muqarana · مقارنة

1:4

← surah 1 · all surahs

Aya text not in graph (graph hydration may be pending).

Classical (تراثي)

abu_hayyan — البحر المحيط
﴿مالِكِ﴾ قَرَأ مالِكِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ بِالخَفْضِ عاصِمٌ والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ، ويَعْقُوبُ، وهي قِراءَةُ العَشَرَةِ إلّا طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ، وقِراءَةُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُعاذٌ وابْنُ عَبّاسٍ، والتّابِعِينَ مِنهم قَتادَةُ والأعْمَشُ. وقَرَأ مَلِكِ عَلى وزْنِ فَعِلٍ بِالخَفْضِ باقِي السَّبْعَةِ وزَيْدٌ وأبُو الدَّرْداءِ وابْنُ عُمَرَ والمِسْوَرُ وكَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وقَرَأ مَلْكِ عَلى وزْنِ سَهْلٍ أبُو هُرَيْرَةَ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، ورَواها الجُعْفِيُّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ مَلِكِي بِإشْباعِ كَسْرَةِ الكافِ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ مِلْكِ عَلى وزْنِ عِجْلٍ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ والشَّعْبِيُّ وعَطِيَّةُ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أبِي حَياةَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وأبُو نَوْفَلٍ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أبِي عَدِيٍّ مَلِكَ يَوْمَ الدِّينِ، بِنَصْبِ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي حَياةَ، انْتَهى. وقَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الكافَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعائِشَةُ ومُورِقٌ العِجْلِيِّ. وقَرَأ مَلَكَ فِعْلًا ماضِيًا أبُو حَياةَ وأبُو حَنِيفَةَ وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعِمٍ وأبُو عاصِمٍ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ وأبُو المَحْشَرِ عاصِمُ بْنُ مَيْمُونٍ الجَحْدَرِيُّ، فَيَنْصِبُونَ اليَوْمَ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ هَذِهِ قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ والحَسَنِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وقَرَأ مالِكَ بِنَصْبِ الكافِ الأعْمَشُ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وعُثْمانُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وعَبْدُ المَلِكِ قاضِي الهِنْدِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّها قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي صالِحٍ السَّمّانِ وأبِي عَبْدِ المَلِكِ الشّامِيِّ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنِ اليَمانِ مَلِكًا بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ مالِكٌ بِرَفْعِ الكافِ والتَّنْوِينِ عَوْنٌ العُقَيلِيِّ، ورُوِيَتْ عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشامٍ وأبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ، وبِنَصْبِ اليَوْمِ. وقَرَأ مالِكُ يَوْمِ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو حَياةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِخِلافٍ عَنْهُ، ونَسَبَها صاحِبُ اللَّوامِحِ إلى أبِي رَوْحٍ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ العُقَيلِيِّ ساكِنِ البَصْرَةِ. وقَرَأ مَلِيكِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ أُبَيٌّ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو رَجاءَ العُطارِدِيُّ. وقَرَأ مالِكِ بِالإمالَةِ البَلِيغَةِ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وبَيْنَ بَيْنَ قُتَيْبَةُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ الكِسائِيِّ. وجَهِلَ النَّقْلَ، أعْنِي في قِراءَةِ الإمالَةِ، أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: لَمْ يُمِلْ أحَدٌ مِنَ القِراءَةِ ألِفَ مالِكٍ، وذَلِكَ جائِزٌ، إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِما يَجُوزُ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ أثَرٌ مُسْتَفِيضٌ. وذَكَرَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ في الشّاذِّ مَلّاكِ بِالألِفِ والتَّشْدِيدِ لِلّامِ وكَسْرِ الكافِ. فَهَذِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ قِراءَةً، بَعْضُها راجِعٌ إلى المَلْكِ، وبَعْضُها إلى المِلْكِ، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: وهُما راجِعانِ إلى المَلْكِ، وهو الرَّبْطُ، ومِنهُ مَلْكُ العَجِينِ. وقالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: ؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها. والإمْلاكُ رَبْطُ عَقْدِ النِّكاحِ، ومِن مُلَحِ هَذِهِ المادَّةِ أنَّ جَمِيعَ تَقالِيبِها السِّتَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في اللِّسانِ، وكُلُّها راجِعٌ إلى مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَبَيْنَها كُلِّها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهَذا يُسَمّى بِالِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ غَيْرُ أبِي الفَتْحِ. وكانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ يَأْنَسُ بِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ، وتِلْكَ التَّقالِيبُ: مَلَكَ، مَكَلَ، كَمْكَلَ، لَكَمَ، كَمُلَ، كَلَمَ. وزَعَمَ الفَخْرُ الرّازِيُّ أنَّ تَقْلِيبَ كَمْكَلَ مُهْمَلٌ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ بِدَلِيلِ ما أنْشَدَ (p-٢١)الفَرّاءُ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَمّا رَآنِي قَدْ حَمَمْتُ ارْتِحالَهُ ∗∗∗ تَمَلَّكَ لَوْ يُجْدِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكُ. والمُلْكُ هو القَهْرُ والتَّسْلِيطُ عَلى مَن تَتَأتّى مِنهُ الطّاعَةُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقٍ وبِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. والمَلْكُ هو القَهْرُ عَلى مَن تَتَأتّى مِنهُ الطّاعَةُ ومَن لا تَتَأتّى مِنهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ بِاسْتِحْقاقٍ، فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ مَلَكَ مِنَ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ، ومالِكِ مِنَ المِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، وزَعَمُوا أنَّ ضَمَّ المِيمِ لُغَةٌ في هَذا المَعْنى. ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ البَغْدادِيِّينَ لِي في هَذا الوادِي مُلْكٌ ومِلْكٌ بِمَعْنًى واحِدٍ. ﴿يَوْمِ﴾ اليَوْمُ هو المُدَّةُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الوَقْتِ، وتَرْكِيبُهُ غَرِيبٌ، أعْنِي وُجُودَ مادَّةٍ تَكُونُ فاءُ الكَلِمَةِ فِيها ياءً وعَيْنُها واوًا لَمْ يَأْتِ مِن ذَلِكَ سِوى يَوْمٍ وتَصارِيفِهِ ويُوحُ اسْمٌ لِلشَّمْسِ، وبَعْضُهم زَعَمَ أنَّهُ بُوجٌ بِالباءِ والمُعْجَمَةِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ. ﴿الدِّينِ﴾ الجَزاءُ، دَناهم كَما دانُوا، قالَهُ قَتادَةُ، والحِسابُ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقَضاءُ ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، والطّاعَةُ في دِينِ عَمْرٍو، وحالَتْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ فَدَكٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ، والعادَةُ، كَدِينِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها، وكَنّى بِها هُنا عَنِ العَمَلِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والمِلَّةُ ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والقَهْرُ ومِنهُ المَدِينُ لِلْعَبْدِ والمَدِينَةُ لِلْأُمَّةِ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الزّاهِدُ: وإنْ أطاعَ وعَصى وذَلَّ وعَزَّ وقَهَرَ وجارَ ومَلَكَ. وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ: دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْنًا بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها جازَيْتُهُ. وقِيلَ: الدَّينُ المَصْدَرُ، والدِّينُ بِالكَسْرِ الِاسْمُ، والدِّينُ السِّياسَةُ، والدَّيّانُ السّايَسُ. قالَ ذُو الإصْبَعِ عَنْهُ: ولا أنْتَ دَيّانِي فَتَخْزُوَنِي، والدِّينُ الحالُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: سَألْتُ أعْرابِيًّا عَنْ شَيْءٍ فَقالَ: لَوْ لَقِيتَنِي عَلى دِينٍ غَيْرَ هَذا لَأخْبَرْتُكَ، والدِّينُ الدّاءُ، عَنِ اللِّحْيانِي، وأنْشَدَ: ؎يا دِينُ قَلْبِكَ مِن سَلْمى وقَدْ دِينا ومَن قَرَأ بِجَرِّ الكافِ فَعَلى مَعْنى الصِّفَةِ، فَإنْ كانَ بِلَفْظِ مِلْكٍ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ أوْ إسْكانِها، أوْ مَلِيكٌ بِمَعْناهُ فَظاهِرٌ لِأنَّهُ وصَفَ مَعْرِفَةً بِمَعْرِفَةٍ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ مالِكِ أوْ مَلّاكِ أوْ مَلِيكِ مُحَوَّلَيْنِ مِن مالِكٍ لِلْمُبالَغَةِ بِالمَعْرِفَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ مَلَكَ يَوْمَ الدِّينِ فِعْلًا ماضِيًا، وإنْ كانَ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وهو الظّاهِرُ لِأنَّ اليَوْمَ لَمْ يُوجَدْ فَهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ فَإنَّهُ تَكُونُ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ فَلا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، وإنْ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ صِفَةً لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تُوصَفُ بِالنَّكِرَةِ ولا بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ بِالصِّفاتِ ضَعِيفٌ. (وحَلُّ هَذا الإشْكالِ) هو أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إنْ كانَ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ جازَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ، إذْ يَكُونُ مَنوِيًّا فِيهِ الِانْفِصالُ مِنَ الإضافَةِ، ولِأنَّهُ عَمِلَ النَّصْبَ لَفْظًا. الثّانِي: أنْ يَتَعَرَّفَ بِهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، فَيَلْحَظُ فِيهِ أنَّ المَوْصُوفَ صارَ مَعْرُوفًا بِهَذا الوَصْفِ، وكانَ تَقْيِيدُهُ بِالزَّمانِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ، وهَذا الوَجْهُ غَرِيبُ النَّقْلِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن لَهُ اطِّلاعٌ عَلى كِتابِ سِيبَوَيْهِ وتَنْقِيبٌ عَنْ لَطائِفِهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: وزَعَمَ يُونُسُ والخَلِيلُ أنَّ الصِّفاتِ المُضافَةَ الَّتِي صارَتْ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَدْ يَجُوزُ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ أنْ يَكُنَّ مَعْرِفَةً، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، انْتَهى. واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ بابَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَقَطْ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ نَحْوَ حَسَنِ الوَجْهِ. ومَن رَفَعَ الكافَ ونَوَّنَ أوْ لَمْ يُنَوِّنْ فَعَلى القَطْعِ إلى الرَّفْعِ، ومَن نَصَبَ فَعَلى القَطْعِ إلى النَّصْبِ، أوْ عَلى النِّداءِ، والقَطْعُ أغْرَبُ لِتَناسُقِ الصِّفاتِ، إذْ لَمْ يَخْرُجْ بِالقَطْعِ عَنْها. ومَن قَرَأ مَلَكَ فِعْلًا ماضِيًا فَجُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ومَن أشْبَعَ كَسْرَةَ الكافِ فَقَدْ قَرَأ بِنادِرٍ أوْ بِما ذُكِرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، وإضافَةُ المِلْكِ أوِ المُلْكِ إلى يَوْمِ الدِّينِ إنَّما هو مِن بابِ الِاتِّساعِ، إذْ مُتَعَلِّقُهُما غَيْرَ اليَوْمِ، والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ لا عَلى مَعْنى في، خِلافًا لِمَن أثْبَتَ الإضافَةَ بِمَعْنى في، ويُبْحَثُ في تَقْرِيرِ هَذا في النَّحْوِ، (p-٢٢)وإذا كانَ مِنَ المِلْكِ كانَ مِن بابِ: ؎طَبّاخِ ساعاتِ الكَرى زادَ الكَسِلْ . وظاهِرُ اللُّغَةِ تَغايُرُ المَلِكِ والمالِكِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ كالفَرِهِ والفارِهِ، فَإذا قُلْنا بِالتَّغايُرِ فَقِيلَ مالِكٌ أمْدَحُ لِحُسْنِ إضافَتِهِ إلى مَن لا تَحْسُنُ إضافَةُ المَلِكِ إلَيْهِ، نَحْوَ مالِكِ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ والطَّيْرِ، فَهو أوْسَعُ لِشُمُولِ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎سُبْحانَ مَن عَنَتِ الوُجُوهُ لِوَجْهِهِ ∗∗∗ مَلِكِ المُلُوكِ ومالِكِ العَفْرِ. قالَ الأخْفَشُ: ولا يُقالُ هُنا مِلْكُ، ولِقَوْلِهِمْ مالِكُ الشَّيْءِ لِمَن يَمْلِكُهُ، وقَدْ يَكُونُ مَلِكًا لا مالِكًا نَحْوَ مِلِكِ العَرَبِ والعَجَمِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ولِزِيادَتِهِ في البِناءِ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِالزِّيادَةِ في البِناءِ، ولِلزِّيادَةِ في أجْزاءِ الثّانِي لِزِيادَةِ الحُرُوفِ، ولِكَثْرَةِ مَن عَلَيْها مِنَ القُرّاءِ، ولِتُمَكِّنَ التَّصَرُّفَ بِبَيْعٍ وهِبَةٍ وتَمْلِيكٍ، ولِإبْقاءِ المِلْكِ في يَدِ المالِكِ إذا تَصَرَّفَ بِجَوْرٍ أوِ اعْتِداءٍ أوْ سَرَفٍ، ولِتَعَيُّنِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولِعَدَمِ قُدْرَةِ المُلُوكِ عَلى انْتِزاعِهِ مِنَ المَلِكِ، ولِكَثْرَةِ رَجائِهِ في سَيِّدِهِ بِطَلَبِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ولِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ المالِكَ يَطْمَعُ فِيهِ، والمَلِكَ يَطْمَعُ فِيكَ، ولِأنَّ لَهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً، والمَلِكُ لَهُ هَيْبَةً وسِياسَةً. وقِيلَ: مَلِكٌ أمْدَحُ وألْيَقُ إنْ لَمْ يُوصَفْ بِهِ اللَّهُ - تَعالى - لِإشْعارِهِ بِالكَثْرَةِ ولِتَمَدُّحِهِ بِمالِكِ المُلْكِ، ولَمْ يَقُلْ مالِكُ المُلْكِ، ولِتُوافِقَ الِابْتِداءَ والِاخْتِتامَ في قَوْلِهِ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ٢]، والِاخْتِتامُ لا يَكُونُ إلّا بِأشْرَفِ الأسْماءِ، ولِدُخُولِ المالِكِ تَحْتَ حُكْمِ المِلْكِ، ولِوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالمُلْكِ في مَواضِعَ، ولِعُمُومِ تَصَرُّفِهِ فِيمَن حَوَتْهُ مَمْلَكَتُهُ، وقَصْرِ المُلْكِ عَلى مِلْكِهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ولِعَدَمِ احْتِياجِ المِلْكِ إلى الإضافَةِ، أوْ مالِكٌ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الإضافَةِ إلى مَمْلُوكٍ، ولَكِنَّهُ أعْظَمُ النّاسِ، فَكانَ أشْرَفُ مِنَ المالِكِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حَكى ابْنُ السَّرّاجِ عَمَّنِ اخْتارَ قِراءَةَ مَلِكِ كُلِّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، فَقِراءَةُ مالِكِ تَقْرِيرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا حُجَّةَ في هَذا، لِأنَّ في التَّنْزِيلِ تَقَدَّمَ العامُّ، ثُمَّ ذُكِرَ الخاصُّ مِنهُ ﴿الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فالخالِقُ يَعُمُّ، وذُكِرَ المُصَوِّرُ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى الصَّنْعَةِ ووُجُوهِ الحِكْمَةِ، ومِنهُ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وإنَّما كَرَّرَها تَعْظِيمًا لَها، وتَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ اعْتِقادِها، والرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ المُلْحِدِينَ، ومِنهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ذِكْرُ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو عامٌّ، وذِكْرُ الرَّحِيمِ بَعْدَهُ لِتَخْصِيصِ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأيْضًا فَإنَّ الرَّبَّ يَتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى المِلْكِ، كَقَوْلِهِ: ؎ومِن قَبْلُ رَبَّيْتِنِي فَصَفَتْ رُبُوبُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّواهِدِ، فَتَنْعَكِسُ الحُجَّةُ عَلى مَن قَرَأ مَلَكَ. والمُرادُ بِاليَوْمِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مالِكُ أوْ مَلِكُ زَمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أنْ يَنْقَضِيَ الحِسابُ ويَسْتَقِرَّ أهْلُ الجَنَّةِ فِيها وأهْلُ النّارِ فِيها، ومُتَعَلَّقُ المُضافِ إلَيْهِ في الحَقِيقَةِ هو الأمْرُ، كَأنَّهُ قالَ مالِكُ أوْ مَلِكُ الأمْرِ في يَوْمِ الدِّينِ. لَكِنَّهُ لَمّا كانَ اليَوْمُ ظَرْفًا لِلْأمْرِ جازَ أنْ يَتَّسِعَ فَيَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ المَلِكُ أوِ المالِكُ؛ لِأنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى الظَّرْفِ اسْتِيلاءٌ عَلى المَظْرُوفِ. وفائِدَةُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الإضافَةِ، وإنْ كانَ اللَّهُ - تَعالى - مالِكَ الأزْمِنَةِ كُلِّها والأمْكِنَةِ ومَن حَلَّها والمِلْكُ فِيها التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ هَذا اليَوْمِ بِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ والأهْوالِ الجِسامِ مِن قِيامِهِمْ فِيهِ لِلَّهِ - تَعالى - والِاسْتِشْفاعِ لِتَعْجِيلِ الحِسابِ والفَصْلِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ واسْتِقْرارِهِما فِيما وعَدَهُما اللَّهُ - تَعالى - بِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ يَوْمٌ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اللَّهِ جَمِيعُ ما مَلَّكَهُ لِعِبادِهِ وخَوَّلَهم فِيهِ ويَزُولُ فِيهِ مِلْكُ كُلِّ مالِكٍ، قالَ - تَعالى -: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] . قالَ ابْنُ السَّرّاجِ: إنْ مَعْنى ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إنَّهُ يَمْلِكُ مَجِيئَهُ ووُقُوعَهُ، فالإضافَةُ إلى اليَوْمِ عَلى قَوْلِهِ إضافَةٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ولَيْسَ ظَرْفًا اتَّسَعَ فِيهِ، وما فُسِّرَ بِهِ الدِّينُ مِنَ المَعانِي يَصِحُّ إضافَةُ اليَوْمِ إلَيْهِ إلى مَعْنى كُلٍّ مِنها إلّا المِلَّةَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم: يَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ والحِسابِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، و﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ (p-٢٣)ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: يَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الحِسابِ مَدِينِينَ مُحاسَبِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ دَلالَةٌ عَلى إثْباتِ المَعادِ والحَشْرِ والحِسابِ، ولَمّا اتَّصَفَ - تَعالى - بِالرَّحْمَةِ انْبَسَطَ العَبْدُ وغَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجاءُ، فَنَبَّهْ بِصِفَةِ المَلِكِ أوِ المالِكِ لِيَكُونَ مِن عَمَلِهِ عَلى وجَلٍ، وأنَّ لِعَمَلِهِ يَوْمًا تَظْهَرُ لَهُ فِيهِ ثَمَرَتُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
abu_suud — إرشاد العقل السليم
﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: صِفَةٌ رابِعَةٌ لَهُ (تَعالى)؛ وتَأْخِيرُها عَنِ الصِّفاتِ الأُوَلِ مِمّا لا حاجَةَ إلى بَيانِ وجْهِهِ؛ وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ المُحْتَرَمَيْنِ: "مَلِكِ"؛ مِنَ المُلْكِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ السُّلْطانِ القاهِرِ؛ والِاسْتِيلاءِ الباهِرِ؛ والغَلَبَةِ التّامَّةِ؛ والقُدْرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ في أُمُورِ العامَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ؛ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ الإضافَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾؛ وقُرِئَ: "مَلْكِ"؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ و"مَلَكَ"؛ بِلَفْظِ الماضِي؛ و"مالِكَ"؛ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ؛ أوِ الحالِ؛ وبِالرَّفْعِ؛ مُنَوَّنًا ومُضافًا؛ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ و"مَلِكُ"؛ مُضافًا بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ؛ و"اليَوْمُ" في العُرْفِ: عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وغُرُوبِها؛ مِنَ الزَّمانِ؛ وفي الشَّرْعِ: عَمّا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي؛ وغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ والمُرادُ هَهُنا مُطْلَقُ الوَقْتِ؛ و"الدِّينُ": الجَزاءُ؛ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا؛ ومِنهُ الثّانِي في المَثَلِ السّائِرِ: "كَما تَدِينُ تُدانُ"؛ والأوَّلُ في بَيْتِ الحَماسَةِ ؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا وَأمّا الأوَّلُ في الأوَّلِ؛ والثّانِي في الثّانِي؛ فَلَيْسَ بِجَزاءٍ حَقِيقَةً؛ وإنَّما سُمِّيَ بِهِ مُشاكَلَةً؛ أوْ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ والقِراءَةِ بِاسْمِهِما في قَوْلِهِ - عَزَّ اسْمُهُ -: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ ولَعَلَّهُ هو السِّرُّ في بِناءِ المُفاعَلَةِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَقُومُ أسْبابُها بِمَفْعُولاتِها؛ نَحْوَ: عاقَبْتُ اللِّصَّ؛ ونَظائِرِهِ؛ فَإنَّ قِيامَ السَّرِقَةِ؛ الَّتِي هي سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ بِاللِّصِّ؛ نُزِّلَ مَنزِلَةَ قِيامِ المُسَبِّبِ بِهِ؛ وهي العُقُوبَةُ؛ فَصارَ كَأنَّها قامَتْ بِالجانِبَيْنِ؛ وصَدَرَتْ عَنْهُما؛ فَبُنِيَتْ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى المُشارَكَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ؛ وإضافَةُ اليَوْمِ إلَيْهِ - لِأدْنى مُلابَسَةٍ - كَإضافَةِ سائِرِ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ إلى ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ؛ كَـ "يَوْمُ الأحْزابِ"؛ و"عامُ الفَتْحِ"؛ وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ القِيامَةِ، والجَمْعِ، والحِسابِ؛ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ القِيامَةِ؛ وغَيْرِها؛ مِن مَبادِئِ الجَزاءِ؛ ومُقَدِّماتِهِ؛ وإضافَةُ "مالِكِ" إلى "اليَوْمِ" مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى الظَّرْفِ - عَلى نَهْجِ الِاتِّساعِ المَبْنِيِّ عَلى إجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ؛ مَعَ بَقاءِ المَعْنى عَلى حالِهِ؛ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ -؛ أيْ: مالِكِ أُمُورِ العالَمِينَ كُلِّها في يَوْمِ الدِّينِ؛ وخُلُوُّ إضافَتِهِ عَنْ إفادَةِ التَّعْرِيفِ المُسَوِّغِ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ؛ إنَّما هو إذا أُرِيدَ بِهِ الحالُ؛ أوْ الِاسْتِقْبالُ؛ وأمّا عِنْدَ إرادَةِ الِاسْتِمْرارِ الثُّبُوتِيِّ - كَما هو اللّائِقُ بِالمَقامِ - فَلا رَيْبَ في كَوْنِها إضافَةً حَقِيقِيَّةً؛ كَإضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى غَيْرِ مَعْمُولِها؛ في قِراءَةِ "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ"؛ ويَوْمُ الدِّينِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ؛ إلّا أنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ وبَقائِهِ أبَدًا - أُجْرِيَ مُجْرى المُتَحَقَّقِ المُسْتَمِرِّ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الماضِي بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ كَما يَشْهَدُ بِهِ القِراءَةُ عَلى صِيغَةِ الماضِي؛ وما ذُكِرَ مِن إجْراءِ الظَّرْفِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ إنَّما هو مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لا مِن حَيْثُ الإعْرابُ؛ حَتّى يَلْزَمَ كَوْنُ الإضافَةِ لَفْظِيَّةً؛ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ في "مالِكُ عَبْدِهِ (p-16)أمْسِ"؛ إنَّهُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ؛ عَلى مَعْنى أنَّهُ كَذَلِكَ مَعْنًى؛ لا أنَّهُ مَنصُوبٌ مَحَلًّا؟ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إمّا لِتَعْظِيمِهِ؛ وتَهْوِيلِهِ؛ أوْ لِبَيانِ تَفَرُّدِهِ (تَعالى) بِإجْراءِ الأمْرِ فِيهِ. وانْقِطاعُ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ بَيْنَ "المَلاكِ"؛ و"الأمْلاكِ" حِينَئِذٍ بِالكُلِّيَّةِ؛ وإجْراءُ هاتِيكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ اخْتِصاصِ الحَمْدِ بِهِ (تَعالى)؛ المُسْتَلْزِمِ لِاخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِهِ بِهِ (تَعالى)؛ وتَمْهِيدٌ لِما لَحِقَ مِنَ اقْتِصارِ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُفْصِحَةٌ عَنْ وُجُوبِ ثُبُوتِ كُلِّ واحِدٍ مِنها لَهُ (تَعالى)؛ وامْتِناعِ ثُبُوتِها لِما سِواهُ؛ أمّا الأُولى والرّابِعَةُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُما مُتَعَرِّضَتانِ صَراحَةً لِكَوْنِهِ (تَعالى) رَبًّا مالِكًا؛ وما سِواهُ مَرْبُوبًا مَمْلُوكًا لَهُ (تَعالى)؛ وأمّا الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ فَلِأنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِهِما لَيْسَ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى ما سِواهُ مِنَ العالَمِينَ؛ وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ؛ فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ - كَما دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ ثُبُوتِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لَهُ (تَعالى) - دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ ثُبُوتِها لِما عَداهُ عَلى الإطْلاقِ؛ وهو المَعْنِيُّ بِالِاخْتِصاصِ.
alusi — روح المعاني
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ (p-34)أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ. ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ (p-35)أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ (p-36)مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . (الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً (p-37)بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ. ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ (p-38)لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. (وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ. وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
baghawy — معالم التنزيل
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي. سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ. وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" [[من نسخة (ب) .]] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ [[ساقط من أ.]] ] . وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ. قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) [[في الأصل: تعظيما.]] لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) [[في الأصل: الفعل.]] . وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) [[ساقط من (أ) .]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ [[أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.]] . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .]] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا. قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) . قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ. "وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) . قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) [[في ب: ريان.]] الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ. قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ. قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) [[في أ، ب (الاستطاعة) .]] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا. قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] [[ساقط من ب.]] وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ. قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) [[في ب: كسر.]] فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [[زيادة من ب.]] بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ. وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) [[ساقط من ب.]] مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .]] صَحِيحٌ. فصل في فضل (الفاتحة) [[في "ب": فاتحة الكتاب.]] أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) [[ساقط من (أ) .]] مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) [[ساقط من (أ) وفي ب: الذي.]] آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.]] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" [[رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] [[ساقط من ب.]] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ [[في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.]] غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [[ساقط من (ب) .]]
baghawy
قوله: {مالك يوم الدين} قرأ عاصم و الكسائي و يعقوب: "مالك " ، وقرأ الآخرون: " ملك " ؛ قال قوم: معناهما واحد مثل فرهين وفارهين، وحذرين وحاذرين، ومعناهما: الرب يقال رب الدار ومالكها. وقيل المالك والملك: هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدرعليه أحد غير الله. قال أبو عبيدة: "مالك أجمع وأوسع لأنه يقال مالك العبد والطير والدواب ولا يقال ملك هذه الأشياء. لأنه لا يكون مالكاً لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء ولا يملكه" . وقال قوم: ملك أولى لأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكاً ولأنه أوفق لسائر القرآن؛ مثل: قوله تعالى: {فتعالى الله الملك الحق} [114 - طه] ، {الملك القدوس} [23 - الحشر] ، {ملك الناس} [الناس] . قال مجاهد: "الدين: الحساب" ، قال الله تعالى: {ذلك الدين القيم} [36 - التوبة] أي الحساب المستقيم وقال ابن عباس ومقاتل والسدي: "ملك يوم الدين: قاضي يوم الحساب" وقال قتادة : "الدين: الجزاء" . ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعاً، يقال: كما تدين تدان. قال محمد بن كعب القرظي: "ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين" وقال يمان بن رباب: "الدين القهر، يقال دنته فدان أي قهرته فذل" . وقيل: الدين الطاعة أي يوم الطاعة. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكاً للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: {الملك يومئذ الحق للرحمن} [26 - الفرقان] ، وقال: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [16 - غافر] ، وقال: {والأمر يومئذ لله} [19 - الانفطار] وقرأ أبو عمرو: (( الرحيم ملك ) ) بإدغام الميم في الميم وكذلك يدغم كل حرفين من جنس واحد أو مخرج واحد أو قريبي المخرج سواء كان الحرف ساكناً أو متحركاً إلا أن يكون الحرف الأول مشدداً أو مُنَوَّناً أو منقوصاً أو مفتوحاً أو تاء الخطاب قبله ساكن من غير المثلين فإنه لا يدغمهما، وإدغام المتحرك يكون في الإدغام الكبير وافقه حمزة في إدغام المتحرك في قوله: {بَيَّتَ طائفة} [81-النساء] ، {والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا} [1-3: الصافات] ، {والذاريات ذرواً} [1- الذاريات] أدغم التاء فيما بعدها من الحروف، وافقه الكسائي وحمزة في إدغام الصغير، وهو إدغام الساكن في المتحرك إلا في الراء عند اللام والدال عند الجيم وكذلك لا يدغم حمزة - وبرواية خلاد وخلف - الدال عند السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلا في أحرف معدودة.
