذلك، إذا قدِّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولةً بـ
" إيّا "
، كان الأفصح إعادَتها مع كل فعل. كما كان الفصيحُ من الكلام إعادَتها مع &; 1-165 &; كل فعل، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به، وإن كان تركُ إعادتها جائزًا.
وقد ظنّ بعضُ من لم يُنعم النظرَ
(107)
أنّ إعادة
" إياك "
مع
" نستعين "
، بعد تقدّمها في قوله:
" إياك نستعين "
، بمعنى قول عدي بن زيد العِبَاديّ:
وجَـاعِل الشَّـمس مِصْـرًا لا خَفَاءَ بِه
بَيْـن النَّهـارِ وَبيْـنَ اللَّيـل قد فَصَلا
(108)
وكقول أعشى هَمْدان:
بَيْــنَ الأشَــجِّ وبَيْـنَ قَيْسٍ بـاذخٌ
بَـــخْ بَــخْ لوَالِــدِهِ وللمَولُــودِ
(109)
وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ
" إيّاك "
أن تكون مكررة مع كل فعل، لما وصفنا آنفًا من العلة، وليس ذلك حُكم
" بين "
لأنها لا تكون -إذ اقتضت اثنين- إلا تكريرًا إذا أعيدت، إذْ كانت لا تنفَرد بالواحد. وأنها لو أفْرِدت بأحد الاسمين، في حال اقتضائها اثنين، كان الكلام كالمستحيل. وذلك أنّ قائلا لو قال:
" الشمس قد فَصَلت بين النهار "
، لكان من الكلام خَلْفًا
(110)
لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه، من تمامه الذي يقتضيه
" بين "
.
ولو قال قائل:
" اللهمّ إياك نعبد "
، لكان ذلك كلامًا تامًّا. فكان معلومًا بذلك أنّ حاجةَ كلِّ كلمةٍ -كانت نظيرةَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ - إلى
" إياك "
كحاجة ص
[ 1-166 ]
نَعْبُدُ إليها
(111)
وأنّ الصواب أن تكونَ معها
" إياك "
، إذْ كانت كل كلمة منها جملةَ خبرِ مبتدأ، وبيّنًا حُكم مخالفة ذلك حُكم
" بين "
فيما وَفّق بينهما الذي وصفنا قوله.
------------
الهوامش :
(100)
الخبر 171 - إسناده ضعيف ، بيناه في : 137 . وهذا الخبر والذي بعده 172 جمعهما السيوطي 1 : 14 ، ونسبهما أيضًا لابن أبي حاتم .
(101)
ديوان الستة الجاهليين : 31 . يصف ناقته . تباري : تجاريها وتسابقها . والعتاق جمع عتيق : وهو الكريم المعرق في كرم الأصل . وناجيات : مسرعات في السير ، من النجاء ، وهو سرعة السير . والوظيف : من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوظيف هنا : الخف .
(102)
في المخطوطة :
"الموطن"
، وهو قريب المعنى .
(103)
الخبر 172 - هو بالإسناد الضعيف قبله . وأشرنا إليه هناك .
(104)
في المطبوعة :
"حكم الله وأمره عبده"
، وفي المخطوطة :
"حكم الله امره"
بغير واو . والذي أثبتناه أصوب . والحكم : الحكمة ، كما مر مرارًا
(105)
أهل القدر : هم نفاة القدر لا مثبتوه . والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية . يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان
(أي رد إليه)
، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده .
(106)
ديوانه 1 : 71 .
(107)
في المطبوعة :
"لم يمعن النظر"
، بدلوها ، كما فعلوا في ص : 55 ، تعليق : 3 .
(108)
في اللسان
(مصر)
منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت . واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد . والمصر : الحاجز والحد بين الشيئين . يقول : جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار .
(109)
ديوان الأعشين : 323 ، والأغاني 6 : 46 ، 61 . وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح ، كان أحد الفقهاء القراء ، ثم ترك ذلك وقال الشعر . يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان خرج على الحجاج ، فخرج معه الفقهاء والقراء ، فلما أسر الحجاج الأعشى ، قال له : ألست القائل : وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا! وقتله . الأشج : هو الأشعث والد عبد الحمن ، وقيس جده . وبخ بخ : كلمة للتعظيم والتفخيم . وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار
"بين"
، مع غير الضمير المتصل ، ومثلهما كثير . وأهل عصرنا يخطئون من يقوله ، وهم في شرك الخطأ .
(110)
الخلف
(بفتح فسكون)
: الرديء من القول . يقال هذا خلف من القول ، أي رديء . وفي المثل :
"سكت ألفًا ونطق خلفًا"
، يقال للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ . أي سكت دهرًا طويلًا ، ثم تكلم بخطأ . كنى بالألف عن الزمن الطويل ، ألف ساعة مثلا .
(111)
يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية ، فلذلك وجب تكرارها . سياق العبارة :
"فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة . . . وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها . . . وكان بينًا . . . "
إلى آخر الفقرة .
tabary — جامع البيان
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ .
قال أبو جعفر: وتأويل قوله ﴿إيَّاكَ نعبُدُ﴾ : لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك.
١٧١ - كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريلُ لمحمد ﷺ: قل يا محمد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك [[الخبر ١٧١ - إسناده ضعيف، بيناه في: ١٣٧. وهذا الخبر والذي بعده ١٧٢ جمعهما السيوطي ١: ١٤، ونسبهما أيضًا لابن أبي حاتم.]] .
وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا. وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف- وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة- لأنّ العبودية، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة: معبَّدًا. ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد:
تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت ... وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ [[ديوان الستة الجاهليين: ٣١. يصف ناقته. تباري: تجاريها وتسابقها. والعتاق جمع عتيق: وهو الكريم المعرق في كرم الأصل. وناجيات: مسرعات في السير، من النجاء، وهو سرعة السير. والوظيف: من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه. وعنى بالوظيف هنا: الخف.]]
