Classical (تراثي)
abu_hayyan — البحر المحيط
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في البَسْمَلَةِ، وهُما مَعَ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] صِفاتُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُما عَلَمٌ لَمْ يَعْرِضْ في التَّسْمِيَةِ بِهِ اشْتَراكٌ فَيُخَصَّصُ، وبَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَإنْ كانَ الرَّبُّ بِمَعْنى السَّيِّدِ أوْ بِمَعْنى المالِكِ أوْ بِمَعْنى المَعْبُودِ كانَ صِفَةَ فِعْلٍ لِلْمَوْصُوفِ بِها التَّصْرِيفُ في المَسُودِ والمَمْلُوكِ والعابِدِ بِما أرادَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَناسَبَ ذَلِكَ الوَصْفُ بِالرَّحْمانِيَّةِ والرَّحِيمِيَّةِ، لِيَنْبَسِطَ أمَلُ العَبْدِ في العَفْوِ إنْ زَلَّ، ويَقْوى رَجاؤُهُ إنْ هَفا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمِعْنى الثّابِتِ ولا بِمَعْنى الصّاحِبِ؛ لِامْتِناعِ إضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى المُصْلِحِ كانَ الوَصْفُ بِالرَّحْمَةِ مُشْعِرًا بِقِلَّةِ الإصْلاحِ؛ لِأنَّ الحامِلَ لِلشَّخْصِ عَلى إصْلاحِ حالِ الشَّخْصِ رَحْمَتُهُ لَهُ. ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ والوَصْفِ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِالرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ لِلْمَرْبُوبِينَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ. وخَفَضَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الجُمْهُورُ، ونَصَبَهُما أبُو العالِيَةِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عَمْرٍو، ورَفَعَهُما أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وأبُو عِمْرانَ الجُونِيُّ، فالخَفْضُ عَلى النَّعْتِ، وقِيلَ في الخَفْضِ: إنَّهُ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا، والنَّصْبُ والرَّفْعُ لِلْقَطْعِ. وفي تَكْرارِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وتَأْكِيدُ أمْرِهِما، وجَعَلَ مَكِّيٌّ تَكْرارَها دَلِيلًا عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الفاتِحَةِ، قالَ: إذْ لَوْ كانَتْ آيَةً لَكُنّا قَدْ أتَيْنا بِآيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا بِفَواصِلَ تَفْصِلُ بَيْنَ الأُولى والثّانِيَةِ. قالَ: والفَصْلُ بَيْنَهُما بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] كَلا فَصْلٍ، قالَ: لِأنَّهُ مُؤَخَّرٌ يُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ تَقْدِيرُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما قُلْنا بِالتَّقْدِيمِ لِأنَّ مُجاوَرَةَ الرَّحْمَةِ بِالحَمْدِ أوْلى، ومُجاوَرَةَ المَلِكِ بِالمُلْكِ أولى. قالَ: (p-٢٠)والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وكَلامُ مَكِّيٍّ مَدْخُولٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ نَزَّهْتُ كِتابِي هَذا عَنْ ذِكْرِهِ. والتَّرْتِيبُ القُرْآنِيُّ جاءَ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِأنَّهُ - تَعالى - وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِفَةِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما مِلْكُهُ يَوْمَ الجَزاءِ، والثّانِي العِبادَةُ. فَناسَبَ الرُّبُوبِيَّةَ المُلْكُ، والرَّحْمَةَ العِبادَةُ. فَكانَ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ والثّانِي لِلثّانِي.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ الوَقْفَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أقْسامِهِ، فَقِيلَ: تامٌّ وكافٌّ وقَبِيحٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ صَنَّفَ النّاسُ في ذَلِكَ كُتُبًا مُرَتَّبَةً عَلى السُّوَرِ، كَكِتابِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ وكِتابِ الكِرْمانِيِّ وغَيْرِهِما، ومَن كانَ عِنْدَهُ حَظٌّ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ.
abu_suud — إرشاد العقل السليم
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: صِفَتانِ لِلَّهِ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِما فِيهِما مِنَ الرَّحْمَةِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ العالَمِينَ؛ أوْ ما يَفِيضُ عَلى الكُلِّ بَعْدَ الخُرُوجِ إلى طَوْرِ الوُجُودِ مِنَ النِّعَمِ؛ فَوَجْهُ تَأْخِيرِهِما عَنْ وصْفِ الربوبية ظاهِرٌ؛ وإنْ أُرِيدَ ما يَعُمُّ الكُلَّ في الأطْوارِ كُلِّها؛ حَسْبَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ فَوَجْهُ التَّرْتِيبِ أنَّ التَّرْبِيَةَ لا تَقْتَضِي المُقارَنَةَ لِلرَّحْمَةِ؛ فَإيرادُهُما في عَقِبِها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ (تَعالى) مُتَفَضِّلٌ فِيها؛ فاعِلٌ بِقَضِيَّةِ رَحْمَتِهِ السّابِقَةِ؛ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ؛ وبِأنَّها واقِعَةٌ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ؛ والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِ (تَعالى) بِهِما في التَّسْمِيَةِ لِما أنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِ المُتَبَرِّكِ المُسْتَعِينِ بِاسْمِهِ الجَلِيلِ؛ والأوْفَقُ لِمَقاصِدِهِ.
alusi — روح المعاني
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ (p-34)أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ
وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ (p-35)أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ (p-36)مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً (p-37)بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.
ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ (p-38)لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.
وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
baghawy
قوله
( الرحمن الرحيم )
قال ابن عباس رضي الله عنهما هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر . واختلفوا فيهما منهم من قال هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة وذكر أحدهما بعد الآخر تطميعا لقلوب الراغبين . وقال المبرد : هو إنعام بعد إنعام وتفضل بعد تفضل ومنهم من فرق بينهما فقال الرحمن بمعنى العموم والرحيم بمعنى الخصوص . فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق . والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ولذلك قيل في الدعاء يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص ولذلك يدعى غير الله رحيما ولا يدعى غير الله رحمن . فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ والرحيم عام اللفظ خاص المعنى والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله . وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة
( فعل )
.
baghawy — معالم التنزيل
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي.
سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا.
* * *
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ.
وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" [[من نسخة (ب) .]] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ [[ساقط من أ.]] ] .
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ
وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) [[في الأصل: تعظيما.]] لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) [[في الأصل: الفعل.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) [[ساقط من (أ) .]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ [[أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.]] .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .]] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) .
قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ.
قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ.
"وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) .
قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) [[في ب: ريان.]] الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ.
قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ.
قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) [[في أ، ب (الاستطاعة) .]] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ.
وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] [[ساقط من ب.]] وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ.
قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) [[في ب: كسر.]] فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ.
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [[زيادة من ب.]] بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ.
وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) [[ساقط من ب.]] مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ.
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .]] صَحِيحٌ.
فصل في فضل (الفاتحة) [[في "ب": فاتحة الكتاب.]]
أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) [[ساقط من (أ) .]] مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) [[ساقط من (أ) وفي ب: الذي.]] آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.]] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" [[رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] [[ساقط من ب.]]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ [[في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.]] غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [[ساقط من (ب) .]]
biqaai — نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولَمّا كانَتْ مَرْتَبَةُ الرُّبُوبِيَّةِ لا تَسْتَجْمِعُ الصَّلاحَ [ إلّا بِالرَّحْمَةِ ] أتْبَعَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَرْغِيبًا في لُزُومِ حَمْدِهِ، وهي تَتَضَمَّنُ تَثْنِيَةَ تَفْصِيلِ ما شَمِلَهُ الحَمْدُ أصْلًا؛ وسَيَأْتِي سِرٌّ لِتَكْرِيرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ (p-٢٩)فِي الأنْعامِ عِنْدَ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] عَنِ الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزّالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا مُكَرَّرَ في القُرْآنِ.
ibn_abi_hatim — تفسير ابن أبي حاتم
قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ﴾
[١٩] حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ عَنْبَسَةَ، قاضِي الرَّيِّ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ: "قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ: مَدَحَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي»
الوَجْهُ الثّانِي
[٢٠] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ العَرْزَمِيُّ، ثَنا أبِي، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: الرَّحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، والرَّحِيمُ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً
الوَجْهُ الثّالِثُ
[٢١] حُدِّثْتُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِهابٍ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ هِشامٍ، حَدَّثَنِي خالِدُ بْنُ صَفْوانَ التَّمِيمِيُّ، في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: هُما رَقِيقانِ أحَدُهُما أرَقُّ مِنَ الآخَرِ
الوَجْهُ الرّابِعُ
[٢٢] أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ القَطّانُ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، حَدَّثَنِي أبُو الأشْهَبِ، عَنِ الحَسَنِ، قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسْمٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ
ibn_ashoor — التحرير والتنوير
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
وصْفانِ مُشْتَقّانِ مِن رَحِمَ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ الرَّحْمانَ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ قالَ وأصْلُهُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أيْ فَأُبْدِلَتْ خاؤُهُ حاءً مُهْمَلَةً عِنْدَ أكْثَرِ العَرَبِ كَشَأْنِ التَّغْيِيرِ في التَّعْرِيبِ وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ جَرِيرٍ يُخاطِبُ الأخْطَلَ:
؎أوَ تَتْرُكَنَّ إلى القِسِّيسِ هِجْرَتَكم ومَسْحَكم صُلْبَكم رَخَمانِ قُرْبانا
الرِّوايَةُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ ولَمْ يَأْتِ المُبَرِّدُ بِحُجَّةٍ عَلى ما زَعَمَهُ، ولِمَ لا يَكُونُ الرَّحْمَنُ عَرَبِيًّا كَما كانَ عِبْرانِيًّا فَإنَّ العَرَبِيَّةَ والعِبْرانِيَّةَ أُخْتانِ ورُبَّما كانَتِ العَرَبِيَّةُ الأصْلِيَّةُ أقْدَمُ مِنَ العِبْرانِيَّةِ ولَعَلَّ الَّذِي جَرَّأهُ عَلى ادِّعاءِ أنَّ الرَّحْمانَ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ ما حَكاهُ القُرْآنُ عَنِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ويَقْتَضِي أنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ هَذا الِاسْمَ لِلَّهِ تَعالى كَما سَيَأْتِي. وبَعْضُ عَرَبِ اليَمَنِ يَقُولُونَ رَخِمَ رُخْمَةً بِالمُعْجَمَةِ.
واسْمُ الرَّحْمَةِ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِرِقَّةِ الخاطِرِ وانْعِطافِهِ نَحْوَ حَيٍّ بِحَيْثُ تَحْمِلُ مَنِ اتَّصَفَ بِها عَلى الرِّفْقِ بِالمَرْحُومِ والإحْسانِ إلَيْهِ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُ وإعانَتِهِ عَلى المَشاقِّ.
فَهِيَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ لِأنَّها انْفِعالٌ، ولِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ انْدِفاعٌ يَحْمِلُ صاحِبَها عَلى أفْعالٍ وُجُودِيَّةٍ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ وعَلى قَدْرِ قُوَّةِ انْفِعالِهِ. فَأصْلُ الرَّحْمَةِ مِن مَقُولَةِ الِانْفِعالِ وآثارُها مِن مَقُولَةِ الفِعْلِ، فَإذا وُصِفَ مَوْصُوفٌ بِالرَّحْمَةِ كانَ مَعْناهُ حُصُولُ الِانْفِعالِ المَذْكُورِ في نَفْسِهِ، وإذا أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ رَحِمَ غَيْرَهُ فَهو عَلى مَعْنى صَدَرَ عَنْهُ أثَرٌ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ؛ إذْ لا تَكُونُ تَعْدِيَةُ فِعْلِ رَحِمَ إلى المَرْحُومِ إلّا عَلى هَذا المَعْنى فَلَيْسَ لِماهِيَّةِ الرَّحْمَةِ جُزْئِيّاتٌ وُجُودِيَّةٌ ولَكِنَّها جُزْئِيّاتٌ مِن آثارِها.
فَوَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ في اللُّغاتِ ناشِئٌ عَلى مِقْدارِ عَقائِدِ أهْلِها فِيما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ ويَسْتَحِيلُ، وكانَ أكْثَرُ الأُمَمِ مُجَسِّمَةٌ ثُمَّ يَجِيءُ ذَلِكَ (p-١٧٠)فِي لِسانِ الشَّرائِعِ تَعْبِيرًا عَنِ المَعانِي العالِيَةِ بِأقْصى ما تَسْمَحُ بِهِ اللُّغاتُ مَعَ اعْتِقادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ أعْراضِ المَخْلُوقاتِ بِالدَّلِيلِ العامِّ عَلى التَّنْزِيهِ وهو مَضْمُونُ قَوْلِ القُرْآنِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَأهْلُ الإيمانِ إذا سَمِعُوا أوْ أطْلَقُوا وصْفَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ حُصُولَ ذَلِكَ الِانْفِعالِ المَلْحُوظِ في حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ في مُتَعارَفِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِسُطُوعِ أدِلَّةِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الأعْراضِ، بَلْ إنَّهُ يُرادُ بِهَذا الوَصْفِ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى إثْباتُ الغَرَضِ الأسْمى مِن حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ وهو صُدُورُ آثارِ الرَّحْمَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللُّطْفِ والإحْسانِ والإعانَةِ؛ لِأنَّ ما عَدا ذَلِكَ مِنَ القُيُودِ المَلْحُوظَةِ في مُسَمّى الرَّحْمَةِ في مُتَعارَفِ النّاسِ لا أهَمِّيَّةَ لَهُ لَوْلا أنَّهُ لا يُمْكِنُ بِدُونِهِ حُصُولُ آثارِهِ فِيهِمْ. ألا تَرى أنَّ المَرْءَ قَدْ يَرْحَمُ أحَدًا ولا يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا لِعَجْزٍ أوْ نَحْوِهِ.