biqaai — نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولَمّا كانَ الرَّبُّ المَنعُوتُ بِالرَّحْمَةِ قَدْ لا يَكُونُ مالِكًا وكانَتِ الرُّبُوبِيَّةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالمِلْكِ المُفِيدِ لِتَمامِ التَّصَرُّفِ، وكانَ المالِكُ لا يَكُونُ مَلِكًا ولا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلّا بِالمُلْكِ المُفِيدِ لِلْعِزَّةِ المَقْرُونِ بِالهَيْبَةِ المُثْمِرَةِ لِلْبَطْشِ والقَهْرِ المُنْتِجِ لِنُفُوذِ الأمْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَلِك يَوْمِ الدِّينِ تَرْهِيبًا مِن سَطَواتِ مَجْدِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: واليَوْمُ مِقْدارُ ما يَتِمُّ فِيهِ أمْرٌ ظاهِرٌ، (p-٣٠)ثُمَّ قالَ: و﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ في الظّاهِرِ هو يَوْمُ ظُهُورِ انْفِرادِ الحَقِّ بِإمْضاءِ المُجازاةِ حَيْثُ تَسْقُطُ دَعْوى المُدَّعِينَ، وهو مِن أوَّلِ يَوْمِ الحَشْرِ إلى الخُلُودِ فالأبَدِ، وهو في الحَقِيقَةِ مِن أوَّلِ يَوْمِ نُفُوذِ الجَزاءِ عِنْدَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ في باطِنِ العامِلِ أثَرَ العَمَلِ إلى أشَدِّ انْتِهائِهِ في ظاهِرِهِ، لِأنَّ الجَزاءَ لا يَتَأخَّرُ عَنِ الذَّنْبِ وإنَّما يَخْفى لِوُقُوعِهِ في الباطِنِ وتَأخُّرِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ ظُهُورِهِ في الظّاهِرِ، ولِذَلِكَ يُؤْثَرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ» وأيْضًا فَكُلُّ عِقابٍ يَقَعُ في الدُّنْيا عَلى أيْدِي الخَلْقِ فَإنَّما هو جَزاءٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَ أصْحابُ الغَفْلَةِ يَنْسِبُونَهُ لِلْعَوائِدِ، كَما قالُوا: ﴿مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥] ويُضِيفُونَهُ لِلْمُعْتَدِينَ عَلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ، وإنَّما هو كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وكَما ورَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ والقَرِّ مِن نَفَسِها»، وهي سَوْطُ الجَزاءِ الَّذِي أهْلُ الدُّنْيا بِأجْمَعِهِمْ مَضْرُوبُونَ (p-٣١)بِهِ، ومَنهَلُ التَّجَهُّمِ الَّذِي أجْمَعُهم وارِدُوهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ أكْثَرُهم، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المَرَضُ سَوْطُ اللَّهِ في الأرْضِ يُؤَدِّبُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ» . وكَذَلِكَ ما يُصِيبُهم مِن عَذابِ النَّفْسِ بِنَوْعِ الغَمِّ والهَمِّ والقَلَقِ والحِرْصِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو تَعالى مَلِكُ ذَلِكَ كُلِّهِ ومالِكُهُ، سَواءٌ ادَّعى فِيهِ مُدَّعٍ أوْ لَمْ يَدَّعِ، فَهو تَعالى بِمُقْتَضى ذَلِكَ [ كُلِّهِ مَلِكُ ] يَوْمِ الدِّينِ ومالِكُهُ مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإلى المَلِكِ أنَهى الحَقُّ تَعالى تَنَزُّلَ أمْرِهِ العَلِيِّ لِأنَّ بِهِ رَجَعَ الأمْرُ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ بِالجَزاءِ العائِدِ عَلى آثارِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأفْعالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] و﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] وبِهِ تَمَّ انْتِهاءُ (p-٣٢)الشَّرَفِ العَلِيِّ وهو المَجْدُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» . انْتَهى، ولَمّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ هُنا في الدَّلالَةِ عَلى المُلْكِ بَيْنَ قِراءَةِ ”مَلِكِ“ وقِراءَةِ ”مالِكِ“ جاءَتِ الرِّوايَةُ بِهِما، وذَلِكَ لِأنَّ المالِكَ إذا أُضِيفَ إلى اليَوْمِ أفادَ اخْتِصاصَهُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِن جَوْهَرٍ وعَرَضٍ، فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ مَعَهُ أمْرٌ ولا مَعْنًى لِلْمَلِكِ سِوى هَذا، ولَمّا لَمْ تُفِدْ إضافَتُهُ إلى النّاسِ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ خِلافٌ في ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ٢]
ibn_abi_hatim — تفسير ابن أبي حاتم
(p-٢٩)قَوْلُهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٢٣] حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ المُقْرِئُ، ثَنا سُفْيانُ، عَنِ العَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، أوْ غَيْرِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”قالَ اللَّهُ تَعالى: كَتَبْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ: فَوَّضَ عَبْدِي وأثْنى عَلَيَّ“» [٢٤] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ يَعْنِي أبا كُرَيْبٍ - ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الزَّيّاتُ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقُولُ: لا يَمْلِكُ أحَدٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعَهُ حُكْمًا كَمُلْكِهِمْ في الدُّنْيا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٢٥] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، بِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ: الدِّينُ يَوْمُ حِسابِ الخَلائِقِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَدِينُهم بَأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، إلّا مَن عَفا عَنْهُ [٢٦] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، ثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، في قَوْلِ اللَّهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ: يَوْمُ الجَزاءِ
ibn_ashoor — التحرير والتنوير
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إتْباعُ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِهَذا لَيْسَ لِمُجَرَّدِ سَرْدِ صِفاتٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، بَلْ هو مِمّا أثارَتْهُ الأوْصافُ المُتَقَدِّمَةُ، فَإنَّهُ لَمّا وُصِفَ تَعالى بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ رِفْقِهِ تَعالى بِالمَرْبُوبِينَ في سائِرِ أكْوانِهِمْ، ثُمَّ التَّنْبِيهِ بِأنَّ تَصَرُّفَهُ تَعالى في الأكْوانِ والأطْوارِ تَصَرُّفُ رَحْمَةٍ عِنْدَ المُعْتَبِرِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ (p-١٧٤)التَّصَرُّفاتِ تَصَرُّفاتُ الأمْرِ والنَّهْيِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّشْرِيعِ الرّاجِعِ إلى حِفْظِ مَصالِحِ النّاسِ عامَّةً وخاصَّةً، وكانَ مُعْظَمُ تِلْكَ التَّشْرِيعاتِ مُشْتَمِلًا عَلى إخْراجِ المُكَلَّفِ عَنْ داعِيَةِ الهَوى الَّذِي يُلائِمُهُ اتِّباعُهُ وفي نَزْعِهِ عَنْهُ إرْغامٌ لَهُ ومَشَقَّةٌ، خِيفَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأوْصافُ المُتَقَدِّمَةُ في فاتِحَةِ الكِتابِ مُخَفِّفًا عَنِ المُكَلَّفِينَ عِبْءَ العِصْيانِ لِما أُمِرُوا بِهِ ومُثِيرًا لِأطْماعِهِمْ في العَفْوِ عَنِ اسْتِخْفافِهِمْ بِذَلِكَ وأنْ يَمْتَلِكَهُمُ الطَّمَعُ فَيَعْتَمِدُوا عَلى ما عَلِمُوا مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ المُؤَكَّدَةِ فَلا يَخْشَوْا غائِلَةَ الإعْراضِ عَنِ التَّكالِيفِ، لِذَلِكَ كانَ مِن مُقْتَضى المَقامِ تَعْقِيبُهُ بِذِكْرِ أنَّهُ صاحِبُ الحُكْمِ في يَوْمِ الجَزاءِ يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ سَبَبٌ في الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ لِحِفْظِ مَصالِحِ العالَمِ، وأُحِيطَ ذَلِكَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وجُعِلَ مِصْداقُ ذَلِكَ الجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ. ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنا وصْفُ مَلِكِ أوْ مالِكِ مُضافًا إلى يَوْمِ الدِّينِ. فَأمّا مَلِكٌ فَهو مُؤْذِنٌ بِإقامَةِ العَدْلِ وعَدَمِ الهَوادَةِ فِيهِ لِأنَّ شَأْنَ المَلِكِ أنْ يُدَبِّرَ صَلاحَ الرَّعِيَّةِ ويَذُبَّ عَنْهم، ولِذَلِكَ أقامَ النّاسُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ. ولَوْ قِيلَ رَبُّ يَوْمِ الدِّينِ لَكانَ فِيهِ مَطْمَعٌ لِلْمُفْسِدِينَ يَجِدُونَ مِن شَأْنِ الرَّبِّ رَحْمَةً وصَفْحًا، وأمّا مالِكٌ فَمِثْلُ تِلْكَ في إشْعارِهِ بِإقامَةِ الجَزاءِ عَلى أوْفَقِ كَيْفِيّاتِهِ بِالأفْعالِ المُجْزى عَلَيْها. فَإنْ قُلْتَ: فَإذا كانَ إجْراءُ الأوْصافِ السّابِقَةِ مُؤْذِنًا بِأنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى فِينا رَحْمَةٌ فَقَدْ كَفى ذَلِكَ في الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ إذِ المَرْءُ لا يُخالِفُ ما هو رَحْمَةٌ بِهِ فَلا جَرَمَ أنْ يَنْساقَ إلى الشَّرِيعَةِ بِاخْتِيارِهِ. قُلْتُ: المُخاطَبُونَ مَراتِبٌ مِنهم مَن لا يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ تَعْقِيبِ تِلْكَ الأوْصافِ بِهَذا الوَصْفِ، ومِنهم مَن يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَظُنُّ أنَّ في فِعْلِ المُلائِمِ لَهُ رَحْمَةً بِهِ أيْضًا فَرُبَّما آثَرَ الرَّحْمَةَ المُلائِمَةَ عَلى الرَّحْمَةِ المُنافِرَةِ وإنْ كانَتْ مُفِيدَةً لَهُ، ورُبَّما تَأوَّلَ الرَّحْمَةَ بِأنَّها رَحْمَةٌ لِلْعُمُومِ وأنَّهُ إنَّما يَنالُهُ مِنها حَظٌّ ضَعِيفٌ فَآثَرَ رَحْمَةَ حَظِّهِ الخاصِّ بِهِ عَلى رَحْمَةِ حَظِّهِ التّابِعِ لِلْعامَّةِ. ورُبَّما تَأوَّلَ أنَّ الرَّحْمَةَ في تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ أغْلَبِيٌّ لا مُطَّرِدٌ وأنَّ وصْفَهُ تَعالى بِالرَّحْمانِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ التَّشْرِيعِ مِن تَكْوِينٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ في المَآلِ فَآثَرَ عاجِلَ ما يُلائِمُهُ. ورُبَّما عَلِمَ جَمِيعَ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّكالِيفُ مِنَ المَصالِحِ بِاطِّرادٍ ولَكِنَّهُ مَلَكَتْهُ شَهْوَتُهُ وغَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ. فَكُلُّ هَؤُلاءِ مَظِنَّةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِأمْثالِهِمْ جاءَ تَعْقِيبُ الصِّفاتِ الماضِيَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَذْكِيرًا لَهم بِما سَيَحْصُلُ مِنَ الجَزاءِ يَوْمَ الحِسابِ لِئَلّا يَفْسُدَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ حِينَ تَتَلَقَّفُهُ أفْهامُ كُلِّ مُتَأوِّلٍ مُضَيِّعٍ. (p-١٧٥)ثُمَّ إنَّ في تَعْقِيبِ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بِقَوْلِهِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ ولِيُّ التَّصَرُّفِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَهو إذَنْ تَتْمِيمٌ. وقَوْلُهُ ”مَلِكِ“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ المِيمِ وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ مالِكِ بِالألِفِ فالأوَّلُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ صارَتِ اسْمًا لِصاحِبِ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ والثّانِي اسْمُ فاعِلٍ مِن مَلَكَ إذا اتَّصَفَ بِالمِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ وكِلاهُما مُشْتَقٌّ مِن مَلَكَ، فَأصْلُ مادَّةِ مَلَكَ في اللُّغَةِ تَرْجِعُ تَصارِيفُها إلى مَعْنى الشَّدِّ والضَّبْطِ كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ ذَلِكَ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ، والتَّحْقِيقِ والِاعْتِبارِ، وقِراءَةُ ”مَلِكِ“ بِدُونِ ألِفٍ تَدُلُّ عَلى تَمْثِيلِ الهَيْئَةِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ لِأنَّ المَلِكَ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ هو ذُو المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ والمُلْكُ أخَصُّ مِنَ المِلْكِ، إذِ المُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ هو التَّصَرُّفُ في المَوْجُوداتِ والِاسْتِيلاءُ ويَخْتَصُّ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ العُقَلاءِ وسِياسَةِ جُمْهُورِهِمْ وأفْرادِهِمْ ومَواطِنِهِمْ فَلِذَلِكَ يُقالُ مَلِكِ النّاسِ ولا يُقالُ مَلِكِ الدَّوابِّ أوِ الدَّراهِمِ، وأمّا المِلْكُ بِكَسْرِ المِيمِ فَهو الِاخْتِصاصُ بِالأشْياءِ ومَنافِعِها دُونَ غَيْرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”مَلِكِ“ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ دُونَ ألِفٍ ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وصاحِبَيْهِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ في كِتابِ التِّرْمِذِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَكى أبُو عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّ أوَّلَ مَن قَرَأ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ فَرَدَّهُ أبُو بَكْرِ بْنُ السَّرّاجِ بِأنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ تُبْطِلُ ذَلِكَ فَلَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ أرادَ أنَّهُ أوَّلُ مَن قَرَأ بِها في بَلَدٍ مَخْصُوصٍ. وأمّا قِراءَةُ ”مالِكِ“ بِألِفٍ بَعْدَ المِيمِ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ فَهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ عُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، ورَواها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِهِ أنَّها قَرَأ بِها النَّبِيءُ ﷺ وصاحِباهُ أيْضًا. وكِلْتاهُما صَحِيحَةٌ ثابِتَةٌ كَما هو شَأْنُ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ. وقَدْ تَصَدّى المُفَسِّرُونَ والمُحْتَجُّونَ لِلْقِراءاتِ لِبَيانِ ما في كُلٍّ مِن قِراءَةِ ”مَلِكِ“ بِدُونِ ألِفٍ وقِراءَةِ ”مالِكِ“ بِالألِفِ مِن خُصُوصِيّاتٍ بِحَسَبِ قَصْرِ النَّظَرِ عَلى مَفْهُومِ كَلِمَةِ مَلِكِ ومَفْهُومِ كَلِمَةِ مالِكِ، وغَفَلُوا عَنْ إضافَةِ الكَلِمَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، فَأمّا والكَلِمَةُ مُضافَةٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ فَقَدِ اسْتَوَيا في إفادَةِ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في شُئُونِ ذَلِكَ اليَوْمِ دُونَ شُبْهَةِ مُشارِكٍ. ولا مَحِيصَ عَنِ اعْتِبارِ التَّوَسُّعِ في إضافَةِ مَلِكٍ أوْ مالِكٍ إلى يَوْمٍ بِتَأْوِيلِ شُئُونِ يَوْمِ الدِّينِ. عَلى أنَّ ”مالِكِ“ لُغَةٌ في ”مَلِكِ“ فَفي القامُوسِ وكَأمِيرٍ وكَتِفٍ وصاحِبٍ: ذُو المُلْكِ. (p-١٧٦)ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ القِيامَةِ، ومَبْدَأُ الدّارِ الآخِرَةِ، فالدِّينُ فِيهِ بِمَعْنى الجَزاءِ، قالَ الفِنْدُ الزِّمّانِيِّ: ؎فَلَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهْوَ عُرْيانُ ؎ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نُ دِنّاهم كَما دانُوا أيْ: جازَيْناهم عَلى صُنْعِهِمْ كَما صَنَعُوا مُشاكَلَةً، أوْ كَما جازَوْا مِن قَبْلُ إذا كانَ اعْتِداؤُهم ناشِئًا عَنْ ثَأْرٍ أيْضًا، وهَذا هو المَعْنى المُتَعَيَّنُ هُنا وإنْ كانَ لِلدِّينِ إطْلاقاتٌ كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ. واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ تَعالى بِمَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ تَكْمِلَةٌ لِإجْراءِ مَجامِعِ صِفاتِ العَظَمَةِ والكَمالِ عَلى اسْمِهِ تَعالى، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ وُصِفَ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ وذَلِكَ مَعْنى الإلَهِيَّةِ الحَقَّةِ إذْ يَفُوقُ ما كانُوا يَنْعَتُونَ بِهِ آلِهَتَهم مِن قَوْلِهِمْ إلَهُ بَنِي فُلانٍ فَقَدْ كانَتِ الأُمَمُ تَتَّخِذُ آلِهَةً خاصَّةً لَها كَما حَكى اللَّهُ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقالُوا ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] وقالَ ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهُمُ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكانَتْ لِبَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ آلِهَةٌ خاصَّةٌ، فَقَدْ عَبَدَتْ ثَقِيفٌ اللّاتَ قالَ الشّاعِرُ: ؎ووَقَرَتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ في المُوَطَّأِ ”«كانَ الأنْصارُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ» “ الحَدِيثَ. فَوَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، ثُمَّ عَقَّبَ بِوَصْفَيِ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ لِإفادَةِ عِظَمِ (p-١٧٧)رَحْمَتِهِ، ثُمَّ وُصِفَ بِأنَّهُ مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ وهو وصْفٌ بِما هو أعْظَمُ مِمّا قَبْلَهُ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ عُمُومِ التَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ في يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي هو أوَّلُ أيّامِ الخُلُودِ، فَمَلِكُ ذَلِكَ الزَّمانِ هو صاحِبُ المُلْكِ الَّذِي لا يَشِذُّ شَيْءٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ مُلْكِهِ، وهو الَّذِي لا يَنْتَهِي مُلْكُهُ ولا يَنْقَضِي، فَأيْنَ هَذا الوَصْفُ مِن أوْصافِ المُبالَغَةِ الَّتِي يُفِيضُها النّاسُ عَلى أعْظَمِ المُلُوكِ: مِثْلَ مَلِكِ المُلُوكِ شاهانْ شاهْ ومَلِكِ الزَّمانِ ومَلِكِ الدُّنْيا شاهْ جَهانْ وما شابَهَ ذَلِكَ. مَعَ ما في تَعْرِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِإضافَتِهِ إلى الدِّينِ أيِ الجَزاءِ مِن إدْماجِ التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ حُكْمِ اللَّهِ لِأنَّ إيثارَ لَفْظِ الدِّينِ أيِ الجَزاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُعامَلَةُ العامِلِ بِما يُعادِلُ أعْمالَهُ المَجْزِيِّ عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وذَلِكَ العَدْلُ الخاصُّ قالَ تَعالى ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مَلِكِ يَوْمِ الحِسابِ فَوَصْفُهُ بِأنَّهُ مَلِكُ يَوْمِ العَدْلِ الصِّرْفِ وصْفٌ لَهُ بِأشْرَفِ مَعْنى المُلْكِ فَإنَّ المُلُوكَ تَتَخَلَّدُ مَحامِدُهم بِمِقْدارِ تَفاضُلِهِمْ في إقامَةِ العَدْلِ وقَدْ عَرَّفَ العَرَبُ المِدْحَةَ بِذَلِكَ. قالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ المَلِكَ عَمْرَو بْنَ الحارِثِ الغَسّانِيَّ مَلِكَ الشّامِ: ؎وكَمْ جَزانا بِأيْدٍ غَيْرِ ظالِمَةٍ ∗∗∗ عُرْفًا بِعُرْفٍ وإنْكارًا بِإنْكارِ وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ يَمْدَحُ المَلِكَ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ اللَّخْمِيَّ مَلِكَ الحِيرَةِ: ؎مَلِكٌ مُقْسِطٌ وأفْضَلُ مَن يَمْ ∗∗∗ شِي ومِن دُونِ ما لَدَيْهِ القَضاءُ وإجْراءُ هَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ عَلى اسْمِهِ تَعالى إيماءٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها حَقِيقٌ بِالحَمْدِ الكامِلِ الَّذِي أعْرَبَتْ عَنْهُ جُمْلَةُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“، لِأنَّ تَقْيِيدَ مُفادِ الكَلامِ بِأوْصافِ مُتَعَلَّقِ ذَلِكَ المُفادِ يُشْعِرُ بِمُناسَبَةٍ بَيْنَ تِلْكَ الأوْصافِ وبَيْنَ مُفادِ الكَلامِ مُناسِبَةٌ تُفْهَمُ مِنَ المَقامِ مِثْلَ التَّعْلِيلِ في مَقامِ هَذِهِ الآيَةِ.
ibn_atiyyah — المحرر الوجيز
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مَلِك يَوْمَ الدِينِ ) فَقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾. قالَ الفارِسِيُّ: وكَذَلِكَ قَرَأها قَتادَةَ، والأعْمَشُ. قالَ مَكِّيُّ: ورَوى الزُهْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأها كَذَلِكَ بِالألْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأها أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وطَلْحَةُ، والزُبَيْرُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ). (p-٧٥)وَقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ ( مَلِكُ يَوْمِ الدِينِ ) وأبُو عَمْرٍو مِنهم يُسَكِّنُ اللامَ فَيَقْرَأُ: ( مَلْكِ يَوْمِ الدِينِ )، هَذِهِ رِوايَةُ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ. ورُوِيَ عن نافِعٍ إشْباعُ الكَسْرَةِ مِنَ الكافِ في "مَلِكِ" فَيَقْرَأُ: "مَلَكِيُّ"، وهي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ ذَكَرَها المَهْدَوِيُّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "مَلِكَ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشُ، وأبُو صالِحٍ السَمّانُ، وأبُو عَبْدِ المَلِكِ الشامِيُّ "مالِكِ" بِفَتْحِ الكافِ، وهَذانَ عَلى النِداءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: "إيّاكَ"، ورَدَّ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا وقالَ: إنَّ مَعْنى السُورَةِ قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعَلى ذَلِكَ يَجِيءُ "إيّاكَ"، و"اهْدِنا"، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ الخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وبِالعَكْسِ، كَقَوْلِ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: ؎ يا ويْحَ نَفْسِي كانَ جَدَّةُ خالِدٍ وبَياضُ وجْهِكَ لِلتُّرابِ الأعْفَرِ وكَما قالَ لَبِيدٌ: ؎ قامَتْ تَشْكِي إلَيَّ النَفْسُ مُجْهِشَةً ∗∗∗ وقَدْ حَمَلْتُكَ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينا (p-٧٦)وَكَقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ( مَلَكَ يَوْمَ الدِينِ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "مَلِيكِ" بِالياءِ وكَسْرِ الكافِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "وَلَمْ يَمِلْ أحَدٌ مِنَ القُرّاءِ ألِفَ "مالِكِ"، وذَلِكَ جائِزٌ إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِما يَجُوزُ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ أثَرٌ مُسْتَفِيضٌ". و"المُلْكُ والمِلْكُ" بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها، وما تَصَرَّفَ مِنهُما راجِعٌ كُلُّهُ إلى "مَلَكَ" بِمَعْنى شَدَّ وضَبَطَ، ثُمَّ يُخْتَصُّ كُلُّ تَصْرِيفٍ مِنَ اللَفْظَةِ بِنَوْعٍ مِنَ المَعْنى. يَدُلُّكَ عَلى الأصْلِ في "مَلَكَ" قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ مَلَكَتْ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗.................................. وهَذا يَصِفُ طَعْنَةً فَأرادَ "شَدَدْتُ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أوسِ بْنِ حُجْرٍ: ؎ فَمَلَّكَ بِاللَيْطِ الَّذِي تَحْتَ قِشْرِها ∗∗∗ كَغِرْقِئِ بَيْضٍ كَنَّهُ القَيْضُ مِن عَلِ أرادَ "شَدَّدَ"، وهَذا يَصِفُ صانِعَ قَوْسٍ تَرَكَ مِن قِشْرِها ما يَحْفَظُ قَلَبَ القَوْسِ، و"الَّذِي" مَفْعُولٌ، ولَيْسَ بِصِفَةٍ لِلَّيْطِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "إمْلاكُ المَرْأةِ وإمْلاكُ فُلانٍ" إنَّما هو رَبْطُ النِكاحِ، كَما قالُوا: عُقْدَةُ النِكاحِ، إذِ النِكاحُ مَوْضِعُ شَدٍّ ورَبْطٍ، فالمالِكُ لِلشَّيْءِ شادٌّ عَلَيْهِ، ضابِطٌ لَهُ، وكَذَلِكَ المَلِكُ. واحْتَجَّ مَن قَرَأ "مَلَكَ" بِأنَّ لَفْظَةَ "مَلَكَ" أعَمُّ مِن لَفْظَةِ "مالِكِ"، إذْ كُلُّ مَلَكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، والمَلِكُ الَّذِي يُدَبِّرُ المالِكَ في مِلْكِهِ حَتّى لا يَتَصَرَّفَ إلّا عن (p-٧٧)تَدْبِيرِ المَلِكِ، وتَتابَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى سَرْدِ هَذِهِ الحُجَّةِ، وهي عِنْدِي غَيْرُ لازِمَةٍ؛ لِأنَّهم أخَذُوا اللَفْظَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ لا بِنِسْبَةٍ إلى ما هو المَمْلُوكُ وفِيهِ المَلِكُ، فَأمّا إذا كانَتْ نِسْبَةُ المَلِكِ هي نِسْبَةُ المالِكِ فالمالِكُ أبْلَغُ، مِثالُ ذَلِكَ أنْ نُقَدِّرَ مَدِينَةً آهِلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ نُقَدِّرُ لَها رَجُلًا يَمْلِكُها أجْمَعَ، أو رَجُلًا هو مَلِكُها فَقَطْ، إنَّما يَمْلِكُ التَدْبِيرَ والأحْكامَ، فَلا شَكَّ أنَّ المالِكَ أبْلَغُ تَصَرُّفًا وأعْظَمُ، إذْ إلَيْهِ إجْراءُ قَوانِينِ الشَرْعِ فِيها، كَما لِكُلِّ أحَدٍ في مِلْكِهِ، ثُمَّ عِنْدَهُ زِيادَةُ التَمَلُّكِ، ومُلْكُ اللهِ تَعالى لِيَوْمِ الدِينِ هو عَلى هَذا الحَدِّ، فَهو مالِكُهُ ومَلِكُهُ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وحَكى أبُو عَلِيٍّ في حُجَّةِ مَن قَرَأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ أنَّ أوَّلَ مَن قَرَأ ( مَلِكِ يَوْمَ الدِينِ ) مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ في المُلْكِ ما لا يَدْخُلُ في المِلْكِ فَيُقالُ: مالِكُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ والطَيْرِ والبَهائِمِ، ولا يُقالُ: مَلَكَها، و"مالِكِ" في صِفَةِ اللهِ تَعالى يَعُمُّ مَلِكِ أعْيانِ الأشْياءِ، ومَلِكِ الحُكْمِ فِيها. وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]. قالَ أبُو بَكْرٍ: الأخْبارُ الوارِدَةُ تَبْطُلُ أنَّ أوَّلَ مَن قَرَأ: ( مَلِكِ يَوْمِ الدِينِ ) مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، بَلِ القِراءَةُ بِذَلِكَ أوسَعُ، ولَعَلَّ قائِلُ ذَلِكَ أرادَ أنَّهُ أوَّلَ مَن قَرَأ في ذَلِكَ العَصْرِ، أوِ البَلَدِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي التِرْمِذِيِّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ، وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَؤُوا: ( مَلِكِ يَوْمِ الدِينِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وفِيهِ أيْضًا أنَّهم قَرَؤُوا ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ بِألِفٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: والِاخْتِيارُ عِنْدِي ( مَلِكِ يَوْمِ الدِينِ )، لِأنَّ "المِلْكَ" و "المُلْكَ" يَجْمَعُهُما، مَعْنًى واحِدٌ، وهو الشَدُّ والرَبْطُ، كَما قالُوا مَلَكَتِ العَجِينَ أيْ: شَدَدْتُهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، والمُلْكُ أفْخَمُ وأدْخَلُ في المَدْحِ، والآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ بِالثَناءِ والمَدْحِ لِلَّهِ (p-٧٨)سُبْحانَهُ، فالمَعْنى أنَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لا مِلْكَ لِغَيْرِهِ، قالَ: والوَجْهُ لِمَن قَرَأ "مالِكِ" أنْ يَقُولَ: إنَّ المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَمْلِكُ ذَلِكَ اليَوْمَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ، كَما يَمْلِكُ سائِرَ الأيّامِ، لَكِنْ خَصَّصَهُ بِالذِكْرِ لِعِظَمِهِ في جَمْعِهِ وحَوادِثِهِ. قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "يُقالُ مُلْكٌ بَيِّنُ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ، ومالِكٌ بَيْنَ المَلْكِ و المِلْكِ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها"، وزَعَمُوا أنَّ ضَمَّ المِيمِ لُغَةٌ في هَذا المَعْنى. ورَوى بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ: "لِي في هَذا الوادِي مِلْكٌ ومَلْكٌ ومُلْكٌ" مَعْنًى واحِدٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حَكى أبُو بَكْرٍ بْنُ السَرّاجِ، عن بَعْضِ مَنِ اخْتارَ القِراءَةَ بِمَلَكَ، أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ قَدْ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، فَلا فائِدَةَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "مالِكِ" لِأنَّها تَكْرِيرٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا حُجَّةَ في هَذا، لِأنَّ في التَنْزِيلِ أشْياءَ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، تَقَدَّمَ العامُّ ثُمَّ ذَكَرَ الخاصَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ اللهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]. فالخالِقُ يَعُمُّ، وذَكَرَ المُصَوِّرَ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَنْبِيهِ عَلى الصَنْعَةِ ووُجُوهِ الحِكْمَةِ. وكَما قالَ تَعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] و"الغَيْبِ" يَعُمُّ الآخِرَةَ وغَيْرَها، ولَكِنْ ذَكَرَها لِعِظَمِها، والتَنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ اعْتِقادِها، والرَدِّ عَلى الكَفَرَةِ الجاحِدِينَ لَها. وكَما قالَ تَعالى: ﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ فَذِكْرُ الرَحْمَنِ الَّذِي هو عامٌّ، وذِكْرُ الرَحِيمِ بَعْدَهُ لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأيْضًا فَإنَّ الرَبَّ يَتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى المَلِكِ كَقَوْلِهِ: "وَمِن قَبْلُ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ". وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، فَتَنْعَكِسُ الحُجَّةُ عَلى مَن قَرَأ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾. والجَرُّ في "مَلِكِ" أو "مالِكِ" عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ هو عَلى الصِفَةِ لِلِاسْمِ المَجْرُورِ قَبْلَهُ، والصِفاتُ تَجْرِي عَلى مَوْصُوفِيها إذا لَمْ تُقْطَعْ عنهم لِذَمٍّ أو مَدْحٍ، والإضافَةُ إلى (p-٧٩)( يَوْمِ الدِينِ ) في كِلْتا القِراءَتَيْنِ مِن "يا سارِقَ اللَيْلَةِ أهْلَ الدارِ"، اتَّسَعَ في الظَرْفِ فَنُصِبَ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ وقَعَتِ الإضافَةُ إلَيْهِ عَلى هَذا الحَدِّ، ولَيْسَ هَذا كَإضافَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]، لِأنَّ الساعَةَ مَفْعُولٌ بِها عَلى الحَقِيقَةِ، أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ الساعَةَ وحَقِيقَتَها، فَلَيْسَ أمْرُها عَلى ما الكُفّارُ عَلَيْهِ مِن إنْكارِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا عَلى المَعْنى الَّذِي قالَهُ ابْنُ السَراجِ، مِن أنَّ مَعْنى ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ أنَّهُ يَمْلِكُ مَجِيئَهُ ووُقُوعَهُ، فَإنَّ الإضافَةَ إلى اليَوْمِ كَإضافَةِ المَصْدَرِ إلى الساعَةِ، لِأنَّ اليَوْمَ عَلى قَوْلِهِ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ولَيْسَ ظَرْفًا اتَّسَعَ فِيهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾، فَأضافَ اسْمَ الفاعِلِ إلى الظَرْفِ المُتَّسَعِ فِيهِ، فَإنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ مِنَ الكَلامِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: مالِكُ يَوْمِ الدِينِ الأحْكامَ. ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في حَذْفِ المَفْعُولِ بِهِ مَعَ الظَرْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَنُصِبَ الشَهْرُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَقْدِيرُ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ المِصْرَ في الشَهْرِ، ولَوْ كانَ الشَهْرُ مَفْعُولًا لَلَزِمَ الصَوْمُ لِلْمُسافِرِ، لِأنَّ شَهادَتَهُ لِلشَّهْرِ كَشَهادَةِ المُقِيمِ، وشَهِدَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ويَوْمًا شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا ∗∗∗...................................... و"الدِينُ" لَفْظٌ يَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى أنْحاءٍ: مِنها "المِلَّةُ". قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] إلى كَثِيرٍ مِنَ الشَواهِدِ في هَذا المَعْنى: وسُمِّيَ حَظُّ (p-٨٠)الرَجُلِ مِنها في أقْوالِهِ وأعْمالِهِ واعْتِقاداتِهِ "دِينًا" فَيُقالُ: "فُلانٌ حَسَنُ الدِينِ"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في رُؤْياهُ في قَمِيصِ عُمَرَ الَّذِي رَآهُ يَجُرُّهُ، "قِيلَ: فَما أوَّلْتُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: الدِينُ». وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "مَحَبَّةُ العُلَماءِ دِينٌ يُدانُ بِهِ. ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ الدِينُ بِمَعْنى: "العادَةِ". فَمِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في الرِيحِ: "عادَتْ هَيْفٌ لِأدْيانِها". ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ كَدِينِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ∗∗∗...................................... ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ...................................... ∗∗∗ أهَذا دِينُهُ أبَدًا ودِينِي؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، يُقالُ: دِينٌ ودِينَةٌ أيْ: عادَةٌ. ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ الدِينُ "سِيرَةُ المَلِكِ ومَلِكَتِهِ" ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ ؎ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ أرادَ في مَوْضِعِ طاعَةِ عَمْرٍو وسِيرَتِهِ، وهَذِهِ الأنْحاءُ الثَلاثَةُ لا يُفَسِّرُ بِها قَوْلَهُ: ( مَلِك يَوْمَ الدِينِ ). ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ الدِينُ: "الجَزاءُ"، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الفَنْدِ الزَمانِيِّ:(p-٨١) ؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العَدْوا ∗∗∗ دِنّاهم كَما دانُوا أيْ جازَيْناهم. ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ جُعَيْلٍ: ؎ إذا ما رَمَوْنا رَمَيْناهم ∗∗∗ ∗∗∗ ودِنّاهم مِثْلَ ما يُقْرِضُونا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ واعْلَمْ يَقِينًا أنَّ مِلْكَكَ زائِلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ واعْلَمْ بِأنَّ كَما تَدِينُ تُدانُ وهَذا النَحْوُ مِنَ المَعْنى هو الَّذِي يَصْلُحُ لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ( مَلِك يَوْمَ الدِينِ )، أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ والحِسابِ بِها، كَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، و﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. وحَكى أهْلُ اللُغَةِ: "دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْنًا" بِفَتْحِ الدالِّ، و"دِينًا" بِكَسْرِها: جَزَيْتُهُ، وقِيلَ: "الدِينُ": المَصْدَرُ، و"الدِينُ" بِكَسْرِ الِاسْمِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "مَلِكِ يَوْمِ الدِينِ" أيْ: يَوْمِ الحِسابِ مَدِينِينَ مُحاسَبِينَ، وهَذا عِنْدِي يَرْجِعُ إلى مَعْنى الجَزاءِ. ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ "الدِينُ": "الذُلُّ"، والمَدِينُ: العَبْدُ، والمَدِينَةُ: الأُمَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ رَبَتْ ورِبا في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ أيْ: ابْنُ أمَةٍ، وقِيلَ: بَلْ أرادَ ابْنَ مَدِينَةٍ مِنَ المُدُنِ، المِيمُ أصْلِيَّةٌ، ونَسَبَهُ إلَيْها، كَما (p-٨٢)يُقالُ: ابْنُ ماءٍ وغَيْرُهُ، وهَذا البَيْتُ في صِفَةِ كَرْمَةٍ، فَأرادَ أنَّ أهْلَ المُدُنِ أعْلَمُ بِفِلاحَةِ الكَرَمِ مِن أهْلِ بادِيَةِ العَرَبِ. ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ، الدِينُ: "السِياسَةُ"، والدَيّانُ "السائِسُ"، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الأُصْبُعِ: ؎ لاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ ∗∗∗ يَوْمًا، ولا أنْتَ دَيّانِي فَتَخْزُونِي ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ الدِينُ: "الحالُ"، قالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: سَألْتُ أعْرابِيًّا عن شَيْءٍ فَقالَ لِي: و"لَوْ لَقِيَتْنِي عَلى دِينٍ غَيْرِ هَذِهِ لَأخْبَرْتُكَ". ومِن أنْحاءِ اللَفْظَةِ، الدِينُ: "الداءُ"، عَنِ اللِحْيانِيِّ وأنْشَدَ: ؎ يا دِينَ قَلْبِكَ مِن سَلْمى وقَدْ دِينا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا هَذا الشاهِدُ فَقَدْ يُتَأوَّلُ عَلى غَيْرِ هَذا النَحْوِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا قَوْلُ اللِحْيانِيِّ.