يعني بالموْر: الطريق. وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء [[في المخطوطة: "الموطن"، وهو قريب المعنى.]] . ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج: معبَّد. ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه. والشواهد على ذلك -من أشعار العرب وكلامها- أكثرُ من أن تُحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها -لا أحدًا سواك، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة.
١٧٢ - كالذي حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثني بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، قال: إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها [[الخبر ١٧٢ - هو بالإسناد الضعيف قبله. وأشرنا إليه هناك.]] .
فإن قال قائل: وما معنى أمر الله عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته؟ أوَ جائزٌ، وقد أمرهم بطاعته، أن لا يعينهم عليها؟ أم هل يقول قائل لربه: إياك نستعين على طاعتك، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ، وذلك هو الطاعة. فما وجهُ مسألة العبد ربَّه ما قد أعطاه إياه؟
قيل: إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه، وإنما الداعي ربَّه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عُمره على ما كلّفه من طاعته، دون ما قد تَقضَّى ومَضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره. وجازت مسألةُ العبد ربَّه ذلك، لأن إعطاء الله عبدَه ذلك -مع تمكينه جوارحَه لأداء ما كلَّفه من طاعته، وافترض عليه من فرائضه، فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل به عليه، ولُطْف منه لَطَف له فيه. وليس في تَركه التفضُّلَ على بعض عبيده بالتوفيق -مع اشتغال عبده بمعصيته، وانصرافه عن مَحبته، ولا في بَسطه فضلَه على بعضهم، مع إجهاد العبد نفسه في مَحبته، ومسارعته إلى طاعته -فسادٌ في تدبير، ولا جَور في حكم، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله في أمرِه عبدَه بمسألته عَونَه على طاعته [[في المطبوعة: "حكم الله وأمره عبده"، وفي المخطوطة: "حكم الله امره" بغير واو. والذي أثبتناه أصوب. والحكم: الحكمة، كما مر مرارًا]] .
وفي أمر الله جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، بمعنى مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض من أهل القدر [[أهل القدر: هم نفاة القدر لا مثبتوه. والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية. يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان (أي رد إليه) ، فإرادته كافية في إيجاد فعله، طاعة كان أو معصية، وهو خالق لأفعاله، والاختيار بيده.]] ، الذين أحالوا أن يأمُرَ الله أحدًا من عبيده بأمرٍ، أو يكلّفه فرضَ عمل، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعلِه وعلى تركِه. ولو كانَ الذي قالوا من ذلك كما قالوا، لبطلت الرَّغبة إلى الله في المعونة على طاعته. إذ كان -على قولهم، مع وجود الأمر والنهي والتكليف- حقًّا واجبًا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبدُه أو تركَ مسألة ذلك. بل تَرك إعطائه ذلك عندهم منه جَورٌ. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا، لكان القائل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور.
وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا -على تصويب قول القائل: "اللهم إنا نستعينك"، وتخطئَتِهم قول القائل: "اللهم لا تَجُرْ علينا"- دليل واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم. إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم: "اللهم إنّا نستعينك- اللهم لا تترك مَعونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ منك.
فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فقُدِّم الخبرُ عن العِبادة، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها؟ وإنما تكون العِبادة بالمعونة، فمسألةُ المعونة كانت أحقَّّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل والعبادةُ بها.
قيل: لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل- كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه. كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها: "قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ "، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك، أو قلتَ: أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي"، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة. لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قول القائل: اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك، وقوله: اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ.
قال أبو جعفر: وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذي معناه التأخيرُ، كما قال امرؤ القيس:
ولَوْ أَنّ مَا أسْعَى لأَدْنَى مَعِيشةٍ ... كَفاني، ولم أطلُبْ، قليلٌ من المالِ [[ديوانه ١: ٧١.]]
يريد بذلك: كفاني قليلٌ من المال ولم أطلب كثيرًا. وذلك -من معنى التقديم والتأخير، ومن مشابهة بيت امرئ القيس- بمعْزِل. من أجل أنّه قد يكفيه القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ، فليس وُجودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له تركَ طلب الكثير، فيكونَ نظيرَ العبادة التي بوجُودها وجود المعونة عليها، وبوجود المعونة عليها وُجُودها، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالا على الآخر، فيعتدلَ في صحة الكلام تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبه، أن يكونَ موضوعًا في درجته ومرتَّبًا في مرتَبتِه.
فإن قال: فما وجْه تكراره: "إياك" مع قوله: "نستعين"، وقد تقدَّم ذلك قَبْل "نعبد"؟ وهلا قيل: "إياك نعبُدُ ونستعين"، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ، هو المخبر عنه أنه المستعانُ؟
قيل له: إن الكاف التي مع " إيَّا "، هي الكاف التي كانت تصل بالفعل -أعني بقوله: "نعبد" -لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل. وهي كنايةُ اسم المخاطبِ المنصوب بالفعل، فكُثِّرت بـ "إيّا " متقدِّمةً، إذْ كان الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد.
فلمّا كانت الكاف من " إياكَ " هي كنايةَ اسم المخاطَب التي كانت تكون كافًا وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ فعل اتصلتْ به، فيقال: "اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك"، وكان ذلك أفصحَ في كلام العرب من أن يقال: "اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد"- كان كذلك، إذا قدِّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولةً بـ "إيّا "، كان الأفصح إعادَتها مع كل فعل. كما كان الفصيحُ من الكلام إعادَتها مع كل فعل، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به، وإن كان تركُ إعادتها جائزًا.
وقد ظنّ بعضُ من لم يُنعم النظرَ [[في المطبوعة: "لم يمعن النظر"، بدلوها، كما فعلوا في ص: ٥٥، تعليق: ٣.]] أنّ إعادة " إياك " مع " نستعين "، بعد تقدّمها في قوله: "إياك نستعين"، بمعنى قول عدي بن زيد العِبَاديّ:
وجَاعِل الشَّمس مِصْرًا لا خَفَاءَ بِه ... بَيْن النَّهارِ وَبيْنَ اللَّيل قد فَصَلا [[في اللسان (مصر) منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت. واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد. والمصر: الحاجز والحد بين الشيئين. يقول: جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار.]]