وقَدْ أشارَ إلى ما قُلْناهُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في المَقْصِدِ الأسْنى بِقَوْلِهِ الَّذِي يُرِيدُ قَضاءَ حاجَةِ المُحْتاجِ ولا يَقْضِيها فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى قَضائِها لَمْ يُسَمَّ رَحِيمًا إذْ لَوْ تَمَّتِ الإرادَةُ لَوَفى بِها وإنْ كانَ عاجِزًا فَقَدْ يُسَمّى رَحِيمًا بِاعْتِبارِ ما اعْتَوَرَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ والرِّقَّةِ ولَكِنَّهُ ناقِصٌ وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ نَحْوِ هَذا الوَصْفِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مِنَ المُتَشابِهِ لِتَبادُرِ المَعْنى المُرادِ مِنهُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ وتَحَقُّقِ تَنَزُّهِ اللَّهِ مِن لَوازِمِ المَعْنى المَقْصُودِ في الوَضْعِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى كَما نُطْلِقُ العَلِيمَ عَلى اللَّهِ مَعَ التَّيَقُّنِ بِتَجَرُّدِ عِلْمِهِ عَنِ الحاجَةِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وسَبْقِ الجَهْلِ، وكَما نُطْلِقُ الحَيَّ عَلَيْهِ تَعالى مَعَ اليَقِينِ بِتَجَرُّدِ حَياتِهِ عَنِ العادَةِ والتَّكَوُّنِ، ونُطْلِقُ القُدْرَةَ مَعَ اليَقِينِ بِتَجَرُّدِ قُدْرَتِهِ عَنِ المُعالَجَةِ والِاسْتِعانَةِ.
فَوَصْفُهُ تَعالى بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ المَنقُولاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ رَحْمَةَ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَهي مَنقُولَةٌ في لِسانِ الشَّرْعِ إلى إرادَةِ اللَّهِ إيصالَ الإحْسانِ إلى مَخْلُوقاتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وغالِبُ الأسْماءِ الحُسْنى مِن هَذا القَبِيلِ. وأمّا المُتَشابِهُ فَهو ما كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى المَعْنى المُنَزَّهِ عَنْهُ أقْوى وأشَدَّ وسَيَأْتِي في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ الرَّحْمانَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كَغَضْبانَ وبِذَلِكَ مَثَّلَهُ في الكَشّافِ. وفِعْلُ رَحِمَ وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ إنَّما تُصاغُ مِن فِعْلٍ لازِمٍ إلّا أنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ إذا صارَ كالسَّجِيَّةِ لِمَوْصُوفِهِ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ أفْعالِ الغَرائِزِ فَيُحَوَّلُ مِن فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ أوْ كَسْرِها إلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ صارَ سَجِيَّةً كَما قالُوا فَقُهَ الرَّجُلُ وظَرُفَ وفَهُمَ، ثُمَّ تُشْتَقُّ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةٌ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وإنَّما يُعْرَفُ هَذا التَّحْوِيلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ (p-١٧١)إمّا بِسَماعِ الفِعْلِ المُحَوَّلِ مِثْلِ فَقُهَ وإمّا بِوُجُودِ أثَرِهِ وهو الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ مِثْلُ بَلِيغٍ إذا صارَتِ البَلاغَةُ سَجِيَّةً لَهُ، مَعَ عَدَمِ أوْ قِلَّةِ سَماعِ بَلُغَ. ومِن هَذا رَحْمانُ إذْ لَمْ يُسْمَعْ رَحُمَ بِالضَّمِّ. ومِنَ النُّحاةِ مَن مَنَعَ أنْ يَكُونَ الرَّحْمانُ صِفَةً مُشَبَّهَةً بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ المُشْتَقَّ هو مِنهُ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ وإلَيْهِ مالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَظَّرَهُ بِرَبٍّ ومَلِكٍ. . وأمّا الرَّحِيمُ فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وهو باقٍ عَلى دَلالَتِهِ عَلى التَّعَدِّي وصاحِبُ الكَشّافِ والجُمْهُورُ لَمْ يُثْبِتُوا في أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وزْنَ فَعِيلٍ، فالرَّحِيمُ عِنْدَهم صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أيْضًا مِثْلَ مَرِيضٍ وسَقِيمٍ، والمُبالَغَةُ حاصِلَةٌ فِيهِ عَلى كِلا الِاعْتَبارَيْنِ. والحَقُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في أنَّ الوَصْفَيْنِ دالّانِ عَلى المُبالَغَةِ في صِفَةِ الرَّحْمَةِ أيْ تَمَكُّنِها وتَعَلُّقِها بِكَثِيرٍ مِنَ المَرْحُومِينَ وإنَّما الخِلافُ في طَرِيقَةِ اسْتِفادَةِ المُبالَغَةِ مِنهُما وهَلْ هُما مُتَرادِفانِ في الوَصْفِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ أوْ بَيْنَهُما فارِقٌ. والحَقُّ أنَّ اسْتِفادَةَ المُبالَغَةِ حاصِلَةٌ مِن تَتَبُّعِ الِاسْتِعْمالِ وأنَّ الِاسْتِعْمالَ جَرى عَلى نُكْتَةٍ في مُراعاةِ واضِعِي اللُّغَةِ زِيادَةَ المَبْنى لِقَصْدِ زِيادَةٍ في مَعْنى المادَّةِ قالَ في الكَشّافِ: ويَقُولُونَ إنَّ الزِّيادَةَ في البِناءِ لِزِيادَةِ المَعْنى وقالَ الزَّجّاجُ في الغَضْبانِ هو المُمْتَلِئُ غَضَبًا. ومِمّا طَنَّ عَلى أُذُنِي مِن مُلَحِ العَرَبِ أنَّهم يُسَمُّونَ مَرْكَبًا مِن مَراكِبِهِمْ بِالشُّقْدُفِ وهو مَرْكَبٌ خَفِيفٌ لَيْسَ في ثِقَلِ مَحامِلِ العِراقِ فَقُلْتُ في طَرِيقِ الطّائِفِ لِرَجُلٍ مِنهم ما اسْمُ هَذا المَحْمَلِ أرَدْتُ المَحْمَلَ العِراقِيَّ فَقالَ: ألَيْسَ ذاكَ اسْمُهُ الشِّقِنْدافُ ؟ قُلْتُ: بَلى. فَقالَ: هَذا اسْمُهُ الشِّقِنْدافُ فَزادَ في بِناءِ الِاسْمِ لِزِيادَةِ المُسَمّى وهي قاعِدَةٌ أغْلَبِيَّةٌ لا تَتَخَلَّفُ إلّا في زِياداتٍ مَعْرُوفَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِزِيادَةِ مَعْنًى جَدِيدٍ دُونَ زِيادَةٍ في أصْلِ مَعْنى المادَّةِ مِثْلَ زِيادَةِ ياءِ التَّصْغِيرِ فَقَدْ أفادَتْ مَعْنًى زائِدًا عَلى أصْلِ المادَّةِ ولَيْسَ زِيادَةً في مَعْنى المادَّةِ. وأمّا نَحْوُ حَذِرٌ الَّذِي هو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وهو أقَلُّ حُرُوفًا مِن حاذِرٍ فَهو مِن مُسْتَثْنَياتِ القاعِدَةِ لِأنَّها أغْلَبِيَّةٌ.
وبَعْدَ كَوْنِ كُلٍّ مِن صِفَتَيِ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ دالَّةً عَلى المُبالَغَةِ في اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ فَقَدْ قالَ الجُمْهُورُ إنَّ الرَّحْمانَ أبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ بِناءً عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تُؤْذِنُ بِزِيادَةِ المَعْنى وإلى ذَلِكَ مالَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ مِثْلَ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ جِنِّي والزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ وعَلى رَعْيِ هَذِهِ القاعِدَةِ أعْنِي أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تُؤْذِنُ بِزِيادَةِ المَعْنى فَقَدْ شاعَ وُرُودُ إشْكالٍ عَلى وجْهِ إرْدافِ وصْفِهِ الرَّحْمانِ بِوَصْفِهِ بِالرَّحِيمِ مَعَ أنَّ شَأْنَ أهْلِ البَلاغَةِ إذا أجْرَوْا وصْفَيْنِ في مَعْنًى واحِدٍ عَلى مَوْصُوفٍ في مَقامِ الكَمالِ أنْ يَرْتَقُوا مِنَ الأعَمِّ إلى الأخَصِّ ومِنَ القَوِيِّ إلى الأقْوى كَقَوْلِهِمْ: شُجاعٌ باسِلٌ (p-١٧٢)وجَوّادٌ فَيّاضٌ، وعالِمٌ نِحْرِيرٌ، وخَطِيبٌ مِصْقَعٌ، وشاعِرٌ مُفْلِقٌ. وقَدْ رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَوْجِيهِ الِارْتِقاءِ مِنَ الرَّحْمانِ إلى الرَّحِيمِ أجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى اعْتِبارِ الرَّحْمانِ أخَصَّ مِنَ الرَّحِيمِ فَتَعْقِيبُ الأوَّلِ بِالثّانِي تَعْمِيمٌ بَعْدَ خاصٍّ ولِذَلِكَ كانَ وصْفُ الرَّحْمانِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى وكانَ أوَّلُ إطْلاقِهِ مِمّا خَصَّهُ بِهِ القُرْآنُ عَلى التَّحْقِيقِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنِ التَّوْصِيفُ بِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ كَما سَيَأْتِي.
ومَدْلُولُ الرَّحِيمِ كَوْنُ الرَّحْمَةِ كَثِيرَةَ التَّعَلُّقِ إذْ هو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ ولِذَلِكَ كانَ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِهِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَلَيْسَ ذِكْرُ إحْدى الصِّفَتَيْنِ بِمُغْنٍ عَنِ الأُخْرى. وتَقْدِيمُ الرَّحْمانِ عَلى الرَّحِيمِ لِأنَّ الصِّيغَةَ الدّالَّةَ عَلى الِاتِّصافِ الذّاتِيِّ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ في التَّوْصِيفِ مِنَ الصِّفَةِ الدّالَّةِ عَلى كَثْرَةِ مُتَعَلَّقاتِها.
ويُنْسَبُ إلى قُطْرُبٍ أنَّ الرَّحْمانَ والرَّحِيمَ يَدُلّانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَهُما مُتَساوِيانِ وجُعِلَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في الآيَةِ مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ ومالَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ وهو وجْهٌ ضَعِيفٌ إذِ التَّوْكِيدُ خِلافُ الأصْلِ والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ والمَقامُ هُنا بَعِيدٌ عَنْ مُقْتَضى التَّوْكِيدِ. وقَدْ ذُكِرَتْ وُجُوهٌ في الجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لَيْسَتْ بِمُقْنِعَةٍ.
وقَدْ ذَكَرَ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ أنَّ وصْفَ الرَّحْمانِ لَمْ يُطْلَقْ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ وأنَّ القُرْآنَ هو الَّذِي جاءَ بِهِ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى فَلِذَلِكَ اخْتُصَّ بِهِ تَعالى حَتّى قِيلَ إنَّهُ اسْمٌ لَهُ ولَيْسَ بِصِفَةٍ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] وقالَ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] وقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في القُرْآنِ وخاصَّةً في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ مِثْلَ سُورَةِ الفُرْقانِ وسُورَةِ المُلْكِ. وقَدْ ذُكِرَ الرَّحْمانُ في سُورَةِ المُلْكِ بِاسْمِهِ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ ثَمانِيَ مَرّاتٍ مِمّا يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِتَقْرِيرِ هَذا الِاسْمِ لِلَّهِ تَعالى في نُفُوسِ السّامِعِينَ فالظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ تُنُوسِيَ في كَلامِهِمْ. أوْ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
ومِن دَقائِقَ القُرْآنِ أنَّهُ آثَرَ اسْمَ الرَّحْمانِ في قَوْلِهِ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩] في سُورَةِ المُلْكِ، وقالَ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] في سُورَةِ النَّحْلِ إذْ كانَتْ آيَةُ سُورَةِ المُلْكِ مَكِّيَّةً وآيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ القَدْرَ النّازِلَ بِالمَدِينَةِ مِن تِلْكَ السُّورَةِ، وأمّا قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ بَنِي حَنِيفَةَ في مُسَيْلِمَةَ
؎سَمَوْتَ بِالمَجْدِ يا ابْنَ الأكْرَمِينَ أبًا ∗∗∗ وأنْتَ غَيْثُ الوَرى لا زِلْتَ رَحْمانا
فَإنَّما قالَهُ بَعْدَ مَجِيءِ الإسْلامِ وفي أيّامِ رِدَّةِ أهْلِ اليَمامَةِ، وقَدْ لَقَّبُوا مُسَيْلِمَةَ أيّامَئِذٍ رَحْمانَ اليَمامَةِ وذَلِكَ مِن غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ.
وإجْراءُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ العَلِيَّيْنِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ بَعْدَ (p-١٧٣)وصْفِهِ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ لِمُناسَبَةٍ ظاهِرَةٍ لِلْبَلِيغِ لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ وُصِفَ بِما هو مُقْتَضى اسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِن كَوْنِهِ رَبِّ العالَمِينَ أيْ مُدَبِّرُ شُؤُونِهِمْ ومُبْلِغُهم إلى كَمالِهِمْ في الوُجُودَيْنِ الجُثْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، ناسَبَ أنْ يُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِالرَّحْمانِ أيِ الَّذِي الرَّحْمَةُ لَهُ وصْفٌ ذاتِيٌّ تَصْدُرُ عَنْهُ آثارُهُ بِعُمُومٍ واطِّرادٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَلَمّا كانَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ وكانَ المَرْبُوبُونَ ضُعَفاءً كانَ احْتِياجُهم لِلرَّحْمَةِ واضِحًا وكانَ تَرَقُّبُهم إيّاها مِنَ المَوْصُوفِ بِها بِالذّاتِ ناجِحًا.