ibn_juzayy — التسهيل لعلوم التنزيل
وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية. الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن". الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده. الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة. الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة. الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة" والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله. الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات. الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة. الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة. الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]. الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده. الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك. الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له. الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة. الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه. الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر. الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال. الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع. الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين. خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
ibn_qayyim — تفسير ابن القيم
إنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ. وقال في كتاب (الكلام على مسألة السماع) ثم يعطي قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ عبوديتها، ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر، وذلك من تفاصيل حمده وموجبه. ولما كان قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: حمدني عبدي، ولما كان قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادةً وتكريرًا لأوصاف كماله قال: أثنى عليَّ عبدي، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده بملك يوم الدين وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمى هذا الثناء مجدًا، فقال: مجَّدني عبدي، فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال. (فائدة: في اختصاص المَلِكِ بِيَوْمِ الدِّينِ) وَصِفاتُ العَدْلِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والخَفْضِ والرَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، والإعْزازِ والإذْلالِ، والقَهْرِ والحُكْمِ، ونَحْوُها أخَصُّ بِاسْمِ المَلِكِ وخَصَّهُ بِيَوْمِ الدِّينِ، وهو الجَزاءُ بِالعَدْلِ، لِتَفَرُّدِهِ بِالحُكْمِ فِيهِ وحْدَهُ، ولِأنَّهُ اليَوْمُ الحَقُّ، وما قَبْلَهُ كَساعَةٍ، ولِأنَّهُ الغايَةُ، وأيّامُ الدُّنْيا مَراحِلُ إلَيْهِ. * تَضَمَّنَتْ الفاتِحَةُ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. * (فصل) والدِّينُ فِيهِ مَعْنى الإذْلالِ والقَهْرِ، وفِيهِ مَعْنى الذُّلِّ والخُضُوعِ والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، كَما يُقالُ: دِنْتُهُ فَدانَ، أيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ∗∗∗ ينَ فَأضْحَوْا بِعِزَّةٍ وصِيالِ وَيَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، كَما يُقالُ: دِنْتُ اللَّهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفُلانٌ لا يَدِينُ اللَّهَ دِينًا، ولا يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ، فَدانَ اللَّهَ: أيْ أطاعَ اللَّهَ وأحَبَّهُ وخافَهُ، ودانَ اللَّهَ: تَخَشَّعَ لَهُ وخَضَعَ وذَلَّ وانْقادَ. والدِّينُ الباطِنُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الحُبِّ والخُضُوعِ كالعِبادَةِ سَواءً، بِخِلافِ الدِّينِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ الحُبَّ، وإنْ كانَ فِيهِ انْقِيادٌ وذُلٌّ في الظّاهِرِ. وَسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ [يَوْمَ الدِّينِ] فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَدِينُ فِيهِ النّاسُ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ جَزاءَهم وحِسابَهُمْ، فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، ويَوْمِ الحِسابِ. * (فائدة) فإذا قال المصلي: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد، وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحق الرضا، ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطى من يشاء ويقرب من يشاء ويقصى من يشاء، له دار عذاب وهي النار، وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة. فمن أبطل شيئا من ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. * [فصل: الدِّينُ دِينانِ] والدِّينُ دِينانِ: دِينٌ شَرْعِيٌّ أمْرِيٌّ، ودِينٌ حِسابِيٌّ جَزائِيٌّ، وكَلاهُما لِلَّهِ وحْدَهُ، فالدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أمْرًا أوْ جَزاءً، والمَحَبَّةُ أصْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، فَإنَّ ما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمَرَ بِهِ يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وما نَهى عَنْهُ فَإنَّهُ يَكْرَهُهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِمُنافاتِهِ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَهو يُحِبُّ ضِدَّهُ، فَعادَ دِينُهُ الأمْرِيُّ كُلُّهُ إلى مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ. وَدِينُ العَبْدِ لِلَّهِ بِهِ إنَّما يُقْبَلُ إذا كانَ عَنْ مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا»، فَهَذا مَدِينٌ قائِمٌ بِالمَحَبَّةِ وبِسَبَبِها شُرِعَ، ولِأجْلِها شُرِعَ، وعَلَيْها أُسِّسَ، وكَذَلِكَ دِينُهُ الجَزائِيُّ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُجازاةَ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ، فَإنَّهُما عَدْلُهُ وفَضْلُهُ، وكِلاهُما مِن صِفاتِ كَمالِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُحِبُّ صِفاتِهِ وأسْماءَهُ، ويُحِبُّ مَن يُحِبُّها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ فَهو صِراطُهُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، كَما قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]. وَلَمّا عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ رَبَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ومَنعِهِ وعَطائِهِ، وعافِيَتِهِ وبَلائِهِ، وتَوْفِيقِهِ وخِذْلانِهِ، لا يَخْرُجُ في ذَلِكَ عَنْ مُوجِبِ كَمالِهِ المُقَدَّسِ، الَّذِي يَقْتَضِيهِ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ، مِنَ العَدْلِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ والفَضْلِ، ووَضْعِ الثَّوابِ مَواضِعَهُ، والعُقُوبَةِ في مَوْضِعِها اللّائِقِ بِها، ووَضْعِ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ والعَطاءِ والمَنعِ والهِدايَةِ والإضْلالِ، كُلُّ ذَلِكَ في أماكِنِهِ ومِحالِّهِ اللّائِقَةِ بِهِ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ عَلى ذَلِكَ كَمالَ الحَمْدِ والثَّناءِ، أوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ العِلْمَ والعِرْفانَ، إذْ نادى عَلى رُؤُوسِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِجَنانٍ ثابِتٍ وقَلْبٍ غَيْرِ خائِفٍ بَلْ مُتَجَرِّدٍ لِلَّهِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عُمُومِ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ لِكُلِّ ما سِواهُ، وذُلِّ كُلِّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ، فَقالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فَكَيْفَ أخافُ مَن ناصِيَتُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، وهو في قَهْرِهِ وقَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ دُونَهُ، وهَلْ هَذا إلّا مِن أجْهَلِ الجَهْلِ، وأقْبَحِ الظُّلْمِ؟ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ما يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ فَلا يَخافُ العَبْدُ جَوْرَهُ ولا ظُلْمَهُ، فَلا أخافُ ما دُونَهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِهِ، ولا أخافُ جَوْرَهُ وظُلْمَهُ، فَإنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَهو سُبْحانَهُ ماضٍ في عَبْدِهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، ولا يَخْرُجُ في تَصَرُّفِهِ في عِبادِهِ عَنِ العَدْلِ والفَضْلِ، إنْ أعْطى وأكْرَمَ وهَدى ووَفَّقَ فَبِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وإنْ مَنَعَ وأهانَ وأضَلَّ وخَذَلَ وأشْقى فَبِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في هَذا وهَذا. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما أصابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرَتْ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ: أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجِلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وغَمَّهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَجًا، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ». وَهَذا يَتَناوَلُ حُكْمَ الرَّبِّ الكَوْنِيَّ والأمْرِيَّ وقَضاءَهُ الَّذِي يَكُونُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ وغَيْرِ اخْتِيارِهِ، وكِلا الحُكْمَيْنِ ماضٍ في عَبْدِهِ، وكِلا القَضائَيْنِ عَدْلٌ فِيهِ، فَهَذا الحَدِيثُ مُشْتَقٌّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَيْنَهُما أقْرَبُ نَسَبٍ. [فائدة: في الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف سلطانًا وغيره] في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال «اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم». ويذكر عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند لقاء العدو «اللهم أنت عضدي وأنت ناصري وبك أقاتل». وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال «يا مالك يوم الدين إياك أعبد وإياك أستعين» قال أنس فلقد رأيت الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا خفت سلطانًا أو غيره فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت عز جارك، وجل ثناؤك». وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار. وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾».
jazairi — أيسر التفاسير
شرح الكلمات: مالِك: المالك: صاحب الملك المتصرف كيف يشاء. مَلِكِ: الملك ذو السلطان الآمر الناهي المعطي المانع بلا ممانع ولا منازع. يومَ الدين: يوم الجزاء وهو يوم القيامة حيث يجزي الله كل نفس ما كسبت. معنى الآية: تمجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما في يوم القيامة حيث لا تملك نفس لنفس شيئاً والملكُ الذي لا مَلِكَ يوم القيامة سواه. هداية الآيات: في هذه الآيات الثلاث من الهداية ما يلي: ١- أن الله تعالى يحب الحمد فلذا حمد تعالى نفسه وأمر عباده به. ٢- أن المدح يكون لمقتضٍ. وإلا فهو باطل وزور فالله تعالى لما حمد نفسه ذكر مقتضى الحمد وهو كونه ربّ العالمين والرحمن الرحيم ومالك يوم الدين.
katheer
قرأ بعض القراء : ملك يوم الدين وقرأ آخرون : مالك . وكلاهما صحيح متواتر في السبع . [ ويقال : مليك أيضا ، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ : ملكي يوم الدين وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى ، وكلاهما صحيحة حسنة ، ورجح الزمخشري " ملك " ؛ لأنها قراءة أهل الحرمين ولقوله : ( لمن الملك اليوم وقوله : ( قوله الحق وله الملك وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ ملك يوم الدين على أنه فعل وفاعل ومفعول ، وهذا شاذ غريب جدا ] . وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئا غريبا حيث قال : حدثنا أبو عبد الرحمن الأذرمي ، حدثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل ، عن أبي المطرف ، عن ابن شهاب : أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون : ( مالك يوم الدين وأول من أحدث ملك مروان . قلت : مروان عنده علم بصحة ما قرأه ، لم يطلع عليه ابن شهاب ، والله أعلم . وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها : ( مالك يوم الدين ومالك مأخوذ من الملك ، كما قال : ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) [ مريم : 40 ] وقال : ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس ) [ الناس : 1 ، 2 ] وملك : مأخوذ من الملك كما قال تعالى : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [ غافر : 16 ] وقال : ( قوله الحق وله الملك ) [ الأنعام : 73 ] وقال : ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ] . وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة ، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ، كما قال : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) [ النبأ : 38 ] وقال تعالى : ( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) [ طه : 108 ] ، وقال : ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ) [ هود : 105 ] . وقال الضحاك عن ابن عباس : ( مالك يوم الدين يقول : لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما ، كملكهم في الدنيا . قال : ويوم الدين يوم الحساب للخلائق ، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، إلا من عفا عنه . وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف ، وهو ظاهر . وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير مالك يوم الدين أنه القادر على إقامته ، ثم شرع يضعفه . والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ، ولا ينكره ، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا ، كما قال : ( الملك يومئذ الحق للرحمن ) [ الفرقان : 26 ] والقول الثاني يشبه قوله : ( ويوم يقول كن فيكون ، [ الأنعام : 73 ] والله أعلم . والملك في الحقيقة هو الله عز وجل ؛ قال الله تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله ، وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ وفي القرآن العظيم : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى : ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، وكان وراءهم ملك إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وفي الصحيحين : ( مثل الملوك على الأسرة ) . والدين الجزاء والحساب ؛ كما قال تعالى : ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ، وقال : ( أئنا لمدينون أي مجزيون محاسبون ، وفي الحديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت أي حاسب نفسه لنفسه ؛ كما قال عمر رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم : ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية .
katheer — تفسير القرآن العظيم
قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: ﴿مَلِك يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿مَالِكِ﴾ [[في جـ، ط، ب: قرأ بعض القراء: "مالك" وقرأ آخرون: "ملك".]] . وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ فِي السَّبْعِ. [وَيُقَالُ: مَلِيكٌ أَيْضًا، وَأَشْبَعَ نَافِعٌ كَسْرَةَ الْكَافِ فَقَرَأَ: "مَلَكِي يَوْمِ الدِّينِ" وَقَدْ رَجَّحَ كُلًّا مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ مُرَجِّحُونَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكِلَاهُمَا صَحِيحَةٌ حَسَنَةٌ، وَرَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَلِكِ؛ لِأَنَّهَا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَلِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَرَأَ "مَلَكَ يومَ الدِّينِ" عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ، وَهَذَا شَاذٌّ غَرِيبٌ جِدًّا] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] . وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا غَرِيبًا حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأذْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ عَدِيِّ [[في هـ: "عبد الوهاب بن عدي بن الفضل".]] بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي الْمُطَرِّفِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَابْنَهُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانُوا يَقْرَءُونَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ "مَلِكِ" مَرْوَانُ [[المصاحف لابن أبي داود (ص ١٠٤) .]] . قُلْتُ: مَرْوَانُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِصِحَّةِ مَا قَرَأَهُ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ابْنُ شِهَابٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَوْرَدَهَا ابْنُ مَرْدُويه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[ورواه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (ص ١٠٥) والحاكم في المستدرك (٢/٢٣٢) من طريق ابن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: "ملك يوم الدين" زاد ابن أبي حاتم: "أو قال: "مالك". ورواه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (ص ١٠٥) والحاكم في المستدرك (٢/٢٣٢) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: "ملك يوم الدين".]] وَمَالِكُ مَأْخُوذٌ مِنَ الملْك، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٠] وَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ [النَّاسِ: ١، ٢] وَمَلِكٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُلْكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ١٦] وَقَالَ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] وَقَالَ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] . وَتَخْصِيصُ الْمُلْكِ بِيَوْمِ الدِّينِ لَا يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيْئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٥] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقُولُ: لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَهُ حُكْمًا، كَمِلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: وَيَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الْحِسَابِ لِلْخَلَائِقِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُدِينُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى تَفْسِيرِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى إِقَامَتِهِ، ثُمَّ شَرَعَ يُضْعِفُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا تَقَدَّمَ [[في جـ، ط: "وبين ما تقدم".]] ، وَأَنَّ كُلًّا مِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا وَبِمَا قَبْلَهُ يَعْتَرِفُ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَلَا يُنْكِرُهُ، وَلَكِنَّ السِّيَاقَ أَدَلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا، كَمَا قَالَ: ﴿المْلُكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٦] وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُشْبِهُ قَوْلَهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، [الْأَنْعَامِ: ٧٣] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. والمَلِك فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَلَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِيهِمَا عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ " وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فَأَمَّا تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَلِكٍ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ ، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ) . وَالدِّينُ الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ ، وَقَالَ: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أَيْ مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ، وَفِي الْحَدِيثِ: "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ" أَيْ حَاسَبَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ؛ كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَأَهَّبُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ".
makki — الهداية إلى بلوغ النهاية
الدين الجزاء في هذا الموضع. وقد يكون الدين التوحيد، نحو قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ويكون الدين الحكم، نحو قوله: ﴿رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي في حكمه. ويكون الدين الإسلام نحو قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، و ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال مجاهد، "الدين الحساب"، كما قال: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. أي غير محاسبين. ويكون الدين العادة، ولم يقع في القرآن. وقد روى الزهري أن النبي ﷺ قرأ (مالك) بألف. وأبو بكر، وعمر، وعثمان، كذلك قرأوها وبذلك قرأ علي، وابن مسعود، وأُبي، ومعاذ بن جبل وطلحة، والزبير. وبذلك قرأ عاصم والكسائي. وقد بَيَّنا كشف وجوه القراءات في كتاب: "الكشف عن وجوه القراءات"، فأغنانا ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب. فأما من قرأ، ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾، فهم الأكثر من القراء وشاهده إجماعهم على ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: ٢] بغير ألف.
mawardi — النكت والعيون
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: ( مالِكِ ) وقَرَأ الباقُونَ: ( مَلِكِ ) وفِيما اشْتُقّا جَمِيعًا مِنهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اشْتِقاقَهُما مِنَ الشِّدَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَكْتُ العَجِينَ، إذا عَجَنْتَهُ بِشِدَّةٍ. (p-٥٦) والثّانِي: أنَّ اشْتِقاقَهُما مِنَ القُدْرَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها والفَرْقُ بَيْنَ المالِكِ والمَلِكِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المالِكَ مَن كانَ خاصَّ المُلْكِ، والمَلِكَ مَن كانَ عامَّ المُلْكِ. والثّانِي: أنَّ المالِكَ مَنِ اخْتَصَّ بِمَلِكِ المُلُوكِ، والمَلِكَ مَنِ اخْتَصَّ بِنُفُوذِ الأمْرِ. واخْتَلَفُوا أيُّهُما أبْلَغُ في المَدْحِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَلِكَ أبْلَغُ في المَدْحِ مِنَ المالِكِ، لِأنَّ كُلَّ مَلِكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، ولِأنَّ أمْرَ المَلِكِ نافِذٌ عَلى المالِكِ. والثّانِي: أنَّ (مالِكِ) أبْلَغُ في المَدْحِ مِن (مَلِكِ)، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا عَلى مَن لا يَمْلِكُ، كَما يُقالُ: مَلِكُ العَرَبِ، ومَلِكُ الرُّومِ، وإنْ كانَ لا يَمْلِكُهُمْ، ولا يَكُونُ مالِكًا إلّا عَلى مَن يَمْلِكُ، ولِأنَّ المَلِكَ يَكُونُ عَلى النّاسِ وغَيْرِهِمْ. والثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي حاتِمٍ، أنَّ (مالِكِ) أبْلَغُ في مَدْحِ الخالِقِ مِن (مَلِكِ)، و(مَلِكِ) أبْلَغُ مِن مَدْحِ المَخْلُوقِ مِن (مالِكِ). والفَرْقُ بَيْنَهُما، أنَّ المالِكَ مِنَ المَخْلُوقِينَ، قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلِكٍ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مالِكًا كانَ مَلِكًا، فَإنْ وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مَلِكٌ، كانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، وإنْ وُصِفَ بِأنَّهُ مالِكٌ، كانَ مِن صِفاتِ أفْعالِهِ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَزاءُ. والثّانِي: أنَّهُ الحِسابُ. وَفي أصْلِ الدِّينِ في اللُّغَةِ قَوْلانِ: (p-٥٧) أحَدُهُما: العادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: ؎ تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَها وضِينِي ∗∗∗ أهَذا دِينُهُ أبَدًا ودِينِي أيْ عادَتُهُ وعادَتِي. والثّانِي: أنَّ أصْلَ الدِّينِ الطّاعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎ لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ في دِينِ عَمْرٍو ومالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ أيْ في طاعَةِ عَمْرٍو. وَفي هَذا اليَوْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ، ابْتِداؤُهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، وانْتِهاؤُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ. والثّانِي: أنَّهُ ضِياءٌ، يَسْتَدِيمُ إلى أنْ يُحاسِبَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ، فَيَسْتَقِرُّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وَفي اخْتِصاصِهِ بِمُلْكِ يَوْمِ الدِّينِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ لَيْسَ فِيهِ مُلْكٌ سِواهُ، فَكانَ أعْظَمَ مِن مُلْكِ الدُّنْيا الَّتِي تَمْلِكُها المُلُوكُ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، يُرِيدُ بِهِ مُلْكَ الدُّنْيا، قالَ بَعْدَهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يُرِيدُ بِهِ مُلْكَ الآخِرَةِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
mawsua_mathur — موسوعة التفسير المأثور
<h3>﴿مَـٰلِكِ﴾ - قراءات</h3> <div> <p><span class="item-no">١٠٧<span class="dash">-</span></span> عن عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قُحوطَ المطر، فأمَر بمنبر، فوُضع له في المُصَلّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجبُ الشمس، فقعد على المنبر، فكَبَّر، وحَمِد الله، ثم قال: <b>«إنكم شكوتم جَدْب دياركم، واسْتِئْخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم».</b> ثم قال: «‹<b>الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ</b>›، <b>لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت قوة وبلاغًا إلى حين</b>»[[أخرجه أبو داود ٢/٣٧٣ (١١٧٣)، وابن حِبان ٣/٢٧١ (٩٩١)، والحاكم ١/٤٧٦ (١٢٢٥). قال أبو داود: «حديث غريب إسناده جيد، أهل المدينة يقرءون: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهذا الحديث حجة لهم». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٤/٣٣٦-٣٣٧ (١٠٦٤): «إسناده حسن». و‹مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ› قراءة متواترة، قرأ بها العشرة ما عدا عاصمًا، والكسائي، ويعقوب، وخلفًا العاشر؛ فإنهم قرؤوا ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف. انظر: النشر ١/٢٧١، والإتحاف ص١٦٢.]]. (١/٧٢)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٨<span class="dash">-</span></span> عن أُمِّ سَلَمَة: أنّ النبي ﷺ كان يقرأ: ‹<b>مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ</b>›، بغير ألف[[أخرجه الترمذي ٥/١٨٩ (٣١٥٤). قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وقال الذهبي في السِّيَر ١٥/٣٦٢: «غريب منكر، وإسناده نظيف».]]. (١/٦٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٩<span class="dash">-</span></span> عن أنس، قال: قرأ رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل: ‹<b>مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ</b>›، بغير ألف[[عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. ولم نقف على إسناده حتى يُعْرَف حاله صحة وضعفًا.]]. (١/٦٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٠<span class="dash">-</span></span> عن ابن أُمِّ الحُصَين، عن أمّه: أنَّها صلَّت خلف رسول الله ﷺ، فسَمِعَتْه وهو يقول: <b>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾،</b> فلما قرأ <b>﴿ولا الضَّآلِّينَ﴾ قال: «آمين».</b> حتى سمعته وهي في صف النساء[[أخرجه إسحاق بن راهويه ٥/٢٤٤ (٢٣٩٦)، والطبراني في الكبير ٢٥/١٥٨ (٣٨٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/١١٣(٢٦٦٩): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف».]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١١<span class="dash">-</span></span> عن أنس: أنّ النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يقرءون: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف[[أخرجه الترمذي ٥/١٩٠ (٣١٥٥). قال الترمذي: «حديث غريب».]]. (١/٦٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٢<span class="dash">-</span></span> عن ابن عمر -من طريق ابنه سالم- أنّ النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يقرءون: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/٥١٥ (١٦٩)، من طريق هُشَيْم، قال: أخبرنا مـُخْبِر، عن الزهري، عن سالم به. وإسناده ضعيف؛ فشيخ هشيم مبهم لم يسم، مع مخالفته للثقات في إسناده.]]. (١/٦٨)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٣<span class="dash">-</span></span> عن محمد ابن شهاب الزهري: أنّ رسول الله ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، والخلفاء كانوا قرؤوا: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وأوَّل من قرأها: ‹مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ› مروان[[أخرجه أبو داود ٦/١٢١ (٤٠٠٠)، والثعلبي ١/١١٣. قال أبو داود: «هذا أصح من حديث الزهري عن أنس، والزهري عن سالم عن أبيه». ومع هذا فهو ضعيف؛ إذ إنّ الزهري من صغار التابعين، فالحديث مرسل. انظر: تهذيب التهذيب ٣/٦٩٦.]]<span class=comment-ref>١٧</span>. (١/٦٨)</p> </div> <div><span class=comment-ref>١٧</span> <span class="comment-type-2">انتقد</span> ابنُ كثير (١/٢١٢) قول الزهري بأنّ مروان أول من أحدث قراءة ‹ملك› بقوله: «مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يَطَّلِع عليه ابن شهاب». و<span class="comment-type-1">وجَّه</span> ابنُ عطية (١/٧٧) ذلك بقوله: «قال أبو بكر: الأخبار الواردة تُبْطِل أنّ أول مَن قرأ ‹ملك يوم الدين› مروان بن الحكم، بل القراءة بذلك أوسع، ولعلَّ قائل ذلك أراد أنه أول من قرأ في ذلك العصر أو البلد ونحوه».</div> <div> <p><span class="item-no">١١٤<span class="dash">-</span></span> عن البراء بن عازب، وسعيد بن المسيب -من طريق محمد ابن شهاب الزهري- قالا: قرأ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[[أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٢٩ عن الكسائي، عن أبي بكر، عن سليمان التيمي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، والبراء بن عازب. قال أبو بكر بن أبي داود: «هذا عندنا وهْم، إنما هو سليمان بن أرقم». وأخرجه الخطيب في تاريخه ١٥/٢٧٧ (٤٤٧٠) في ترجمة ميمون بن حفص أبي توبة (٧١٣٢) قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثتا محمد بن الجهم بن هارون النحوي، قال: حدثنا أبي توبة ميمون بن حفص النحوي، قال: حدثنا علي بن حمزة الكسائي، عن أبي بكر بن عياش، عن سليمان التيمي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب والبراء بن عازب. قال الخطيب: «قال الصفار: هكذا قال ابن الجهم في هذا الحديث: سليمان التيمي، عن ابن شهاب».]]. (١/٦٩)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٥<span class="dash">-</span></span> عن محمد ابن شهاب الزهري: أنّه بلَغَه: أنّ النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد كانوا يقرءون: <b>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</b>.= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٦<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-2">ابن شهاب [الزهري]</span>: وأوَّل من أحدث: ‹مَلِكِ› مروان[[أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٣٠. فيه ضعف؛ الزهري من صغار التابعين، وحديثه مرسل. انظر: تهذيب التهذيب ٣/٦٩٦.]]<span class=comment-ref>١٨</span>. (١/٦٩)</p> </div> <div><span class=comment-ref>١٨</span> <span class="comment-type-4">عَلَّقَ</span> <u>ابن كثير</u> (١/٢١١-٢١٢) على أثر الزهري بأنه غريب.</div> <div> <p><span class="item-no">١١٧<span class="dash">-</span></span> عن محمد ابن شهاب الزهري، أنّ النبي ﷺ كان يقرأ: <b>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</b>، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وأُبيًّا، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل[[أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٢٩-٢٣٠. فيه ضعف؛ الزهري من صغار التابعين، وحديثه مرسل. انظر: تهذيب التهذيب ٣/٦٩٦.]]