وكقول أعشى هَمْدان:
بَيْنَ الأشَجِّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ ... بَخْ بَخْ لوَالِدِهِ وللمَولُودِ [[ديوان الأعشين: ٣٢٣، والأغاني ٦: ٤٦، ٦١. وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح، كان أحد الفقهاء القراء، ثم ترك ذلك وقال الشعر. يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي، وكان خرج على الحجاج، فخرج معه الفقهاء والقراء، فلما أسر الحجاج الأعشى، قال له: ألست القائل: وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا! وقتله. الأشج: هو الأشعث والد عبد الحمن، وقيس جده. وبخ بخ: كلمة للتعظيم والتفخيم. وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار "بين"، مع غير الضمير المتصل، ومثلهما كثير. وأهل عصرنا يخطئون من يقوله، وهم في شرك الخطأ.]]
وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ "إيّاك" أن تكون مكررة مع كل فعل، لما وصفنا آنفًا من العلة، وليس ذلك حُكم " بين " لأنها لا تكون -إذ اقتضت اثنين- إلا تكريرًا إذا أعيدت، إذْ كانت لا تنفَرد بالواحد. وأنها لو أفْرِدت بأحد الاسمين، في حال اقتضائها اثنين، كان الكلام كالمستحيل. وذلك أنّ قائلا لو قال: "الشمس قد فَصَلت بين النهار"، لكان من الكلام خَلْفًا [[الخلف (بفتح فسكون) : الرديء من القول. يقال هذا خلف من القول، أي رديء. وفي المثل: "سكت ألفًا ونطق خلفًا"، يقال للرجل يطيل الصمت، فإذا تكلم تكلم بالخطأ. أي سكت دهرًا طويلًا، ثم تكلم بخطأ. كنى بالألف عن الزمن الطويل، ألف ساعة مثلا.]] لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه، من تمامه الذي يقتضيه " بين ".
ولو قال قائل: " اللهمّ إياك نعبد "، لكان ذلك كلامًا تامًّا. فكان معلومًا بذلك أنّ حاجةَ كلِّ كلمةٍ -كانت نظيرةَ " إياك نعبد " - إلى " إياك " كحاجة " نُعْبد " إليها [[يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية، فلذلك وجب تكرارها. سياق العبارة: "فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة. . . وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها. . . وكان بينًا. . . " إلى آخر الفقرة.]] وأنّ الصواب أن تكونَ معها " إياك "، إذْ كانت كل كلمة منها جملةَ خبرِ مبتدأ، وبيّنًا حُكم مخالفة ذلك حُكم " بين " فيما وَفّق بينهما الذي وصفنا قوله.
thaalabi — الجواهر الحسان
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: الدِّينُ في كلام العربِ على أنحاء، وهو هنا الجزاءُ يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها قاله ابن عباس [[أخرجه ابن جرير (9/ 292) (25889) ، وذكره السيوطي في «الدر» (5/ 65) عن ابن عباس، والقرطبي (1/ 125) .]] وغيره مَدِينِينَ:
محاسَبِينَ [[أخرجه ابن جرير (10/ 491) برقم (29383) ، عن قتادة، و (10/ 491) رقم (29384) ، عن السدي.
وذكره السيوطي في «الدر» (5/ 519) ، والقرطبي (1/ 125) .]] ، وحكى أهل اللغة: دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْناً بفتح الدال، ودينا بكسرها: جزيته ومنه قول الشاعر: [الكامل]
واعلم يَقِيناً أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... واعلم بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ [[ينظر: «مجاز القرآن» (1/ 23) ، «الكامل» (1/ 426) ، «إعراب ثلاثين سورة» لابن خالويه (241) ، «الجمهرة» (2/ 306) ، «الخزانة» (4/ 230) ، «جمهرة الأمثال» للعسكري (169) ، «المخصص» (17/ 155) ، «تفسير الطبري» (1/ 155) ، «القرطبي» (1/ 101) ، «الدر المصون» (1/ 72) ، «اللسان والتاج» (دين) .]]
إِيَّاكَ نَعْبُدُ: نطق المؤمن به إِقرار بالربوبية، وتذلُّل وتحقيق لعبادة اللَّه وقدَّم «إِيَّاكَ» على الفعل اهتماما، وشأن العرب تقديم الأَهَمِّ، واختلف النحويُّون في «إِياك» [[اختلف النحويون في «ايا» هل هو من قبيل الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ فالجمهور على أنه مضمر، وقال الزجاج: هو اسم ظاهر. وقال ابن درستويه. إنه بين الظاهر والمضمر. وقال الكوفيون: مجموع «ايا» ولواحقها هو الضمير. والقائلون بأنه ضمير اختلفوا فيه على أربعة أقوال:
أحدها: أنه كله ضمير.
والثاني: أن «ايا» وحده ضميره، وما بعده اسم مضاف إليه يبين ما يراد به من تكلم، وغيبة، وخطاب.
والثالث: أن «ايا» عماد، وما بعده هو الضمير، وشذت إضافته إلى الظاهر في قولهم: «إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وايا الشواب» بإضافة «ايا» إلى الشواب. وهذا يؤيد قول من جعل الكاف والهاء والياء في محل جر إذا قلت: إياك، إياه، إياي.
ينظر: «الدر المصون» (1/ 73) ، و «همع الهوامع» (1/ 61) ، و «الكتاب» (2/ 355) ، و «شرح الكافية» (2/ 12) ، و «سر صناعة الإعراب» (1/ 311) ، و «شرح المفصل» (3/ 98) ، و «الإنصاف» (2/ 695) .]] ، فقال الخليلُ [[الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، الفراهيدي، الأزدي، اليحمدي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة (100) هـ. في البصرة. من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، عاش فقيرا صابرا. قال النضر بن شميل: ما رأى الراءون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه. فكر في ابتكار طريقة في الحساب تسهله على العامة فدخل المسجد وهو يعمل فكره فصدمته سارية وهو غافل، فكانت سبب موته سنة (170) هـ. ب «البصرة» . من كتبه «العين» ، و «معاني الحروف» ، و «العروض» ، و «النغم» .
ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 172) ، «إنباه الرواة» (1/ 341) ، «نزهة الجليس» (1/ 80) ، «الأعلام» (2/ 314) .]] : «إيَّا» : اسم مضمر أضيف إِلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكى عن العرب: «إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابِّ» ، وقال المبرِّد: إِيَّا: اسمٌ مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن كَيْسَانَ [[محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن المعروف ب «ابن كيسان» : عالم بالعربية من أهل «بغداد» ، أخذ عن المبرد وثعلب، من كتبه «المهذب» في النحو، «غريب الحديث» ، «معاني القرآن» ، «المختار في علل النحو» توفي من (299) هـ.
ينظر: «إرشاد الأريب» (6/ 280) ، «معجم المطبوعات» (229) . «نزهة الألباء» (301) ، «شذرات الذهب» (2/ 232) ، «كشف الظنون» (1703) ، «مصابيح الكتاب» ، «الأعلام» (5/ 308) .]] عن بعض الكوفيِّين أنَّ «إِيَّاكَ» بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغيَّر آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء والياء هو الاسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها، ولا تكون إِلا متصلات، فإذا تقدَّمت الأفعال جعل «إِيَّا» عماداً لها، فيقال: إِيَّاكَ، وإِيَّاهُ، وإِيَّايَ، فإِذا تأخرت، اتصلت بالأفعال، واستغني عن «إيّا» .
ونَعْبُدُ: معناه: نقيم الشرع والأوامر مع تذلُّل واستكانةٍ، والطريقْ المذلَّل يقال له معبَّدٌ، وكذلك البعير.
ونَسْتَعِينُ معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرّ من الأصنام.
thalabi — الكشف والبيان
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ رجع من الخبر الى الخطاب على التلوين. وقيل فيه إضمار، أي قولوا: إِيَّاكَ. وإيا كلمة ضمير، لكنه لا يكون إلّا في موضع النصب، والكاف في محلّ الخفض بإضافة إيا إليها، وخصّ بالإضافة إلى الضمير لأنه يضاف إلى الاسم المضمر ألا يقول الشاعر:
فدعني وإيا خالد ... لأقطعن عري نياطه [[لسان العرب: 14/ 60.]]
وحكى الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإياكم.
ويستعمل مقدّما على الفعل مثل (إياك أعني) و (إياك أسأل) ، ولا يستعمل مؤخّرا على الفعل إلّا أنّ ... [[بياض في المخطوط.]] .. به حين الفعل، فيقال: ما عبدت إلّا إياك ونحوها. وقال أبو ميثم سهل ابن محمد: إياك ضمير منفصل، والضمير ثلاثة أقسام:
ضمير متّصل نحو الكاف والهاء والياء في قولك: أكرمك، وأكرمني. سمي بذلك لاتصاله بالفعل.
وضمير منفصل نحو إياك وإياه وإياي. سمي بذلك لانفصاله عن الفعل.
وضمير مستكن، كالضمير في قولك: قعد وقام. سمي بذلك لأنه استكن في الفعل ولم يستبق في اللفظ ويعمّ أن فيه ضمير الفاعل لأن الفعل لا يقوم إلّا بفاعل ظاهر أو مضمر.
وقال أبو زيد: إنما هما ياءان: الأولى للنسبة والثانية للنداء، تقديرها: (أي يا) ، فأدغمت وكسرت الهمزة لسكون الياء. وقال أبو عبيد: أصله (أوياك) ، فقلبت الواو ياء فأدغموه، وأصله من (آوى، يؤوي، إيواء) كأن فيه معنى الانقطاع والقصد. وقرأ الفضل الرقاشي (أياك) بفتح الألف وهي لغة.
وإنما لم يقل: نعبدك [لأنه] يصحّ في العبارة، وأحسن الإشارة لأنهم إذا قالوا: إياك نعبد، كان نظرهم منه إلى العبادة لا من العبادة إليه. وقوله: نَعْبُدُ أي نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة. وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذلة، يقال: طريق معبّد إذا كان مذللا موطوءا بالأقدام. قال طرفة:
تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبّد [[الصحاح: 2/ 820.]]
وبعير معبد إذا كان مطليا بالقطران، قال طرفة:
إلى أن تحامتني العشيرة كلّها ... وأفردت إفراد البعير المعبّد [[لسان العرب: 3/ 274.]]
وسمّي العبد عبدا لذلّته وانقياده لمولاه.
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: نستوفي ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمورنا كلّها، يقال: استعنته واستعنت به، وقرأ يحيى بن رئاب: (نستعين) بكسر النون. قال الفرّاء: تميم وقيس وأسد وربيعة يكسرون علامات المستقبل إلّا الياء، فيقولون إستعين ونستعين ونحوها، ويفتحون الياء لأنها أخت الكسرة. وقريش وكنانة يفتحونها كلّها وهي الأفصح والأشهر.
وإنّما كرّر إِيَّاكَ ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبرا عن موسى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً [[سورة طه: 33- 34.]] ، ولم يقل: كي نسبحك ونذكرك كثيرا.
وقال الشاعر:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا [[ترتيب إصلاح المنطق: 355.]]
ولم يقل بين النهار والليل. وقال الآخر:
بين الأشجّ وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود [[الصحاح: 1/ 418.]]