فَإنْ قُلْتَ إنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ لِأنَّها إبْلاغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا وذَلِكَ يَجْمَعُ النِّعَمَ كُلَّها، فَلِماذا احْتِيجَ إلى ذِكْرِ كَوْنِهِ رَحْمانًا ؟ قُلْتُ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَتَضَمَّنُ أنَّ ذَلِكَ الإبْلاغَ إلى الكَمالِ لَمْ يَكُنْ عَلى وجْهِ الإعْناتِ بَلْ كانَ بِرِعايَةِ ما يُناسِبُ كُلَّ نَوْعٍ وفَرْدٍ ويُلائِمُ طَوْقَهُ واسْتِعْدادَهُ، فَكانَتِ الرُّبُوبِيَّةُ نِعْمَةً، والنِّعْمَةُ قَدْ تَحْصُلُ بِضَرْبٍ مِنَ الشِّدَّةِ والأذى، فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِالرَّحْمانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ وصَلَتْ إلَيْنا بِطَرِيقِ الرِّفْقِ واليُسْرِ ونَفْيِ الحَرَجِ، حَتّى في أحْكامِ التَّكالِيفِ والمَناهِي والزَّواجِرِ فَإنَّها مَرْفُوقَةٌ بِاليُسْرِ بِقَدْرِ ما لا يُبْطِلُ المَقْصُودَ مِنها، فَمُعْظَمُ تَدْبِيرِهِ تَعالى بِنا هو رَحَماتٌ ظاهِرَةٌ كالتَّمْكِينِ مِنَ الأرْضِ وتَيْسِيرِ مَنافِعِها، ومِنهُ ما رَحْمَتُهُ بِمُراعاةِ اليُسْرِ بِقَدْرِ الإمْكانِ مِثْلَ التَّكالِيفِ الرّاجِعَةِ إلى مَنافِعِنا كالطَّهارَةِ وبَثِّ مَكارِمِ الأخْلاقِ، ومِنها ما مَنفَعَتُهُ لِلْجُمْهُورِ فَتَتْبَعُها رَحَماتُ الجَمِيعِ لِأنَّ في رَحْمَةِ الجُمْهُورِ رَحْمَةً بِالبَقِيَّةِ في انْتِظامِ الأحْوالِ كالزَّكاةِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ لَفْظَ رَحْمانٍ لَوْ لَمْ يُقْرَنْ بِلامِ التَّعْرِيفِ هَلْ يُصْرَفُ أوْ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ ؟ قالَ في الكافِيَةِ: النُّونُ والألِفُ إذا كانا في صِفَةٍ فَشَرْطُ مَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ انْتِفاءُ فَعْلانَةٍ، وقِيلَ وُجُودُ فَعْلى، ومِن ثَمَّ اخْتُلِفَ في رَحْمانٍ، وبَنُو أسَدٍ يَصْرِفُونَ جَمِيعَ فَعْلانَ لِأنَّهم يَقُولُونَ في كُلِّ مُؤَنَّثٍ لَهُ فَعْلانَةٌ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرَّضِيُّ وابْنُ مالِكٍ عَدَمَ صَرْفِهِ.
ibn_atiyyah — المحرر الوجيز
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ( الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ).
ibn_juzayy — التسهيل لعلوم التنزيل
وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.
الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن".
الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده.
الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.
الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.
الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة"
والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله.
الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.
الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.
الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.
الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣].
الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.
الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.
الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.
الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.
الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.
الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.
الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.
الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.
الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
ibn_qayyim — تفسير ابن القيم
ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولاسيما الرحمة الخاصة به التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء.
* [فَصْلٌ: ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بَعْدَ الحَمْدِ]
فِي ذِكْرِ هَذِهِ الأسْماءِ بَعْدَ الحَمْدِ، وإيقاعِ الحَمْدِ عَلى مَضْمُونِها ومُقْتَضاها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْمُودٌ في إلَهِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رَحْمانِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في مُلْكِهِ، وأنَّهُ إلَهٌ مَحْمُودٌ، ورَبٌّ مَحْمُودٌ، ورَحْمَنٌ مَحْمُودٌ، ومَلِكٌ مَحْمُودٌ، فَلَهُ بِذَلِكَ جَمِيعُ أقْسامِ الكَمالِ: كَمالٌ مِن هَذا الِاسْمِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنَ الآخَرِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنِ اقْتِرانِ أحَدِهِما بِالآخَرِ.
مِثالُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٧]، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فالغِنى صِفَةُ كَمالٍ، والحَمْدُ صِفَةُ كَمالٍ، واقْتِرانُ غِناهُ بِحَمْدِهِ كَمالٌ أيْضًا، وعِلْمُهُ كَمالٌ، وحِكْمَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِكْمَةِ كَمالٌ أيْضًا، وقُدْرَتُهُ كَمالٌ ومَغْفِرَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ القُدْرَةِ بِالمَغْفِرَةِ كَمالٌ، وكَذَلِكَ العَفْوُ بَعْدَ القُدْرَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِلْمِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].
وَحَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، فَما كُلُّ مَن قَدَرَ عَفا، ولا كُلُّ مَن عَفا يَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ، ولا كُلُّ مَن عَلِمَ يَكُونُ حَلِيمًا، ولا كُلُّ حَلِيمٍ عالِمٌ، فَما قُرِنَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍ أزْيَنُ مِن حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ومِن عَفْوٍ إلى قُدْرَةٍ، ومِن مُلْكٍ إلى حَمْدٍ، ومِن عِزَّةٍ إلى رَحْمَةٍ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]
وَمِن هاهُنا كانَ قَوْلُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]
أحْسَنُ مِن أنْ يَقُولَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أيْ إنْ غَفَرْتَ لَهم كانَ مَصْدَرُ مَغْفِرَتِكَ عَنْ عِزَّةٍ، وهي كَمالُ القُدْرَةِ، وعَنْ حِكْمَةٍ، وهي كَمالُ العِلْمِ، فَمَن غَفَرَ عَنْ عَجْزٍ وجَهْلٍ بِجُرْمِ الجانِي، فَأنْتَ لا تَغْفِرُ إلّا عَنْ قُدْرَةٍ تامَّةٍ، وعِلْمٍ تامٍّ، وحِكْمَةٍ تَضَعُ بِها الأشْياءَ مَواضِعَها، فَهَذا أحْسَنُ مِن ذِكْرِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في هَذا المَوْضِعِ، الدّالِّ ذِكْرُهُ عَلى التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ في غَيْرِ حِينِها، وقَدْ فاتَتْ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، كانَ في هَذا مِنَ الِاسْتِعْطافِ والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِمَن لا يَسْتَحِقُّها ما يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنصِبُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا سِيَّما والمَوْقِفُ مَوْقِفُ عَظَمَةٍ وجَلالٍ، ومَوْقِفُ انْتِقامٍ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا، واتَّخَذَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ، فَذِكْرُ العِزَّةِ والحِكْمَةِ فِيهِ ألْيَقُ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ.
وَهَذا بِخِلافِ قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ {واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ
فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٥]
وَلَمْ يَقِلْ: فَإنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِعْطافٍ وتَعْرِيضٍ بِالدُّعاءِ، أيْ إنْ تَغْفِرْ لَهم وتَرْحَمْهُمْ، بِأنْ تُوَفِّقَهم لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، كَما في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ».
وَفِي هَذا أظْهَرُ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى مُشْتَقَّةٌ مِن أوْصافٍ ومَعانٍ قامَتْ بِهِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ مَعَهُ، واقْتَرَنَ بِهِ، مِن فِعْلِهِ وأمْرِهِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
* [فَصْلٌ ارْتِباطُ الخَلْقِ بِأسْماءِ اللَّهِ]
وَتَأمَّلِ ارْتِباطَ الخَلْقِ والأمْرِ بِهَذِهِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ، وهي اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ كَيْفَ نَشَأ عَنْها الخَلْقُ، والأمْرُ، والثَّوابُ، والعِقابُ؟ وكَيْفَ جَمَعَتِ الخَلْقَ وفَرَّقَتْهُمْ؟ فَلَها الجَمْعُ، ولَها الفَرْقُ.
فاسْمُ الرَّبِّ لَهُ الجَمْعُ الجامِعُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَهو رَبُّ كُلَّ شَيْءٍ وخالِقُهُ، والقادِرُ عَلَيْهِ، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبْدٌ لَهُ في قَبْضَتِهِ، وتَحْتَ قَهْرِهِ، فاجْتَمَعُوا بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وافْتَرَقُوا بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ، فَألَّهَهُ وحْدَهُ السُّعَداءُ، وأقَرُّوا لَهُ طَوْعًا بِأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والتَّوَكُّلُ، والرَّجاءُ والخَوْفُ، والحُبُّ والإنابَةُ والإخْباتُ والخَشْيَةُ، والتَّذَلُّلُ والخُضُوعُ إلّا لَهُ.
وَهُنا افْتَرَقَ النّاسُ، وصارُوا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا مُشْرِكِينَ في السَّعِيرِ، وفَرِيقًا مُوَحِّدِينَ في الجَنَّةِ.
فالإلَهِيَّةُ هي الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ، كَما أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هي الَّتِي جَمَعَتْهم.
فالدِّينُ والشَّرْعُ، والأمْرُ والَنَّهْيُ مَظْهَرُهُ، وقِيامُهُ مِن صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، والخَلْقُ والإيجادُ والتَّدْبِيرُ والفِعْلُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنّارِ مِن صِفَةِ المُلْكِ، وهو مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ، فَأمَرَهم بِإلَهِيَّتِهِ، وأعانَهم ووَفَّقَهم وهَداهم وأضَلَّهم بِرُبُوبِيَّتِهِ، وأثابَهم وعاقَبَهم بِمُلْكِهِ وعَدْلِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الأُخْرى.
وَأمّا الرَّحْمَةُ فَهي التَّعَلُّقُ، والسَّبَبُ الَّذِي بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، فالتَّأْلِيهُ مِنهم لَهُ، والرُّبُوبِيَّةُ مِنهُ لَهُمْ، والرَّحْمَةُ سَبَبٌ واصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ، بِها أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وبِها هَداهُمْ، وبِها أسْكَنَهم دارَ ثَوابِهِ، وبِها رَزَقَهم وعافاهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَهم وبَيْنَهُ سَبَبُ العُبُودِيَّةِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَهم سَبَبُ الرَّحْمَةِ.
واقْتِرانُ رُبُوبِيَّتِهِ بِرَحْمَتِهِ كاقْتِرانِ اسْتِوائِهِ عَلى عَرْشِهِ بِرَحْمَتِهِ، فَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢-٣] فَإنَّ شُمُولَ الرُّبُوبِيَّةِ وسِعَتْها بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْها أقْصى شُمُولِ الرَّحْمَةِ وسِعَتِها، فَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ بِرَحْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مَعَ أنَّ في كَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ، وكَوْنِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
jazairi — أيسر التفاسير
تقدم شرح هاتين الكلمتين في البسملة. وأنهما اسمان وصف بهما اسم الجلالة «الله» في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ثناءً على الله تعالى لاستحقاقه الحمد كلّه.
katheer
وقوله :
( الرحمن الرحيم )
تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن إعادته .
katheer — تفسير القرآن العظيم
وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَسْمَلَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
makki — الهداية إلى بلوغ النهاية
قد تقدم الكلام عليه في التسمية. وإنما كرر، وقد تقدم ذكره في التسمية، لأن الأول ليس بآية من الحمد، وهذا آية، فلذلك وقع التكرير في آيتين متجاورتين. وهذا مما يدل على أن ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ ليس بآية من الحمد، إذ لو كانت آية كما يقول المخالف لكنا قد أتينا بآيتين متجاورتين متكررتين بمعنى، وهذا لا يوجد في كتاب الله جل ذكره إلا بفصول تفصل بين الأولى والثانية، أو بكلام يعترض بين الأولى والثانية.
- فإن قيل: قد فصل في هذا بـ ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
- فالجواب إن "الرحمٰن الرحيم" في الحمد مؤخر يراد به التقديم، وإنما تقديره: "الحمد لله الرحمٰن الرحيم رب العالمين"، فلا فاصل بين "الرحمن الرحيم" الأول والثاني. فإن كان ذلك كذلك، دل على أن التسمية ليست بآية من الحمد إذ لا نظير لها في كتاب الله جل ذكره، وإنما حكمنا على أن المراد" "بالرحمٰن الرحيم" في "الحمد" التقديم، لأن قوله: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ مثل قوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في المعنى، لأن معناه أنه إخبار من الله أنه يملك يوم الدين، و ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ هو إخبار من الله أنه يملك العالمين فاتصال الملك بالملك أولى في الحكمة ومجاورة صفته بالرحمة صفته بالحمد والثناء أولى. فكل واحد مرتبط إلى نظيره في المعنى فدل على أن ﴿ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ في "الحمد لله" متصل به، يراد به التقديم. و ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ متصل بـِ ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إذ هو نظيره في المعنى، وذلك أبلغ في الحكمة. والتقديم والتأخير كثير في القرآن.
mawardi — النكت والعيون
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أمّا ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَهو الثَّناءُ عَلى المَحْمُودِ بِجَمِيلِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، والشُّكْرُ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِإنْعامِهِ، فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ، ولَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَحْمِدَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يَشْكُرَها.
فَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ، فَهو أنَّ الحَمْدَ لا يُسْتَحَقُّ إلّا عَلى فِعْلٍ (p-٥٤)حَسَنٍ، والمَدْحُ قَدْ يَكُونُ عَلى فِعْلٍ وغَيْرِ فِعْلٍ، فَكُلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ ولَيْسَ كُلُّ مَدْحٍ حَمْدًا، ولِهَذا جازَ أنْ يُمْدَحَ اللَّهُ تَعالى عَلى صِفَتِهِ، بِأنَّهُ عالِمٌ قادِرٌ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُحْمَدَ بِهِ، لِأنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، لا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُمْدَحَ ويُحْمَدَ عَلى صِفَتِهِ، بِأنَّهُ خالِقٌ رازِقٌ لِأنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ لا مِن صِفاتِ ذاتِهِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ( رَبِّ ) فَقَدِ اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المالِكِ، كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ أيْ مالِكُها.
والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّيِّدِ، لِأنَّ السَّيِّدَ يُسَمّى رَبًّا قالَ تَعالى: ﴿أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يُوسُفَ: ٤١] يَعْنِي سَيِّدَهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الرَّبَّ المُدَبِّرُ، ومِنهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وهْمُ العُلَماءُ، سُمُّوا رَبّانِيِّينَ، لِقِيامِهِمْ بِتَدْبِيرِ النّاسِ بِعِلْمِهِمْ، وقِيلَ: رَبَّةُ البَيْتِ، لِأنَّها تُدَبِّرُهُ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: الرَّبُّ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] فَسَمّى ولَدَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً، لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَها.
فَعَلى هَذا، أنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ رَبٌّ، لِأنَّهُ مالِكٌ أوْ سَيِّدٌ، فَذَلِكَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، وإنْ قِيلَ: لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ، ومُرَبِّيهِمْ، فَذَلِكَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ، ومَتى أدْخَلْتَ عَلَيْهِ الألِفَ واللّامَ.
اخْتَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ، دُونَ عِبادِهِ، وإنْ حُذِفَتا مِنهُ، صارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿العالَمِينَ﴾ فَهو جَمْعُ عالَمٍ، لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، مِثْلُ: رَهْطٍ وقَوْمٍ، وأهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ قالَ العَجّاجُ:
؎ ... ... ... ∗∗∗ فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذا العالَمِ
واخْتُلِفَ في العالَمِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ما يَعْقِلُ: مِنَ المَلائِكَةِ، والإنْسِ، والجِنِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥٥)
والثّانِي: أنَّ العالَمَ الدُّنْيا وما فِيها.
والثّالِثُ: أنَّ العالَمَ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ.
واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِلْمِ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ العالَمَ اسْمًا لِما يَعْقِلُ.
والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَلامَةِ، لِأنَّهُ دِلالَةٌ عَلى خالِقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ العالَمَ اسْمًا لِكُلِّ مَخْلُوقٍ.
mawsua_mathur — موسوعة التفسير المأثور
<h3>﴿ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾ - تفسير</h3>
<div>
<p><span class="item-no">١٠٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">قتادة بن دِعامة</span> -من طريق مطر الوَرّاق- في قول الله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال: ما وُصف من خلقه. وفي قوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: مَدَح نفسه. ﴿ملك يوم الدين﴾ قال: يوم يُدان بين الخلائق، أي: هكذا فقولوا. ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال: دلَّ على نفسه. ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي: الطريق المستقيم؛ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ أي: طريق الأنبياء، ﴿غير المغضوب عليهم﴾ قال: اليهود، ﴿ولا الضالين﴾ قال: النصارى[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٦٧)</p>
</div>
mukhtasar — المختصر في تفسير القرآن الكريم
ثناء على الله تعالى بعد حمده في الآية السابقة.
muyassar — التفسير الميسر
﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، ﴿ٱلرَّحِيمِ﴾ بالمؤمنين، وهما اسمان من أسماء الله تعالى.
nasafi — مدارك التنزيل وحقائق التأويل
﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ ذِكْرُهُما قَدْ مَرَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، إذْ لَوْ كانَتْ مِنها لَما أعادَهُما، لِخُلُوِّ الإعادَةِ عَنِ الإفادَةِ.
qannuji — فتح البيان في مقاصد القرآن
(الرحمن الرحيم) هو اسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا وقد تقرر أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى وقال ابن الأنباري والزجاج أن الرحمن عبراني، والرحيم عربي، وخالفهما غيرهما (قال القرطبي) وصف نفسه بهما لأنه لما كان باتصافه برب العالمين ترهيب قرنه بالرحمن الرحيم لا تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، وقيل فائدة تكريره هنا بعد الذكر في البسملة أن العناية بالرحمة أكثر من غيرها من الأمور، وإن الحاجة إليها أكثر، فنبه سبحانه بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها وأنه هو المتفضل بها على خلقه، وفيه إثبات الصفات الذاتية كما في التي قبلها إثبات الصانع وحدوث العالم.
qasimi — محاسن التأويل
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ ] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
إيرادُهُما عَقْدُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بابِ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ الَّذِي هو أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ.
qortobi — الجامع لأحكام القرآن
الثالثة عشرة قَوْلُهُ تَعَالَى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بَعْدَ "رَبِّ الْعالَمِينَ"، بِأَنَّهُ "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي اتِّصَافِهِ بِ "رَبِّ الْعالَمِينَ" تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِ "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ، لِيَجْمَعَ فِي صِفَاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنْهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَمْنَعَ، كَمَا قَالَ:" نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [[آية ٥٠ ٤٩ سورة الحجر.]] ". وَقَالَ: "غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ" [[آية ٣ سورة غافر.]]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ). وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مِنَ الْمَعَانِي، فلا معنى لإعادته.
qortobi
قوله تعالى : الرحمن الرحيم وصف نفسه تعالى بعد رب العالمين ، بأنه الرحمن الرحيم ; لأنه لما كان في اتصافه ب رب العالمين ترهيب قرنه ب الرحمن الرحيم ، لما تضمن من الترغيب ; ليجمع في صفاته بين الرهبة منه ، والرغبة إليه ; فيكون أعون على طاعته وأمنع ; كما قال : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم . وأن عذابي هو العذاب الأليم . وقال : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد . وقد تقدم ما في هذين الاسمين من المعاني ، فلا معنى لإعادته .
razi — مفاتيح الغيب
البابُ الخامِسُ
فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وفِيهِ فَصُولٌ
الفَصْلُ الأوَّلُ
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هاهُنا ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ: الحَمْدُ والمَدْحُ والشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ألا تَرى أنَّ مَن رَأى لُؤْلُؤَةً في غايَةِ الحُسْنِ أوْ ياقُوتَةً في غايَةِ الحُسْنِ فَإنَّهُ قَدْ يَمْدَحُها، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَحْمَدَها، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإحْسانِ وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْسانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«احْثُوا التُّرابَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ» “ أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قالَ ﷺ: (p-١٧٩)”«مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ، وأمّا الحَمْدُ فَهو القَوْلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهي فَضِيلَةُ الإنْعامِ والإحْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.
وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَهو أنَّ الحَمْدَ يَعُمُّ ما إذا وصَلَ ذَلِكَ الإنْعامُ إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالإنْعامِ الواصِلِ إلَيْكَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ حاصِلٌ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ولِلْفاعِلِ المُخْتارِ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ: المَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا مُخْتارًا، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتارًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا القائِلِ مُقِرًّا بِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذّاتِ كَما تَقُولُ الفَلاسِفَةُ بَلْ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِن قَوْلِهِ: الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلى غَيْرِهِ، وأمّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهو ثَناءٌ بِسَبَبِ إنْعامٍ وصَلَ إلى ذَلِكَ القائِلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَواءٌ أعْطَيْتَنِي أوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإنْعامُكَ واصِلٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ العَظِيمِ، وقِيلَ: الحَمْدُ عَلى ما دَفَعَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عَلى ما أعْطى مِنَ النَّعْماءِ.
فَإنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ في الإعْطاءِ أكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ في دَفْعِ البَلاءِ، فَلِماذا تَرَكَ الأكْثَرَ وذَكَرَ الأقَلَّ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا شاكِرٌ لِأدْنى النِّعْمَتَيْنِ فَكَيْفَ لِأعْلاهُما.
الثّانِي: المَنعُ غَيْرُ مُتَناهٍ، والإعْطاءُ مُتَناهٍ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِشُكْرِ دَفْعِ البَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ أوْلى.
الثّالِثُ: أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قَدَّمَهُ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أحْمَدُ اللَّهَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ العِبارَةُ الثّانِيَةُ أوْلى؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، أفادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ القائِلِ قادِرًا عَلى حَمْدِهِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِينَ وقَبْلَ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، فَهَؤُلاءِ سَواءٌ حَمِدُوا أوْ لَمْ يَحْمَدُوا، وسَواءٌ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا، فَهو تَعالى مَحْمُودٌ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ بِحَمْدِهِ القَدِيمِ وكَلامِهِ القَدِيمِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ حُقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، فَإنَّهُ تَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أيادِيهِ وأنْواعِ آلائِهِ عَلى العِبادِ، فَقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، ولَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ أوْلى مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى أنَّ شَخْصًا واحِدًا حَمِدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ لَكانَ قَدْ حَمِدَ، لَكِنْ لا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وأمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أنا حَتّى أحْمَدَهُ ؟ لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الحامِدِينَ، مِثالُهُ ما لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ ؟ فَإنْ قَلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ ولَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، ولَوْ قُلْتَ في الجَوابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلى كُلِّ الخَلائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأكْمَلِ المَحامِدِ.
ورابِعُها: أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةِ القَلْبِ، وهي اعْتِقادُ كَوْنِ ذَلِكَ المَحْمُودِ مُتَفَضِّلًا مُنْعِمًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَإذا تَلَفَّظَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ غافِلًا عَنْ مَعْنى التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِجَلالِ اللَّهِ كانَ كاذِبًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ حامِدًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ غافِلًا أوْ مُسْتَحْضِرًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ فَإنَّهُ يَكُونُ صادِقًا؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ حَقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ كانَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ (p-١٨٠)أوْلى مِن قَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ لا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ، بِخِلافِ قَوْلِنا: أشَهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كاذِبًا في قَوْلِهِ: أشَهْدُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في تَكْذِيبِ المُنافِقِينَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ولِهَذا السِّرِّ أُمِرَ في الأذانِ بِقَوْلِهِ: أشْهَدُ، ثُمَّ وقَعَ الخَتْمُ عَلى قَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً:
أحَدُها: الِاخْتِصاصُ اللّائِقُ كَقَوْلِكَ: الجُلُّ لِلْفَرَسِ.
وثانِيها: المِلْكُ كَقَوْلِكَ: الدّارُ لِزَيْدٍ.
وثالِثُها: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِكَ: البَلَدُ لِلسُّلْطانِ، واللّامُ في قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ اللّائِقِ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ الحَمْدُ إلّا بِهِ لِغايَةِ جَلالِهِ وكَثْرَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى المِلْكِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِلْكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكَ مِنهم كَوْنَهم مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلى المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وبِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ مِلْكُهُ ومَلَكَهُ، وبِمَعْنى أنَّهُ هو المُسْتَوْلِي عَلى الكُلِّ والمُسْتَعْلِي عَلى الكُلِّ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثَمانِيَةُ أحْرُفٍ، وأبْوابُ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، فَمَن قالَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ عَنْ صَفاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمانِيَةَ أبْوابِ الجَنَّةِ.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الحَمْدُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ كانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سابِقٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وإلّا يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإجْمالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ يُفِيدُ الماهِيَّةَ والحَقِيقَةَ فَقَطْ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ أفادَ أنَّ كُلَّ ما كانَ حَمَدًا وثَناءً فَهو لِلَّهِ وحَقُّهُ ومِلْكُهُ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ البَتَّةَ، وإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ ماهِيَّةَ الحَمْدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَنْفِي حُصُولَ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأُسْتاذُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ، والسُّلْطانُ العادِلُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ.
قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِ بِإنْعامٍ فالمُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، وإلّا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وسَلَّطَ ذَلِكَ المُنْعِمَ عَلَيْها، ومَكَّنَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ - لَما حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُنْعِمَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ.
* * *
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ قَوْلَهَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مَحْمُودَ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ العَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ داعِيَةَ الإنْعامِ في قَلْبِ المُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ، فَيَكُونُ المُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى الغَيْرِ فَإنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الإنْعامِ عِوَضًا؛ إمّا ثَوابًا، أوْ ثَناءً، أوْ تَوْصِيلَ حَقٍّ، أوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِن خُلُقِ البُخْلِ، وطالِبُ العِوَضِ لا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ في الحَقِيقَةِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَطْلُبُ الكَمالَ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَكانَتْ عَطاياهُ جُودًا مَحْضًا وإحْسانًا مَحْضًا، فَلا جَرَمَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ (p-١٨١)أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ الوُجُودِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الوُجُودِ فَإنَّهُ وُجِدَ بِإيجادِ الحَقِّ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةٍ، يَنْتُجُ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] والحَمْدُ لا مَعْنًى لَهُ إلّا الثَّناءُ عَلى الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ لا إنْعامَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهَ تَعالى.
ورابِعُها: النِّعْمَةُ لا تَكُونُ كامِلَةً إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ مَنفَعَةً، والِانْتِفاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا، وكَوْنُهُ حَيًّا مُدْرِكًا لا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ والغَمِّ، وإخْلاءُ المَنافِعِ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ آمِنَةً مِن خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وهَذا الأمْرُ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا ثَبَتَ هَذا فالنِّعْمَةُ الكامِلَةُ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ الكامِلَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا، وما لَمْ يَحْصُلْ شُعُورُ الإنْسانِ بِوُصُولِ النِّعْمَةِ إلَيْهِ امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ عاجِزًا عَنْ حَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ لا يَقْوى عَقْلُ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإذا امْتَنَعَ وُقُوفُ الإنْسانِ عَلَيْها امْتَنَعَ اقْتِدارُهُ عَلى الحَمْدِ والشُّكْرِ والثَّناءِ اللّائِقِ بِها.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُمْكِنُهُ القِيامُ بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ إذا أقْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا خَلَقَ في قَلْبِهِ داعِيَةً إلى فِعْلِ ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا زالَ عَنْهُ العَوائِقُ والحَوائِلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنْعامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتِلْكَ النِّعَمُ أيْضًا تُوجِبُ الشُّكْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالشُّكْرِ والحَمْدِ إلّا عِنْدَ الإتْيانِ بِهِ مِرارًا لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإنْسانُ يَمْتَنِعُ مِنهُ الإتْيانُ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، الثّالِثُ: أنَّ الحَمْدَ والشُّكْرَ لَيْسَ مَعْناهُ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ بِلِسانِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عِلْمُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، وكُلُّ ما خَطَرَ بِبالِ الإنْسانِ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ فَكَمالُ اللَّهِ وجَلالُهُ أعْلى وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ والمُتَصَوَّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الإنْسانِ آتِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ مَعْناهُ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يُقابِلُ الإنْعامَ الصّادِرَ مِنَ المُنْعِمِ بِشُكْرِ نَفْسِهِ وبِحَمْدِ نَفْسِهِ وذَلِكَ بِعِيدٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لا حَدَّ لَها، فَمُقابَلَتُها بِهَذا الِاعْتِقادِ الواحِدِ وبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ في غايَةِ البُعْدِ.
وثانِيها: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ حَمْدَهُ وشُكْرَهُ يُساوِي نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أشْرَكَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الواسِطِيِّ الشُّكْرُ شِرْكٌ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى إنْعامِ اللَّهِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أحْوالِهِ، واللَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ وحَمْدِ الحامِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُقابَلَةُ نِعَمِ اللَّهِ بِهَذا الشُّكْرِ وبِهَذا الحَمْدِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإتْيانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَقُلِ احْمَدُوا اللَّهَ، بَلْ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ احْمَدُوا اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ المَعْنى أنَّ كَمالَ الحَمْدِ حَقُّهُ ومِلْكُهُ، سَواءٌ قَدَرَ الخَلْقُ عَلى الإتْيانِ بِهِ أوْ لَمْ يَقْدِرُوا (p-١٨٢)عَلَيْهِ؛ ونُقِلَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِكَ عَلَيَّ، وهو أنْ تُوَفِّقَنِي لِذَلِكَ الشُّكْرِ ؟ فَقالَ: يا داوُدُ، لَمّا عَلِمْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي بِحَسَبِ قُدْرَتِكَ وطاقَتِكَ.
الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً فَيَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرُوا إلى عَبْدِي أعْطَيْتُهُ ما لا قَدْرَ لَهُ فَأعْطانِي ما لا قِيمَةَ لَهُ»، وتَفْسِيرُهُ أنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى العَبْدِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أحَدَ الأشْياءِ المُعْتادَةِ مِثْلَ أنَّهُ كانَ جائِعًا فَأطْعَمَهُ، أوْ كانَ عَطْشانًا فَأرْواهُ، أوْ كانَ عُرْيانًا فَكَساهُ، أمّا إذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ حَمْدٍ أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ فَهو لِلَّهِ، وكُلَّ حَمْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ وأمْكَنَ في حُكْمِ العَقْلِ دُخُولُهُ في الوُجُودِ فَهو لِلَّهِ، وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها مَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وساكِنُو أطْباقِ السَّماواتِ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي سَيَذْكُرُونَها إلى وقْتِ قَوْلِهِمْ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ثُمَّ جَمِيعُ هَذِهِ المَحامِدِ مُتَناهِيَةٌ، وأمّا المَحامِدُ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها هي الَّتِي سَيَأْتُونَ بِها أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، فَكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ العَبْدِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: «انْظُرُوا إلى عَبْدِي قَدْ أعْطَيْتُهُ نِعْمَةً واحِدَةً لا قَدْرَ لَها، فَأعْطانِي مِنَ الشُّكْرِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ» .