. (١/٧٠)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٨<span class="dash">-</span></span> عن أنس، قال: صلَّيْت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كلهم كان يقرأ: <b>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</b>[[أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٣٠. إسناده ضعيف؛ فيه أبو إسحاق الحميسي لا يحتج به. انظر: تهذيب التهذيب ١/٥١٣.]]. (١/٧٠)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١١٩<span class="dash">-</span></span> عن بعض أزواج النبي ﷺ، أنّ النبي ﷺ قرأ: <b>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</b>[[أخرجه أحمد ٤٤/٧٠ (٢٦٤٧٠) مُطَوَّلًا، وابن أبي داود في كتاب المصاحف ١/٣٩٦ واللفظ له، من طرق عن ابن أبي مليكة به. وإسناده جيد.]]. (١/٧٠)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٠<span class="dash">-</span></span> عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ كان يقرأ: <b>‹مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ›</b>[[أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٣١-٢٣٢، وابن جُمَيْعٍ في معجم الشيوخ ١/١٧٥.]]. (١/٧٠)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢١<span class="dash">-</span></span> عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ: <b>‹مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ›</b>[[أخرجه الحاكم ٢/٢٥٢ (٢٩١١). قال السيوطي: «وأخرج الحاكم، وصَحَّحَه».]]. (١/٧٠)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٢<span class="dash">-</span></span> عن عبد الله بن مسعود: أنه قرأ على رسول الله ﷺ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف، ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ خفضٌ[[أخرجه الطبراني في الكبير ١٠/٩٥ (١٠٠٦٧). وهي قراءة العشرة. قال الهيثمي في المجمع ٦/٣١١ (١٠٨١١): «فيه الفَيّاض بن غزوان، وهو ضعيف، وجماعة لم أعرفهم».]]. (١/٧١)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عمر بن الخطاب</span> -من طرق- أنّه كان يقرأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف[[أخرجه سعيد بن منصور (١٧٠، ١٧٢) من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وعزاه السيوطي إلى وكيع، والفريابي، وأبي عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وهو القائل: من طرق.]]. (١/٧١)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٤<span class="dash">-</span></span> عن أبي قِلابة، أنّ <span class="name-1">أُبَيَّ بن كعب</span> كان يقرأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[[أخرجه سعيد بن منصور (١٧١). وعزاه السيوطي إلى وكيع.]]. (١/٧١)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٥<span class="dash">-</span></span> عن أبي عبيدة، أنّ <span class="name-1">عبد الله [بن مسعود]</span> قرأها: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٧١)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">أبي هريرة</span>: أنّه كان يقرؤها: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف[[أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٩٤. وعزاه السيوطي إلى وكيع، والفريابي، وعبد بن حميد.]]. (١/٧١)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">يحيى بن وثاب</span> -من طريق الأعمش- أنه كان يقرأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/٥٢٤ (١٧٣).]]<span class=comment-ref>١٩</span>. (ز)</p> </div> <div><span class=comment-ref>١٩</span> <span class="comment-type-3">رَجَّحَ</span> <u>ابنُ جرير</u> (١/١٥١-١٥٤) قراءة ‹ملكِ يوم الدين› <span class="mustanad">مُسْتَدِلاًّ على ذلك بإجماع القراء، وبالدلالات اللغوية</span>؛ حيث إن لفظة «ملك» أعم من لفظة «مالك»، فكل ملكٍ فهو مالك، وليس كل مالكٍ ملِكًا، ومستدلاًّ بأن في قراءة ‹مَلِك› مع الآيات السابقة <span class="mustanad">زيادة معنى</span> ليست في قراءة ﴿مالك﴾ مع ما قبلها من الآيات؛ لأنه أخبر أنه مالك كل شيء بقوله: ﴿رب العالمين﴾ فتصير قراءة ﴿مالك﴾ تكريرًا لما قبلها من معنًى. و<span class="comment-type-3">رجّح</span> <u>ابن عطية</u> (١/٧٤-٧٦) و<u>ابن كثير</u> (١/٢١١) صِحَّة القراءتين معًا. واستشهد <u>ابن عطية</u> <span class="mustanad">بقراءة النبي</span> ﷺ: ‹مَلِك› و﴿مالك﴾. و<span class="comment-type-2">انتَقَدَ</span> <u>ابنُ عطية</u> (١/٧٦-٧٧) قولَ مَن احتجَّ لقراءة ﴿مَلِك﴾ بأنّ لفظة «مَلِك» أعم من لفظة «مالِك» بقوله: «تتابع المفسرون على سَرْد هذه الحجة، وهي عندي غير لازمة؛ لأنهم أخذوا اللفظتين مطلقتين لا بنسبة إلى ما هو المملوك وفيه الملك، فأما إذا كانت نسبة الملك هي نسبة المالك، فالمالك أبلغ». و<span class="comment-type-1">وجّه</span> <u>ابن جرير</u> (١/١٥٤-١٥٥) قراءة ‹مَلِك› بأنّ لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية. و<span class="comment-type-1">وجّه</span> قراءة ﴿مالك﴾ بمعنى: أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء، متفرِّدًا به دون سائر خلقه.</div> <div> <p><span class="item-no">١٢٨<span class="dash">-</span></span> عن محمد بن الحسن الشَّيْبانيّ: أنّ <span class="name-3">أبا حنيفة</span> صَلّى بهم في شهر رمضان، وقرأ حروفًا اختارها لنفسه من الحروف التي قَرَأَهُنَّ الصحابة والتابعون، فقرأ: (مَلَكَ يَوْمَ الدِّينِ) على مثال: فَعَل، ونصب اليومَ، جعله مفعولًا[[أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٢/٢٣٠. والقراءة شاذة، وتروى أيضًا عن أنس بن مالك. انظر: مختصر ابن خالويه ص٩.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٢٩<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">يحيى بن سلّام</span>: من قرأ ‹مَلِكِ› فهو من باب: الـمُلْكِ؛ يقول: هو مَلِكُ ذلك اليوم. وأخبرني بَحْرٌ السَّقّاءُ، عن الزهري، أنّ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يقرؤونها: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بكسر الكاف، وتفسيرها على هذا المقرأ: مالكه الذي يَمْلِكُه. وقرأ بعض القراء: (مالِكَ) بفتح الكاف، يجعله نداء: يا مالك يوم الدين[[تفسير ابن أبي زمنين ١/١١٨.]]. (ز)</p> </div> <h3>﴿مَـٰلِكِ﴾ - تفسير الآية</h3> <div> <p><span class="item-no">١٣٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حُكْمًا كمِلْكِهِم في الدنيا. ثم قال: ﴿لَّا یَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابࣰا﴾ [النبأ:٣٨]، وقال: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَـٰنِ﴾ [طه:١٠٨]، وقال: ﴿وَلَا یَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ﴾ [الأنبياء:٢٨][[أخرجه ابن جرير ١/١٥١، وابن أبي حاتم ١/٢٩ (٢٤) مختصرًا.]]. (١/٧٢)</p> </div> <h3>﴿یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ - تفسير</h3> <div> <p><span class="item-no">١٣١<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">ابن مسعود</span>، <span class="name-1">وناس من الصحابة</span> -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٢<span class="dash">-</span></span> وعن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، قال: هو يوم الحساب[[أخرجه ابن جرير ١/١٥٨، والحاكم ٢/٢٥٨.]]. (١/٧٢)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، قال: يومِ حساب الخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، إلّا مَن عفا عنه؛ فالأمر أمره. ثم قال: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ﴾ [الأعراف:٥٤][[أخرجه ابن جرير ١/١٥٨، وابن أبي حاتم ١/٢٩ (٢٥)، ٨/٢٧٨٠ (١٥٧٠٤) مختصرًا.]]. (١/٧٢)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span> أنّه قال: الدين: الحساب[[علَّقه يحيى بن سلام ٢/٥٠٨. وينظر: تفسير البغوي ١/٥٢.]]<span class=comment-ref>٢٠</span>. (ز)</p> </div> <div><span class=comment-ref>٢٠</span> <span class="comment-type-4">علَّق</span> <u>ابنُ عطية</u> (١/٧٩-٨١) على قول مجاهد بقوله: «وهذا عندي يرجع إلى معنى الجزاء». وقال <u>ابنُ تيمية</u> (١/٩٥-٩٦): «الله ﷾ سمّى يوم القيامة يوم الدين ... وذلك يَتَضَمَّن جزاءَهم وحسابَهم؛ فلهذا من قال: هو يوم الحساب ويوم الجزاء؛ فقد ذكر بعض صفات الدين».</div> <div> <p><span class="item-no">١٣٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">قتادة بن دعامة</span> -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، قال: يوم يُدِينُ الله العباد بأعمالهم[[أخرجه عبد الرزاق ١/٣٧، وابن جرير ١/١٥٨. وذكره يحيى بن سلام –كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/١١٨-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٧٢)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">محمد بن كعب القرظي</span> أنّه قال: مَلِكُ يَوْمٍ لا ينفع فيه إلا الدين[[تفسير البغوي ١/٥٣.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">السدي</span>= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٨<span class="dash">-</span></span> و<span class="name-3">مقاتل،</span> قالا: ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾: قاضي يوم الحساب[[تفسير البغوي ١/٥٣.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٣٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">حُمَيْد</span> <span class="name-3">الأعرج</span> -من طريق سفيان بن عيينة- في قول الله: ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، قال: يوم الجزاء[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٩ (٢٦)، ٨/٢٧٨٠ (١٥٧٠٥).]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٤٠<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان</span>: ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، يعني: يوم الحساب، كقوله سبحانه: ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣]، يعني: لمحاسبون. وذلك أنّ ملوك الدنيا يملكون في الدنيا، فأخبر سبحانه أنه لا يملك يوم القيامة أحد غيره، فذلك قوله تعالى: ﴿والأمر يومئذ لله﴾ [الانفطار:١٩][[تفسير مقاتل ١/٣٦.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٤١<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">عبد الملك ابن جُرَيْج</span> -من طريق حجاج- ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾، قال: يوم يُدانُ الناس بالحساب[[أخرجه ابن جرير ١/١٥٩.]]. (ز)</p> </div>
mukhtasar — المختصر في تفسير القرآن الكريم
تمجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما في يوم القيامة، حيث لا تملك نفس لنفس شيئًا. فـ«يوم الدين»: يوم الجزاء والحساب.
muyassar — التفسير الميسر
وهو سبحانه وحده مالك يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الأعمال. وفي قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعمل الصالح، والكف عن المعاصي والسيئات.
nasafi — مدارك التنزيل وحقائق التأويل
﴿مالِكِ﴾ عاصِمٌ وعَلِيٌّ، (مَلِكِ): غَيْرُهُما. وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ البَعْضِ، لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الإضافَةِ، ولِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافِرٌ: ١٦] ولِأنَّ كُلَّ مَلِكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، ولِأنَّ أمْرَ المَلِكِ يُنَفَّذُ عَلى المالِكِ دُونَ عَكْسِهِ، وقِيلَ: المالِكُ أكْثَرُ ثَوابًا، لِأنَّهُ أكْثَرَ حُرُوفًا، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ والحَسَنُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: (مَلَكَ). ﴿يَوْمِ الدِينِ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ، ويُقالُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أيْ: كَما تَفْعَلُ تُجازى، وهَذا إضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ إلى الظَرْفِ عَلى طَرِيقِ الِاتِّساعِ، كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَيْلَةِ أهْلَ الدارِ، أيْ: مالِكُ الأمْرِ كُلِّهِ في يَوْمِ الدِينِ. والتَخْصِيصُ بِيَوْمِ الدِينِ، لِأنَّ الأمْرَ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ. وإنَّما ساغَ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ أنَّ إضافَةَ اسْمِ الفاعِلِ إضافَةٌ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ، فَكانَتِ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً، فَساغَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ. (p-٣١)وَهَذِهِ الأوْصافُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن كَوْنِهِ رَبًّا، أيْ: مالِكًا لِلْعالَمِينَ، ومُنْعِمًا بِالنِعَمِ كُلِّها، ومالِكًا لِلْأمْرِ كُلِّهِ يَوْمَ الثَوابِ والعِقابِ بَعْدَ الدَلالَةِ عَلى اخْتِصاصِ الحَمْدِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أحَقَّ مِنهُ بِالحَمْدِ والثَناءِ عَلَيْهِ.
qannuji — فتح البيان في مقاصد القرآن
(مالك) قد اختلف العلماء أيما أبلغ " ملك " أو " مالك " والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر، ذكرهما الترمذي، فذهب إلى الأول أبو عبيد والمبرد، ورجحه الزمخشري، وإلى الثاني أبو حاتم والقاضي أبو بكر بن العربي، والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعاية، فأحدهما أقوى من الآخر في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة لفعله وقيل بينهما عموم مطلق، فكل ملك مالك، ولا عكس، لعموم ولاية الملك التزاماً لا مطابقة، قاله التفتازاني، وقيل هما بمعنى. وقد أخرج الترمذي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ " ملك " بغير ألف. وأخرج نحوه ابن الأنباري عن أنس، وأخرج أحمد والترمذي عن أنس أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقرؤون " مالك " بالألف وأخرج نحوه سعيد بن منصور عن ابن عمر مرفوعاً، وأخرجِ نحوه أيضاً وكيع في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود عن الزهري يرفعه مرسلاً، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داوود عن ابن المسيب مرفوعاً مرسلاً، [[تفسير ابن كثير 1/ 26.]] وقد روي هذا من طرق كثيرة فهو أرجح من الأول ومالك بمعنى المستقبل، قاله القرطبي، وإضافته إلى ما بعده حقيقية أو لفظية، والتعويل على القرائن والمقامات، قاله الكرخي، وهذا أمس بالعربية وأقعد في طريقها، قاله أبو القاسم الزجاجي. قال الخطيب والتقييد بقوله (يوم الدين) لا ينافي الاستمرار لأنه من غير اعتبار حدوث في أحد الازمنة انتهى. واليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان، وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس والمراد هنا مطلق الوقت، والدين الجزاء خيراً كان أو شراً. ويوم الدين يوم الجزاء من الرب لعباده يقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى؛ ويدل قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) والإضافة هذه على طريق الإتساع لأدنى ملابسة؛ أي مالك الأمر كله في يوم الجزاء للعباد لأن الأمر فيه لله وحده؛ ولذا خص بالذكر، وعن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب، وقال قتادة يوم يدين الله العباد بأعمالهم وقيل في معنى الدين غير ذلك، والأولى ما ذكرناه، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه رباً للعالمين موجداً لهم ومنعماً بالنعم كلها ومالكاً للأمر كله يوم الجزاء بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله (والحمد لله) هو دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له، وفي هذه الآية إثبات المعاد.
qasimi — محاسن التأويل
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤ ] ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ ألِفِ "مالِكِ" والباقُونَ بِحَذْفِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورُجِّحَتْ قِراءَةُ "مَلِكِ" لِأنَّهُ قِراءَةُ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، وهم أوْلى النّاسِ بِأنْ يَقْرَأُوا القُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَما أُنْزِلَ، وقُرّاؤُهُمُ الأعْلَوْنَ رِوايَةً وفَصاحَةً، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] (p-٩)فَقَدْ وصَفَ ذاتَهُ بِأنَّهُ المَلِكُ يَوْمَ القِيامَةِ، والقُرْآنُ يَتَعاضَدُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وتَتَناسَبُ مَعانِيهِ في المَوادِّ. وثَمَّةُ مُرَجِّحاتٍ أُخْرى. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ قِراءَةَ "مالِكِ" أبْلَغُ، لِأنَّ المَلِكَ هو الَّذِي يُدَبِّرُ أعْمالَ رَعِيَّتِهِ العامَّةَ، ولا تَصَرُّفَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن شُؤُونِهِمُ الخاصَّةِ. وتَظْهَرُ التَّفْرِقَةُ في عَبْدٍ مَمْلُوكٍ في مَمْلَكَةٍ لَها سُلْطانٌ، فَلا رَيْبَ أنَّ مالِكَهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى جَمِيعَ شُؤُونِهِ دُونَ سُلْطانِهِ، ومِن وُجُوهِ تَفْضِيلِها: إنَّها تَزِيدُ بِحَرْفٍ، ولِقارِئِ القُرْآنِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ -كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وكِلاهُما صَحِيحٌ مُتَواتِرٌ في السَّبْعِ. و"الدِّينِ" الحِسابُ والمُجازاةُ بِالأعْمالِ. ومِنهُ: ««كَما تَدِينُ تُدانُ»» أيْ: مالِكُ أُمُورِ العالَمِينَ كُلِّها في يَوْمِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إمّا لِتَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى بِإجْراءِ الأمْرِ وفَصْلِ القَضاءِ فِيهِ.
qortobi — الجامع لأحكام القرآن
الرابعة عشرة قَوْلُهُ تَعَالَى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْقَعِ بِنَصْبِ مَالِكِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: مَالِكُ وَمَلِكُ وَمَلْكُ مُخَفَّفَةٌ مِنْ مَلِكَ وَمَلِيكُ. قَالَ الشَّاعِرُ: [[هو عمرو بن كلثوم.]] وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصَيْنَا الملك فيها أن ندينا وَقَالَ آخَرُ: [[هو لبيد بن ربيعة العامري.]] فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيكُ فَإِنَّمَا ... قَسَمَ الْخَلَائِقَ بَيْنَنَا عَلَّامُهَا الْخَلَائِقُ: الطَّبَائِعُ الَّتِي جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ إِشْبَاعُ الْكِسْرَةِ فِي "مَلِكِ" فَيَقْرَأُ "مَلِكِي" عَلَى لُغَةِ مَنْ يُشْبِعُ الْحَرَكَاتِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِلْعَرَبِ ذَكَرَهَا المهدوي وغيره. الخامسة عشرة اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّمَا أَبْلَغُ: مَلِكٌ أَوْ مَالِكٌ؟ وَالْقِرَاءَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. ذَكَرَهُمَا التِّرْمِذِيُّ، فَقِيلَ: "مَلِكِ" أَعَمُّ وَأَبْلَغُ مِنْ "مالِكِ" إِذْ كُلُّ مَلِكٍ مَالِكٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا، وَلِأَنَّ أمر الْمَلِكَ نَافِذٌ عَلَى الْمَالِكِ فِي مُلْكِهِ، حَتَّى لَا يَتَصَرَّفَ إِلَّا عَنْ تَدْبِيرِ الْمَلِكِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْمُبَرِّدُ. وَقِيلَ: "مالِكِ" أَبْلَغُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مَالِكًا لِلنَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، فَالْمَالِكُ أَبْلَغُ تَصَرُّفًا وَأَعْظَمُ، إِذْ إِلَيْهِ إِجْرَاءُ قَوَانِينِ الشَّرْعِ، ثُمَّ عِنْدَهُ زِيَادَةُ التَّمَلُّكِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: حَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ السَّرَّاجِ عَنْ بَعْضِ مَنِ اختار القراءة ب "ملك" أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ مالك كل شي بقوله: "رَبِّ الْعالَمِينَ" فَلَا فَائِدَةَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ "مالِكِ" لِأَنَّهَا تَكْرَارٌ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا، لِأَنَّ فِي التَّنْزِيلِ أَشْيَاءٌ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، تَقَدَّمَ الْعَامُّ ثُمَّ ذُكِرَ الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ: "هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ" فَالْخَالِقُ يَعُمُّ. وَذَكَرَ الْمُصَوِّرُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى الصَّنْعَةِ وَوُجُودِ الْحِكْمَةِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" بَعْدَ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". وَالْغَيْبُ يَعُمُّ الْآخِرَةَ وَغَيْرَهَا، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا لِعِظَمِهَا، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِهَا، وَالرَّدِّ عَلَى الْكَفَرَةِ الْجَاحِدِينَ لَهَا، وَكَمَا قَالَ: "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَذَكَرَ "الرَّحْمنِ" الَّذِي هُوَ عَامٌّ وَذَكَرَ "الرَّحِيمِ" بَعْدَهُ، لِتَخْصِيصِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: "وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِنَّ مَالِكًا أَبْلَغُ فِي مَدْحِ الْخَالِقِ مِنْ "مَلِكِ"، وَ "مَلِكِ" أَبْلَغَ فِي مَدْحِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مَالِكِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلِكٍ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مَالِكًا كَانَ مَلِكًا، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَذَكَرَ ثلاثة أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّكَ تُضِيفُهُ إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَتَقُولُ: مَالِكُ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَالثَّوْبِ، كَمَا تَقُولُ: مَالِكُ الْمُلُوكِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَالِكِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَجَدْتَهُمَا وَاحِدًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ تَقُولُ: مَالِكُ الْمُلْكِ، وَلَا تَقُولُ: مَلِكُ الْمُلْكِ. قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ "مالِكِ" الدَّلَالَةُ عَلَى الْمِلْكِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ لَا يَتَضَمَّنُ "الْمُلْكَ" بِضَمِّ الْمِيمِ وَ "مِلْكُ" يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَهُوَ أَوْلَى بِالْمُبَالَغَةِ. وَيَتَضَمَّنُ أَيْضًا الْكَمَالَ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْمُلْكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ [[سورة البقرة آية ٢٤٧.]] عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ"، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (الْإِمَامَةُ فِي قُرَيْشٍ) وَقُرَيْشٌ أَفْضَلُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَجَمِ وَأَشْرَفُ. وَيَتَضَمَّنُ الِاقْتِدَارَ وَالِاخْتِيَارَ وَذَلِكَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي الْمَلِكِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا مُخْتَارًا نَافِذًا حُكْمُهُ وَأَمْرُهُ، قَهَرَهُ عَدُوُّهُ وَغَلَبَهُ غَيْرُهُ وَازْدَرَتْهُ رَعِيَّتُهُ، وَيَتَضَمَّنُ الْبَطْشَ وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً" [[سورة النمل آية ٢٠، ٢١.]] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ وَالْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْمَالِكِ. قُلْتُ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ مَالِكًا أَبْلَغُ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، فَلِقَارِئِهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ زِيَادَةً عَمَّنْ قَرَأَ مَلِكِ. قُلْتُ: هَذَا نَظَرَ إِلَى الصِّيغَةِ لَا إِلَى الْمَعْنَى، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْقِرَاءَةُ بِمَلِكٍ، وَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ فِي مَالِكٍ، عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةَ عشرة لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَلَا يُدْعَى بِهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ) وَعَنْهُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ زَادَ مُسْلِمٌ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) قَالَ سُفْيَانُ [[سفيان هذا، أحد رواة سند هذا الحديث.]]:" مثل: شاهان شاه. وقال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ عَنْ أَخْنَعَ، فَقَالَ: أَوْضَعَ. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ [كَانَ] يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ). قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَكَذَلِكَ "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وَ "مالِكَ الْمُلْكِ" لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ كَتَحْرِيمِ مَلِكِ الْأَمْلَاكِ سَوَاءٌ، وَأَمَّا الوصف بمالك وملك وهي: السابعة عشرة فَيَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِمَا مَنَ اتَّصَفَ بِمَفْهُومِهِمَا، قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً" [[سورة البقرة آية ٢ (٢٤٧) ثبج البحر: وسطه ومعظمه.]]. وَقَالَ ﷺ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلِيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ) ٢ (هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأسرة). الثامنة عشرة إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قَالَ "مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وَيَوْمُ الدِّينِ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، فَكَيْفَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَلِكٍ مَا لَمْ يُوجِدْهُ قِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ مَلَكَ يَمْلِكُ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ يُضَافُ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ كَلَامًا سَدِيدًا مَعْقُولًا صَحِيحًا، كَقَوْلِكَ: هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَدًا، أَيْ سَيَضْرِبُ زَيْدًا. وَكَذَلِكَ: هَذَا حَاجُّ بَيْتِ اللَّهِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، تَأْوِيلُهُ سَيَحُجُّ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" عَلَى تَأْوِيلِ الِاسْتِقْبَالِ، أَيْ سَيَمْلِكُ يَوْمَ الدِّينِ أَوْ فِي يَوْمِ الدِّينِ إِذَا حَضَرَ. وَوَجْهٌ ثَانٍ: أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْمَالِكِ رَاجِعًا إِلَى الْقُدْرَةِ، أَيْ إِنَّهُ قَادِرٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ، أَوْ عَلَى يَوْمِ الدِّينِ وَإِحْدَاثِهِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لِلشَّيْءِ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الشَّيْءِ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالِكُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَمُصَرِّفُهَا عَلَى إِرَادَتِهِ، لَا يَمْتَنِعُ عليه منها شي. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَمَسُّ بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَنْفَذُ فِي طَرِيقِهَا، قال أبو القاسم الزجاجي. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: فَيُقَالُ لِمَ خَصَّصَ يَوْمَ الدِّينِ وَهُوَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ وَغَيْرِهِ؟ قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ فِي الدُّنْيَا كَانُوا مُنَازِعِينَ فِي الْمُلْكِ، مثل فرعون ونمرود وَغَيْرِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ فِي مُلْكِهِ، وَكُلُّهُمْ خَضَعُوا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" [[سورة غافر آية ١٦.]] فَأَجَابَ جَمِيعُ الْخَلْقِ: "لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" فَلِذَلِكَ قَالَ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَكُونُ مَالِكٌ وَلَا قَاضٍ وَلَا مُجَازٍ غَيْرَهُ، سُبْحَانَهُ لا إله إلا هو. التاسعة عشرة إِنْ وُصِفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ مَلِكٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَإِنْ وُصِفَ بِأَنَّهُ مَالِكٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ. الْمُوفِيَةُ الْعِشْرِينَ الْيَوْمُ: عِبَارَةٌ عَنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَاسْتُعِيرَ فِيمَا بَيْنَ مُبْتَدَأِ الْقِيَامَةِ إِلَى وَقْتِ اسْتِقْرَارِ أَهْلِ الدَّارَيْنِ فِيهِمَا. وَقَدْ يُطْلَقُ الْيَوْمُ عَلَى السَّاعَةِ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" [[سورة المائدة آية ٣.]] وَجَمْعُ يَوْمٍ أَيَّامٌ، وَأَصْلُهُ أَيْوَامٌ فَأُدْغِمَ، وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنِ الشِّدَّةِ بِالْيَوْمِ، يُقَالُ: يَوْمٌ أَيْوَمُ، كَمَا يُقَالُ: لَيْلُةٌ لَيْلَاءُ. قَالَ الرَّاجِزُ: [[هو أبو الاخزر الحماني كما في اللسان مادة "يوم".]] نِعْمَ أَخُو الْهَيْجَاءِ فِي الْيَوْمِ الْيَمِي [[قوله: "وهو" أي اليمي.]] وَهُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ، أَخَّرَ الْوَاوَ وَقَدَّمَ الْمِيمَ ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً حَيْثُ صَارَتْ طَرَفًا، كَمَا قَالُوا: أَدْلٍ فِي جَمْعِ دَلْوٍ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الدِّينِ: الْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْحِسَابِ بِهَا، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [[سورة النور آية ٢٥.]] أَيْ حِسَابَهُمْ. وَقَالَ: "الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" [غافر ١٧] وَ "الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" [[سورة الجاثية آية ٢٨.]] وَقَالَ: "أَإِنَّا لَمَدِينُونَ" [[سورة الصافات آية ٥٣.]] أي مجزيون محاسبون. وقال لبيد: حَصَادُكَ يَوْمًا مَا زَرَعْتَ وَإِنَّمَا ... يُدَانُ الْفَتَى يوما كما هو دائن آخَرُ: إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُمْ ... وَدِنَّاهُمْ مِثْلَ ما يقرضونا آخَرُ: وَاعْلَمْ يَقِينًا [[في اللسان مادة (دين): "قال خويلد بن نوفل الكلابي للحارث بن أبي شمر الغساني وكان قد اغتصبه ابنته: يا حار أيقن أن ملكك زائل .... " إلخ]] أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ: دِنْتَهُ بِفِعْلِهِ دَيْنًا (بِفَتْحِ الدَّالِّ) وَدِينًا (بِكَسْرِهَا) جَزَيْتَهُ، وَمِنْهُ الدَّيَّانُ فِي صِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى أَيِ الْمُجَازِي، وَفِي الْحَدِيثِ: (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ) أَيْ حَاسَبَ. وَقِيلَ: الْقَضَاءُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةُ: لَعَمْرُكَ مَا كَانَتْ حَمُولَةَ [[الحمولة: الإبل التي يحمل عليها.]] مَعْبَدٍ ... عَلَى جُدِّهَا [[الجد (بالضم): البئر الجيدة الموضع من الكلا. والخطاب لعمرو بن هند وقد أغار على إبل معبد أخي طرفة.]] حَرْبًا لِدِينِكَ مِنْ مُضَرْ وَمَعَانِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُتَقَارِبَةٌ. وَالدِّينُ أَيْضًا: الطَّاعَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا فَعَلَى هَذَا هُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ وَهِيَ: الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ ثَعْلَبٌ: دَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَطَاعَ، وَدَانَ إِذَا عَصَى، وَدَانَ إِذَا عَزَّ، وَدَانَ إِذَا ذَلَّ، وَدَانَ إِذَا قَهَرَ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَيُطْلَقُ الدِّينُ عَلَى الْعَادَةِ وَالشَّأْنِ، كَمَا قَالَ: كَدِينِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا وَقَالَ الْمُثَقِّبُ [يَذْكُرُ نَاقَتَهُ]: تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي [[درأت وضين البعير: إذا بسطته على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به. والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير.]] ... أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وديني وَالدِّينُ: سِيرَةُ الْمَلِكِ. قَالَ زُهَيْرٌ: لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ ... فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ [[جو (بالجيم) كما في الأصول والديوان. قال البكري في معجمه: "انه موضع في ديار بني أسد" واستشهد ببيت زهير هذا. وفي القاموس وشرحه في مادة الخو بالخاء المعجمة: (ويوم خو لبني أسد، قال زهير وذكر البيت قال أبو محمد الأسود ومن رواه بالجيم فقد أخطأه وكان هذا اليوم لهم على بني يربوع. وفدك: موضع بخيبر.]] أَرَادَ فِي مَوْضِعِ طَاعَةِ عَمْرٍو. وَالدِّينُ: الدَّاءُ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وَأَنْشَدَ: يَا دين قلبك من سلمى وقد دينا