وقال أبو بكر الورّاق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنك خلقتنا، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنك هديتنا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرّحمن الفرّان، وقد سئل عن الآية فقال:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنك الصانع، وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأن المصنوع لا غنى به عن الصانع، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لتدخلنا الجنان، وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لتنقذنا من النيران، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنّا عبيد وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنك كريم مجيد، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنك المعبود بالحقيقة وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأننا العباد بالوثيقة.
wahidi_basit — التفسير البسيط
قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [[في (ج): (نحبد) تصحيف.]]. اختلفت [[في (ب): (اختلف).]] مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب [[ما ذكره الواحدي عن (إياك) نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" == مع تصرف يسير في العبارة، وأبو الفتح اعتمد على أبي علي الفارسي، وصرح بنقله عنه، وكلام الفارسي موجود في "الإغفال" قال أبو الفتح: (وهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما كان مثله. أخبرني أبو علي، عن أبي بكر محمد بن السري، عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن (إيا) اسم مضمر مضاف إلى الكاف ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312، وانظر: "الإغفال" ص 52 (رسالة ماجستير).]]. ذهب الخليل إلى أن (إيا) اسم مضمر، مضاف إلى (الكاف) وهذا -أيضًا- مذهب أبي عثمان [[هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، النحوي المشهور، أستاذ أبى العباس المبرد، اختلف في سنة وفاته فقيل: (236 هـ)، وقيل: (248 هـ)، وقيل: غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 87، "تاريخ بغداد" 7/ 93، "إنباه الرواة" 1/ 246، "معجم الأدباء" 2/ 345، "نزهة الألباء" ص 140.]]. وحكى أبو بكر [[هو محمد بن السري كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 312.]] عن أبي العباس [[المبرد، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312.]] عن أبي الحسن [[في (ب): (الخير).]] أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير [[في (ب): (يتغير).]] أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في (إياك) كالكاف التي في (ذلك) في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: (إياك وإيا زيد) و (إياي وإيا الباطل) [[في (ج): (الباصل).]].
وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب [["سر صناعة الإعراب" 1/ 313.
وانظر قول سيبويه في "الكتاب" 1/ 279 (تحقيق عبد السلام هارون)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 11، "اللسان" (إيا) 1/ 187.]].
وحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و (إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها [[انظر بقية كلام ابن كيسان في "سر صناعة الإعراب" 1/ 313.]].
وقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة [[في (ب): (اضافة).]] (إيا) إليها، إلى أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات. [["سر صناعة الإعراب" 1/ 313، وانظر نص قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 10، 11. قال الزجاج: (.. و (أيا) اسم للمضمر المنصوب إلى أنه يضاف إلى سائر المضمرات ..).]] وليس يصح من هذِه الأقوال إلا قول أبي الحسن [[قال أبو الفتح: (وتأملنا هذِه الأقوال على اختلافها والاعتدال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما يصح مع الفحص والتنقيب غير قول أبي الحسن الأخفش ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 314.]].
أما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا [["سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]].
وحكاية سيبويه في إضافة [[عند أبي الفتح: (فأما ما حكاه سيبويه عنه (أي عن الخليل) من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] (إيا [[في (ب): (إيا إليها) زيادة (إليها).]]) ليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم: (إياك وإيا الباطل).
وأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس [[في (ب): (فليست).]] بقوي، وذلك أن (إياك) في أن فتحة الكاف تفيد خطاب المذكر، وكسرتها تفيد خطاب المؤنث، بمنزلة (أنت) في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء [[في (ب): (الياء) تصحيف.]] المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والمكسورة خطاب [[عند أبي الفتح: (تفيد خطاب ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في (أنت) هو الاسم، والتاء حرف خطاب، كذلك (إيا) هو الاسم، والكاف حرف خطاب [[فلا يكون (إياك) بكماله اسم.]].
وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) [[عند أبي الفتح: (وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) في إياك وإياه وإياي هي الأسماء وأن (إيا) إنما عمدت بها هذِه الأسماء لقلتها فغير مرضي أيضا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] هي الأسماء و (إيا) عماد لها لقلتها، فغير مرضي أيضا وذلك أن (إيا) في أنه [[في (ب): (ايه).]] ضمير منفصل بمنزلة (أنت وأنا ونحن، وهو وهي) في أن هذِه مضمرات منفصلة، كما أن (أنا وأنت) ونحوهما مخالف للفظ المرفوع المتصل نحو (التاء) في قمت، و (النون) في قمنا، و (الألف) في قاما، و (الواو) في قاموا، بل هي ألفاظ أخر [[في (أ): (أخرى) وما في (ب)، (ج) موافق لما عند أبي الفتح، 1/ 316.]] غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودًا به شيء من الضمير المتصل بل هو قائم بنفسه، فكذلك (إيا) مضمر [[عند أبي الفتح: (اسم مضمر منفصل) وفي الحاشية: (اسم) سقط من (ش)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.]] منفصل، ليس معمودًا به غيره، كما أن (التاء) في (أنت) وإن كانت بلفظة (التاء) في (قمت)، فليست اسما مثلها [[فالتاء في (قمت) ضمير، وفي (أنت) التاء للخطاب و (الاسم) أن.]]، بل الاسم قبلها وهو (أن)، وهي بعده للخطاب، وليست [[في (ب): (ليس).]] (أن) عمادا للتاء [[في (ب): (التاء).]]، فكذلك (إيا) هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم [[في ب، (ج): (والمتكلم) وعند أبي الفتح (التكلم) وفي الحاشية (ل)، (ب): (المتكلم) "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.]] أخرى، وهذا محض القياس.
وأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر [["سر صناعة الإعراب" 1/ 316، وانظر رأي أبي إسحاق في "معاني القرآن" 1/ 10، 11.]] ففاسد أيضًا وليست (إيا) بمظهر كما زعم، والدليل على أن (إيا) ليست باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بـ (أنا وأنت) على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع [[عند أبي الفتح: (... وهو الرفع، فكما أن (أنا وأنت وهو ونحن) وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك (إيا) اسم مضمر لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما مظهرا ... الخ) 1/ 316.]]، ولم نعلم اسمًا مظهرًا اقتصر به على النصب ألبتة، إلا ما كان ظرفا [[قال أبو الفتح: (ولم نعلم اسما مظهرا اقتصر به على النصب البتة إلى ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح وما جرى مجراهن، شيئا من المصادر نحو: سبحان الله ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.]]، وليس (إيا) بظرف، فقد صح بما أوردناه سقوط هذِه الأقوال، ولم يبق قول يجب اعتقاده، ويلزم الدخول تحته غير قول أبي الحسن: إن (إيا) مضمر، وإن (الكاف) بعده ليست اسمًا، وإنما هي للخطاب، بمنزلة (كاف) ذلك، وأرأيتك [[في (ج): (ولرايتك).]] وأبصرك زيدا، وليسك عمرا [[في (ب): (عمروا). وقوله (ليسك عمرا) أي: (ليس عمرا) والكاف لتوكيد الخطاب، وكذا أبصرك زيدا، أى أبصر زيدا. انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 309.]]، والنجاءك [[(النجاءك): إذا أردت: انج، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3509، "سر صناعة الإعراب" 1/ 308.]]. فإن قيل: إذا كانت (الكاف) في إياك ليست اسمًا فكيف تقولون في (الهاء) و (الياء) في (إياه وإياي)؟ [[في "سر صناعة الإعراب" (... فكيف يصنع أبو الحسن بقولهم: إياه وإياي ...) 1/ 317.]]. قلنا: هما مثل الكاف، وإنما اختلف ما بعد (إيا) لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم من الحضور والمغيب، ولسنا [[في (ج): (ولنا).]] نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت غير [[(غير) كنا في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (عن) وهو الصحيح. "سر صناعة الإعراب" 1/ 317.]] (الهاء والياء) [[فكما كانت (الكاف) حرف خطاب في (إياك) تكون (الهاء) في (إياه) و (الياء) في (إياي) حرفين، ولا مسوغ لاختلافهما عن (الكاف).]]. وقد وجدنا غير (الكاف) لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية [[في (ب): (ولا خلاصة للحرفة).]] ما لحق (الكاف)، وهي (التاء) في أنت و (الألف) في قول من قال: قاما أخواك [[في (ج): (أخوك).]]، و (الواو) في: قاموا إخوتك، و (النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر [[في (ب): (الضمير).]]، وخلو [[في (ج): (خلق).]] الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس [[فصل أبو الفتح هذا بالأمثلة، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 318.]]، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و (الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و (إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا [[في (ب): (واخلصا).]] لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل [[قال أبو الفتح: (... فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل وبه كان أبو علي رحمه الله ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 318.]]، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح [[انتهى ما نقله عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 312 - 318، وانظر: "الإغفال" ص 50 - 57.]].
واعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام [[هذا البحث لا علاقهَ له بتفسير الآية، ومكانه كتب النحو واللغة، وجرى الواحدي في == هذا على منهج شيخه الثعلبي حيث ذكر أقسام الضمير في هذا الموضع 1/ 129/ أ، وانظر أقسام الضمير في باب: الكنايات في (أصول النحو) لابن السرج 2/ 114، (التبصرة والتذكرة) للصيمري 1/ 493 - 511.]]: ظاهر منفصل، وظاهر متصل، ومستكن، وهو على ثلاثة [[في (ب): (ثلاثة أنواع أوجه) وكلمة (أنواع) جاءت في الجانب فلعلها شر من الكاتب]] أوجه: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وكل واحد منها على وجهين: متصل ومنفصل، إلا ضمير المجرور، فإنه متصل، ولا منفصل له.
أما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما.
وأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها [[في (ج): (وتثنيتهما وجمعهما وتأنيثهما).]].
وأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و (كاف) ضربك و (هاء) ضربه [[في (ب): (ضربته).]]، وتثنيتها وجمعها وتأنيثها [[(تأنيثها) سقط من (ب).]]. وأما ضمير المجرور المتصل فنحو (ياء) بي، و (كاف) بك و (هاء) به، ولا منفصل له.
وأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير [[في (ب): (والضمير).]] مستفاد من الفعل وإن لم يصرح به، لأن الفعل لا يقوم إلا بفاعل.
واعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير منقلبة مثل ألف (لا) و (ما) و (حتى) و (كلا) [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 655، 656.]].
قال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال [[في "سر صناعة الإعراب": (أراه قال لي: سمعته ....) 2/ 656.]]: سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما تأويله؟ فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال [[قال: المراد أبو الفتح. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656.]]: وهذا القول عندي من أبي إسحاق غير مرضي، وذلك أن جميع [[في (ب): (جمع).]] الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: (أنا وأنت وهو وهي) وقد قامت الدلالة على كون (إيا) اسما مضمرًا [[وهو ما تقدم مما قرره الواحدي نقلا عن أبي الفتح ابن جني.]]، فيجب أن لا يكون مشتقا [[انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 2/ 656، وانظر (المحتسب) 1/ 40.]]. فإن قلت: فما مثال (إيا) من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل؛ لأنه غير مشتق ولا متصرف [[ترك الواحدي بقية كلام أبي الفتح، فلم يرد جواب السؤال واضحا، قال أبو الفتح بعد هذا: (ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله، لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة فالألفاظ ثلاثة: أحدها: أن يكون من لفظ (أويت)، والآخر: من لفظ الآية، والآخر: من تركيب (أوو ...)، ثم أخذ في تفصيل ذلك في كلام طويل. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656 - 664.]].
وقال صاحب "النظم" [[هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، وكتابه هو "نظم القرآن" سبق الحديث عنه وعن كتابه في مصادر الواحدي في "البسيط"، وذكرت هناك: أن كتاب "نظم القرآن" مفقود، وقد نقل عنه الواحدي كثيرا.]]: معنى (إيا) الاختصاص، وقول القائل: (إياك ضربت) يعني: أن الضرب اختص بك وأردتك به، ولهذا وضعت العرب (إياك) في موضع التحذير لما فيه من تأويل الاختصاص، فقالوا: إياك والأسد، أي: احفظ نفسك واحذر الأسد، ومنه قول الشاعر:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر [[ينسب البيت للطفيل الغنوي، وهو في (ديوانه) ص 102، قال المحقق: وهو قريب من شعر الطفيل، وينسب لمضرس بن ربعي الفقعسي، وكل المصادر روت البيت (فهياك) بدل (فإياك) وهو الشاهد عندهم حيث أبدل الهمزة هاء. ورد البيت في "المحتسب" 1/ 40، ("الإنصاف") 1/ 215، "ديوان الطفيل الغنوي" ص 102، "اللسان" (هيا) 8/ 4743، "الكشاف" 1/ 62، والقرطبي 1/ 127.]]
وربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال [[في (ب): (وقال).]] الشاعر:
عليك القصد فاقصده برفق ... وإياك المحاين أن تحينا [[أنشد الفراء شطره الثاني ولم ينسبه "معاني القرآن" 1/ 166، وكذا المزني في "معاني الحروف" ص 102، وابن قتيبة في (أدب الكاتب) ص 322 وشطره الأول عنده:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولا
وقوله: المحاين: المهالك، تحين: تهلك أو يأتي حينها ووقتها.]]
فمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن [[في (ج): (أوصن).]] نفسك منه. وهذا الضمير [[أي ضمير (إيا).]] يستعمل مقدما ولا يستعمل مؤخرا، إلى أن يفصل بينه وبين الفعل، فيقال: ما عنيت إلا إياك.
قال أبو بكر [[ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 14.]]: وقوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ بعد [[في (ب): (إياك نعبد قوله) وفي (ج) سقطت (بعد).]] قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[في (ب): (مالك).]] [الفاتحة: 4] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام [[انظر: "زاد المسير" 1/ 14، "مجاز القرآن" 1/ 23، والطبري 1/ 67، وابن عطية 1/ 104، "الكشاف" 1/ 62، والرازي 1/ 252.]]، ومثله قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: 22] وقال الأعشى:
عنده البر والتقى وأسا الصد ... ع وحمل لمضلع الأثقال
ووفاء [[في (ج): (ووحاء).]] إذا أجرت فما غر ... ت حبال وصلتها بحبال [[البيتان من قصيدة للأعشى يمدح الأسود بن المنذر، وليس البيتان متواليين في القصيدة، وإنما بينهما أبيات، وفي "الديوان" ورد (الحزم) بدل (البر) و (الصرع) بدل (الصدع). قوله: (التقي) أي: الحذر، (أسا): دواء. انظر: "الديوان" ص 166 - 167، ولم أجدهما في غيره.]]
وأنشد أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 24.]]:
يا لهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر [[البيت لأبي كبير الهذلي، يرثي صديقا له اسمه خالد (جدة) يعني: شبابه، (الأعفر) يقول: دفن في أرض ترابها أعفر: أي: أبيض. ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 24، "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1081، والطبري 1/ 67، "أمالي ابن الشجري" 1/ 117، وابن عطية 1/ 104.]]
وقال كثير [[هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة من خزاعة، كان أحد العشاق المشهورين، وصاحبته (عزة) وهي من ضمرة، وإليها ينسب، كان كثير رافضيا توفي في اليوم الذي توفي فيه عكرمة مولى ابن عباس. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 334، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 534، "الخزانة" 5/ 221.]]: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت [[من قصيدة لكثير في ذكر (عزة) قوله (مقلية) من القلي وهو البغض، (تقلت) تبغضت، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 343، "ديوان كثير" ص 101، نشر دار الثقافة بيروت، "أمالي ابن الشجري" 1/ 49، 118، "المحكم" 3/ 144، "الخزانة" 5/ 219.]]
وقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾ معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله عز وجل، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا [[في (ب): (بوطوا).]] بالأقدام [[ذكر هذِه المعاني الثعلبي في "تفسيره الكشاف" 1/ 29/ ب، وانظر الطبري 1/ 69.]]، وهو في شعر طرفة [[أراد أبيات طرفة التي ذكرها الثعلبي بعد الكلام السابق وهي:
قال طرفة:
تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد
وقوله:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
انظر الثعلبي 1/ 29/ ب، والطبري 1/ 69، "الأضداد" لابن الأنباري ص 35.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) [[ذكر نحوه الثعلبي 1/ 29/ ب وذكره ابن جرير ثم رده قال: (وقد ظن من لم ينعم النظر أن إعادة (إياك) مع (نستعين) بعد تقدمها في قوله: ﴿إياك نعبد﴾ بمعنى قول عدي بن زيد:
وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا
وذكر بيتا آخر .. ثم قال: وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل .. الخ). الطبري 1/ 71.]]. قال: ولأن كل واحد من الفعلين يطلب مفعولا على حدته، ولو أخر المكنيان [[يعني: الضميرين.]] إلى موضعهما بعد الفعل لقيل: (نعبدك ونستعينك) فلما كان كل واحد من الفعلين يقع على (الكاف) [[في (ج): (الكائن).]] في تأخرها وقع على (إياك) في تقدمه [[ذكر نحوه ابن جرير 1/ 71. قال أبو حيان: كرر (إياك) ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه ...)، "البحر المحيط" 1/ 25. وقال أبو السعود: (تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة)، أبو السعود 1/ 17، وانظر ابن كثير 1/ 28.]]. والقول هو الأول [[أي كرر للتوكيد، واختار ابن جرير الثاني 1/ 71.]]؛ لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت [[قال ابن جرير: إن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: (اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك) .. وإن كان ترك الإعادة جائزا. انظر الطبري 1/ 71.]]. قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني [[قال أبو حيان: حذف المفعول اختصارا في (قلى) إذ يعلم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول ﷺ. "البحر المحيط" 8/ 485، وقال الرازي في حذف الكاف وجوه:
1 - اكتفاء بالكاف في (ودعك)، ولأن رؤوس الآيات بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف.
2 - الإطلاق، أنه ما قلاك، ولا أحدا من أصحابك، ولا أحدا ممن أحبك. الرازي 31/ 209، وانظر القرطبي 20/ 94.]].
ويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟
والجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا [[انظر: "الكتاب" 3/ 42، "سر صناعة الإعراب" 2/ 632.]]، وإنما هي للجمع [[وعليه فتقديم الخبر عن العبادة وتأخير مسألة طلب المعونة، ليس من باب الترتيب، واختار الطبري هذا قال: (.. كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه ... ثم قال: == وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ....). الطبري 1/ 70. وقال ابن كثير 1/ 28: (قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم). وللرازي في هذا التقديم تعليلات يطول ذكرها. انظر (تفسيره) 1/ 254.]]، يدل على ذلك أنه لو اتفقت الأسماء لم نحتج [[في (ج): (يحتج).]] إليها، لا تقول: قام زيد وزيد، ولكن قام الزيدان. فكما لا يوجب (قام الزيدان) ترتيبا، كذلك لا يوجب قام زيد وعمرو ترتيبا، وسنقضي حق الواو، والكلام فيها في موضع آخر إن شاء الله.
wahidi_wajiz — الوجيز
﴿إيَّاك نعبدُ﴾ أَيْ: نخصُّك ونقصدك بالعبادة وهي الطَّاعة مع الخضوع ﴿وإيَّاك نستعين﴾ : ومنك نطلب المعونة
zamakhshari — الكشاف
(إيا) ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك، وإياه، وإياى، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، كما لا محل للكاف في أرأيتك، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون، وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب» فشيء شاذ لا يعوّل عليه، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) ، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) . والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة. وقرئ: إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء. قال طفيل الغنوي:
فَهَيَّاكَ والأَمْرَ الَّذِى إنْ تَرَاحَبَتْ ... مَوَارِدُهُ ضاقَتْ عليْكَ مَصادِرُهُ [[لمضرس بن ربعي، وقيل لطفيل، وهياك: أصله إياك، قلبت همزته هاء، وهو في محل نصب بمحذوف وجوبا، والأمر: عطف عليه، والأصل: احذر تلاقى نفسك والأمر فحذف ما عدا ضمير الخطاب وما عطف عليه لكثرة الاستعمال، ولأن مقام التحذير يقتضى السرعة وإيجاز الكلام، وقيل أصله: باعد نفسك من الأمر وباعد الأمر من نفسك، فحذف لذلك، وشبه أسباب الدخول في الأمر بالموارد: أى مواضع الورود إلى نحو الماء، وأسباب الخروج منه بالمصادر: أى مواضع الصدور: أى الرجوع، فكل منهما استعارة تصريحية، وأما تشبيه الأمر بشيء له موارد ومصادر كالماء على طريقة المكنية، فهو خارج عن قانون البيان لأن الأمر يطلق على كل شيء، فتخصيصه بغير نحو الماء ثم تشبيهه به، بالقصد لا بالوضع. ويروى هكذا:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
أى فليس عذر المرء لنفسه حسناً: أى قبوله لاعتذارها بعد وقوعها في الورطة، وقوله: وليس له الخ: جملة حالية وعلى هذا فحقه حرف الراء.]]
والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل. ومنه ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوّة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع للَّه تعالى، لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع. فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان قد يكون [[قوله «في علم البيان قد يكون» لعله وقد، وعبارة النسفي: وهو قد يكون. (ع)]] من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) . وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ) . وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: [[قال محمود رحمه اللَّه: «وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: يعنى أنه ابتدأ بالخطاب ثم التفت إلى الغيبة، ثم إلى التكلم وعلى هذا فهما التفاتان لا غير، وإنما أراد الزمخشري واللَّه أعلم أنه أتى بثلاثة أساليب: خطاب لحاضر، وغائب، ولنفسه، فوهم بقوله ثلاث التفاتات، أو تجعل الأخير ملتفتا التفاتين عن الثاني وعن الأول فيكون ثلاثا، والأمر فيه سهل.]]
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالإثْمدِ ... ونَامَ الخَلِىُّ ولَم تَرْقُدِ
وبَاتَ وباتَتْ لهُ لَيْلةٌ ... كلَيْلةِ ذِى العائرِ الأرْمَدِ
وذلِكَ مِنْ نَبَإ جَاءَنى ... وخُبِّرْتُهُ عن أَبى الأَسْوَدِ [[لامرئ القيس بن حجر الجاهلى، وقال ابن هشام: هو غلط، وقائله امرؤ القيس بن عابس الصحابي، وقيل لعمرو بن معديكرب، والأثمد كأحمد، وقد تضم ميمه، وقد يروى بكسرها: اسم موضع، والعائر اسم جامد يطلق على قذى تدمع منه العين، وعلى الرمد، وعلى كل ما أعل العين، وفي الشعر ثلاث التفاتات، لكن الأول على مذهب السكاكي فقط: وهو أنه كان الظاهر التعبد بطريق التكلم فالتفت إلى الخطاب وذلك في البيت الأول.
والثاني: عدوله عن الخطاب إلى الغيبة في الثاني. والثالث: التفاته عن الغيبة إلى التكلم في الثالث. والجمهور يجعلون الأول من قبيل التجريد. وأبو الأسود: كنية صاحب الشاعر الذي يرثيه، وقيل هو المخبر واسمه ظالم بن عمرو وهو عم امرئ القيس. وقيل أبى مضاف لياء المتكلم والأسود صفته، ويروى: عن بنى الأسود.]]
وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به. فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟
قلت: ليجمع بين ما يتقرّب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته.
فإن قلت: فلم قدّمت العبادة على الاستعانة؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «فان قلت لم قدمت العبادة على الاستعانة ... الخ» . قال أحمد: معتقد أهل السنة أن العبد لا يستوجب على ربه جزاء- تعالى اللَّه عن ذلك- والثواب عندنا- من الاعانة في الدنيا على العبادة ومن صنوف النعيم في الآخرة- ليس بواجب على اللَّه تعالى، بل فضل منه وإحسان. وفي الحديث «أنه عليه الصلاة والسلام قال:
لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته» مضافا إلى دليل العقل المحيل أن يجب على اللَّه تعالى شيء، لكن قام الدليل عقلا وشرعا على أنه تعالى لا يجب عليه شيء، فقد قام عقلا وشرعا على أن خبره تعالى صدق ووعده حق، أى يجب عقلا أن يقع، فاما أن يكون الزمخشري تسامح في إطلاق الاستيجاب وأراد وجوب صدق الخبر، وإما أن يكون أخرجه على قواعد البدعية في اعتقاد وجوب الخير على اللَّه تعالى وإن لم يكن وعد.]] قلت: لأنّ تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها. فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟ قلت: ليتناول كل مستعان فيه، والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: اهْدِنَا بيانا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. وقرأ ابن حبيش: نستعين، بكسر النون.