أقُولُ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ، وقَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ المُتَناهِي إذا سَقَطَ مِنهُ المُتَناهِي بَقِيَ الباقِي غَيْرَ مُتَناهٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: عَبْدِي، إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ فالَّذِي بَقِيَ لَكَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ طاعاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا بُدَّ مِن مُقابَلَتِها بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَسْتَحِقُّ العَبْدُ الثَّوابَ الأبَدِيَّ والخَيْرَ السَّرْمَدِيَّ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ العَبْدِ لِلَّهِ يُوجِبُ سَعاداتٍ لا آخِرَ لَها وخَيْراتٍ لا نِهايَةَ لَها.
* * *
الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَيٌّ فَإنَّهُ يَكْرَهُ عَدَمَ نَفْسِهِ، ولَوْلا أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ حَصَلَ بِإيجادِ اللَّهِ وجُودِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ في عالَمِ الأرْواحِ والأجْسامِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ ورَحْمَةٌ وإحْسانٌ، والنِّعْمَةُ والرَّحْمَةُ والإحْسانُ مُوجِبَةٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مُرادُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيَّ، بَلِ المُرادُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الصّادِرَةِ مِنهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إنْعامَهُ واصِلٌ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، كانَ مَعْناهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ، وعَلى كُلِّ مُحْدَثٍ أحْدَثَهُ مِن نُورٍ، وظُلْمَةٍ، وسُكُونٍ، وحَرَكَةٍ، وعَرْشٍ، وكُرْسِيٍّ، وجِنِّيٍّ، وإنْسِيٍّ، وذاتٍ، وصِفَةٍ، وجِسْمٍ، وعَرَضٍ، إلى أبَدِ الآبادِ ودَهْرِ الدّاهِرِينَ، وأنا أشْهَدُ أنَّها بِأسْرِها حَقُّكَ ومِلْكُكَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَكَ فِيها شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ.
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ فَما السَّبَبُ هاهُنا في وُقُوعِ البِدايَةِ بِالتَّحْمِيدِ ؟ والجَوابُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ دَلالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى كَوْنِهِ (p-١٨٣)مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى تامًّا، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فَوْقَ التَّمامِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الِابْتِداءُ بِالتَّحْمِيدِ أوْلى، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القَوانِينِ الحِكَمِيَّةِ، وأمّا الوَجْهُ اللّائِقُ بِالقَوانِينِ الأُصُولِيَّةِ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكُونُ مُحْسِنًا بِالعِبادِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِيَعْلَمَ أصْنافَ حاجاتِ العِبادِ، وإلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ لِيَقْدِرَ عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وإلّا إذا كانَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ حاجَةِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الِابْتِداءَ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالماضِي وتَعَلُّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالماضِي فَهو أنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلى النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ فَهو أنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ النِّعَمَ السّابِقَةَ تُوجِبُ الإقْدامَ عَلى الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ إذا اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ انْفَتَحَتْ عَلى العَقْلِ والقَلْبِ أبْوابُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأبْوابُ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ الحَمْدُ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالماضِي يُغْلِقُ عَنْكَ أبْوابَ النِّيرانِ، وبِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَقْبَلِ يَفْتَحُ لَكَ أبْوابَ الجِنانِ، فَتَأْثِيرُهُ في الماضِي سَدَّ أبْوابَ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وتَأْثِيرُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَتَحَ أبْوابَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِلْعَبْدِ في مَعارِجِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ولا مِفْتاحَ لَها إلّا قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الحَمْدِ بِسُورَةِ الفاتِحَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ لَكِنْ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها في مَوْضِعِها وإلّا لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنها، قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ: كَيْفَ يَجِبُ الإتْيانُ بِالطّاعَةِ ؟ قالَ: أنا مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً أسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً واحِدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَقِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: وقَعَ الحَرِيقُ في بَغْدادَ واحْتَرَقَتِ الدَّكاكِينُ والدُّورُ، فَأخْبَرُونِي أنَّ دُكّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وكانَ مَعْناهُ أنِّي فَرِحْتُ بِبَقاءِ دُكّانِي حالَ احْتِراقِ دَكاكِينِ النّاسِ، وكانَ حَقُّ الدِّينِ والمُرُوءَةِ أنْ لا أفْرَحَ بِذَلِكَ، فَأنا في الِاسْتِغْفارِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ وإنْ كانَتْ جَلِيلَةَ القَدْرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ رِعايَةُ مَوْضِعِها، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ كَثِيرَةٌ، إلّا أنَّها بِحَسَبِ القِسْمَةِ الأُولى مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: نِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ إجْلالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن أنْ يَذْكُرَها في مُقابَلَةِ نِعَمِ الدُّنْيا، بَلْ يَجِبُ أنْ لا يَذْكُرَها إلّا عِنْدَ الفَوْزِ بِنِعَمِ الدِّينِ، ثُمَّ نِعَمُ الدِّينِ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ، وأعْمالُ القُلُوبِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، ثُمَّ نِعَمُ الدُّنْيا قِسْمانِ: تارَةً تُعْتَبَرُ تِلْكَ النِّعَمُ مِن حَيْثُ هي نِعَمٌ، وتارَةً تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ إنَّها عَطِيَّةُ المُنْعِمِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، فَهَذِهِ مَقاماتٌ يَجِبُ اعْتِبارُها حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مُوافِقًا لِمَوْضِعِهِ لائِقًا بِسَبَبِهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَها أبُونا آدَمُ هو قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها أهْلُ الجَنَّةِ هو قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ الرُّوحَ إلى سُرَّتِهِ عَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وأمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَفاتِحَةُ العالَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ (p-١٨٤)وخاتِمَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ، فاجْتَهِدْ حَتّى يَكُونَ أوَّلُ أعْمالِكَ وآخِرُها مَقْرُونًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ عالَمٌ صَغِيرٌ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْوالُهُ مُوافِقَةً لِأحْوالِ العالَمِ الكَبِيرِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإضْمارَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِيَصِحَّ الكَلامُ، وهَذا الإضْمارُ يُوجِبُ فَسادَ الكَلامِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لَهُ ومِلْكًا لَهُ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ في نَفْسِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وبِحَسَبِ أفْعالِهِ سَواءٌ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ أعْلى وأجَلُّ مِمّا بِالغَيْرِ.
الثّالِثُ: ذَكَرُوا مَسْألَةً في الواقِعاتِ وهي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوالِدِ أنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ: اعْمَلْ كَذا وكَذا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَثِلَ أمْرَهُ فَيَأْثَمَ، بَلْ يَقُولُ: إنَّ كَذا وكَذا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، ثُمَّ إذا كانَ الوَلَدُ كَرِيمًا فَإنَّهُ يُجِيبُ ويُطِيعُهُ، وإنْ كانَ عاقًّا لَمْ يُشافِهْهُ بِالرَّدِّ، فَيَكُونُ إثْمُهُ أقَلَّ، فَكَذَلِكَ هاهُنا قالَ اللَّهُ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَن كانَ مُطِيعًا حَمِدَهُ، ومَن كانَ عاصِيًا إثْمُهُ أقَلُّ.
* * *
الفائِدَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: تَمَسَّكَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ فِعْلُهُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، وكانَتِ النِّعْمَةُ الصّادِرَةُ عَنْهُ أعْلى وأفْضَلَ، كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْحَمْدِ أكْثَرَ، ولا شَكَّ أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ هو الإيمانُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَ اسْتِحْقاقُ العَبْدِ لِلْحَمْدِ أوْلى وأجَلَّ مِنِ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ لَهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لا بِخَلْقِ العَبْدِ.
الثّانِي: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، لَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ لَكانَ قَوْلُهُمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ باطِلًا، فَإنَّ حَمْدَ الفاعِلِ عَلى ما لا يَكُونُ فِعْلًا لَهُ باطِلٌ قَبِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] .
الثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَمْدٌ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ كُلُّ الحَمْدِ لِلَّهِ لَوْ كانَ كُلُّ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ، والإيمانُ أفْضَلُ النِّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ مَدْحٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، ومَدْحُ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَلَمّا بَدَأ كِتابَهُ بِمَدْحِ النَّفْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الخَلْقِ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ ما يَقْبُحُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ أنْ تُقاسَ أفْعالُهُ عَلى أفْعالِ الخَلْقِ، فَقَدْ تَقْبُحُ أشْياءُ مِنَ العِبادِ ولا تَقْبُحُ تِلْكَ الأشْياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَهْدِمُ أُصُولَ الِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ.
والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْعالَهُ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَسَنَةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ لَها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الحُسْنِ، وإلّا كانَتْ عَبَثًا، وذَلِكَ في حَقِّهِ مُحالٌ، والزّائِدَةُ عَلى الحُسْنِ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ مِن بابِ التَّفَضُّلِ: أمّا الواجِبُ فَهو مِثْلُ إيصالِ الثَّوابِ والعِوَضِ إلى المُكَلَّفِينَ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التَّفَضُّلِ فَهو مِثْلُ أنَّهُ يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الواجِبِ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ، فَنَقُولُ: هَذا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ويُبْطِلُ صِحَّةَ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: أمّا أداءُ الواجِباتِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ دَيْنُ دِينارٍ فَأدّاهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، فَلَوْ وجَبَ عَلى اللَّهِ فِعْلٌ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الذَّمِّ ولا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ، وأمّا فِعْلُ التَّفَضُّلِ فَعِنْدَ الخَصْمِ أنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَزِيدَ حَمْدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الفِعْلُ لَما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الحَمْدُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ (p-١٨٥)والمَدْحِ.
السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَحْمُودٌ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ والمَدْحَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ أوْ لَيْسَ ثابِتًا لِذاتِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ، وامْتَنَعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ارْتِفاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ في حَقِّهِ تَعالى وُجُوبُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ لِلْعِبادِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْواضِ والثَّوابِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ لِلَّهِ لَيْسَ ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ - فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا قَبِيحَ في فِعْلِهِ، ولا جَوْرَ في أقْضِيَتِهِ، ولا ظُلْمَ في أحْكامِهِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَلِكَ، فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِأعْظَمِ المَحامِدِ والمَدائِحِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ لا قَبِيحَ إلّا وهو فِعْلُهُ، ولا جَوْرَ إلّا وهو حُكْمُهُ، ولا عَبَثَ إلّا وهو صُنْعُهُ؛ لِأنَّهُ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ويُؤْلِمُ الحَيَواناتِ مِن غَيْرِ أنْ يُعَوِّضَها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ؟ وأيْضًا فَذَلِكَ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ الإلَهِيَّةِ إمّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلى العَبْدِ، أوْ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ كَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا.
الفائِدَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في أنَّ وُجُوبَ الشُّكْرِ ثابِتٌ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ؛ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ بِالسَّمْعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ وبَعْدَ مَجِيئِهِ عَلى الإطْلاقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ أنَّ هَذا الحَمْدَ حَقُّهُ ومِلْكُهُ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَهاهُنا أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، مالِكًا لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ في القِيامَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ إنَّما يَحْصُلُ لِكَوْنِهِ تَعالى مُرَبِّيًا لَهم رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ ثابِتٌ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ أوْ بَعْدَهُ.
الفائِدَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ حَقِيقَةِ الحَمْدِ وماهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: تَحْمِيدُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عِبارَةً عَنْ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ حُصُولِ الحَمْدِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْمِيدُ اللَّهِ مُغايِرًا لِقَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَنَقُولُ: حَمْدُ المُنْعِمِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا. وذَلِكَ الفِعْلُ إمّا أنْ يَكُونَ فِعْلُ القَلْبِ، أوْ فِعْلُ اللِّسانِ، أوْ فِعْلُ الجَوارِحِ، أمّا فِعْلُ القَلْبِ فَهو أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، وأمّا فِعْلُ اللِّسانِ فَهو أنْ يَذْكُرَ ألْفاظًا دالَّةً عَلى كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ، وأمّا فِعْلُ الجَوارِحِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الحَمْدِ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ افْتَرَقُوا في هَذا المَقامِ (p-١٨٦)فَرِيقَيْنِ: الفَرِيقُ الأوَّلُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عَبِيدَهُ بِأنْ يَحْمَدُوهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحْمِيدَ إمّا أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى إنْعامٍ وصَلَ إلَيْهِمْ أوْ لا، وبِناءً عَلَيْهِ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِنهم عَلى إنْعامِهِ جَزاءً ومُكافَأةً، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ الكَرَمِ، فَإنَّ الكَرِيمَ إذا أنْعَمَ لَمْ يَطْلُبِ المُكافَأةَ، وأمّا الثّانِي فَهو إتْعابٌ لِلْغَيْرِ ابْتِداءً، وذَلِكَ يُوجِبُ الظُّلْمَ.
الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِهَذا الحَمْدِ مُتْعِبٌ لِلْحامِدِ وغَيْرُ نافِعٍ لِلْمَحْمُودِ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ والكامِلُ لِذاتِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَكْمِلَ بِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِهَذا التَّحْمِيدِ عَبَثٌ وضَرَرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الإيجابِ هو أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، فَإيجابُ حَمْدِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ تَشْتَغِلْ بِهَذا الحَمْدِ لَعاقَبْتُكَ، وهَذا الحَمْدُ لا نَفْعَ لَهُ في حَقِّ اللَّهِ، فَكانَ مَعْناهُ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأحَدٍ، ولَوْ تَرَكْتَهُ لَعاقَبْتُكَ أبَدَ الآبادِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِالحَكَمِ الكَرِيمِ. الفَرِيقُ الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِحَمْدِ اللَّهِ سُوءُ أدَبٍ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مُقابَلَةِ إحْسانِ اللَّهِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ القَلِيلِ.
والثّانِي: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ لا يَتَأتّى إلّا مَعَ اسْتِحْضارِ تِلْكَ النِّعَمِ في القَلْبِ واشْتِغالَ القَلْبِ بِالنِّعَمِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ.