qortobi
قوله تعالى : مالك يوم الدين قرأ محمد بن السميقع بنصب " مالك " ; وفيه أربع لغات : مالك وملك وملك - مخففة من ملك - ومليك . قال الشاعر : وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا وقال آخر : فاقنع بما قسم المليك فإنما قسم الخلائق بيننا علامها الخلائق : الطبائع التي جبل الإنسان عليها . وروي عن نافع إشباع الكسرة في " ملك " فيقرأ " ملكي " على لغة من يشبع الحركات ، وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره . الخامسة عشر : اختلف العلماء أيما أبلغ : ملك أو مالك ؟ والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر . ذكرهما الترمذي ; فقيل : " ملك " أعم وأبلغ من " مالك " إذ كل ملك مالك ، وليس كل مالك ملكا ; ولأن الملك نافذ على المالك في ملكه ، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك ، قال أبو عبيدة والمبرد . وقيل : " مالك " أبلغ ; لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم ; فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم ; إذ إليه إجراء قوانين الشرع ، ثم عنده زيادة التملك . وقال أبو علي : حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب " مالك " أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقول : رب العالمين فلا فائدة في قراءة من قرأ " مالك " لأنها تكرار . قال أبو علي : ولا حجة في هذا ; لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة ، تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله : هو الله الخالق البارئ المصور فالخالق يعم . وذكر " المصور " لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة ، وكما قال تعالى : وبالآخرة هم يوقنون بعد قوله : الذين يؤمنون بالغيب . والغيب يعم الآخرة وغيرها ; ولكن ذكرها لعظمها ، والتنبيه على وجوب اعتقادها ، والرد على الكفرة الجاحدين لها ; وكما قال : الرحمن الرحيم فذكر الرحمن الذي هو عام وذكر الرحيم بعده ، لتخصيص المؤمنين به في قوله : وكان بالمؤمنين رحيما . وقال أبو حاتم : إن " مالكا " أبلغ في مدح الخالق من " ملك " ، و " ملك " أبلغ في مدح المخلوقين من مالك ; والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا ، واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة أوجه ; الأول : أنك تضيفه إلى الخاص والعام ، فتقول : مالك الدار والأرض والثوب ، كما تقول : مالك الملوك . الثاني : أنه يطلق على مالك القليل والكثير ; وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا . والثالث : أنك تقول : مالك الملك ; ولا تقول : ملك الملك . قال ابن الحصار : إنما كان ذلك لأن المراد من " مالك " الدلالة على الملك - بكسر الميم - وهو لا يتضمن " الملك " - بضم الميم - و " ملك " يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة . ويتضمن أيضا الكمال ، ولذلك استحق الملك على من دونه ; ألا ترى إلى قوله تعالى : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ولهذا قال عليه السلام : الإمامة في قريش وقريش أفضل قبائل العرب ، والعرب أفضل من العجم وأشرف . ويتضمن الاقتدار والاختيار وذلك أمر ضروري في الملك ، إن لم يكن قادرا مختارا نافذا حكمه وأمره ، قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته ، ويتضمن البطش والأمر والنهي والوعد والوعيد ; ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام : ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين . لأعذبنه عذابا شديدا إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك . قلت : وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لأن فيه زيادة حرف ; فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك . قلت : هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى ، وقد ثبتت القراءة بملك وفيه من المعنى ما ليس في مالك ، على ما بينا والله أعلم . لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ولا يدعى به إلا الله تعالى ; روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك - زاد مسلم - لا مالك إلا الله عز وجل قال سفيان : مثل : شاهانشاه . وقال أحمد بن حنبل : سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع ; فقال : أوضع . وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل [ كان ] يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه . قال ابن الحصار : وكذلك " ملك يوم الدين " و " مالك الملك " لا ينبغي أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الأملاك سواء ، وأما الوصف بمالك وملك وهي : فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما ; قال الله العظيم : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا . وقال صلى الله عليه وسلم : ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة . إن قال قائل : كيف قال مالك يوم الدين ويوم الدين لم يوجد بعد ، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده ؟ قيل له : اعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك ، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا ; كقولك : هذا ضارب زيد غدا ; أي سيضرب زيدا . وكذلك : هذا حاج بيت الله في العام المقبل ، تأويله سيحج في العام المقبل ; أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد ، وإنما أريد به الاستقبال ; فكذلك قوله عز وجل : مالك يوم الدين على تأويل الاستقبال ، أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر . ووجه ثان : أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة ، أي إنه قادر في يوم الدين ، أو على يوم الدين وإحداثه ; لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه ; والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته ، لا يمتنع عليه منها شيء . والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها ; قاله أبو القاسم الزجاجي . ووجه ثالث : فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره ؟ قيل له : لأن في الدنيا كانوا منازعين في الملك ، مثل فرعون ونمروذ وغيرهما ، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه ، وكلهم خضعوا له ، كما قال تعالى : لمن الملك اليوم فأجاب جميع الخلق : لله الواحد القهار فلذلك قال : مالك يوم الدين ; أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره ; سبحانه لا إله إلا هو . إن وصف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله . اليوم : عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس ، فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما . وقد يطلق اليوم على الساعة منه ; قال الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وجمع يوم أيام ; وأصله أيوام فأدغم ; وربما عبروا عن الشدة باليوم ، يقال : يوم أيوم ، كما يقال : ليلة ليلاء . قال الراجز : نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي وهو مقلوب منه ، أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا ; كما قالوا : أدل في جمع دلو . الدين : الجزاء على الأعمال والحساب بها ; كذلك قال ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وقتادة وغيرهم ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ; ويدل عليه قوله تعالى : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق أي حسابهم . وقال : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت و اليوم تجزون ما كنتم تعملون وقال : أئنا لمدينون أي مجزيون محاسبون . وقال لبيد : حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى يوما كما هو دائن وقال آخر : إذا ما رمونا رميناهم ودناهم مثل ما يقرضونا وقال آخر : واعلم يقينا أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان وحكى أهل اللغة : دنته بفعله دينا ( بفتح الدال ) ودينا ( بكسرها ) جزيته ; ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي ; وفي الحديث : الكيس من دان نفسه أي حاسب . وقيل : القضاء . روي عن ابن عباس أيضا ; ومنه قول طرفة : لعمرك ما كانت حمولة معبد على جدها حربا لدينك من مضر ومعاني هذه الثلاثة متقاربة . والدين أيضا : الطاعة ومنه قول عمرو بن كلثوم : وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي : قال ثعلب : دان الرجل إذا أطاع ، ودان إذا عصى ، ودان إذا عز ، ودان إذا ذل ، ودان إذا قهر ; فهو من الأضداد . ويطلق الدين على العادة والشأن ، كما قال : كدينك من أم الحويرث قبلها وقال المثقب [ يذكر ناقته ] : تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني والدين : سيرة الملك . قال زهير : لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك أراد في موضع طاعة عمرو . والدين : الداء ; عن اللحياني . وأنشد : يا دين قلبك من سلمى وقد دينا
razi — مفاتيح الغيب
(p-١٩٢)الفَصْلُ الرّابِعُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ مالِكِ يَوْمِ البَعْثِ والجَزاءِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، والمُطِيعِ والعاصِي، والمُوافِقِ والمُخالِفِ، وذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا في يَوْمِ الجَزاءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٨] وقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] واعْلَمْ أنَّ مَن سَلَّطَ الظّالِمَ عَلى المَظْلُومِ ثُمَّ إنَّهُ لا يَنْتَقِمُ مِنهُ فَذاكَ إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ، أوْ لِكَوْنِهِ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ أنَّ يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولَمّا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِانْتِقامُ في دارِ الدُّنْيا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في دارِ الأُخْرى بَعْدَ دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآيَةَ [الزلزلة: ٧] رُوِيَ أنَّهُ يُجاءُ بِرَجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَنْظُرُ في أحْوالِ نَفْسِهِ فَلا يَرى لِنَفْسِهِ حَسَنَةً البَتَّةَ، فَيَأْتِيهِ النِّداءُ، يا فُلانُ ادْخُلِ الجَنَّةَ بِعَمَلِكَ، فَيَقُولُ: إلَهِي، ماذا عَمِلْتُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ألَسْتَ لَمّا كُنْتَ نائِمًا تَقَلَّبْتَ مِن جَنْبٍ إلى جَنْبٍ لَيْلَةَ كَذا فَقُلْتَ في خِلالِ ذَلِكَ ”اللَّهُ“ ثُمَّ غَلَبَكَ النَّوْمُ في الحالِ فَنَسِيتَ ذَلِكَ ؟ أمّا أنا فَلا تَأْخُذُنِي سِنَةٌ ولا نَوْمٌ فَما نَسِيتُ ذَلِكَ، وأيْضًا يُؤْتى بِرَجُلٍ وتُوزَنُ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ فَتَخِفُّ حَسَناتُهُ فَتَأْتِيهِ بِطاقَةٌ فَتُثَقِّلُ مِيزانَهُ فَإذا فِيها شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَلا يَثْقُلُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ غَيْرُهُ. واعْلَمْ أنَّ الواجِباتِ عَلى قِسْمَيْنِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى، وحُقُوقُ العِبادِ. أمّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَمَبْناها عَلى المُسامَحَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وأمّا حُقُوقُ العِبادِ فَهي الَّتِي يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْها. رُوِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ لَهُ عَلى بَعْضِ المَجُوسِ مالٌ، فَذَهَبَ إلى دارِهِ لِيُطالِبَهُ بِهِ، فَلَمّا وصَلَ إلى بابِ دارِهِ وقَعَ عَلى نَعْلِهِ نَجاسَةٌ، فَنَفَضَ نَعْلَهُ فارْتَفَعَتِ النَّجاسَةُ عَنْ نَعْلِهِ ووَقَعَتْ عَلى حائِطِ دارِ المَجُوسِيِّ فَتَحَيَّرَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ: إنْ تَرَكْتُها كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُبْحِ جِدارِ هَذا المَجُوسِيِّ، وإنْ حَكَكْتُها انْحَدَرَ التُّرابُ مِنَ الحائِطِ، فَدَقَّ البابَ، فَخَرَجَتِ الجارِيَةُ، فَقالَ لَها: قُولِي لِمَوْلاكِ: إنَّ أبا حَنِيفَةَ بِالبابِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وظَنَّ أنَّهُ يُطالِبُهُ بِالمالِ، فَأخَذَ يَعْتَذِرُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاهُنا ما هو أوْلى، وذَكَرَ قِصَّةَ الجِدارِ، وأنَّهُ كَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَطْهِيرِهِ، فَقالَ المَجُوسِيُّ: فَأنا أبْدَأُ بِتَطْهِيرِ نَفْسِي، فَأسْلَمَ في الحالِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ لَمّا احْتَرَزَ عَنْ ظُلْمِ المَجُوسِيِّ في ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الظُّلْمِ فَلِأجْلِ تَرْكِهِ ذَلِكَ انْتَقَلَ المَجُوسِيُّ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَمَنِ احْتَرَزَ عَنِ الظُّلْمِ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَمِنهم مَن قَرَأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ومِنهم مَن قَرَأ: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“ . حُجَّةُ مَن قَرَأ ”مالِكِ“ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ حَرْفًا زائِدًا، فَكانَتْ قِراءَتُهُ أكْثَرَ ثَوابًا. الثّانِي أنَّهُ يَحْصُلُ في القِيامَةِ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ. أمّا المالِكُ الحَقُّ لِيَوْمِ الدِّينِ فَلَيْسَ إلّا اللَّهُ. الثّالِثُ: المالِكُ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، كَما أنَّ المَلِكَ قَدْ يَكُونُ مالِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، فالمِلْكِيَّةُ والمالِكِيَّةُ قَدْ تَنْفَكُّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَنِ الأُخْرى، إلّا أنَّ المالِكِيَّةَ سَبَبٌ لِإطْلاقِ التَّصَرُّفِ، والمِلْكِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكانَ المالِكُ أوْلى. الرّابِعُ: أنَّ المَلِكَ مَلِكٌ لِلرَّعِيَّةِ، والمالِكُ مالِكٌ لِلْعَبِيدِ، والعَبْدُ أدْوَنُ حالًا مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَهْرُ في المالِكِيَّةِ أكْثَرَ مِنهُ في المَلِكِيَّةِ، (p-١٩٣)فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المالِكُ أعْلى حالًا مِنَ المَلِكِ. الخامِسُ: أنَّ الرَّعِيَّةَ يُمْكِنُهم إخْراجُ أنْفُسِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ رَعِيَّةً لِذَلِكَ المَلِكِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ، أمّا المَمْلُوكُ فَلا يُمْكِنُهُ إخْراجُ نَفْسِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ المالِكِ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ القَهْرَ في المالِكِيَّةِ أكْمَلُ مِنهُ في المِلْكِيَّةِ. السّادِسُ: أنَّ المَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعايَةُ حالِ الرَّعِيَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» “ ولا يَجِبُ عَلى الرَّعِيَّةِ خِدْمَةُ المَلِكِ. أمّا المَمْلُوكُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ المالِكِ وأنْ لا يَسْتَقِلَّ بِأمْرٍ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُ، حَتّى إنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ القَضاءُ والإمامَةُ والشَّهادَةُ، وإذا نَوى مَوْلاهُ السَّفَرَ يَصِيرُ هو مُسافِرًا، وإنْ نَوى مَوْلاهُ الإقامَةَ صارَ هو مُقِيمًا؛ فَعَلِمْنا أنَّ الِانْقِيادَ والخُضُوعَ في المَمْلُوكِيَّةِ أتَمُّ مِنهُ في كَوْنِهِ رَعِيَّةً، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المالِكَ أكْمَلُ مِنَ المَلِكِ. وحُجَّةُ مَن قالَ إنَّ المَلِكَ أوْلى مِنَ المالِكِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ البَلَدِ يَكُونُ مالِكًا، أمّا المَلِكُ لا يَكُونُ إلّا أعْظَمَ النّاسِ وأعْلاهم فَكانَ المَلِكُ أشْرَفَ مِنَ المالِكِ. الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ١] لَفْظُ المَلِكِ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ ولَوْلا أنَّ المَلِكَ أعْلى حالًا مِنَ المالِكِ وإلّا لَمْ يَتَعَيَّنْ. الثّالِثُ: المَلِكُ أوْلى لِأنَّهُ أقْصَرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْرِكُ مِنَ الزَّمانِ ما تُذْكَرُ فِيهِ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِتَمامِها، بِخِلافِ المالِكِ فَإنَّها أطْوَلُ، فاحْتَمَلَ أنْ لا يَجِدَ مِنَ الزَّمانِ ما يُتِمُّ فِيهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ، هَكَذا نُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأجابَ الكِسائِيُّ بِأنْ قالَ: إنِّي أشْرَعُ في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَإنْ لَمْ أبْلُغْها فَقَدْ بَلَغْتُها حَيْثُ عَزَمْتُ عَلَيْها، نَظِيرُهُ في الشَّرْعِيّاتِ مَن نَوى صَوْمَ الغَدِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ اليَوْمِ في أيّامِ رَمَضانَ لا يُجْزِيهِ؛ لِأنَّهُ في هَذا اليَوْمِ مُشْتَغِلٌ بِصَوْمِ هَذا اليَوْمِ، فَإذا نَوى صَوْمَ الغَدِ كانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا لِلْأمَلِ، أمّا إذا نَوى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ لا يُجْزِيهِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا لِلْأمَلِ إلّا أنَّهُ خَرَجَ عَنِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَمُوتَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَيَقُولُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ إلى اليَوْمِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ أكُونَ عَلى عَزْمِ الصَّوْمِ، كَذا هَهُنا يَشْرَعُ في ذِكْرِ قَوْلِهِ ”مالِكِ“ فَإنْ تَمَّمَها فَذاكَ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إتْمامِها كانَ عازِمًا عَلى الإتْمامِ وهو المُرادُ. ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى كَوْنِهِ مَلِكًا أحْكامٌ، وعَلى كَوْنِهِ مالِكًا أحْكامٌ أُخَرُ. أمّا الأحْكامُ المُتَفَرِّعَةُ عَلى كَوْنِهِ مَلِكًا فَوُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ السِّياساتِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: سِياسَةُ المُلّاكِ، وسِياسَةُ المُلُوكِ، وسِياسَةُ المَلائِكَةِ، وسِياسَةُ مَلِكِ المُلُوكِ. فَسِياسَةُ المُلُوكِ أقْوى مِن سِياسَةِ المُلّاكِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ عالَمٌ مِنَ المالِكِينَ فَإنَّهم لا يُقاوِمُونَ مَلِكًا واحِدًا، ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى مَمْلُوكِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المَلِكَ يَمْلِكُ إقامَةَ الحُدُودِ عَلى النّاسِ، وأمّا سِياسَةُ المَلائِكَةِ فَهي فَوْقَ سِياساتِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ عالَمًا مِن أكابِرِ المُلُوكِ لا يُمْكِنُهم دَفْعُ سِياسَةِ مَلِكٍ واحِدٍ، وأمّا سِياسَةُ مَلِكِ المُلُوكِ فَإنَّها فَوْقَ سِياساتِ المَلائِكَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] فَيا أيُّها المُلُوكُ لا تَغْتَرُّوا بِمالِكم مِنَ المالِ والمُلْكِ فَإنَّكم أُسَراءُ في قَبْضَةِ قُدْرَةِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ويا أيُّها الرَّعِيَّةُ إذا كُنْتُمْ تَخافُونَ سِياسَةَ المَلِكِ أفَما تَخافُونَ سِياسَةَ مَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي هو مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ كَوْنِهِ تَعالى مَلِكًا: أنَّهُ مَلِكٌ لا يُشْبِهُ سائِرَ المُلُوكِ لِأنَّهم إنْ تَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ (p-١٩٤)انْتَقَصَ مُلْكُهم، وقَلَّتْ خَزائِنُهم؛ أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَمُلْكُهُ لا يَنْتَقِصُ بِالعَطاءِ والإحْسانِ بَلْ يَزْدادُ، بَيانُهُ أنَّهُ تَعالى إذا أعْطاكَ ولَدًا واحِدًا لَمْ يَتَوَجَّهْ حُكْمُهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الوَلَدِ الواحِدِ، أمّا لَوْ أعْطاكَ عَشَرَةً مِنَ الأوْلادِ كانَ حُكْمُهُ وتَكْلِيفُهُ لازِمًا عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى كُلَّما كانَ أكْثَرَ عَطاءً كانَ أوْسَعَ مُلْكًا. الحُكْمُ الثّالِثُ مِن أحْكامِ كَوْنِهِ مَلِكًا: كَمالُ الرَّحْمَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ: إحْداها: ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ قُدُّوسًا عَنِ الظُّلْمِ والجَوْرِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ سَلامًا، وهو الَّذِي سَلَّمَ عِبادَهُ مِن ظُلْمِهِ وجَوْرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ مُؤْمِنًا، وهو الَّذِي يُؤَمِّنُ عَبِيدَهُ عَنْ جَوْرِهِ وظُلْمِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مَلِكًا لا يَتِمُّ إلّا مَعَ كَمالِ الرَّحْمَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] لَمّا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ المُلْكَ أرْدَفَهُ بِأنْ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا، يَعْنِي: إنْ كانَ ثُبُوتُ المُلْكِ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القَهْرِ، فَكَوْنُهُ رَحْمانًا يَدُلُّ عَلى زَوالِ الخَوْفِ وحُصُولِ الرَّحْمَةِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ١] فَذَكَرَ أوَّلًا كَوْنَهُ رَبًّا لِلنّاسِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا لِلنّاسِ، وهَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُلْكَ لا يَحْسُنُ ولا يَكْمُلُ إلّا مَعَ الإحْسانِ والرَّحْمَةِ، فَيا أيُّها المُلُوكُ اسْمَعُوا هَذِهِ الآياتِ وارْحَمُوا هَؤُلاءِ المَساكِينَ ولا تَطْلُبُوا مَرْتَبَةً زائِدَةً في المُلْكِ عَلى مُلْكِ اللَّهِ تَعالى. الحُكْمُ الرّابِعُ لِلْمَلِكِ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّعِيَّةِ طاعَتُهُ فَإنْ خالَفُوهُ ولَمْ يُطِيعُوهُ وقَعَ الهَرْجُ والمَرَجُ في العالَمِ وحَصَلَ الِاضْطِرابُ والتَّشْوِيشُ ودَعا ذَلِكَ إلى تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الخَلْقِ، فَلَمّا شاهَدْتُمْ أنَّ مُخالَفَةَ المَلِكِ المُجازِي تُفْضِي آخِرَ الأمْرِ إلى تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الخَلْقِ فانْظُرُوا إلى مُخالَفَةِ مَلِكِ المُلُوكِ كَيْفَ يَكُونُ تَأْثِيرُها في زَوالِ المَصالِحِ وحُصُولِ المَفاسِدِ ؟ وتَمامُ تَقْرِيرِهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ لِخَرابِ العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٠] وبَيَّنَ أنَّ طاعَتَهُ سَبَبٌ لِلْمَصالِحِ قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] فَيا أيُّها الرَّعِيَّةُ كُونُوا مُطِيعِينَ لِمُلُوكِكم، ويا أيُّها المُلُوكُ كُونُوا مُطِيعِينَ لِمَلِكِ المُلُوكِ حَتّى تَنْتَظِمَ مَصالِحُ العالَمِ. الحُكْمُ الخامِسُ: أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ أظْهَرَ لِلْعالَمِينَ كَمالَ عَدْلِهِ فَقالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ العَدْلِ فَقالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَوْنَهُ مَلِكًا حَقًّا لِيَوْمِ الدِّينِ إنَّما يَظْهَرُ بِسَبَبِ العَدْلِ، فَإنْ كانَ المَلِكُ المُجازِي عادِلًا كانَ مَلِكًا حَقًّا وإلّا كانَ مَلِكًا باطِلًا، فَإنْ كانَ مَلِكًا عادِلًا حَقًّا حَصَلَ مِن بَرَكَةِ عَدْلِهِ الخَيْرُ والرّاحَةُ في العالَمِ، وإنْ كانَ مَلِكًا ظالِمًا ارْتَفَعَ الخَيْرُ مِنَ العالَمِ. يُرْوى أنَّ أنُوشَرْوانَ خَرَجَ إلى الصَّيْدِ يَوْمًا وأوْغَلَ في الرَّكْضِ، وانْقَطَعَ عَنْ عَسْكَرِهِ واسْتَوْلى العَطَشُ عَلَيْهِ، ووَصَلَ إلى بُسْتانٍ فَلَمّا دَخَلَ ذَلِكَ البُسْتانَ رَأى أشْجارَ الرُّمّانِ فَقالَ لِصَبِيٍّ حَضَرَ في ذَلِكَ البُسْتانِ: أعْطِنِي رُمّانَةً واحِدَةً، فَأعْطاهُ رُمّانَةً فَشَقَّها وأخْرَجَ حَبَّها وعَصَرَها فَخَرَجَ مِنهُ ماءٌ كَثِيرٌ فَشَرِبَهُ، وأعْجَبَهُ ذَلِكَ الرُّمّانُ فَعَزَمَ عَلى أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ البُسْتانَ مِن مالِكِهِ ثُمَّ قالَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: أعْطِنِي رُمّانَةً أُخْرى، فَأعْطاهُ فَعَصَرَها فَخَرَجَ مِنها ماءٌ قَلِيلٌ فَشَرِبَهُ فَوَجَدَهُ عَفْصًا مُؤْذِيًا، فَقالَ: أيُّها الصَّبِيُّ لِمَ صارَ الرُّمّانُ هَكَذا ؟ فَقالَ الصَّبِيُّ: لَعَلَّ (p-١٩٥)مَلِكَ البَلَدِ عَزَمَ عَلى الظُّلْمِ فَلِأجْلِ شُؤْمِ ظُلْمِهِ صارَ الرُّمّانُ هَكَذا، فَتابَ أنُوشَرْوانَ في قَلْبِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وقالَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: أعْطِنِي رُمّانَةً أُخْرى، فَأعْطاهُ فَعَصَرَها فَوَجَدَها أطْيَبَ مِنَ الرُّمّانَةِ الأُولى، فَقالَ لِلصَّبِيِّ: لِمَ بُدِّلَتْ هَذِهِ الحالَةُ ؟ فَقالَ الصَّبِيُّ: لَعَلَّ مَلِكَ البَلَدِ تابَ عَنْ ظُلْمِهِ، فَلَمّا سَمِعَ أنُوشَرْوانَ هَذِهِ القِصَّةَ مِن ذَلِكَ الصَّبِيِّ وكانَتْ مُطابِقَةً لِأحْوالِ قَلْبِهِ تابَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الظُّلْمِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ اسْمُهُ مُخَلَّدًا في الدُّنْيا بِالعَدْلِ، حَتّى إنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«وُلِدْتُ في زَمَنِ المَلِكِ العادِلِ» “ . * * * أمّا الأحْكامُ المُفَرَّعَةُ عَلى كَوْنِهِ مالِكًا فَهي أرْبَعَةٌ: الحُكْمُ الأوَّلُ: قِراءَةُ المالِكِ أرْجى مِن قِراءَةِ المَلِكِ؛ لِأنَّ أقْصى ما يُرْجى مِنَ المَلِكِ العَدْلُ والإنْصافُ وأنْ يَنْجُوَ الإنْسانُ مِنهُ رَأْسًا بِرَأْسٍ، أمّا المالِكُ فالعَبْدُ يَطْلُبُ مِنهُ الكُسْوَةَ والطَّعامَ والرَّحْمَةَ والتَّرْبِيَةَ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا مالِكُكم فَعَلَيَّ طَعامُكم وثَوابُكم وجَنَّتُكم. الحُكْمُ الثّانِي: المَلِكُ وإنْ كانَ أغْنى مِنَ المالِكِ غَيْرَ أنَّ المَلِكَ يَطْمَعُ فِيكَ والمالِكُ أنْتَ تَطْمَعُ فِيهِ، ولَيْسَتْ لَنا طاعاتٌ ولا خَيْراتٌ فَلا يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ مِنّا يَوْمَ القِيامَةِ أنْواعَ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، بَلْ يُرِيدُ أنْ نَطْلُبَ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ الصَّفْحَ والمَغْفِرَةَ وإعْطاءَ الجَنَّةِ بِمُجَرَّدِ الفَضْلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ الكِسائِيُّ: اقْرَأْ ”﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾“؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ هي الدّالَّةُ عَلى الفَضْلِ الكَثِيرِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. الحُكْمُ الثّالِثُ: أنَّ المَلِكَ إذا عُرِضَ عَلَيْهِ العَسْكَرُ لَمْ يَقْبَلْ إلّا مَن كانَ قَوِيَّ البَدَنِ صَحِيحَ المِزاجِ، أمّا مَن كانَ مَرِيضًا فَإنَّهُ يَرُدُّهُ ولا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنَ الواجِبِ، أمّا المالِكُ إذا كانَ لَهُ عَبْدٌ فَإنْ مَرِضَ عالَجَهُ وإنْ ضَعُفَ أعانَهُ وإنْ وقَعَ في بَلاءٍ خَلَّصَهُ، فالقِراءَةُ بِلَفْظِ المالِكِ أوْفَقُ لِلْمُذْنِبِينَ والمَساكِينِ. الحُكْمُ الرّابِعُ: المَلِكُ لَهُ هَيْبَةٌ وسِياسَةٌ، والمالِكُ لَهُ رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ، واحْتِياجُنا إلى الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِنا إلى الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: المُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، فَكَوْنِهِ مالِكًا ومَلِكًا عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، هَهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مَلِكًا لِلْمَوْجُوداتِ أوْ لِلْمَعْدُوماتِ، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ إيجادَ المَوْجُوداتِ مُحالٌ فَلا قُدْرَةَ لِلَّهِ عَلى المَوْجُوداتِ إلّا بِالإعْدامِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَلا مالِكَ إلّا لِلْعَدَمِ، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ عَلى العَدَمِ ويَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ في المَوْجُوداتِ مالِكِيَّةٌ ولا مُلْكٌ وهَذا بَعِيدٌ. والجَوابُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مالِكُ المَوْجُوداتِ ومَلِكُها، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى نَقْلِها مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ، أوْ بِمَعْنى أنَّهُ قادِرٌ عَلى نَقْلِها مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وهَذِهِ القُدْرَةُ لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فالمَلِكُ الحَقُّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، إذا عَرَفْتَ أنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ فَنَقُولُ: إنَّهُ المَلِكُ لِيَوْمِ الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى إحْياءِ الخَلْقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، والعِلْمُ بِتِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مِن أبْدانِ النّاسِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَإذا كانَ الحَشْرُ والنَّشْرُ والبَعْثُ والقِيامَةُ لا يَتَأتّى إلّا بِعِلْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وقُدْرَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ ثَبَتَ أنَّهُ لا مالِكَ لِيَوْمِ الدِّينِ إلّا اللَّهُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ المالِكَ لا يَكُونُ مالِكًا لِلشَّيْءِ إلّا إذا كانَ المَمْلُوكُ مَوْجُودًا، والقِيامَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في الحالِ، فَلا يَكُونُ اللَّهُ مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلُ زَيْدٍ، فَهَذا إقْرارٌ، ولَوْ قالَ أنا قاتِلٌ زَيْدًا بِالتَّنْوِينِ كانَ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا. قُلْنا: الحَقُّ ما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّ قِيامَ القِيامَةِ لَمّا كانَ أمْرًا حَقًّا لا يَجُوزُ الإخْلالُ في الحِكْمَةِ جَعَلَ وُجُودَ (p-١٩٦)القِيامَةِ كالأمْرِ القائِمِ في الحالِ الحاصِلِ في الحالِ، وأيْضًا مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ فَكانَتِ القِيامَةُ حاصِلَةً في الحالِ فَزالَ السُّؤالُ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أسْماءِ نَفْسِهِ خَمْسَةً: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، والرَّحِيمُ، والمالِكُ. والسَّبَبُ فِيهِ كَأنَّهُ يَقُولُ: خَلَقْتُكَ أوَّلًا فَأنا إلَهٌ، ثُمَّ رَبَّيْتُكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ فَأنا رَبٌّ، ثُمَّ عَصَيْتَ فَسَتَرْتُ عَلَيْكَ فَأنا رَحْمَنٌ، ثُمَّ تُبْتَ فَغَفَرْتُ لَكَ فَأنا رَحِيمٌ، ثُمَّ لا بُدَّ مِن إيصالِ الجَزاءِ إلَيْكَ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ في التَّسْمِيَةِ مَرَّةً واحِدَةً وفي السُّورَةِ مَرَّةً ثانِيَةً، فالتَّكْرِيرُ فِيهِما حاصِلٌ وغَيْرُ حاصِلٍ في الأسْماءِ الثَّلاثَةِ فَما الحِكْمَةُ ؟ . قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ أنِّي إلَهٌ ورَبٌّ مَرَّةً واحِدَةً، واذْكُرْ أنِّي رَحْمَنٌ رَحِيمٌ مَرَّتَيْنِ لِتَعْلَمَ أنَّ العِنايَةَ بِالرَّحْمَةِ أكْثَرُ مِنها بِسائِرِ الأُمُورِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرَّحْمَةَ المُضاعَفَةَ فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإنِّي مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: إنْ كانَ خالِقُ أعْمالِ العِبادِ هو اللَّهَ امْتَنَعَ القَوْلُ بِالثَّوابِ والعِقابِ والجَزاءِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الرَّجُلِ عَلى ما لَمْ يَعْمَلْهُ عَبَثٌ، وعِقابَهُ عَلى ما لَمْ يَعْمَلْهُ ظُلْمٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَبْطُلُ كَوْنُهُ مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ أعْمالُ العِبادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وتَرْجِيحِهِ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لَها، ولَمّا أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى كَوْنِهِ مالِكًا لِلْعِبادِ ولِأعْمالِهِمْ؛ عَلِمْنا أنَّهُ خالِقٌ لَها مُقَدِّرٌ لَها واللَّهُ أعْلَمُ.