الثّالِثُ: أنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أثْنى عَلَيْهِ لِأجْلِ الفَوْزِ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَقْصُودَهُ مِنَ العِبادَةِ والحَمْدِ والثَّناءِ الفَوْزُ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وهَذا الرَّجُلُ في الحَقِيقَةِ مَعْبُودُهُ ومَطْلُوبُهُ إنَّما هو تِلْكَ النِّعْمَةُ وحَظُّ النَّفْسِ، وذَلِكَ مَقامٌ نازِلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الفَصْلُ الثّانِي
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ
الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَوْجُودَ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَهو اللَّهُ تَعالى فَقَطْ، وأمّا المُمْكِنُ لِذاتِهِ فَهو كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وهو العالَمُ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا: العالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ، وسَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذا القِسْمِ بِالعالَمِ أنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ بِأنَّهُ عالَمٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، ولا صِفَةَ لِلْمُتَحَيِّزِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ:
القِسْمُ الأوَّلُ المُتَحَيِّزُ: وهو إمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَهو الجِسْمُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو الجَوْهَرُ الفَرْدُ؛ أمّا الجِسْمُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ أوْ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ؛ أمّا الأجْسامُ العُلْوِيَّةُ فَهي الأفْلاكُ والكَواكِبُ، وقَدْ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ أشْياءُ أُخَرُ سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، مِثْلُ العَرْشِ، والكُرْسِيِّ، وسِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّوْحِ، والقَلَمِ، والجَنَّةِ، وأمّا الأجْسامُ السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا بَسِيطَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ: أمّا البَسِيطَةُ فَهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ:
وأحَدُها: كُرَةُ الأرْضِ بِما فِيها مِنَ المَفاوِزِ والجِبالِ والبِلادِ المَعْمُورَةِ.
وثانِيها: كُرَةُ الماءِ وهي البَحْرُ المُحِيطُ وهَذِهِ الأبْحُرُ الكَبِيرَةُ المَوْجُودَةُ في هَذا الرُّبْعِ المَعْمُورِ وما فِيهِ مِنَ الأوْدِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ تَعالى.
وثالِثُها: كُرَةُ الهَواءِ.
ورابِعُها: كُرَةُ النّارِ. وأمّا الأجْسامُ المُرَكَّبَةُ فَهي النَّباتُ، والمَعادِنُ، والحَيَوانُ، عَلى كَثْرَةِ أقْسامِها وتَبايُنِ أنْواعِها.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو المُمْكِنُ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزاتِ - فَهي الأعْراضُ، والمُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا ما يَقْرُبُ مِن أرْبَعِينَ جِنْسًا مِن أجْناسِ الأعْراضِ.
أمّا الثّالِثُ - وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ - فَهو (p-١٨٧)الأرْواحُ، وهي إمّا سُفْلِيَّةٌ، وإمّا عُلْوِيَّةٌ: أمّا السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا خَيِّرَةٌ، وهم صالِحُو الجِنِّ، وإمّا شِرِّيرَةٌ خَبِيثَةٌ وهي مَرَدَةُ الشَّياطِينِ. والأرْواحُ العُلْوِيَّةُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالأجْسامِ وهي الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالأجْسامِ، وهي الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ المُقَدَّسَةُ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى تَقْسِيمِ مَوْجُوداتِ العالَمِ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ كَتَبَ ألْفَ ألْفِ مُجَلَّدٍ في شَرْحِ هَذِهِ الأقْسامِ لَما وصَلَ إلى أقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ هَذِهِ الأقْسامِ، إلّا أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَيَكُونُ مُحْتاجًا في وُجُودِهِ إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وأيْضًا ثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُبْقِي، واللَّهُ تَعالى إلَهُ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهو رَبُّ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي يُبْقِيها حالَ دَوامِها واسْتِقْرارِها. وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ عِنْدَكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وكُلُّ مَن كانَ أكْثَرَ إحاطَةٍ بِأحْوالِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ كانَ أكْثَرَ وُقُوفًا عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: المُرَبِّي عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يُرَبِّيَ شَيْئًا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِ المُرَبِّي، والثّانِي: أنْ يُرَبِّيَهُ لِيَرْبَحَ المُرَبِّي، وتَرْبِيَةُ كُلِّ الخَلْقِ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهم إنَّما يُرَبُّونَ غَيْرَهم لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ إمّا ثَوابًا أوْ ثَناءً، والقِسْمُ الثّانِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم فَهو تَعالى يُرَبِّي ويُحْسِنُ، وهو بِخِلافِ سائِرِ المُرَبِّينَ وبِخِلافِ سائِرِ المُحْسِنِينَ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى مُخالِفَةٌ لِتَرْبِيَةِ غَيْرِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى يُرَبِّي عَبِيدَهُ لا لِغَرَضِ نَفْسِهِ بَلْ لِغَرَضِهِمْ، وغَيْرُهُ يُرَبُّونَ لِغَرَضِ أنْفُسِهِمْ لا لِغَرَضِ غَيْرِهِمْ.
الثّانِي: أنَّ غَيْرَهُ إذا رَبّى فَبِقَدْرِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ يَظْهَرُ النُّقْصانُ في خَزائِنِهِ وفي مالِهِ، وهو تَعالى مُتَعالٍ عَنِ النُّقْصانِ والضَّرَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
الثّالِثُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ إذا ألَحَّ الفَقِيرُ عَلَيْهِ أبْغَضَهُ وحَرَمَهُ ومَنَعَهُ، والحَقُّ تَعالى بِخِلافِ ذَلِكَ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ» .
الرّابِعُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ ما لَمْ يُطْلَبْ مِنهُ الإحْسانُ لَمْ يُعْطِ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَأنَّهُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤالِ، تَرى أنَّهُ رَبّاكَ حالَ ما كُنْتَ جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ، وحالَ ما كُنْتَ جاهِلًا غَيْرَ عاقِلٍ، لا تُحْسِنُ أنْ تَسْألَ مِنهُ، ووَقاكَ وأحْسَنَ إلَيْكَ مَعَ أنَّكَ ما سَألْتَهُ، وما كانَ لَكَ عَقْلٌ ولا هِدايَةٌ.
الخامِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ إمّا بِسَبَبِ الفَقْرِ أوِ الغَيْبَةِ أوِ المَوْتِ، والحَقُّ تَعالى لا يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ البَتَّةَ.
السّادِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَخْتَصُّ إحْسانُهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ولا يُمْكِنُهُ التَّعْمِيمُ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَقَدْ وصَلَ تَرْبِيَتُهُ وإحْسانُهُ إلى الكُلِّ، كَما قالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى رَبُّ العالَمِينَ، ومُحْسِنٌ إلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الَّذِي يُحْمَدُ ويُمْدَحُ ويُعَظَّمُ في الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِأحَدِ وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ:
إمّا لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ والآفاتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ إحْسانٌ إلَيْكَ.
وإمّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلَيْكَ ومُنْعِمًا عَلَيْكَ.
وإمّا لِأنَّكَ تَرْجُو وصُولَ إحْسانِهِ إلَيْكَ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ.
وإمّا لِأجْلِ أنَّكَ تَكُونُ خائِفًا مِن قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الحالاتُ هي الجِهاتُ المُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الكَمالَ الذّاتِيَّ فاحْمَدُونِي فَإنِّي إلَهُ العالَمِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وإنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الإحْسانَ فَأنا رَبُّ العالَمِينَ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ في المُسْتَقْبَلِ فَأنا (p-١٨٨)الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها أمْثِلَةً:
المِثالُ الأوَّلُ: لَمّا وقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِن صُلْبِ الأبِ إلى رَحِمِ الأُمِّ فانْظُرْ كَيْفَ أنَّها صارَتْ عَلَقَةً أوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنها أعْضاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ العِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ والأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها نَوْعٌ خاصٌّ مِن أنْواعِ القُوى، فَحَصَلَتِ القُوَّةُ الباصِرَةُ في العَيْنِ، والسّامِعَةُ في الأُذُنِ، والنّاطِقَةُ في اللِّسانِ، فَسُبْحانَ مَن أسْمَعَ بِعَظْمٍ، وبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. واعْلَمْ أنَّ كِتابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الإنْسانِ مَشْهُورٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ.
المَثّالُ الثّانِي: أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وقَعَتْ في الأرْضِ فَإذا وصَلَتْ نَداوَةُ الأرْضِ إلَيْها انْتَفَخَتْ ولا تَنْشَقُّ مِن شَيْءٍ مِنَ الجَوانِبِ إلّا مِن أعْلاها وأسْفَلِها، مَعَ أنَّ الِانْتِفاخَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ: أمّا الشِّقُّ الأعْلى فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الصّاعِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ وأمّا الشِّقُّ الأسْفَلُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الغائِصُ في الأرْضِ، وهو عُرُوقُ الشَّجَرَةِ، فَأمّا الجُزْءُ الصّاعِدُ فَبَعْدَ صُعُودِهِ يَحْصُلُ لَهُ ساقٌ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ مِن ذَلِكَ السّاقِ أغْصانٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلى تِلْكَ الأغْصانِ الأنْوارُ أوَّلًا، ثُمَّ الثِّمارُ ثانِيًا، ويَحْصُلُ لِتِلْكَ الثِّمارِ أجْزاءٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَثافَةِ واللَّطافَةِ، وهي القُشُورُ ثُمَّ اللُّبُوبُ ثُمَّ الأدْهانُ، وأمّا الجُزْءُ الغائِصُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العُرُوقَ تَنْتَهِي إلى أطْرافِها؛ وتِلْكَ الأطْرافُ تَكُونُ في اللَّطافَةِ كَأنَّها مِياهٌ مُنْعَقِدَةٌ، ومَعَ غايَةِ لَطافَتِها فَإنَّها تَغُوصُ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الخَشِنَةِ، وأوْدَعَ اللَّهُ فِيها قُوًى جاذِبَةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الطِّينِ إلى نَفْسِها، والحِكْمَةُ في كُلِّ هَذِهِ التَّدْبِيراتِ تَحْصِيلُ ما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ والأُدامِ والفَواكِهِ والأشْرِبَةِ والأدْوِيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] الآياتِ. المِثالُ الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ بِحَيْثُ صارَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ مَصالِحِ العِبادِ، فَخَلَقَ اللَّيْلَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلرّاحَةِ والسُّكُونِ، وخَلَقَ النَّهارَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعاشِ والحَرَكَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] واقْرَأْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ - إلى آخِرِ الآيَةِ [النبأ: ٦، ٧]، واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في عَجائِبِ أحْوالِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وآثارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ، قَضى صَرِيحُ عَقْلِكَ بِأنَّ أسْبابَ تَرْبِيَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ودَلائِلَ رَحْمَتِهِ لائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ قَطْرَةٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أضافَ الحَمْدَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثُمَّ أضافَ نَفْسَهُ إلى العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي أُحِبُّ الحَمْدَ، فَنِسْبَتُهُ إلى نَفْسِي بِكَوْنِهِ مِلْكًا، ثُمَّ لَمّا ذَكَرْتُ نَفْسِي عَرَفْتُ نَفْسِي بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، ومَن عَرَفَ ذاتًا بِصِفَةٍ فَإنَّهُ يُحاوِلُ ذِكْرَ أحْسَنِ الصِّفاتِ وأكْمَلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لِلْعالَمِينَ أكْمَلُ الصِّفاتِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أكْمَلَ المَراتِبِ أنْ يَكُونَ تامًّا، وفَوْقَ التَّمامِ، فَقَوْلُنا: اللَّهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ في ذاتِهِ وبِذاتِهِ وهو التَّمامُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ كُلِّ ما سِواهُ فائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا أنَّهُ فَوْقَ التَّمامِ.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ يَمْلِكُ عِبادًا غَيْرَكَ كَما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنْتَ لَيْسَ لَكَ رَبٌّ سِواهُ، ثُمَّ إنَّهُ يُرَبِّيكَ كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَبْدٌ سِواكَ وأنْتَ تَخْدُمُهُ كَأنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرَهُ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ (p-١٨٩)التَّرْبِيَةَ، ألَيْسَ أنَّهُ يَحْفَظُكَ في النَّهارِ عَنِ الآفاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، وبِاللَّيْلِ عَنِ المُخافاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الحُرّاسَ يَحْرُسُونَ المَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ لَدْغِ الحَشَراتِ ؟ وهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ أنْ تَنْزِلَ بِهِ البَلِيّاتُ ؟ أمّا الحَقُّ تَعالى فَإنَّهُ يَحْرُسُهُ مِنَ الآفاتِ، ويَصُونُهُ مِنَ المُخافاتِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ زَجَّ أوَّلَ اللَّيْلِ في أنْواعِ المَحْظُوراتِ وأقْسامِ المُحَرَّماتِ والمُنْكَراتِ، فَما أكْبَرَ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ وما أحْسَنَها، ألَيْسَ مِنَ التَّرْبِيَةِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «الآدَمِيُّ بُنْيانُ الرَّبِّ، مَلْعُونٌ مَن هَدَمَ بُنْيانَ الرَّبِّ»؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] ما ذاكَ إلّا المَلِكُ الجَبّارُ، والواحِدُ القَهّارُ، ومُقَلِّبُ القُلُوبِ والأبْصارِ، والمُطَّلِعُ عَلى الضَّمائِرِ والأسْرارِ.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: إنَّما يَكُونُ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ ومُرَبِّيًا لَهم لَوْ كانَ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ دافِعًا لِلْمَضارِّ عَنْهم، أمّا إذا خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ؛ ويَأْمُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنهُ، لَمْ يَكُنْ رَبًّا ولا مُرَبِّيًا، بَلْ كانَ ضارًّا ومُؤْذِيًا، وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: إنَّما سَيَكُونُ رَبًّا ومُرَبِّيًا لَوْ كانَتِ النِّعْمَةُ صادِرَةٌ مِنهُ والألْطافُ فائِضَةٌ مِن رَحْمَتِهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ أعْظَمَ النِّعَمِ وأجَلَّها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُصُولُها مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ إلَيْهِمْ مُحْسِنًا بِخَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ.
الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُنا ”اللَّهُ“ أشْرَفُ مِن قَوْلِنا ”رَبِّ“ عَلى ما بَيَّنّا ذَلِكَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَ في أكْثَرِ الأمْرِ يَقُولُ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، والسَّبَبُ فِيهِ النُّكَتُ والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَلا نُعِيدُها.
* * *
الفَصْلُ الثّالِثُ
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ
الفائِدَةُ الأُولى: الرَّحْمَنُ: هو المُنْعِمُ بِما لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، والرَّحِيمُ: هو المُنْعِمُ بِما يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ ضَيْفًا لِبَعْضِ القَوْمِ، فَقَدَّمَ المائِدَةَ، فَنَزَلَ غُرابٌ وسَلَبَ رَغِيفًا، فاتَّبَعْتُهُ تَعَجُّبًا، فَنَزَلَ في بَعْضِ التِّلالِ، وإذا هو بِرَجُلٍ مُقَيَّدٍ مَشْدُودِ اليَدَيْنِ، فَألْقى الغُرابُ ذَلِكَ الرَّغِيفَ عَلى وجْهِهِ.
ورُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في البَيْتِ إذْ وقَعَتْ ولْوَلَةٌ في قَلْبِي، وصِرْتُ بِحَيْثُ ما مَلَكْتُ نَفْسِيَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ وانْتَهَيْتُ إلى شَطِّ النِّيلِ، فَرَأيْتُ عَقْرَبًا قَوِيًّا يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَوَصَلَ إلى طَرَفِ النِّيلِ، فَرَأيْتُ ضُفْدَعًا واقِفًا عَلى طَرَفٍ الوادِي، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى ظَهْرِ الضُّفْدَعِ وأخَذَ الضُّفْدَعُ يَسْبَحُ ويَذْهَبُ، فَرَكِبْتُ السَّفِينَةَ وتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ الضُّفْدَعُ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ النِّيلِ، ونَزَلَ العَقْرَبُ مِن ظَهْرِهِ، وأخَذَ يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَرَأيْتُ شابًّا نائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، ورَأيْتُ أفْعى يَقْصِدُهُ، فَلَمّا قَرُبَتِ الأفْعى مِن ذَلِكَ الشّابِّ وصَلَ العَقْرَبُ إلى الأفْعى، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى الأفْعى فَلَدَغَهُ، والأفْعى أيْضًا لَدَغَ العَقْرَبَ، فَماتا مَعًا، وسَلِمَ الإنْسانُ مِنهُما. ويُحْكى أنَّ ولَدَ الغُرابِ كَما يَخْرُجُ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أحْمَرَ، والغُرابُ يَفِرُّ مِنهُ ولا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إنَّ البَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإذا وصَلَتِ البَعُوضُ إلَيْهِ التَقَمَ تِلْكَ البَعُوضَ واغْتَذى بِها، ولا يَزالُ عَلى هَذِهِ الحالِ إلى أنْ يَقْوى ويَنْبُتُ رِيشُهُ ويَخْفى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ إلَيْهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جاءَ في أدْعِيَةِ العَرَبِ: يا رَزّاقَ النَّعّابِ في عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عامٌّ، وإحْسانَهُ شامِلٌ، ورَحْمَتَهُ واسِعَةٌ.
(p-١٩٠)واعْلَمْ أنَّ الحَوادِثَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُظَنُّ أنَّهُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عَذابًا ونِقْمَةً، ومِنهُ ما يُظَنُّ في الظّاهِرِ أنَّهُ عَذابٌ ونِقْمَةٌ، مَعَ أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ فَضْلًا وإحْسانًا ورَحْمَةً. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالوالِدُ إذا أهْمَلَ ولَدَهُ حَتّى يَفْعَلَ ما يَشاءُ ولا يُؤَدِّبُهُ ولا يَحْمِلُهُ عَلى التَّعَلُّمِ، فَهَذا في الظّاهِرِ رَحْمَةٌ وفي الباطِنِ نِقْمَةٌ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي كالوالِدِ إذا حَبَسَ ولَدَهُ في المَكْتَبِ وحَمَلَهُ عَلى التَّعَلُّمِ فَهَذا في الظّاهِرِ نِقْمَةٌ، وفي الحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وقَعَ في يَدِهِ الآكِلَةُ فَإذا قُطِعَتْ تِلْكَ اليَدُ فَهَذا في الظّاهِرِ عَذابٌ، وفي الباطِنِ راحَةٌ ورَحْمَةٌ، فالأبْلَهُ يَغْتَرُّ بِالظَّواهِرِ، والعاقِلُ يَنْظُرُ في السَّرائِرِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَكُلُّ ما في العالَمِ مِن مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ وألَمٍ ومَشَقَّةٍ فَهو وإنْ كانَ عَذابًا وألَمًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ حِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ في الحَقِيقَةِ، وتَحْقِيقُهُ ما قِيلَ في الحِكْمَةِ: إنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّكالِيفِ تَطْهِيرُ الأرْواحِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النّارِ صَرْفُ الأشْرارِ إلى أعْمالِ الأبْرارِ، وجَذْبُها مِن دارِ الفِرارِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وأقْرَبُ مِثالٍ لِهَذا البابِ قِصَّةُ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ مُوسى كانَ يَبْنِي الحُكْمَ عَنْ ظَواهِرِ الأُمُورِ فاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وقَتْلَ الغُلامِ وعِمارَةَ الجِدارِ المائِلِ، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ كانَ يَبْنِي أحْكامَهُ عَلى الحَقائِقِ والأسْرارِ فَقالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٧٩ ٨٢] فَظَهَرَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الحَكِيمَ المُحَقِّقَ هو الَّذِي يَبْنِي أمْرَهُ عَلى الحَقائِقِ لا عَلى الظّاهِرِ، فَإذا رَأيْتَ ما يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ ويَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فاعْلَمْ أنَّ تَحْتَهُ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً، وأنَّ حِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أثَرٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خاصٌّ بِاللَّهِ، والرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الرَّحْمَنُ أعْظَمُ، فَلِمَ ذَكَرَ الأدْنى بَعْدَ ذِكْرِ الأعْلى ؟
والجَوابُ: لِأنَّ الكَبِيرَ العَظِيمَ لا يُطْلَبُ مِنهُ الشَّيْءُ الحَقِيرُ اليَسِيرُ، حُكِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى بَعْضِ الأكابِرِ، فَقالَ: جِئْتُكَ لِمُهِمٍّ يَسِيرٍ، فَقالَ: اطْلُبْ لِلْمُهِمِّ اليَسِيرِ رَجُلًا يَسِيرًا. كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلى ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لاحْتَشَمْتَ عَنِّي ولَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ سُؤالُ الأُمُورِ اليَسِيرَةِ، ولَكِنْ كَما عَلِمْتَنِي رَحْمانًا تَطْلُبُ مِنِّي الأُمُورَ العَظِيمَةَ، فَأنا أيْضًا رَحِيمٌ؛ فاطْلُبْ مِنِّي شِراكَ نَعْلِكَ ومِلْحَ قِدْرِكَ، كَما «قالَ تَعالى لِمُوسى: ”يا مُوسى سَلْنِي عَنْ مِلْحِ قِدْرِكَ وعَلَفِ شاتِكَ» “ .
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ أعْطى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ رَحْمَةً واحِدَةً حَيْثُ قالَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صارَتْ سَبَبًا لِنَجاتِها مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ مَرَّةً أنَّهُ رَحْمَنٌ وأنَّهُ رَحِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلَواتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ويُقْرَأُ لَفْظُ ”﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾“ في كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلَمّا صارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً واحِدَةً سَبَبًا لِخَلاصِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ عَنِ (p-١٩١)المَكْرُوهاتِ أفَلا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ المَرّاتِ الكَثِيرَةِ طُولَ العُمْرِ سَبَبًا لِنَجاةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ والعارِ والدَّمارِ ؟
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى رَحْمَنٌ لِأنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى جِنْسِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا رَحْمَنٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ نُطْفَةً مَذِرَةً فَأُسَلِّمُها إلَيْكَ صُورَةً حَسَنَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وأنا رَحِيمٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ طاعَةً ناقِصَةً فَأُسَلِّمُ إلَيْكَ جَنَّةً خالِصَةً.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَتًى قَرُبَتْ وفاتُهُ واعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنْ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِهِ، فَقامَ ودَخَلَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الشَّهادَةَ وهو يَتَحَرَّكُ ويَضْطَرِبُ ولا يَعْمَلُ لِسانُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أما كانَ يُصَلِّي ؟ أما كانَ يَصُومُ ؟ أما كانَ يُزَكِّي ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ: هَلْ عَقَّ والِدَيْهِ ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِأُمِّهِ، فَجاءَتْ وهي عَجُوزٌ عَوْراءُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلّا عَفَوْتِ عَنْهُ، فَقالَتْ: لا أعْفُو لِأنَّهُ لَطَمَنِي فَفَقَأ عَيْنِيَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِالحَطَبِ والنّارِ، فَقالَتْ: وما تَصْنَعُ بِالنّارِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُحْرِقُهُ بِالنّارِ بَيْنَ يَدَيْكِ جَزاءً لِما عَمِلَ بِكِ، فَقالَتْ: عَفَوْتُ عَفَوْتُ، ألِلنّارِ حَمَلْتُهُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ ؟ ألِلنّارِ أرْضَعْتُهُ سَنَتَيْنِ ؟ فَأيْنَ رَحْمَةُ الأُمِّ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْطَلَقَ لِسانُهُ، وذَكَرَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . والنُّكْتَةُ أنَّها كانَتْ رَحِيمَةً، وما كانَتْ رَحْمانَةً فَلِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما جَوَّزَتِ الإحْراقَ بِالنّارِ، فالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَمْ يَتَضَرَّرْ بِجِناياتِ عَبِيدِهِ مَعَ عِنايَتِهِ بِعِبادِهِ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ أنْ يَحْرِقَ المُؤْمِنَ الَّذِي واظَبَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ سَبْعِينَ سَنَةً بِالنّارِ ؟
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، فَظَهَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَهَذا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَصَلَ فِيهِ هَذا الكَرَمُ وهَذا الإحْسانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَإنْ كانَ أثَرُ الرَّحْمَةِ الواحِدَةِ هَذا المَبْلَغُ، فَكَيْفَ كَرَمُ مَن هو رَحْمَنٌ رَحِيمٌ ؟ وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حِسابَ أُمَّتِي عَلى يَدَيَّ»، ثُمَّ إنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مَدْيُونًا بِدِرْهَمَيْنِ، وأخْرَجَ عائِشَةَ عَنِ البَيْتِ بِسَبَبِ الإفْكِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ لَكَ رَحْمَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ، فَذَرْنِي وعَبِيدِي واتْرُكْنِي وأُمَّتَكَ، فَإنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَرَحْمَتِي لا نِهايَةَ لَها، ومَعْصِيَتُهم مُتَناهِيَةٌ، والمُتَناهِي في جَنْبِ غَيْرِ المُتَناهِي يَصِيرُ فانِيًا، فَلا جَرَمَ مَعاصِي جَمِيعِ الخَلْقِ تَفْنى في بِحارِ رَحْمَتِي، لِأنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: كَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن خَلَقَ الخَلْقَ لِلنّارِ ولِعَذابِ الأبَدِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ويُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن أمَرَ بِالإيمانِ ثُمَّ صَدَّ ومَنَعَ عَنْهُ ؟ وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: أعْظَمُ أنْواعِ النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ هو الإيمانُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ بَلْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ اسْمُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِالعَبْدِ أوْلى مِنهُ بِاللَّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
saadi — تيسير الكريم الرحمن
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها.
saadi
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها.
samaani — تفسير السمعاني
وَقد فَرغْنَا عَن تَفْسِير ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَإِنَّمَا ذكره ثَانِيًا لفائدة التوكيد.
samarqandi — بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال:
حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.
وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل:
لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.
وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.
وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال:
اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر:
أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال:
أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم:
فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.
سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب.
فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.
وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال:
الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل:
(الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.
وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم:
الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.
وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.
والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.
قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.
قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.
وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي.
ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.
قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل:
أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.
وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.
قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم.
أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال:
حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.
وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى:
من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .
«آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل:
تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
وقال الآخر:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا
وصلى الله على سيدنا محمد.
shawkani — فتح القدير
الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ.
وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا.
فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها.
ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ.
وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ.
وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا.
ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ.
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ.
وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ.
والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي.
ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وهِدايَتِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والخَطّابِيُّ في الغَرِيبِ والبَيْهَقِيُّ في الأدَبِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ قالَ: " الصَّلاةُ شُكْرٌ والصِّيامُ، وكُلُّ خَيْرٍ تَفْعَلُهُ شُكْرٌ وأفْضَلُ الشُّكْرِ الحَمْدُ " .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سُرِقَتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي فَرَجَعَتْ، فَلَمّا رَآها قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فانْتَظَرُوا هَلْ يُحْدِثُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَوْمًا أوْ صَلاةً، فَظَنُّوا أنَّهُ نَسِيَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتَ قُلْتَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي، قالَ: ألَمْ أقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ ؟» .
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الحَمْدِ أحادِيثُ.
مِنها: ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ «عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أنْشُدَكَ مَحامِدَ حَمَدْتُ بِها رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى ؟ فَقالَ: أما إنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الحَمْدَ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إلّا كانَ الَّذِي أعْطى أفْضَلَ مِمّا أخَذَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِحَذافِيرِها في يَدِ رَجُلٍ مِن أُمَّتِي ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ» .
قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ لَكانَ إلْهامُهُ الحَمْدَ أكْبَرَ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ ثَوابَ الحَمْدِ لا يَفْنى، ونَعِيمَ الدُّنْيا لا يَبْقى.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن (p-١٧)عَبْدٍ يُنْعَمُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ إلّا كانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِنها» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ واللَّهُ أكْبَرُ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والطَّهُورُ نِصْفُ الإيمانِ والصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ لَيْسَ لَها دُونَ اللَّهِ حِجابٌ حَتّى تَخْلُصَ إلَيْهِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وما شَيْءٌ أكْثَرُ مَعاذِيرَ مِنَ اللَّهِ، وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ في السُّنَّةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبانَ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ، والحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ، ويَتَقاسَمُونَ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ» .
وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَدَّثَهم «أنَّ عَبْدًا مِن عِبادِ اللَّهِ قالَ: يا رَبِّ لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكِ، فَلَمْ يَدْرِ المَلَكانِ كَيْفَ يَكْتُبانِها، فَصَعِدا إلى السَّماءِ فَقالا: يا رَبَّنا إنَّ عَبْدًا قَدْ قالَ مَقالَةً لا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُها، قالَ اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِما قالَ عَبْدُهُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ قالا: يا رَبِّ إنَّهُ قالَ: لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُما: اكْتُباها كَما قالَ عَبْدِي حَتّى يَلْقانِي وأجْزِيهِ بِها» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها» .
﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الرَّبُّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُقالُ في غَيْرِهِ إلّا بِالإضافَةِ، وقَدْ قالُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ.