saadi — تيسير الكريم الرحمن
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار. كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا، فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
saadi
{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأضاف الملك ليوم الدين, وهو يوم القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم, يظهر للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار. كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه, خائفون من عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
samaani — تفسير السمعاني
قَوْله: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ يقْرَأ بقراءتين: " مَالك، وَملك ". قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: " مَالك " بِالْألف أولى؛ لِأَنَّهُ أوسع وَأجْمع، يُقَال: مَالك الدَّار، وَمَالك الطير، وَمَالك العَبْد، وَلَا يسْتَعْمل مِنْهَا اسْم الْملك. وَقَالَ أبوعبيد، والمبرد: " وَملك "، أولى؛ لِأَنَّهُ أتم، فَإِن " الْملك " يجمع معنى " الْمَالِك "، وَالْمَالِك لَا يجمع معنى الْملك، فَإِن كل ملك مَالك، وَلَيْسَ كل مَالك ملكا، وَلِأَنَّهُ أوفق لألفاظ الْقُرْآن، مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فتعالى الله الْملك الْحق﴾ ، وَقَوله: ﴿لمن الْملك الْيَوْم﴾ وَنَحْو ذَلِك فمالك: من الْملك والملكة، وَملك من الْملك والملكة، وَالله - تَعَالَى - مَالك، وَملك. وَأما ﴿الْيَوْم﴾ اسْم لزمان مَعْلُوم، وَالْمرَاد بِيَوْم الدّين: يَوْم الْقِيَامَة، وَمَعْنَاهُ: يَوْم الْحساب، وَيَوْم الْجَزَاء. وَقد يكون الدّين بِمَعْنى الطَّاعَة وبمعانشتي، وَلكنه هَاهُنَا على أحد الْمَعْنيين. فَإِن قَالَ قَائِل: لم خص يَوْم الدّين بِالذكر، وَالله - تَعَالَى - مَالك الْأَيَّام كلهَا؟ يُقَال: إِنَّمَا خصّه لِأَن الْأَمر فِي الْقِيَامَة يخلص لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله﴾ . وَأما فِي الدُّنْيَا للملوك أَمر، وللمسلمين أَمر، وللأنبياء أَمر.
samarqandi — بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع. وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل: لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه. وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره. وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال: اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً. وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر: أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصة. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح. سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب. فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة. وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل: (الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه. وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم: الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] . وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر. وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة. والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده. قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر. قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك. وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي. ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره. قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير. قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام. وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا. قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم. أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح. وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام. وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى: من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] . «آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل: تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وقال الآخر: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا وصلى الله على سيدنا محمد.
shawkani — فتح القدير
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قُرِئَ مَلِكِ ومالِكَ ومَلْكِ بِسُكُونِ اللّامِ ومَلَكَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيُّهُما أبْلَغُ ( مَلِكِ ) أوْ ( مالِكِ ) ؟ فَقِيلَ: إنَّ مَلِكَ أعَمُّ وأبْلَغُ مِن مالِكٍ، إذْ كُلُّ مَلِكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، ولِأنَّ أمْرَ المَلِكِ نافِذٌ عَلى المالِكِ في مِلْكِهِ حَتّى لا يَنْصَرِفَ إلّا عَنْ تَدْبِيرِ المَلِكِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ والمُبَرِّدُ ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مالِكٌ أبْلَغُ لِأنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ، فالمالِكُ أبْلَغُ تَصَرُّفًا وأعْظَمُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ مالِكًا أبْلَغُ في مَدْحِ الخالِقِ مِن مَلِكٍ، ومَلِكٌ أبْلَغُ في مَدْحِ المَخْلُوقِينَ مِن مالِكٍ، لِأنَّ المالِكَ مِنَ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلِكٍ، وإذا كانَ اللَّهُ تَعالى مالِكًا كانَ مَلِكًا. واخْتارَ هَذا القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ. والحَقُّ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ نَوْعَ أخَصِّيَّةٍ لا يُوجَدُ في الآخَرِ، فالمالِكُ يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المَلِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ بِما (p-١٨)هُوَ مالِكٌ لَهُ بِالبَيْعِ والهِبَةِ والعِتْقِ ونَحْوِها، والمَلِكُ يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المالِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ العائِدَةِ إلى تَدْبِيرِ المَلِكِ وحِياطَتِهِ ورِعايَةِ مَصالِحِ الرَّعِيَّةِ، فالمالِكُ أقْوى مِنَ المَلِكِ في بَعْضِ الأُمُورِ، والمَلِكُ أقْوى مِنَ المالِكِ في بَعْضِ الأُمُورِ. والفَرْقُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ أنَّ المَلِكَ صِفَةٌ لَذّاتِهِ، والمالِكَ صِفَةٌ لِفِعْلِهِ. و( يَوْمِ الدِّينِ ): يَوْمُ الجَزاءِ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] وهَذِهِ الإضافَةُ إلى الظَّرْفِ عَلى طَرِيقِ الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقٌ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ، و( ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ) وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا فَقَدْ يُضافُ اسْمُ الفاعِلِ وما في مَعْناهُ إلى المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِكَ: هَذا ضارِبٌ زَيْدًا غَدًا. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ " ( مَلِكِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ "» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ أيْضًا: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ كانُوا يَقْرَءُونَ ( مالِكِ ) بِالألِفِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا وكِيعٌ في تَفْسِيرِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ مُرْسَلًا. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، فَهو أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «" أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾» وكَذا رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم فَسَّرُوا يَوْمَ الدِّينِ بِيَوْمِ الحِسابِ. وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ( يَوْمِ الدِّينِ ): يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ.
suyuti_durr — الدر المنثور في التفسير بالمأثور
﴿مالِك يَوْم الدِّين﴾ أيْ الجَزاء وهُوَ يَوْم القِيامَة وخُصّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ لا مُلْك ظاهِرًا فِيهِ لِأَحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ ﴿لِمَن المُلْك اليَوْم ؟ لِلَّهِ﴾ ومَن قَرَأَ مالِك فَمَعْناهُ مالِك الأَمْر كُلّه فِي يَوْم القِيامَة أوْ هُوَ مَوْصُوف بِذَلِك دائِمًا "كَغافِرِ الذَّنْب" فَصَحَّ وُقُوعه صِفَة لِمَعْرِفَةِ.
tabary — جامع البيان
القول في تأويل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . قال أبو جعفر: القرَّاء مختلفون في تلاوة ﴿ملك يَوْمِ الدِّينِ﴾ . فبعضهم يتلوه " مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ "، وبعضهم يتلوه ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وبعضهم يتلوه ﴿مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بنصب الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه في ذلك قراءةٌ في " كتاب القراآت "، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه، والعلة الموجبة صحّة ما اخترنا من القراءة فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع، إذ كان الذي قَصَدْنا له، في كتابنا هذا، البيانَ عن وجوه تأويل آي القرآن، دون وجوه قراءتها. ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب، أن المَلِك من "المُلْك" مشتق، وأن المالك من "المِلْك" مأخوذٌ. فتأويل قراءةِ من قرأ ذلك: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، أن لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية [[الجبرية والجبروت واحد، وهو من صفات الله العلي. الجبار: القاهر فوق عباده، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي، سبحانه وتعالى.]] . فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة [[الصغرة جمع صاغر: وهو الراضي بالذل المقر به. والأذلة جمع ذليل.]] ، وأنّ له - من دُونهم، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: ١٦] . فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار. وأما تأويلُ قراءة من قرأ: ﴿مالك يوم الدين﴾ ، فما:- ١٦٦ - حدثنا به أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، يقول: لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا. ثم قال: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [سورة النبأ: ٣٨] وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [سورة طه: ١٠٨] . وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [[الخبر ١٦٦ - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ١٣٧. وهذا الخبر، مع باقيه الآتي ١٦٧ نقله ابن كثير ١: ٤٦ دون إسناد ولا نسبة، ونقله السيوطي ١: ١٤ ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم. وقال ابن كثير: " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف. وهو ظاهر".]] [سورة الأنبياء: ٢٨] . قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية، وأصحُّ القراءتين في التلاوة عندي، التأويلُ الأول، وهي قراءةُ من قرأ "مَلِكِ" بمعنى "المُلك". لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة زيادة المِلك على المالك [[في المخطوطة: "الملك على الملك"، وهما سواء.]] ، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا. وبعدُ، فإن الله جلّ ذكره، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله ﴿ملِكِ يوم الدين﴾ أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم، ومُصلحُهم، والناظرُ لهم، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة، بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وإذْ كان جلّ ذكره قد أنبأهم عن مِلْكه إيَّاهم كذلك بقوله: ﴿ربِّ العالمين﴾ ، فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَع ذلك ما لم يحْوِه قوله ﴿ربِّ العالمين الرَّحمن الرحيم﴾ ، مع قرب ما بين الآيتين من المواصَلة والمجاورة، إذْ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تشبهها حِكمةٌ، وكان في إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه ﴿مالِكِ يوم الدين﴾ ، إعادةُ ما قد مضى من وصفه به في قوله ﴿ربِّ العالمين﴾ ، مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين. وكان في إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة، لا تفيد سامع ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجة. والذي لم يحْوِه من صفاته جلّ ذكره ما قبل قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ ، المعنى الذي في قوله: ﴿مَلِك يوم الدين﴾ ، وهو وصْفه بأنه الملِك. فبيِّن إذًا أن أولى القراءتين بالصواب، وأحقّ التأويلين بالكتاب، قراءة من قرأه ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ ﴿مالك يوم الدين﴾ الذي بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء، متفرِّدًا به دون سائر خلقه. فإن ظنّ ظانّ أن قوله ﴿رَبّ العَالمين﴾ نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون الآخرة، يوجبُ وصْلَ ذلك بالنبأ عن نفسه أنه: مَنْ مَلَكهم في الآخرة على نحو مِلْكه إياهم في الدنيا بقوله ﴿مالك يوم الدين﴾ - فَقد أغفلَ وظنَّ خطأ [[قوله "أغفل"، فعل لازم غير متعد. ومعناه: دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما، وهي عربية معرقة، وإن لم توجد في المعاجم، وهي كقولهم: أنجد، دخل نجدًا، وأشباهها. وحسبك بها عربية أنها لغة الشافعي، أكثر من استعمالها في الرسالة والأم. من ذلك قوله في الرسالة: ٤٢ رقم: ١٣٦: "وبالتقليد أغفل من أغفل منهم".]] . وذلك أنه لو جاز لِظانّ أنْ يظنّ أن قوله ﴿ربّ العالمين﴾ محصورٌ معناه على الخبر عن ربوبِيَّة عالم الدنيا دُونَ عالم الآخرة، مع عدم الدلالة على أن مَعنى ذلك كذلك في ظاهر التنزيل، أو في خبرٍ عن الرسول ﷺ به منقولٍ، أو بحجّة موجودة في المعقول - لجاز لآخر أن يظنّ أن ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نزل قوله ﴿رب العالمين﴾ ، دون سائر ما يحدث بعدَه في الأزمنة الحادثة من العالمين. إذْ كان صحيحًا بما قد قدّمنا من البيان، أنّ عالمَ كل زمان غير عالم الزمان الذي بعده. فإن غَبِيَ - عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا - ذو غباء، فإنّ في قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الجاثية: ١٦] دلالةً واضحةً على أنّ عالم كلّ زمان، غيرُ عالم الزمان الذي كان قَبله، وعالم الزمان الذي بعدَه، إذْ كان الله جلّ ثناؤه قد فضّل أمّة نبينا محمد ﷺ على سائر الأمم الخالية، وأخبرهم بذلك في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [سورة آل عمران: ١١٠] . فمعلومٌ بذلك أن بَني إسرائيل في عصر نبينا لم يكونوا -مع تكذيبهم به ﷺ- أفضلَ العالمين، بل كانَ أفضلَ العالمين في ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة، المؤمنون به المتَّبِعون منهاجهُ، دون من سِواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه. وإذْ كان بيِّنًا فساد تأويل متأوِّلٍ لو تأوّل قوله ﴿ربّ العالمين﴾ أنه معنيٌّ به أن الله ربُّ عَالمي زَمن نبيّنا محمد ﷺ، دون عالمي سائر الأزمنة غيره - كان واضحًا فساد قول من زعم أنّ تأويلَهُ: ربُّ عالَمِ الدنيا دُون عالَمِ الآخرة، وأنّ "مالك يوم الدين" استحقَّ الوصلَ به ليُعلَم أنه في الآخرة من مِلْكِهم ورُبُوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا. ويُسْأل زاعم ذلك، الفرقَ بينه وبين متحكم مثله - في تأويل قوله ﴿رب العالمين﴾ ، تحكَّم فقال: إنه إنما عنى بذلك أنه ربّ عالمي زمان محمّد ﷺ، دون عالمي غيره من الأزمان الماضية قبله، والحادثة بعده، كالذي زعم قائل هذا القول: أنه عَنى به عالمي الدنيا دُون عالمي الآخرة - من أصل أو دلالة [[سياق العبارة: "ويسأل زاعم ذلك، الفرق. . . من أصل أو دلالة "، وما بينهما فصل.]] . فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله. وأما الزاعم أن تأويل قوله ﴿مالك يوم الدين﴾ أنه الذي يملكُ إقامة يَوم الدين، فإن الذي ألزمْنا قَائلَ هذا القول الذي قبله - له لازمٌ. إذْ كانت إقامةُ القيامة، إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك، في الدار التي أعَدّ الله لهم فيها ما أعدّ. وُهمُ العالَمون الذين قد أخبر جلّ ذكره عنهم أنه ربُّهم في قوله ﴿ربّ العالمين﴾ . وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ ﴿مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، فإنه أراد: يا مالك يوم الدين، فنصَبه بنيّة النداء والدعاء، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [سورة يوسف: ٢٩] بتأويل: يا يوسف أعرضْ عن هذا، وكما قال الشاعر من بني أسد، وهو شعر -فيما يقال- جاهلي: إنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَني بِهَا كَذِبًا ... جَزْءُ، فلاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلا [[الشعر لجاهلي مخضرم هو حضرمي بن عامر الأسدي، وفد إلى رسول الله ﷺ في نفر من بني أسد فأسلموا جميعًا. وسبب قوله هذا الشعر: أن إخوته كانوا تسعة، فجلسوا على بئر فانخسفت بهم، فورثهم، فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع، وقال له: من مثلك؟ مات إخوتك فورثتهم، فأصبحت ناعمًا جذلا. وما كاد، حتى جلس جزء وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته ونجا هو، فبلغ ذلك حضرميًا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كلمة وافقت قدرًا وأبقت حقدًا. يعني قوله لجزء: "فلاقيت مثلها عجلا". وأزننته بشيء: اتهمته به. انظر أمالي القالي ١: ٦٧، والكامل ١: ٤١ - ٤٢ وغيرهما.]] يريد: يا جزءُ، وكما قال الآخر: كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَنْكِحُونَهَا، ... بَني شَاب قَرْنَاها تَصُرُّ وتَحْلبُ [[نسبه في اللسان (قرن) ومجاز القرآن: ١٠٠ إلى رجل من بني أسد والبيت في سيبويه ١: ٢٩٥ / ٢: ٧، ٦٥، وهو شاهد مشهور. "وبني شاب قرناها" يعني قومًا، يقول: بني التي يقال لها: شاب قرناها، أي يا بني العجوز الراعية، لا هم لها إلا أن تصر، أي تشد الصرار على الضرع حتى تجتمع الدرة، ثم تحلب. وذلك ذم لها. والقرن: الضفيرة.]] يريد: يا بني شابَ قرْناها. وإنما أوْرطه في قراءة ذلك - بنصب الكاف من "مالك"، على المعنى الذي وصفتُ - حيرتهُ في توجيه قَوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وِجْهَته، مع جر ﴿مالك يوم الدين﴾ وخفضِه. فظنّ أنّه لا يصحّ معنى ذلك بعد جرِّه ﴿مالك يوم الدين﴾ ، فنصب: "مالكَ يوم الدين" ليكون ﴿إياك نعبد﴾ له خطابًا. كأنه أراد: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نَستعين. ولو كان عَلم تأويل أول السورة، وأن "الحمدُ لله رَبّ العالمين" أمرٌ من الله عبدَه بقيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس: أن جبريلَ قال للنبي ﷺ عن الله تعالى ذكره: قل يا محمد، ﴿الحمدُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَالكِ يوم الدين﴾ ، وقل أيضًا يا محمد: ﴿إياك نَعبد وإياك نَستعين﴾ [[انظر: ١٥١، ١٥٥.]] - وكان عَقَل [[عطف على قوله: " ولو كان علم. . . ".]] عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكَت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القولَ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب، وتخبرَ عن الغائب ثم تعودَ إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلتُ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ، وقد قلتُ لأخيك: لو قام لقمتُ [[جواب " لو كان علم. . . وكان عقل ".]] - لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وجْهتُه من جر "مالك يوم الدين". ومن نظير "مالك يوم الدين" مجرورًا، ثم عَوْده إلى الخطاب بـ "إياك نعبد "، لما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبي كبير الهُذَلي: يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ [[ديوان الهذليين ٢: ١٠١. في المطبوعة: "جلدة" وهو خطأ وقوله "جدة" يعني شبابه الجديد. والجدة: نقيض البلى. والتراب الأعفر: الأبيض، قل أن يطأه الناس لجدبه. وخالد: صديق له من قومه، يرثيه.]] فرجعَ إلى الخطاب بقوله: " وبياضُ وَجْهك "، بعد ما قد مضى الخبرُ عن خالد على معنى الخبر عن الغائب. ومنه قول لبيد بن ربيعة: بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً ... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا [[القسم الثاني من ديوانه: ٤٦، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء: ص ٥٠ وذكر البيت وبيتًا معه، أنهما قد رويا عن الشعبي (ابن سعد ٦: ١٧٨) ، وهما يحملان على لبيد، ثم قال: "ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث، ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك لا تستقصي". أجهش بالبكاء: تهيأ له وخنقه بكاؤه.]] فرجع إلى مخاطبة نفسه، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب. ومنه قول الله، وهو أصدق قيلٍ وأثبتُ حجةٍ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [سورة يونس: ٢٢] ، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم. والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه. فقراءة: " مالكَ يوم الدين " محظورة غير جائزة، لإجماع جميع الحجة من القرّاء وعلماء الأمة على رَفض القراءة بها. * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ . قال أبو جعفر: والدين في هذا الموضع، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جُعَيْل: إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُم ... ودِنَّاهُمُ مِثْلَ ما يُقْرِضُونَا [[الكامل للمبرد ١: ١٩١، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ١: ٥٢، المخصص ١٧: ١٥٥.]] وكما قال الآخر: وَاعْلَمْ وأَيْقِنْ أنَّ مُلْككَ زائلٌ ... واعلمْ بأَنَّكَ مَا تدِينُ تُدَانُ [[الكامل للمبرد ١: ١٩٢ منسوبًا إلى يزيد بن أبي الصعق الكلابي، وكذلك في جمهرة الأمثال للعسكري: ١٩٦، والمخصص ١٧: ١٥٥، وفي اللسان (زنأ) و (دان) منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلابي، وفي الخزانة ٤: ٢٣٠ إلى بعض الكلابيين. يقولون: إن الحارث بن أبي شمر الغساني كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابي، وكان أبوها غائبًا، فلما قدم أخبر. فوفد إليه فوقف بين يديه وقال: يَا أَيُّهَا المَلِكُ المُقِيتُ! أمَا تَرى ... لَيْلاً وصُبْحًا كَيْف يَخْتَلِفَانِ ؟ هَلْ تَسْتَطِيعُ الشَّمْسَ أن تَأتِي بها ... لَيْلاً ؟ وهل لَكَ بِالْمَلِيك يَدَانِ؟ يَا حَارِ، أيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .]] يعني: ما تَجْزِي تُجازى. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ - يعني: بالجزاء - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [سورة الانفطار: ٩، ١٠] يُحصون ما تعملون من الأعمال، وقوله تعالى ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٦] ، يعني غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسَبين. وللدين معانٍ في كلام العرب، غير معنى الحساب والجزاء، سنذكرها في أماكنها إن شاء الله. وبما قُلنا في تأويل قوله ﴿يوم الدين﴾ جاءت الآثار عن السلف من المفسِّرين، مع تصحيح الشواهد تأويلَهم الذي تأوّلوه في ذلك. ١٦٧ - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، قال: يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا من عَفا عنه، فالأمرُ أمرُه. ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤] . [[الخبر ١٦٧ - سبق تخريجه في الخبر ١٦٦.]] ١٦٨ - وحدثني موسى بن هارون الهَمْدَاني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القَنَّاد، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، هو يوم الحساب. [[الخبر ١٦٨ - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري، إن لم يكن أكثرها، فلا يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا الإسناد. وقد عرض الطبري نفسه في (ص ١٢١ بولاق، سطر: ٢٨ وما بعده) ، فقال، وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا الإسناد: "فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كان بإسناده مرتابًا. . . . ". ولم يبين علة ارتيابه في إسناده، وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به. ولكنه لم يجعلها حجة قط. بيد أني أراه إسنادا يحتاج إلى بحث دقيق. ولأئمة الحديث كلام فيه وفي بعض رجاله. وقد تتبعت ما قالوا وما يدعو إليه بحثه، ما استطعت، وبدا لي فيه رأي، أرجو أن يكون صوابًا، إن شاء الله. وما توفيقي إلا بالله: أما شيخ الطبري، وهو "موسى بن هارون الهمداني": فما وجدت له ترجمة، ولا ذكرًا في شيء مما بين يدي من المراجع، إلا ما يرويه عنه الطبري أيضًا في تاريخه، وهو أكثر من خمسين موضعًا في الجزئين الأول والثاني منه. وما بنا حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل، فإن هذا التفسير الذي يرويه عن عمرو بن حماد، معروف عند أهل العلم بالحديث. وما هو إلا رواية كتاب، لا رواية حديث بعينه. "وعمرو بن حماد": هو عمرو بن حماد بن طلحة القناد، وقد ينسب إلى جده، فيقال عمرو بن طلحة، وهو ثقة، روى عنه مسلم في صحيحه، وترجمه ابن سعد في الطبقات ٦: ٢٨٥، وقال: "وكان ثقة إن شاء الله" مات سنة ٢٢٢. وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٢٢٨، وروى عن أبيه ويحيى بن معين أنهما قالا فيه: "صدوق". أسباط بن نصر الهمداني: مختلف فيه، وضعفه أحمد، وذكره ابن حبان في الثقات: ٤١٠، ةترجمه البخاري في الكبير ١ / ٢ / ٥٣ فلم يذكر فيه جرحًا، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ١ / ٣٣٢، وروى عن يحيى بن معين قال: "أسباط بن نصر ثقة". وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند، في الحديث ١٢٨٦. إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي: هو السدي الكبير، قرشي بالولاء، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة، من بني عبد مناف، كما نص على ذلك البخاري في تاريخيه: الصغير: ١٤١ - ١٤٢، والكبير ١ / ١ / ٣٦١، وهو تابعي، سمع أنسًا، كما نص على ذلك البخاري أيضًا، وروى عن غيره من الصحابة، وعن كثير من التابعين. وهو ثقة. أخرج له مسلم في صحيحه، وثقه أحمد بن حنبل، فيما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ١ / ١٨٤، وروى أيضًا عن أحمد، قال: "قال لي يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي: السدي ضعيف، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال": وفي الميزان والتهذيب "أن الشعبي قيل له: إن السدي قد أعطي حظًا من علم القرآن، فقال: قد أعطي حظًا من جهل بالقرآن! ". وعندي أن هذه الكلمة من الشعبي قد تكون أساسا لقول كل من تكلم في السدي بغير حق. ولذلك لم يعبأ البخاري بهذا القول من الشعبي، ولم يروه، بل روى في الكبير عن مسدد عن يحيى قال: " سمعت ابن أبي خالد يقول: السدي أعلم بالقرآن من الشعبي". وروى في تاريخيه عن ابن المديني عن يحيى، وهو القطان، قال: "ما رأيت أحدًا يذكر السدي إلا بخير، وما تركه أحد". وفي التهذيب: "قال العجلي: ثقة عالم بالتفسير راوية له". وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند ٨٠٧. وتوفي السدي سنة ١٢٧. و"السدي": بضم السين وتشديد الدال المهملتين، نسبة إلى "السدة"، وهي الباب، لأنه كان يجلس إلى سدة الجامع بالكوفة، ويبيع بها المقانع. أبو مالك: هو الغفاري، واسمه غزوان. وهو تابعي كوفي ثقة. ترجمه البخاري في الكبير ٤ / ١ / ١٠٨، وابن سعد في الطبقات ٦: ٢٠٦، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ٢ / ٥٥، وروى توثيقه يحيى بن معين. أبو صالح: هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، واسمه باذام، ويقال باذان. وهو تابعي ثقة، رجحنا توثيقه في شرح المسند ٢٠٣٠، وترجمه البخاري في الكبير ١ / ٢ / ١٤٤، وروى عن محمد بن بشار، قال: "ترك ابن مهدي حديث أبي صالح". وكذلك روى ابن أبي حاتم في ترجمته في الجرح والتعديل ١ / ١ / ٤٣١ - ٤٣٢ عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي. ولكنه أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " لم أرَ أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان". وروى أيضًا عن يحيى بن معين، قال: " أبو صالح مولى أم هانئ ليس به بأس، فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس، لأن الكلبي يحدث به مرة من رأيه، ومرة عن أبي صالح، ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس". يعني بهذا أن الطعن فيما يروي عنه هو في رواية الكلبي، كما هو ظاهر. هذا عن القسم الأول من هذا الإسناد. فإنه في حقيقته إسنادان أو ثلاثة. أولهما هذا المتصل بابن عباس. والقسم الثاني، أو الإسناد الثاني: "وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود". والذي يروي عن مرة الهمداني: هو السدي نفسه. ومرة: هو ابن شراحيل الهمداني الكوفي، وهو تابعي ثقة، من كبار التابعين، ليس فيه خلاف بينهم. والقسم الثالث، أو الإسناد الثالث: "وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ". وهذا أيضًا من رواية السدي نفسه عن ناس من الصحابة. فالسدي يروي هذه التفاسير لآيات من القرآن: عن اثنين من التابعين عن ابن عباس، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة. وللعلماء الأئمة الأقدمين كلام في هذا التفسير، بهذه الأسانيد، قد يوهم أنه من تأليف من دون السدي من الرواة عنه، إلا أني استيقنت بعدُ، أنه كتاب ألفه السدي. فمن ذلك قول ابن سعد في ترجمة "عمرو بن حماد القناد" ٦: ٢٨٥: "صاحب تفسير أسباط بن نصر عن السدي". وقال في ترجمة "أسباط بن نصر" ٦: ٢٦١: "وكان راوية السدي، روى عنه التفسير". وقال قبل ذلك في ترجمة "السدي" ٦: ٢٢٥: "إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، صاحب التفسير". وقال قبل ذلك أيضًا، في ترجمة "أبي مالك الغفاري" ٦: ٢٠٦: "أبو مالك الغفاري صاحب التفسير، وكان قليل الحديث". ولكن الذي يرجح أنه كتاب ألفه السدي، جمع فيه التفسير، بهذه الطرق الثلاث، قول أحمد بن حنبل في التهذيب ١: ٣١٤، في ترجمة السدي: "إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجئ به، قد جعل له إسنادًا، واستكلفه". وقول الحافظ في التهذيب أيضًا ١: ٣١٥: "قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما، في تفاسيرهم، تفسير السدي، مفرقًا في السور، من طريق أسباط بن نصر عنه". وقول السيوطي في الإتقان ٢: ٢٢٤ فيما نقل عن الخليل في الإرشاد: "وتفسير إسماعيل السدي، يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس. وروى عن السدي الأئمة، مثل الثوري وشعبة. ولكن التفسير الذي جمعه، رواه أسباط بن نصر. وأسباط لم يتفقوا عليه. غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي". ثم قال السيوطي: "وتفسير السدي، [الذي] أشار إليه، يورد منه ابن جرير كثيرًا، من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، و [عن] ناس من الصحابة. هكذا. ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا، لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد. والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء، ويصححه، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس، فقط، دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة". وأول ما نشير إليه في هذه الأقوال: التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر والسيوطي، في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرقًا في تفسيره، كما صنع الطبري، في نقل الحافظ، وأنه أعرض عنه، في نقل السيوطي. ولست أستطيع الجزم في ذلك بشيء، إذ لم أرَ تفسير ابن أبي حاتم. ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر، بأنه أكثر تثبتًا ودقة في النقل من السيوطي. ثم قد صدق السيوطي فيما نقل عن الحاكم. فإنه يروي بعض هذا التفسير في المستدرك، بإسناده، إلى أحمد بن نصر: "حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ". ثم يصححه على شرط مسلم، ويوافقه الذهبي في تلخيصه. من ذلك في المستدرك ٢: ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٧٣، ٣٢١. والحاكم في ذلك على صواب، فإن مسلمًا أخرج لجميع رجال هذا الإسناد. من عمرو بن حماد بن طلحة القناد إلى مرة الهمداني. ولم يخرج لأبي صالح باذام ولا لأبي مالك الغفاري، في القسم الأول من الإسناد الذي روى به السدي تفاسيره. أما كلمة الإمام أحمد بن حنبل في السدي "إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به، قد جعل له إسنادًا واستكلفه" فإنه لا يريد ما قد يفهم من ظاهرها: أنه اصطنع إسنادا لا أصل له؛ إذ لو كان ذلك، لكان -عنده- كذابًا وضاعًا للرواية. ولكنه يريد -فيما أرى، والله أعلم- أنه جمع هذه التفاسير، من روايته عن هؤلاء الناس: عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، ثم ساقها كلها مفصلة، على الآيات التي ورد فيها شيء من التفسير، عن هذا أو ذاك أو أولئك، وجعل لها كلها هذا الإسناد، وتكلف أن يسوقها به مساقًا واحدًا. أعني: أنه جمع مفرق هذه التفاسير في كتاب واحد، جعل له في أوله هذه الأسانيد. يريد بها أن ما رواه من التفاسير في هذا الكتاب، لا يخرج عن هذه الأسانيد. ولا أكاد أعقل أنه يروي كل حرف من هذه التفاسير عنهم جميعا. فهو كتاب مؤلف في التفسير، مرجع فيه إلى الرواية عن هؤلاء، في الجملة، لا في التفصيل. إنما الذي أوقع الناس في هذه الشبهة، تفريق هذه التفاسير في مواضعها، مثل صنيع الطبري بين أيدينا، ومثل صنيع ابن أبي حاتم، فيما نقل الحافظ ابن حجر، ومثل صنيع الحاكم في المستدرك. فأنا أكاد أجزم أن هذا التفريق خطأ منهم، لأنه يوهم القارئ أن كل حرف من هذه التفاسير مروي بهذه الأسانيد كلها، لأنهم يسوقونها كاملة عند كل إسناد، والحاكم يختار منها إسنادًا واحدًا يذكره عند كل تفسير منها يريد روايته. وقد يكون ما رواه الحاكم -مثلا- بالإسناد إلى ابن مسعود، ليس مما روى السدي عن ابن مسعود نصًا. بل لعله مما رواه من تفسير ابن عباس، او مما رواه ناس من الصحابة، روى عن كل واحد منهم شيئًا، فأسند الجملة، ولم يسند التفاصيل. ولم يكن السدي ببدع في ذلك، ولا يكون هذا جرحًا فيه ولا قدحًا. إنما يريد إسناد هذه التفاسير إلى الصحابة، بعضها عن ابن عباس، وبعضها عن ابن مسعود، وبعضها عن غيرهما منهم. وقد صنع غيره من حفاظ الحديث وأئمته نحوًا مما صنع، فما كان ذلك بمطعن فيهم، بل تقبلها الحفاظ بعدهم، وأخرجوها في دواوينهم. ويحض]] ١٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: يوم يَدينُ الله العبادَ بأعمالهم. [[الأثر ١٦٩ - نقله السيوطي ١: ١٤ ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد. وهو ظاهر في رواية الطبري هذه - أنه من مصنف عبد الرزاق. ونسبه الشوكاني ١: ١٢ لهما وللطبري.]] ١٧٠ - وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، ﴿مالك يوم الدين﴾ قال: يوم يُدان الناس بالحساب. [[الأثر ١٧٠ - مضى الكلام على هذا الإسناد: ١٤٤. وأما لفظه فلم يذكره أحد منهم.]]
tabary
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) القول في تأويل قوله : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . قال أبو جعفر: القرَّاء مختلفون في تلاوة ( ملك يَوْمِ الدِّينِ ) . فبعضهم يتلوه " مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ " ، وبعضهم يتلوه (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وبعضهم يتلوه (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) بنصب الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه في ذلك قراءةٌ في " كتاب القراآت " ، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه، والعلة الموجبة صحّة ما اخترنا من القراءة فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع، إذ كان الذي قَصَدْنا له، في كتابنا هذا، البيانَ عن وجوه تأويل آي القرآن، دون وجوه قراءتها. ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب، أن المَلِك من " المُلْك " [ 1-149 ] مشتق، وأن المالك من " المِلْك " مأخوذٌ. فتأويل قراءةِ من قرأ ذلك: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، أن لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية (81) . فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة (82) ، وأنّ له - من دُونهم، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنـزيله: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [سورة غافر: 16] . فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار. وأما تأويلُ قراءة من قرأ: (مالك يوم الدين) ، فما:- 166 - حدثنا به أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، يقول: لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا. ثم قال: لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [سورة النبأ: 38] وقال: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [سورة طه: 108] . وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى (83) [سورة الأنبياء: 28] . قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية، وأصحُّ القراءتين في التلاوة عندي، التأويلُ الأول، وهي قراءةُ من قرأ " مَلِكِ" بمعنى " المُلك " . لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة زيادة المِلك على المالك (84) ، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا . وبعدُ، فإن الله جلّ ذكره، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله (ملِكِ يوم الدين) أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم، ومُصلحُهم، والناظرُ لهم، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة، بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وإذْ كان جلّ ذكره قد أنبأهم عن مِلْكه إيَّاهم كذلك بقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَع ذلك ما لم يحْوِه قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مع قرب ما بين الآيتين من المواصَلة والمجاورة، إذْ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تشبهها حِكمةٌ، وكان في إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه (مالِكِ يوم الدين) ، إعادةُ ما قد مضى من وصفه به في قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ ، مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين. وكان في إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة، لا تفيد سامع ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجة. والذي لم يحْوِه من صفاته جلّ ذكره ما قبل قوله: (مالك يوم الدين) ، المعنى الذي في قوله: (مَلِك يوم الدين) ، وهو وصْفه بأنه الملِك. فبيِّن إذًا أن أولى القراءتين بالصواب، وأحقّ التأويلين بالكتاب، قراءة من قرأه ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ (مالك يوم الدين) الذي بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء، متفرِّدًا به دون سائر خلقه. فإن ظنّ ظانّ أن قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون الآخرة، يوجبُ وصْلَ ذلك بالنبأ عن نفسه أنه: مَنْ مَلَكهم في الآخرة على نحو مِلْكه إياهم في الدنيا بقوله (مالك يوم الدين) - فَقد أغفلَ وظنَّ خطأ (85) . وذلك أنه لو جاز لِظانّ أنْ يظنّ أن قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ محصورٌ معناه على الخبر عن ربوبِيَّة عالم الدنيا دُونَ عالم الآخرة، مع عدم الدلالة على أن مَعنى ذلك كذلك في ظاهر التنـزيل، أو في خبرٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقولٍ، أو بحجّة موجودة في المعقول - لجاز لآخر أن يظنّ أن ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نـزل قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ ، دون سائر ما يحدث بعدَه في الأزمنة الحادثة من العالمين. إذْ كان صحيحًا بما قد قدّمنا من البيان، أنّ عالمَ كل زمان غير عالم الزمان الذي بعده. فإن غَبِيَ - عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا - ذو غباء، فإنّ في قول الله جل ثناؤه: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [سورة الجاثية: 16] دلالةً واضحةً على أنّ عالم كلّ زمان، غيرُ عالم الزمان الذي كان قَبله، وعالم الزمان الذي بعدَه، إذْ كان الله جلّ ثناؤه قد فضّل أمّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الخالية، وأخبرهم بذلك في قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية [سورة آل عمران: 110] . فمعلومٌ بذلك أن بَني إسرائيل في عصر نبينا لم يكونوا -مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم- أفضلَ العالمين، بل كانَ أفضلَ العالمين في ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة، المؤمنون به المتَّبِعون منهاجهُ، دون من سِواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه. وإذْ كان بيِّنًا فساد تأويل متأوِّلٍ لو تأوّل قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ أنه معنيٌّ به ص [ 1-152 ] أن الله ربُّ عَالمي زَمن نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، دون عالمي سائر الأزمنة غيره - كان واضحًا فساد قول من زعم أنّ تأويلَهُ: ربُّ عالَمِ الدنيا دُون عالَمِ الآخرة، وأنّ " مالك يوم الدين " استحقَّ الوصلَ به ليُعلَم أنه في الآخرة من مِلْكِهم ورُبُوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا. ويُسْأل زاعم ذلك، الفرقَ بينه وبين متحكم مثله - في تأويل قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ ، تحكَّم فقال: إنه إنما عنى بذلك أنه ربّ عالمي زمان محمّد صلى الله عليه وسلم، دون عالمي غيره من الأزمان الماضية قبله، والحادثة بعده، كالذي زعم قائل هذا القول: أنه عَنى به عالمي الدنيا دُون عالمي الآخرة - من أصل أو دلالة (86) . فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله. وأما الزاعم أن تأويل قوله (مالك يوم الدين) أنه الذي يملكُ إقامة يَوم الدين، فإن الذي ألزمْنا قَائلَ هذا القول الذي قبله - له لازمٌ. إذْ كانت إقامةُ القيامة، إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك، في الدار التي أعَدّ الله لهم فيها ما أعدّ. وُهمُ العالَمون الذين قد أخبر جلّ ذكره عنهم أنه ربُّهم في قوله رَبِّ الْعَالَمِينَ . وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ (مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ، فإنه أراد: يا مالك يوم الدين، فنصَبه بنيّة النداء والدعاء، كما قال جلّ ثناؤه: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [سورة يوسف: 29] بتأويل: يا يوسف أعرضْ عن هذا، وكما قال الشاعر من بني أسد، وهو شعر -فيما يقال- جاهلي: إنْ كُــنْتَ أَزْنَنْتَنــي بِهَــا كَذِبًـا جَــزْءُ, فلاقَيْــتَ مِثْلَهَــا عَجِـلا (87) يريد: يا جزءُ، وكما قال الآخر: كَــذَبْتُمْ وبيــتِ اللـه لا تَنْكِحُونَهَـا, بَنـي شَـاب قَرْنَاهـا تَصُـرُّ وتَحْـلبُ (88) يريد: يا بني شابَ قرْناها. وإنما أوْرطه في قراءة ذلك - بنصب الكاف من " مالك " ، على المعنى الذي وصفتُ - حيرتهُ في توجيه قَوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وِجْهَته، مع جر (مالك يوم الدين) وخفضِه. فظنّ أنّه لا يصحّ معنى ذلك بعد جرِّه (مالك يوم الدين) ، فنصب: " مالكَ يوم الدين " ليكون إِيَّاكَ نَعْبُدُ له خطابًا. كأنه أراد: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نَستعين . ولو كان عَلم تأويل أول السورة، وأن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أمرٌ من الله عبدَه بقيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس: أن جبريلَ قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ذكره: قل يا محمد، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وقل أيضًا يا محمد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (89) - وكان عَقَل (90) عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكَت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القولَ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب، وتخبرَ عن الغائب ثم تعودَ إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلتُ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ، وقد قلتُ لأخيك: لو قام لقمتُ (91) - لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وجْهتُه من جر " مالك يوم الدين " . ومن نظير " مالك يوم الدين " مجرورًا، ثم عَوْده إلى الخطاب بـ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، لما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبي كبير الهُذَلي: يَـا لَهْـفَ نَفْسـي كـان جِـدَّةُ خَـالِدٍ وَبَيَــاضُ وَجْـهِكَ للـتُّرابِ الأَعْفَـرِ (92) فرجعَ إلى الخطاب بقوله: " وبياضُ وَجْهك " ، بعد ما قد مضى الخبرُ عن خالد على معنى الخبر عن الغائب. ومنه قول لبيد بن ربيعة: بَــاتَتْ تَشَـكَّى إلـيّ النَّفْسُ مُجْهِشَـةً وقــد حَـمَلْتُكِ سَـبْعًا بَعْـدَ سَـبْعِينَا (93) فرجع إلى مخاطبة نفسه، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب. ومنه قول الله ، وهو أصدق قيلٍ وأثبتُ حجةٍ: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس: 22] ، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم . والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه. فقراءة: " مالكَ يوم الدين " محظورة غير جائزة، لإجماع جميع الحجة من القرّاء وعلماء الأمة على رَفض القراءة بها. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: يَوْمِ الدِّينِ . قال أبو جعفر: والدين في هذا الموضع، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جُعَيْل: إِذَا مَـــا رَمَوْنَـــا رَمَيْنَـــاهُم ودِنَّــاهُمُ مِثْــلَ مــا يُقْرِضُونَــا (94) وكما قال الآخر: وَاعْلَــمْ وأَيْقِــنْ أنَّ مُلْكـكَ زائـلٌ واعلــمْ بــأَنَّكَ مَــا تـدِينُ تُـدَانُ (95) يعني: ما تَجْزِي تُجازى. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ - يعني: بالجزاء - وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [سورة الانفطار: 9 ، 10] يُحصون ما تعملون من الأعمال، وقوله تعالى فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [سورة الواقعة: 86] ، يعني غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسَبين. وللدين معانٍ في كلام العرب، غير معنى الحساب والجزاء، سنذكرها في أماكنها إن شاء الله. ص [ 1-156 ] وبما قُلنا في تأويل قوله (يوم الدين) جاءت الآثار عن السلف من المفسِّرين، مع تصحيح الشواهد تأويلَهم الذي تأوّلوه في ذلك. 167 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: (يَوْمِ الدِّينِ) ، قال: يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا من عَفا عنه، فالأمرُ أمرُه. ثم قال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [سورة الأعراف: 54] . (96) 168 - وحدثني موسى بن هارون الهَمْدَاني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القَنَّاد، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، هو يوم الحساب. (97) 169 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعمر، عن قتادة في قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال: يوم يَدينُ الله العبادَ بأعمالهم. (98) 170 - وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، (مالك يوم الدين) قال: يوم يُدان الناس بالحساب. (99) --------- الهوامش : (81) الجبرية والجبروت واحد ، وهو من صفات الله العلي . الجبار : القاهر فوق عباده ، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي ، سبحانه وتعالى . (82) الصغرة جمع صاغر : وهو الراضي بالذل المقر به . والأذلة جمع ذليل . (83) الخبر 166 - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد 137 . وهذا الخبر ، مع باقيه الآتي 167 نقله ابن كثير 1 : 46 دون إسناد ولا نسبة ، ونقله السيوطي 1 : 14 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . وقال ابن كثير : " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف . وهو ظاهر" . (84) في المخطوطة : "الملك على الملك" ، وهما سواء . (85) قوله "أغفل" ، فعل لازم غير متعد . ومعناه : دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما ، وهي عربية معرقة ، وإن لم توجد في المعاجم ، وهي كقولهم : أنجد ، دخل نجدًا ، وأشباهها . وحسبك بها عربية أنها لغة الشافعي ، أكثر من استعمالها في الرسالة والأم . من ذلك قوله في الرسالة : 42 رقم : 136 : "وبالتقليد أغفل من أغفل منهم" . (86) سياق العبارة : "ويسأل زاعم ذلك ، الفرق . . . من أصل أو دلالة " ، وما بينهما فصل . (87) الشعر لجاهلي مخضرم هو حضرمي بن عامر الأسدي ، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني أسد فأسلموا جميعًا . وسبب قوله هذا الشعر : أن إخوته كانوا تسعة ، فجلسوا على بئر فانخسفت بهم ، فورثهم ، فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع ، وقال له : من مثلك؟ مات إخوتك فورثتهم ، فأصبحت ناعمًا جذلا . وما كاد ، حتى جلس جزء وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته ونجا هو ، فبلغ ذلك حضرميًا فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كلمة وافقت قدرًا وأبقت حقدًا . يعني قوله لجزء : "فلاقيت مثلها عجلا" . وأزننته بشيء : اتهمته به . انظر أمالي القالي 1 : 67 ، والكامل 1 : 41 - 42 وغيرهما . (88) نسبه في اللسان (قرن) ومجاز القرآن : 100 إلى رجل من بني أسد والبيت في سيبويه 1 : 295 / 2 : 7 ، 65 ، وهو شاهد مشهور . "وبني شاب قرناها" يعني قومًا ، يقول : بني التي يقال لها : شاب قرناها ، أي يا بني العجوز الراعية ، لا هم لها إلا أن تصر ، أي تشد الصرار على الضرع حتى تجتمع الدرة ، ثم تحلب . وذلك ذم لها . والقرن : الضفيرة . (89) انظر : 151 ، 155 . (90) عطف على قوله : " ولو كان علم . . . " . (91) جواب " لو كان علم . . . وكان عقل " . (92) ديوان الهذليين 2 : 101 . في المطبوعة : "جلدة" وهو خطأ وقوله "جدة" يعني شبابه الجديد . والجدة : نقيض البلى . والتراب الأعفر : الأبيض ، قل أن يطأه الناس لجدبه . وخالد : صديق له من قومه ، يرثيه . (93) القسم الثاني من ديوانه : 46 ، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء : ص 50 وذكر البيت وبيتًا معه ، أنهما قد رويا عن الشعبي (ابن سعد 6 : 178) ، وهما يحملان على لبيد ، ثم قال : "ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث ، ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك لا تستقصي" . أجهش بالبكاء : تهيأ له وخنقه بكاؤه . (94) الكامل للمبرد 1 : 191 ، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم 1 : 52 ، المخصص 17 : 155 . (95) الكامل للمبرد 1 : 192 منسوبًا إلى يزيد بن أبي الصعق الكلابي ، وكذلك في جمهرة الأمثال للعسكري : 196 ، والمخصص 17 : 155 ، وفي اللسان (زنأ) و (دان) منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلابي ، وفي الخزانة 4 : 230 إلى بعض الكلابيين . يقولون : إن الحارث بن أبي شمر الغساني كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها ، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابي ، وكان أبوها غائبًا ، فلما قدم أخبر . فوفد إليه فوقف بين يديه وقال : يَـا أَيُّهَـا المَلِـكُ المُقِيـتُ ! أمَا تَـرى لَيْــلاً وصُبْحًــا كَـيْف يَخْتَلِفَـانِ ? هَـلْ تَسْـتَطِيعُ الشَّـمْسَ أن تَـأتِي بها لَيْــلاً ? وهـل لَـكَ بِـالْمَلِيك يَـدَانِ? يَــا حَـارِ, أيْقِـنْ أنَّ مـُلْكَـكَ زَائِـلٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (96) الخبر 167 - سبق تخريجه في الخبر 166 . (97) الخبر 168 - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري ، إن لم يكن أكثرها ، فلا يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا الإسناد . وقد عرض الطبري نفسه في (ص 121 بولاق ، سطر : 28 وما بعده) ، فقال ، وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا الإسناد : "فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كان بإسناده مرتابًا . . . . " . ولم يبين علة ارتيابه في إسناده ، وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به . ولكنه لم يجعلها حجة قط . بيد أني أراه إسنادا يحتاج إلى بحث دقيق . ولأئمة الحديث كلام فيه وفي بعض رجاله . وقد تتبعت ما قالوا وما يدعو إليه بحثه ، ما استطعت ، وبدا لي فيه رأي ، أرجو أن يكون صوابًا ، إن شاء الله . وما توفيقي إلا بالله : أما شيخ الطبري ، وهو "موسى بن هارون الهمداني" : فما وجدت له ترجمة ، ولا ذكرًا في شيء مما بين يدي من المراجع ، إلا ما يرويه عنه الطبري أيضًا في تاريخه ، وهو أكثر من خمسين موضعًا في الجزئين الأول والثاني منه . وما بنا حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل ، فإن هذا التفسير الذي يرويه عن عمرو بن حماد ، معروف عند أهل العلم بالحديث . وما هو إلا رواية كتاب ، لا رواية حديث بعينه . "وعمرو بن حماد" : هو عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، وقد ينسب إلى جده ، فيقال عمرو بن طلحة ، وهو ثقة ، روى عنه مسلم في صحيحه ، وترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 285 ، وقال : "وكان ثقة إن شاء الله" مات سنة 222 . وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 228 ، وروى عن أبيه ويحيى بن معين أنهما قالا فيه : "صدوق" . أسباط بن نصر الهمداني : مختلف فيه ، وضعفه أحمد ، وذكره ابن حبان في الثقات : 410 ، ةترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 53 فلم يذكر فيه جرحًا ، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 332 ، وروى عن يحيى بن معين قال : "أسباط بن نصر ثقة" . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند ، في الحديث 1286 . إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي : هو السدي الكبير ، قرشي بالولاء ، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ، من بني عبد مناف ، كما نص على ذلك البخاري في تاريخيه : الصغير : 141 - 142 ، والكبير 1 / 1 / 361 ، وهو تابعي ، سمع أنسًا ، كما نص على ذلك البخاري أيضًا ، وروى عن غيره من الصحابة ، وعن كثير من التابعين . وهو ثقة . أخرج له مسلم في صحيحه ، وثقه أحمد بن حنبل ، فيما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 184 ، وروى أيضًا عن أحمد ، قال : "قال لي يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي : السدي ضعيف ، فغضب عبد الرحمن ، وكره ما قال" : وفي الميزان والتهذيب "أن الشعبي قيل له : إن السدي قد أعطي حظًا من علم القرآن ، فقال : قد أعطي حظًا من جهل بالقرآن!" . وعندي أن هذه الكلمة من الشعبي قد تكون أساسا لقول كل من تكلم في السدي بغير حق . ولذلك لم يعبأ البخاري بهذا القول من الشعبي ، ولم يروه ، بل روى في الكبير عن مسدد عن يحيى قال : " سمعت ابن أبي خالد يقول : السدي أعلم بالقرآن من الشعبي" . وروى في تاريخيه عن ابن المديني عن يحيى ، وهو القطان ، قال : "ما رأيت أحدًا يذكر السدي إلا بخير ، وما تركه أحد" . وفي التهذيب : "قال العجلي : ثقة عالم بالتفسير راوية له" . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند 807 . وتوفي السدي سنة 127 . و "السدي" : بضم السين وتشديد الدال المهملتين ، نسبة إلى "السدة" ، وهي الباب ، لأنه كان يجلس إلى سدة الجامع بالكوفة ، ويبيع بها المقانع . أبو مالك: هو الغفاري ، واسمه غزوان . وهو تابعي كوفي ثقة . ترجمه البخاري في الكبير 4 / 1 / 108 ، وابن سعد في الطبقات 6 : 206 ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 2 / 55 ، وروى توثيقه يحيى بن معين . أبو صالح : هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، واسمه باذام ، ويقال باذان . وهو تابعي ثقة ، رجحنا توثيقه في شرح المسند 2030 ، وترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 144 ، وروى عن محمد بن بشار ، قال : "ترك ابن مهدي حديث أبي صالح" . وكذلك روى ابن أبي حاتم في ترجمته في الجرح والتعديل 1 / 1 / 431 - 432 عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي . ولكنه أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان ، قال : " لم أرَ أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ ، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا ، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان" . وروى أيضًا عن يحيى بن معين ، قال : " أبو صالح مولى أم هانئ ليس به بأس ، فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء ، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس ، لأن الكلبي يحدث به مرة من رأيه ، ومرة عن أبي صالح ، ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس" . يعني بهذا أن الطعن فيما يروي عنه هو في رواية الكلبي ، كما هو ظاهر . هذا عن القسم الأول من هذا الإسناد . فإنه في حقيقته إسنادان أو ثلاثة . أولهما هذا المتصل بابن عباس . والقسم الثاني ، أو الإسناد الثاني : "وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود" . والذي يروي عن مرة الهمداني : هو السدي نفسه . ومرة : هو ابن شراحيل الهمداني الكوفي ، وهو تابعي ثقة ، من كبار التابعين ، ليس فيه خلاف بينهم . والقسم الثالث ، أو الإسناد الثالث : "وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" . وهذا أيضًا من رواية السدي نفسه عن ناس من الصحابة . فالسدي يروي هذه التفاسير لآيات من القرآن : عن اثنين من التابعين عن ابن عباس ، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود ، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة . وللعلماء الأئمة الأقدمين كلام في هذا التفسير ، بهذه الأسانيد ، قد يوهم أنه من تأليف من دون السدي من الرواة عنه ، إلا أني استيقنت بعدُ ، أنه كتاب ألفه السدي . فمن ذلك قول ابن سعد في ترجمة "عمرو بن حماد القناد" 6 : 285 : "صاحب تفسير أسباط بن نصر عن السدي" . وقال في ترجمة "أسباط بن نصر" 6 : 261 : "وكان راوية السدي ، روى عنه التفسير" . وقال قبل ذلك في ترجمة "السدي" 6 : 225 : "إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، صاحب التفسير" . وقال قبل ذلك أيضًا ، في ترجمة "أبي مالك الغفاري" 6 : 206 : "أبو مالك الغفاري صاحب التفسير ، وكان قليل الحديث" . ولكن الذي يرجح أنه كتاب ألفه السدي ، جمع فيه التفسير ، بهذه الطرق الثلاث ، قول أحمد بن حنبل في التهذيب 1 : 314 ، في ترجمة السدي : "إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجئ به ، قد جعل له إسنادًا ، واستكلفه" . وقول الحافظ في التهذيب أيضًا 1 : 315 : "قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما ، في تفاسيرهم ، تفسير السدي ، مفرقًا في السور ، من طريق أسباط بن نصر عنه" . وقول السيوطي في الإتقان 2 : 224 فيما نقل عن الخليل في الإرشاد : "وتفسير إسماعيل السدي ، يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس . وروى عن السدي الأئمة ، مثل الثوري وشعبة . ولكن التفسير الذي جمعه ، رواه أسباط بن نصر . وأسباط لم يتفقوا عليه . غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي" . ثم قال السيوطي : "وتفسير السدي ، [الذي] أشار إليه ، يورد منه ابن جرير كثيرًا ، من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، و [عن] ناس من الصحابة . هكذا . ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا ، لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد . والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ، ويصححه ، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس ، فقط ، دون الطريق الأول ، وقد قال ابن كثير : إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة" . وأول ما نشير إليه في هذه الأقوال : التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر والسيوطي ، في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرقًا في تفسيره ، كما صنع الطبري ، في نقل الحافظ ، وأنه أعرض عنه ، في نقل السيوطي . ولست أستطيع الجزم في ذلك بشيء ، إذ لم أرَ تفسير ابن أبي حاتم . ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر ، بأنه أكثر تثبتًا ودقة في النقل من السيوطي . ثم قد صدق السيوطي فيما نقل عن الحاكم . فإنه يروي بعض هذا التفسير في المستدرك ، بإسناده ، إلى أحمد بن نصر : "حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" . ثم يصححه على شرط مسلم ، ويوافقه الذهبي في تلخيصه . من ذلك في المستدرك 2 : 258 ، 260 ، 273 ، 321 . والحاكم في ذلك على صواب ، فإن مسلمًا أخرج لجميع رجال هذا الإسناد . من عمرو بن حماد بن طلحة القناد إلى مرة الهمداني . ولم يخرج لأبي صالح باذام ولا لأبي مالك الغفاري ، في القسم الأول من الإسناد الذي روى به السدي تفاسيره . أما كلمة الإمام أحمد بن حنبل في السدي "إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به ، قد جعل له إسنادًا واستكلفه" فإنه لا يريد ما قد يفهم من ظاهرها : أنه اصطنع إسنادا لا أصل له ؛ إذ لو كان ذلك ، لكان -عنده- كذابًا وضاعًا للرواية . ولكنه يريد -فيما أرى ، والله أعلم- أنه جمع هذه التفاسير ، من روايته عن هؤلاء الناس : عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، ثم ساقها كلها مفصلة ، على الآيات التي ورد فيها شيء من التفسير ، عن هذا أو ذاك أو أولئك ، وجعل لها كلها هذا الإسناد ، وتكلف أن يسوقها به مساقًا واحدًا . أعني : أنه جمع مفرق هذه التفاسير في كتاب واحد ، جعل له في أوله هذه الأسانيد . يريد بها أن ما رواه من التفاسير في هذا الكتاب ، لا يخرج عن هذه الأسانيد . ولا أكاد أعقل أنه يروي كل حرف من هذه التفاسير عنهم جميعا . فهو كتاب مؤلف في التفسير ، مرجع فيه إلى الرواية عن هؤلاء ، في الجملة ، لا في التفصيل . إنما الذي أوقع الناس في هذه الشبهة ، تفريق هذه التفاسير في مواضعها ، مثل صنيع الطبري بين أيدينا ، ومثل صنيع ابن أبي حاتم ، فيما نقل الحافظ ابن حجر ، ومثل صنيع الحاكم في المستدرك . فأنا أكاد أجزم أن هذا التفريق خطأ منهم ، لأنه يوهم القارئ أن كل حرف من هذه التفاسير مروي بهذه الأسانيد كلها ، لأنهم يسوقونها كاملة عند كل إسناد ، والحاكم يختار منها إسنادًا واحدًا يذكره عند كل تفسير منها يريد روايته . وقد يكون ما رواه الحاكم -مثلا- بالإسناد إلى ابن مسعود ، ليس مما روى السدي عن ابن مسعود نصًا . بل لعله مما رواه من تفسير ابن عباس ، او مما رواه ناس من الصحابة ، روى عن كل واحد منهم شيئًا ، فأسند الجملة ، ولم يسند التفاصيل . ولم يكن السدي ببدع في ذلك ، ولا يكون هذا جرحًا فيه ولا قدحًا . إنما يريد إسناد هذه التفاسير إلى الصحابة ، بعضها عن ابن عباس ، وبعضها عن ابن مسعود ، وبعضها عن غيرهما منهم . وقد صنع غيره من حفاظ الحديث وأئمته نحوًا مما صنع ، فما كان ذلك بمطعن فيهم ، بل تقبلها الحفاظ بعدهم ، وأخرجوها في دواوينهم . ويحضرني الآن من ذلك صنيع معاصره : ابن شهاب الزهري الإمام . فقد روى قصة حديث الإفك ، فقال : "أخبرني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله مما قالوا . وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصًا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني ، وبعض حديثهم يصدق بعضا " ، إلخ . فذكر الحديث بطوله . وهو في صحيح مسلم 2 : 333 - 335 . وسيأتي في تفسير الطبري (18 : 71 - 74 بولاق) . ورواه الإمام أحمد والبخاري في صحيحه ، كما في تفسير ابن كثير 6 : 68 - 73 . ثم قال ابن كثير : " وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك ، قال : " وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة " . وإسناد ابن إسحاق الأخير في الطبري أيضًا . والإسنادان كلاهما رواهما ابن إسحاق عن الزهري ، في السيرة (ص 731 من سيرة ابن هشام) . والمثل على ذلك كثيرة ، يعسر الآن تتبعها . وقد أفادنا هذا البحث أن تفسير السدي من أوائل الكتب التي ألفت في رواية الأحاديث والآثار . وهو من طبقة عالية ، من طبقة شيوخ مالك من التابعين . وبعد : فأما هذا الخبر بعينه ، فقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 ، بالإسناد الذي أشرنا إليه ، من رواية السدي عن مرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة . وقال : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" . وافقه الذهبي . ونقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 14 عن ابن جرير والحاكم ، وصححه ، عن ابن مسعود وناس من الصحابة " . (98) الأثر 169 - نقله السيوطي 1 : 14 ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد . وهو ظاهر في رواية الطبري هذه - أنه من مصنف عبد الرزاق . ونسبه الشوكاني 1 : 12 لهما وللطبري . (99) الأثر 170 - مضى الكلام على هذا الإسناد : 144 . وأما لفظه فلم يذكره أحد منهم .
thaalabi — الجواهر الحسان
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: الدِّينُ في كلام العربِ على أنحاء، وهو هنا الجزاءُ يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها قاله ابن عباس [[أخرجه ابن جرير (9/ 292) (25889) ، وذكره السيوطي في «الدر» (5/ 65) عن ابن عباس، والقرطبي (1/ 125) .]] وغيره مَدِينِينَ: محاسَبِينَ [[أخرجه ابن جرير (10/ 491) برقم (29383) ، عن قتادة، و (10/ 491) رقم (29384) ، عن السدي. وذكره السيوطي في «الدر» (5/ 519) ، والقرطبي (1/ 125) .]] ، وحكى أهل اللغة: دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْناً بفتح الدال، ودينا بكسرها: جزيته ومنه قول الشاعر: [الكامل] واعلم يَقِيناً أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... واعلم بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ [[ينظر: «مجاز القرآن» (1/ 23) ، «الكامل» (1/ 426) ، «إعراب ثلاثين سورة» لابن خالويه (241) ، «الجمهرة» (2/ 306) ، «الخزانة» (4/ 230) ، «جمهرة الأمثال» للعسكري (169) ، «المخصص» (17/ 155) ، «تفسير الطبري» (1/ 155) ، «القرطبي» (1/ 101) ، «الدر المصون» (1/ 72) ، «اللسان والتاج» (دين) .]] إِيَّاكَ نَعْبُدُ: نطق المؤمن به إِقرار بالربوبية، وتذلُّل وتحقيق لعبادة اللَّه وقدَّم «إِيَّاكَ» على الفعل اهتماما، وشأن العرب تقديم الأَهَمِّ، واختلف النحويُّون في «إِياك» [[اختلف النحويون في «ايا» هل هو من قبيل الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ فالجمهور على أنه مضمر، وقال الزجاج: هو اسم ظاهر. وقال ابن درستويه. إنه بين الظاهر والمضمر. وقال الكوفيون: مجموع «ايا» ولواحقها هو الضمير. والقائلون بأنه ضمير اختلفوا فيه على أربعة أقوال: أحدها: أنه كله ضمير. والثاني: أن «ايا» وحده ضميره، وما بعده اسم مضاف إليه يبين ما يراد به من تكلم، وغيبة، وخطاب. والثالث: أن «ايا» عماد، وما بعده هو الضمير، وشذت إضافته إلى الظاهر في قولهم: «إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وايا الشواب» بإضافة «ايا» إلى الشواب. وهذا يؤيد قول من جعل الكاف والهاء والياء في محل جر إذا قلت: إياك، إياه، إياي. ينظر: «الدر المصون» (1/ 73) ، و «همع الهوامع» (1/ 61) ، و «الكتاب» (2/ 355) ، و «شرح الكافية» (2/ 12) ، و «سر صناعة الإعراب» (1/ 311) ، و «شرح المفصل» (3/ 98) ، و «الإنصاف» (2/ 695) .]] ، فقال الخليلُ [[الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، الفراهيدي، الأزدي، اليحمدي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة (100) هـ. في البصرة. من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، عاش فقيرا صابرا. قال النضر بن شميل: ما رأى الراءون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه. فكر في ابتكار طريقة في الحساب تسهله على العامة فدخل المسجد وهو يعمل فكره فصدمته سارية وهو غافل، فكانت سبب موته سنة (170) هـ. ب «البصرة» . من كتبه «العين» ، و «معاني الحروف» ، و «العروض» ، و «النغم» . ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 172) ، «إنباه الرواة» (1/ 341) ، «نزهة الجليس» (1/ 80) ، «الأعلام» (2/ 314) .]] : «إيَّا» : اسم مضمر أضيف إِلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكى عن العرب: «إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابِّ» ، وقال المبرِّد: إِيَّا: اسمٌ مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن كَيْسَانَ [[محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن المعروف ب «ابن كيسان» : عالم بالعربية من أهل «بغداد» ، أخذ عن المبرد وثعلب، من كتبه «المهذب» في النحو، «غريب الحديث» ، «معاني القرآن» ، «المختار في علل النحو» توفي من (299) هـ. ينظر: «إرشاد الأريب» (6/ 280) ، «معجم المطبوعات» (229) . «نزهة الألباء» (301) ، «شذرات الذهب» (2/ 232) ، «كشف الظنون» (1703) ، «مصابيح الكتاب» ، «الأعلام» (5/ 308) .]] عن بعض الكوفيِّين أنَّ «إِيَّاكَ» بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغيَّر آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء والياء هو الاسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها، ولا تكون إِلا متصلات، فإذا تقدَّمت الأفعال جعل «إِيَّا» عماداً لها، فيقال: إِيَّاكَ، وإِيَّاهُ، وإِيَّايَ، فإِذا تأخرت، اتصلت بالأفعال، واستغني عن «إيّا» . ونَعْبُدُ: معناه: نقيم الشرع والأوامر مع تذلُّل واستكانةٍ، والطريقْ المذلَّل يقال له معبَّدٌ، وكذلك البعير. ونَسْتَعِينُ معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرّ من الأصنام.
thalabi — الكشف والبيان
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [[سورة الفاتحة: 4.]] . اختلف القراء فيه من عشرة أوجه: الوجه الأول: مالِكِ- بالألف وكسر الكاف- على النعت، وهو قراءة النبي ﷺ‎ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرّحمن بن عوف وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي ذر وأبي هريرة وأنس ومعاوية، ومن التابعين وأتباعهم عمر بن عبد العزيز ومحمد بن شهاب الزهري ومسلمة بن زيد والأسود بن يزيد وأبو عبد الرّحمن السلمي وسعيد بن جبير وأبو رزين وإبراهيم وطلحة بن عوف وعاصم بن أبي النجود و. [[بياض في المخطوط.]] .. بن عمر الهمذاني وشيبان ابن عبد الرّحمن وعلي بن صالح بن حي وابن أبي ليلى وعبد الله بن إدريس وعلي بن حمزة الكسائي وخلف بن هشام والحسين بن أبي الحسن البصري من أهل البصرة وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن سيرين وبكر بن عبد الله المزني وقتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن يعمر.. [[بياض في المخطوط.]] .. وعيسى بن عمر النفعي وسلام بن سليمان أبو المنذر ويعقوب بن أعين الحضرمي وأيوب بن المتوكل وأبو عبيدة و.. [[بياض في المخطوط.]] .. وسعيد بن مسعدة الأخفش وخالد بن معدان والضحاك بن مزاحم. أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب وأخبرنا أبو العباس الأصمّ، أخبرنا ابن عبد الحكم: حدّثنا.. [[بياض في المخطوط.]] .. بن سويد الحميري عن يونس عن يزيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ‎ وأبا بكر وعمر كانوا يقرءون: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وأخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن محمد بن خلف العطار، حدّثنا المنذر بن المنذر الفارسي، حدّثنا هارون بن حاتم، حدّثنا إسحاق بن منصور الأسدي عن أبي إسحاق.. [[بياض في المخطوط.]] .. عن مالك بن دينار عن أنس قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر وعثمان وعليّا يقرءون: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأوّل من قرأها: (ملك يوم الدين) مروان بن الحكم. والوجه الثاني: ملك، بغير ألف وكسر الكاف على التفسير أيضا، وهو قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وشعيب بن يزيد والمسور بن المخرمة ومن التابعين وأتباعهم عروة بن الزبير وأبو بكر بن عمر بن حزم ومروان بن الحكم و.. [[بياض في المخطوط.]] .. وعبد الرّحمن بن هرمز الأعرج وأبان بن عثمان وأبو جعفر يزيد بن المفضل ونسيبة بن نصّاح ونافع بن نعيم ومجاهد وابن كثير وابن محسن وحميد بن معين ويحيى بن وثاب وحمزة بن حبيب ومحمد بن سيرين وعبد الله بن عمر وأبو عمرو بن العلاء وعمرو بن.. [[بياض في المخطوط.]] .. وعبد الله بن عامر النصيبي. وروي ذلك أيضا عن رسول الله ﷺ‎ وعن عثمان وعلي عليه السّلام. أخبرنا ابن حمدويه، أخبرنا أبن أيوب [المنقري] : أخبرنا ابن حامد [[وهو الوزان.]] وابن.. [[بياض في المخطوط.]] .. قالا: أخبرنا حامد بن محمّد، حدّثنا وأخبرنا ابن عمر، حدّثنا الرفاء، قالوا: حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو عبيد، حدّثنا يحيى بن سعيد القطّان، حدّثنا عبد الملك بن جريج عن عبد الله ابن أبي مليكة عن أمّ سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ‎ يقطّع قراءة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ. والوجه الثالث: ملك- بجزم اللام- على النعت، وهو رواية الحسن بن عليّ الجعفي وعبد الوارث بن سعيد، وروي عن ابن عمر. والوجه الرابع: أنّ مالكَ- بالألف ونصب الكاف- على النداء، وهي قراءة الأعمش ومحمد بن [السميقع] وعبد الملك قاضي الجند، وروي ذلك عن الرسول ﷺ‎ قال في بعض غزواته: «يا مالك يوم الدين» [[مجمع الزوائد: 5/ 328.]] [26] . والوجه الخامس: ملك- بنصب الكاف من غير ألف- على النداء أيضا، وهي قراءة عطية.. [[بياض في المخطوط.]] .. والوجه السادس: مالكُ- بالألف ورفع الكاف- على معنى: هو مالك، وهي قراءة عزير العقيلي. والوجه السابع: ملك- برفع الكاف من غير ألف- وهي قراءة أبي حمزة وابن سيرين. والوجه الثامن: مالك، بالإمالة والإضجاع البليغ. روي ذلك عن يحيى بن يعمر. وعن أيوب السختياني بين الإمالة والتفخيم.. [[بياض في المخطوط.]] .. عن.. [[بياض في المخطوط.]] .. عن الكلبي. والوجه التاسع: (ملك يوم الدين) على الفعل، وهي قراءة الحسن ويحيى بن يعمر وأبي حمزة وأبي حنيفة. الفرق بين ملك ومالِكِ [أما] الفرق بين مالِكِ وملك فقال قوم: هما لغتان بمعنى واحد، مثل (فرهين) و (فارِهِينَ) و (حذرين) و (حاذرين) و (فَكِهِينَ) و (فاكِهِينَ) .. [[بياض في المخطوط.]] .. بينهما، فقال أبو عبيدة والأصمعي وأبو سالم والأخفش وأبو الهيثم: مالِكِ أجمع وأوسع وأمدح، ألا ترى أنه يقال: الله مالك الطير والدواب والوحش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، وإنما يقال: مَلِكِ النَّاسِ؟ قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلّا هو يملكه ويكون ملك الشيء وهو لا يملكه، كقولهم: ملك العرب والعجم والروم. وقالوا أيضا: إن (المالك) يجمع الفعل والاسم. وقال بعضهم: في (مالِكِ) .. [[بياض في المخطوط.]] .. ومالِكِ قوله ﷺ‎: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات» [[البرهان: 1/ 445.]] [27] . وقال أبو عبيد: الذي نختار ملك.. [[بياض في المخطوط.]] .. مرويا عن النبي ﷺ‎ أثبت. ومن قرأ بها من أهل العلم أكثر. وهي مع هذا في المعنى أصحّ لقوله تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [[سورة طه: 114.]] ، و: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [[سورة الحشر: 23.]] ، و: مَلِكِ النَّاسِ [[سورة الناس: 2.]] ، و: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [[سورة غافر: 16.]] ، ولم يقل: لمن الملك اليوم؟ والملك مصدر الملك وغيره، وملك يصلح للمالك والمليك، يقال: ملك الشيء يملكه ملكا، فهو مالك ومليك، و: ملكه يملكه ملكا فهو ملك لا غير. وهما بعد الناس، ومعناهما الربّ لأن العرب تقول: رب الدار والعبد والضيعة بمعنى أنه مالكها، ولا يفرّقون بين قولهم: ربّها ومالكها ومن.. [[بياض في المخطوط.]] .. قال: إن المالك والملك هو القادر على استخراج الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر في الحقيقة على إخراجها إلّا الله المالك، قال النبي ﷺ‎: «لا ملك إلّا الله» [[مجمع الزوائد: 10/ 44.]] [28] . فأما غيره، فيسمى مالكا وملكا على المجاز. والمراد بذلك: أنه مأذون له في التصرّف فيه. وقال عبد العزيز بن يحيى: المالك يمكن بما يملكه، منفرد به عن أبناء جنسه، تعود منافعه إليه، والمالك الثاني الذي بيده الشيء، ويستولي عليه، ويصرفه فيما يريده. تقول العرب: ملّكك زمام البعير، وملكت العجين إذا شددته، وأملكت المرأة إملاكا، قال الشاعر: وجبرئيل أمين الله أملكها معنى قوله: الدِّينِ وأما معنى قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فقال ابن عباس والسدي ومقاتل: قاضي يوم الحساب. ودليله قوله عزّ وجلّ: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [[سورة التوبة: 36.]] ، أي الحساب المستقيم. الضحاك وقتادة: الدِّينِ: الجزاء، يعني: يوم يدين الله العباد بأعمالهم. دليله قوله: أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [[سورة الصافّات: 53.]] ، أي مجرّبون. قال لبيد: حصادك يوما ما زرعت وإنما ... يدان الفتى يوما كما هو دائن» وقال عثمان بن زيات: يوم القهر والغلبة، تقول العرب: مدان فدان، أي قهرته فخضع وذلّ. وقال الأعشى: هو دان الرباب إذ كرهوا الدين ... دراكا بغزوة وارتحال ثم دانت بعد الرباب وكانت ... كعذاب عقوبة الأقوال [[الصحاح: 5/ 2118.]] وسمعت أبا القاسم الحسين بن محمد الأديب يقول: سمعت أبا المضر محمد بن أحمد ابن منصور يقول: سمعت أبا عمر غلام ثعلب يقول: كان الرجل إذا أطاع ودان إذا عصى، ودان إذا عزّ وكان إذا ذلّ، ودان إذا قهر. وقال الحسن بن الفضل: يوم الإطاعة، قال زهير: لئن حللت بواد في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك [[لسان العرب: 10/ 473.]] أي في طاعة، وكل ما أطيع الله فيه فهو دين. وقال بعضهم: يوم العمل، قال الفراء: دين الرجل خلقه وعمله وعادته، وقال المثقب العبدي: تقول إذا درأت وضيني لها ... أهذا دينه أبدا وديني [[الصحاح: 5/ 2118.]] وقال محمد بن كعب القرضي: مالك يوم لا ينفع فيه إلّا الدين، وهذه من قول الله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [[سورة الشعراء: 88- 89.]] ، وقوله: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [[سورة سبأ: 37.]] . وإنما خصّ يوم الدين بكونه مالكا له لأن الأملاك في ذلك اليوم زائلة [فينفرد تعالى بذلك] [[زيادة لتقويم النص.]] ، وهي باطلة والأملاك خاصة. وقيل: خص يَوْمِ الدِّينِ بالمالك فيه لأن ملك الدنيا قد اندرج في قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الحمد: 2.]] ، فأثبت أنه مالك الآخرة بقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ليعلم أن الملك له في الدارين. وقيل: إنما خصّ يَوْمِ الدِّينِ بالذكر تهويلا وتعظيما لشأنه كما قال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [[سورة غافر: 16.]] ، ولا خفاء بهم في كل الأوقات عن الله عزّ وجلّ.
wahidi_basit — التفسير البسيط
قوله تعالى: ﴿مَالِكِ [[في (ج): (ملك).]] يَوْمِ الدِّينِ﴾. المالك في اللغة: (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة [[في (ب): (وملكا).]] ومَمْلَكة ومَمْلَكة [[ذكره الأزهري عن اللحياني: "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "المحكم" (ملك) 7/ 45.]]، ويقال: إنه لحسن الملْكَة [[(المَلكة) بفتح الميم كذا ضبط في "التهذيب"، وفي حاشيته: وضبط في (ل) بكسر وتسكين اللام. "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وفي "المحكم" بالكسر 7/ 45.]] والمِلْك. وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 13، 17، "المخصص" لابن سيده 17/ 157، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 30، "اشتقاق أسماء لله" للزجاجي ص 43، 44.]]. ومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، وقول أوس بن حجر [[أوس بن حجر من شعراء الجاهلية وفحولها، وأحد شعراء تميم، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 114، "الخزانة" 4/ 379، "معاهد التنصيص" 1/ 132.]]: فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ [[قوله (ملك): شدد، و (الليط): القشر، و (القيض): القشر الغليظ فوق البيضة، و (الغرقىء): القشر الرقيق للبيضة، وهو يصف قوسا يقول: إنه قواه وذلك حين قشره فترك القشر الرقيق ليقويه به. ورد البيت في "ديوان أوس" ص 97، "الحجة" للفارسي 1/ 17، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، " الخصائص" 2/ 363، 3/ 172، "اشتقاق أسماء الله" ص 46، "الصحاح" (ملك) 4/ 1610، "المحكم" (ملك) 7/ 46، "اللسان" (ملك) 7/ 4268، "الخزانة" 2/ 396.]] ملك: شدد. وقول قيس بن الخطيم [[هو قيس بن الخطيم بن عدي بن الخزرج، شاعر فارس، لقي النبي ﷺ ومات كافرا، ترجمته في "طبقات فحول الشعراء" 91/ 92، "الإصابة" 3/ 281، "الخزانة" 7/ 34.]]: ملكت بها كفي فأنهرت فتقها [[من قصيدة لقيس قالها حين أصاب بثأره من قاتلي أبيه وجده، والشطر الثاني: يرى قائم من خلفها ما وراءها يقول: شددت بهذِه الطعنة كفى ووسعت خرقها، حتى يرى القائم من دونها الشيء وراءها. انظر: "ديوان قيس" ص 8، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، "الصحاح" 4/ 1609، "المحكم" 7/ 46، "تاج العروس" 13/ 653، "اللسان" 7/ 4268، (المعاني الكبير) 2/ 978، 983، "الحجة" للفارسي 1/ 13، 17، "الخزانة" 7/ 35.]] أي: شددت بالطعنة كفي [[في (ب): (لفى).]]. ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه [["تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، "اللسان" (ملك) 7/ 4268.]]. وقال [[في (ج): (ويقال).]]: فلا تمالك [[(تمالُك) بضم اللام في "تهذيب اللغة" وفي الحاشية: (جـ)، (ل) بفتح اللام، "تهذيب اللغة" 10/ 271، وبالفتح في "اللسان" 10/ 494.]] عن أرض لها عمدوا [[ورد في "التهذيب" (ملك) 10/ 271، غير منسوب، وكذا في "اللسان" (ملك) 10/ 494.]] وملاك [[في (ب): (ملال).]] الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب [[في (ج): (الا القلب).]] ملاك الجسد [[في (ج): (الجساد). ذكر الأزهري عن الليث نحوه. "التهذيب" (ملك) 4/ 2450، وانظر: "المحكم" 7/ 46، "اللسان" (ملك) 7/ 4268.]]. وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب [[نحوه في "التهذيب" عن ابن الأعرابي 4/ 3451، وانظر: "اللسان" (ملك) 7/ 4269.]]. قال: أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا [[أورده الأزهري بدون نسبه في "التهذيب" (ملك) 4/ 3451 و (أبا) 1/ 104، "اللسان" (ملك) 7/ 4269، وكذا الزمخشري في "أساس البلاغة" (ملك) 2/ 401.]] ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج [["التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "اللسان" (ملك) 7/ 4268.]]. وفي هذا الحرف قراءتان (مالك) و (ملك) [[قراءة عاصم والكسائي (مالك) وبقية السبعة (ملك)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 104، "الحجة" للفارسي 1/ 7، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 77، "الكشف" لمكي 1/ 25.]]. فمن قرأ (ملك) قال: الملك أشمل وأتم؛ لأنه قد [[(قد) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (لا يكون).]] يكون مالك [[في (ج): (مالكا) وعليه تعتبر (يكون) ناقصة.]] ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 65، "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 9، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 77 - 79، "الكشف" 1/ 26.]]. واحتج محمد بن جرير [[هو الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري، سبقت ترجمته في الدراسة.]] لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فحمل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على وصف زائد أحسن [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 150، نقل كلامه بمعناه، وابن جرير يرجح قراءة (ملك).]]. وقال محمد بن السري: الملك [[كلام ابن السري ورد في "الحجة" لأبي علي الفارسي ضمن كلام طويل له في ترجيح قراءة (ملك) حيث قال الفارسي: (قال أبو بكر محمد بن السري الاختيار عندي (ملك يوم الدين) والحجة في ذلك .. فالملك الذي يملك الكثير من الأشياء .. الخ)، "الحجة" 1/ 13، 14.]] الذي يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه [[في "الحجة" (.. ويشارك غيره من الناس، بأنه يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه ...).]]، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ومع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. ويقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [[طه: 114، والمؤمنون: 116.]]، وقوله ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]، و ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: 2]، و ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16]، ولم يقل: (لمن المِلْك) [[قال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي: كان أبو عبيد يختار (ملك يوم الدين) على (مالك) وذلك أن الله عز وجل قال: ﴿لمن الملك﴾ ولم يقل: (لمن المِلك). وذلك أن الملك مصدر الملك، والملك مصدر المالك. وخطأه أبو حاتم السجستاني في ذلك، فقال: أظنه احتج على نفسه ولم يشعر، لأن معنى (لمن الملك) يعني من يملك الملك ...) كتاب "الزينة" 2/ 100، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 26، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 78.]]. وأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك) أبو عبيدة، وأبو حاتم [[أبو حاتم هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني. نزيل البصرة وعالمها، من أئمة == اللغة والشعر، والنحو إلى أنه لم يكن فيه حاذقًا، تلقى على أبي زيد، وأبي عبيدة والأصمعي، توفي سنة (255 هـ). انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 43، "أخبار النحويين" للسيرافي 102، "إنباه الرواة" 2/ 58.]]، والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ أ، "الزينة" 1/ 100، 101، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 160، "التهذيب" (ملك) 4/ 3449.]]، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس [[فـ (مالك) أعم وأشمل. انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ أ.]]، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم [[ذلك أن (مالكا) يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل فلذلك يعمل (فاعل) فينصب كما ينصب الفعل. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 26.]]، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 12، 15، 16، "الكشف" 1/ 25، 26.]]. واحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) [[ذكر الأزهري نحوه عن المنذري عن أبي العباس. "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "الحجة" 1/ 15.]]. ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: 19] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر معناها [[في (ب): (معناه).]] الملك [[بنصه في "الحجة" 1/ 19.]]. ومن نصر هذِه القراءة أجاب [[أي من نصر قراءة (مالك) أجاب على دعوى ابن جرير السابقة -وهي قوله: (إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رب العالمين﴾ فحمل قوله: ﴿ملك يوم الدين﴾ على وصف زائد أحسن). والكلام في "الحجة" ليس فيه ذكر لابن جرير حيث قال: (قال أبو علي: وأما ما حكاه أبو بكر ابن السري عن بعض من اختار القراءة بملك .. فإنه لا يرجع قراءة ملك على مالك، لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة ..) 1/ 18.]] ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)﴾ [العلق: 1 - 2]. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]. في أمثال كثيرة لهذا [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 18، 19.]]. فمن قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة [[في (ب). (الدلالة).]] عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة [[في "الحجة" لأبي علي: (فإنه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه، وإن هذا المحذوف قد جاء مثبتا في قوله ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار:19] فتقديره: (مالك يوم الدين الأحكام). وحسن هذا الاختصاص لتفرد القديم سبحانه في ذلك اليوم بالحكم ..)، "الحجة" 1/ 34.]]. وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف [[يعني بقوله فيما سبق (يملك إقامة يوم الدين ...) فحذف المضاف وهو (إقامة) وأقام المضاف إليه وهو (يوم الدين) مقامة. انظر: "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، ورد ابن جرير هذا القول، انظر: "تفسيره" 1/ 67.]]، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة. وأما إعراب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فالجر في القراءتين [["الحجة" لأبي علي 1/ 40.]]. وهو صفة الاسم، مجرور [[وهو لفظ الجلالة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.]]، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها [[في "الحجة": (والصفات تجري على موصوفيها إذا لم تقطع عنهم لذم أو مدح ...)، "الحجة" 10/ 40.]] بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 160.]]، إنما يعمل فيه كونه نعتا [[في "الحجة": (وليس معه لفظ عمل فيه، إنما فيه أنه نعت ..)، 1/ 40.]]، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ [[في (ب): (المبتدى).]] إنما يرفعه الابتداء [[في "الحجة" لأبي علي: (كما أن المبتدأ إنما رفعه الابتداء ..) 1/ 40.]]، وإنما الابتداء معنى عمل [[(عمل) ساقط من (ب).]] فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا [[انتهى من "الحجة"، 1/ 40.]]. وقوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك [[هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد، من أوعية العلم، وكان مفسرا حدث عن == عدد من الصحابة، قال بعضهم: لم يلق ابن عباس، في وفاته أقوال قيل: (102 هـ) وقيل (105 هـ)، وقيل: (106 هـ). انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 6/ 300، "طبقات خليفة" ص 568، 322، "سير أعلام النبلاء" 4/ 598.]] وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 28/ ب، وأخرجه الطبري في "تفسيره" عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس وابن جريج 1/ 68، وقول قتادة ذكره السيوطي في "الدر" وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد. "الدر" 1/ 39.]]. تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38.]]. ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [[وقد وردت الآية في جميع النسخ ﴿إنا لمدينون﴾ وكذا عند الثعلبي في "تفسير" 1/ 28/ ب.]] [الصافات: 53] أي مجزيون. وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان [[نسبه بعضهم إلى يزيد بن الصعق الكلابي، وبعضهم: إلى خويلد بن نوفل الكلابي، وقال في (الخزانة): قال بعض الكلابين، والبيت مع بيتين قبله، قالهما يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني حين اغتصب ابنته. ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 68، "الكامل" 1/ 328، "المخصص" 17/ 155، "اللسان" (دين) 3/ 1468، "التاج" 18/ 215، "الخزانة" 10/ 91.]] أي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر: 17]. وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 28]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل [[(مقاتل) ساقط من ب.]]، في معنى قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قاضي يوم الحساب [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 28/ ب، وقد أخرج الطبري عن ابن عباس: يوم الدين: يوم حساب الخلائق. "تفسير الطبري" 1/ 68، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" == 1/ 157 (رسالة دكتوراه)، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 453، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي ص 295.]]، واختار أبو عبيد هذا القول [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 439.]]. ومن الدين بمعنى الحساب قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: 36] أي: ذلك الحساب [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ ب، وفسر الطبري (الدين) في آية التوبة ويوسف بأنه الدين القويم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وفي آية الروم فسره: بالمستقيم، ثم قال: وقد وجه بعضهم معنى الدين في هذا الموضع إلى الحساب، (تفسير الطبري) 10/ 126، 12/ 220، 20/ 42، انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 454.]] الصحيح، والعدد المستوي [["تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136.]]. وقيل في قوله: "الكيس من دان نفسه [[الحديث أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، وقال: حديث حسن. الترمذي (2459)، أبواب صفة القيامة، وابن ماجه (4260) كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 122، وهو بنصه في "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136.]] ": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)﴾ [العاديات: 11] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136، "معجم مقاييس اللغة" (دين) 2/ 319، "إصلاح الوجوه والنواظر" للدامغاني ص 178، "نزهة الأعين النوظر في علم الوجوه والنظائر" ص 295.]]، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه.
wahidi_wajiz — الوجيز
﴿مالك يوم الدِّين﴾ مأخوذٌ من المِلْك والمِلْك مأخوذٌ من المُلْك أَيْ: قاضي يوم الجزاء والحساب لأنَّه متفرِّدٌ في ذلك اليوم بالحكم
zamakhshari — الكشاف
قرئ: ملك يوم الدين، ومالك، وملك بتخفيف اللام. وقرأ أبو حنيفة رضى اللَّه عنه: على اختصاص الحمد به وأنه به حقيق في قوله الحمد للَّه- دليل على أنّ من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله.

Agent (قرآني)

No agent tafsir generated yet (Layer 5C output absent for this aya).

Comparative (مقارنة)

Layer 5D not yet generated for this aya.