وقالَ في الكَشّافِ: الرَّبُّ المالِكُ.
ومِنهُ قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لَأنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلامِ الصِّحاحِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والرَّبُّ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّها»، والرَّبُّ: المُصْلِحُ والمُدَبِّرُ والجابِرُ والقائِمُ قالَ: والرَّبُّ المَعْبُودُ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ
و العالَمِينَ: جَمْعُ العالَمِ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
وقِيلَ: أهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العالَمُونَ الجِنُّ والإنْسُ.
وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: العالَمُ عِبارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ وهم أرْبَعَةُ أُمَمٍ: الإنْسُ، والجِنُّ، والمَلائِكَةُ، والشَّياطِينُ.
ولا يُقالُ لِلْبَهائِمِ عالَمٌ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إنَّما هو جَمْعُ ما يَعْقِلُ.
حَكى هَذِهِ الأقْوالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وذَكَرَ أدِلَّتَها وقالَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ومَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ: العالَمُ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ انْتَهى.
وعَلى هَذا يَكُونُ جَمْعُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ.
وقالَ في الكَشّافِ: ساغَ ذَلِكَ لِمَعْنى الوَصْفِيَّةِ فِيهِ، وهي الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: إلَهُ الخَلْقِ كُلِّهِ: السَّماواتُ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ: والأرَضُونَ كُلُّهُنَّ ومِن فِيهِنَّ ومَن بَيْنَهُنَّ مِمّا يُعْلَمُ ومِمّا لا يُعْلَمُ.
* * *
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بَعْدَ رَبِّ العالَمِينَ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في اتِّصافِهِ بِرَبِّ العالَمِينَ تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ لِيَجْمَعَ في صِفاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنهُ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونَ أعُونَ عَلى طاعَتِهِ وأمْنَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] وقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمِعَ في جَنَّتِهِ أحَدٌ، ولَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتِهِ أحَدٌ انْتَهى» .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ما وُصِفَ مِن خَلْقِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالَ: مَدَحَ نَفْسَهُ.
suyuti_durr — الدر المنثور في التفسير بالمأثور
﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ أيْ ذِي الرَّحْمَة وهِيَ إرادَة الخَيْر لِأَهْلِهِ.
tabary — جامع البيان
القول في تأويل قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
قال أبو جعفر: قد مضى البيانُ عن تأويل قوله ﴿الرحمن الرحيم﴾ ، في تأويل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
ولم نَحْتَجْ إلى الإبانة عن وجه تكرير ذلك في هذا الموضع، إذْ كنا لا نرى أن "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب - آيةٌ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسألةٌ بأن يقول: ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع، وقد مضى وصفُ الله عزّ وجلّ به نفسه في قوله " بسم الله الرحمن الرحيم "، مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأخرى، ومجاورتها صَاحِبتها؟ بل ذلك لنا حُجة على خطأ دعوى من ادَّعى أن "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب آية. إذ لو كان ذلك كذلك، لكان ذلك إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحدٍ مرتين من غير فَصْل يَفصِل بينهما. وغيرُ موجودٍ في شيء من كتاب الله آيتان مُتجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد، لا فصلَ بينهما من كلام يُخالف معناه معناهما. وإنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة، مع فُصولٍ تفصِل بين ذلك، وكلامٍ يُعترضُ به معنى الآيات المكررات أو غير ألفاظها، ولا فاصِلَ بين قول الله تبارك وتعالى اسمه " الرحمن الرحيم " من " بسم الله الرحمن الرحيم "، وقولِ الله: " الرحمن الرحيم "، من " الحمدُ لله ربّ العالمين ".
فإن قال: فإن " الحمدُ لِله رَبِّ العالَمين " فاصل من ذلك. [[في المطبوعة: "فاصل بين ذلك"، والذي في المخطوطة عربية جيدة.]]
قيل: قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل، وقالوا: إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم، وإنما هو: الحمد لله الرحمن الرحيم رَبّ العالمين مَلِك يوم الدين. واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله: "مَلِك يوم الدين"، فقالوا: إن قوله "ملِكِ يوم الدين" تعليم من الله عبدَه أنْ يصفَه بالمُلْك في قراءة من قرأ ملِك، وبالمِلْك في قراءة من قرأ " مالك ". قالوا: فالذي هو أولى أن يكونَ مجاورَ وصفه بالمُلْك أو المِلْك، ما كان نظيرَ ذلك من الوصف؛ وذلك هو قوله: "ربّ العالمين"، الذي هو خبر عن مِلْكه جميع أجناس الخلق؛ وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة والألُوهة ما كان له نظيرًا في المعنى من الثناء عليه، وذلك قوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ .
فزعموا أنّ ذلك لهم دليلٌ على أن قوله " الرحمن الرحيم " بمعنى التقديم قبل " رب العالمين "، وإن كان في الظاهر مؤخرًا. وقالوا: نظائرُ ذلك - من التقديم الذي هو بمعنى التأخير، والمؤخَّر الذي هو بمعنى التقديم - في كلام العرب أفشى، وفي منطقها أكثر، من أن يُحصى. من ذلك قول جرير بن عطية:
طَافَ الخَيَالُ - وأَيْنَ مِنْكَ؟ - لِمَامَا ... فَارْجِعْ لزَوْرِكَ بالسَّلام سَلاما [[ديوانه: ٥٤١، والنقائض: ٣٨. طاف الخيال: ألم بك في الليل، واللمام: اللقاء اليسير. والزور: الزائر، يقال للواحد والمثنى والجمع: زور. "فارجع لزورك"، يقول: رد عليه السلام كما سلم عليك.]]
بمعنى طاف الخيال لمامًا، وأين هو منك؟ وكما قال جل ثناؤه في كتابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ [سورة الكهف: ١] بمعنى [[في المطبوعة: "المعنى: الحمد لله. . . "]] : الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيِّمًا ولم يجعل له عوجًا، وما أشبه ذلك. ففي ذلك دليل شاهدٌ على صحة قول من أنكر أن تكون - ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ من فاتحة الكتاب - آيةً [[وهكذا ذهب أبو جعفر رحمه الله إلى أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية من الفاتحة، واحتج لقوله بما ترى. وليس هذا موضع بسط الخلاف فيه، والدلالة على خلاف ما قال ابن جرير.
وقد حققت هذه المسألة، أقمت الدلائل الصحاح -في نظري وفقهي- على أنها آية من الفاتحة -: في شرحي لسنن الترمذي ٢: ١٦ - ٢٥. وفي الإشارة إليه غنية هنا. أحمد محمد شاكر.]]
tabary
الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(3)
القول في تأويل قوله : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
قال أبو جعفر: قد مضى البيانُ عن تأويل قوله
(الرحمن الرحيم)
، في تأويل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
ولم نَحْتَجْ إلى الإبانة عن وجه تكرير ذلك في هذا الموضع، إذْ كنا لا نرى أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من فاتحة الكتاب - آيةٌ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسألةٌ بأن يقول: ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع، وقد مضى وصفُ الله عزّ وجلّ به نفسه في قوله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأخرى، ومجاورتها صَاحِبتها؟ بل ذلك لنا حُجة على خطأ دعوى من ادَّعى أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من فاتحة الكتاب آية. إذ لو كان ذلك كذلك، لكان ذلك إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحدٍ مرتين من غير فَصْل يَفصِل بينهما. وغيرُ موجودٍ في شيء من كتاب الله آيتان مُتجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد، لا فصلَ بينهما من كلام يُخالف معناه معناهما. وإنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة، مع فُصولٍ تفصِل بين ذلك، وكلامٍ يُعترضُ به معنى الآيات المكررات أو غير ألفاظها، ولا فاصِلَ بين قول الله تبارك وتعالى اسمه
" الرحمن الرحيم "
من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وقولِ الله:
" الرحمن الرحيم "
، من الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
فإن قال : فإن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فاصل من ذلك.
(77)
قيل: قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل، وقالوا: إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم، وإنما هو: الحمد لله الرحمن الرحيم رَبّ العالمين مَلِك يوم الدين. واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله:
" مَلِك يوم الدين "
، فقالوا : إن قوله
" ملِكِ يوم الدين "
تعليم من الله عبدَه أنْ يصفَه بالمُلْك في قراءة من قرأ ملِك ، وبالمِلْك في قراءة من قرأ مَالِكِ . قالوا: فالذي هو أولى أن يكونَ مجاورَ وصفه بالمُلْك أو المِلْك، ما كان نظيرَ ذلك من الوصف؛ وذلك هو قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الذي هو خبر عن مِلْكه جميع أجناس الخلق؛ وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة والألُوهة ما كان له نظيرًا في المعنى من الثناء عليه، وذلك قوله:
(الرحمن الرحيم)
.
فزعموا أنّ ذلك لهم دليلٌ على أن قوله
" الرحمن الرحيم "
بمعنى التقديم قبل رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وإن كان في الظاهر مؤخرًا. وقالوا : نظائرُ ذلك - من التقديم الذي هو بمعنى التأخير، والمؤخَّر الذي هو بمعنى التقديم - في كلام العرب أفشى، وفي منطقها أكثر، من أن يُحصى. من ذلك قول جرير بن عطية:
طَـافَ الخَيَـالُ - وأَيْـنَ مِنْكَ? - لِمَامَا
فَــارْجِعْ لــزَوْرِكَ بالسَّـلام سَـلاما
(78)
بمعنى طاف الخيال لمامًا، وأين هو منك؟ وكما قال جل ثناؤه في كتابه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا
[سورة الكهف: 1]
بمعنى
(79)
: الحمدُ لله الذي أنـزل على عبده الكتاب قيِّمًا ولم يجعل له عوجًا، وما أشبه ذلك. ففي ذلك دليل شاهدٌ على صحة قول من أنكر أن تكون - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من فاتحة الكتاب - آيةً
(80)
---------
الهوامش :
(77)
في المطبوعة :
"فاصل بين ذلك"
، والذي في المخطوطة عربية جيدة .
(78)
ديوانه : 541 ، والنقائض : 38 . طاف الخيال : ألم بك في الليل ، واللمام : اللقاء اليسير . والزور : الزائر ، يقال للواحد والمثنى والجمع : زور .
"فارجع لزورك"
، يقول : رد عليه السلام كما سلم عليك .
(79)
في المطبوعة :
"المعنى : الحمد لله . . . "
(80)
وهكذا ذهب أبو جعفر رحمه الله إلى أن
"بسم الله الرحمن الرحيم"
ليست آية من الفاتحة ، واحتج لقوله بما ترى . وليس هذا موضع بسط الخلاف فيه ، والدلالة على خلاف ما قال ابن جرير .
وقد حققت هذه المسألة ، أقمت الدلائل الصحاح -في نظري وفقهي- على أنها آية من الفاتحة - : في شرحي لسنن الترمذي 2 : 16 - 25 . وفي الإشارة إليه غنية هنا . أحمد محمد شاكر .
thaalabi — الجواهر الحسان
الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود.
قال ص [[«المجيد» ص 50.]] : وهل الحمدُ بمعنى الشكْر أو الحمدُ أَعمُّ، أو الشكر ثناءٌ على اللَّه بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟ ثلاثةُ أقوال. انتهى.
قال الطبريُّ [[«تفسير الطبري» (1/ 139- 140) ، وقد استدل أبو جعفر على حذف ما تعرفه العرب في أحاديثها بقول الشاعر: [الوافر]
واعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج لا يسير
فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم: وزير
ثم قال: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميت وزير، فأسقط الميت إذ كان قد أتى من الكلام بما دل على ذلك ... » .]] : الحمدُ لِلَّهِ: ثناءٌ أثنى به على نفسه تعالى، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد للَّه/، وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ، واهْدِنَا.
قال: وهذا من حذف العربِ ما يدلُّ ظاهر الكلام عليه، وهو كثيرٌ.
والرب في اللغة: المعبودُ، والسيدُ المالكُ، والقائمُ بالأمور المُصْلِحُ لما يفسد منها، فالرب على الإِطلاق هو ربُّ الأرباب على كل جهة، وهو اللَّه تعالى.
والعَالَمُونَ: جمع عَالَمٍ، وهو كل موجود سوى اللَّه تعالى، يقال لجملته: عَالَمٌ، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عَالَمٌ، عَالَمٌ، وبحسب ذلك يجمع على العَالَمِينَ، ومن حيثُ عالَمُ الزمانِ متبدِّلٌ في زمان آخر، حَسُنَ جمعها، ولفظة العالَمِ جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العَلَمِ والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزَّجَّاج [[«معاني القرآن وإعرابه» لأبي إسحاق الزجاج (1/ 46) .]] ، قال أبو حَيَّان [[«البحر المحيط» (1/ 132) ، وينظر «المجيد» ص (53) .]] : الألف واللام في العَالَمِينَ لِلاستغراقِ، وهو جمع سلامة، مفرده عَالَمٌ، اسم جمع، وقياسه ألا يجمع، وشذَّ جمعه أيضاً جمع سلامة لأنه ليس بعَلَمٍ ولا صفةٍ.
م: وذهب ابنُ مالك [[محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني، أبو عبد الله، جمال الدين، أحد الأئمة في علوم العربية.
ولد في حيان ب «الأندلس» سنة 600 هـ. وانتقل إلى دمشق، فتوفي فيها سنة (672) هـ. من كتبه:
«الألفية» وهو أشهرها في النحو، و «تسهيل الفوائد» في النحو أيضا، وكذلك «الكافية الشافية» أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت، و «إيجاز التعريف» في الصرف، و «العروض» .
ينظر: «الأعلام» (6/ 233) ، «بغية الوعاة» (53) ، «آداب اللغة» (3/ 140) ، و «طبقات السبكي» (5/ 28) .]] في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» إلى أن «عَالَمِين» اسم جمعٍ لمن يعقل، وليس جمع عالمٍ لأن العَالَمَ عامٌّ، و «عالَمِينَ» خاصٌّ، قلت: وفيه نظر. انتهى.
وقد تقدّم القول في الرحمن الرحيم.
thalabi — الكشف والبيان
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ
. [[بياض في المخطوط.]] .. على نفسه، نعيما منه على خلقه. ولفظه خبر ومعناه أمر، تقريره: قولوا: الحمد لله. قال ابن عباس: يعني: الشكر منه، وهو من الحمد.. [[بياض في المخطوط.]] .. والحمد لله نقيض الذم. وقال ابن الأنباري: هو مقلوب عن المدح كقوله: جبل وجلب، و: بض وضبّ.
واختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، فقال بعضهم: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال الحميدة، تقول: حمدت الرجل، إذا أثنيت عليه بكرم أو [حلم] أو شجاعة أو سخاوة، ونحو ذلك. والشكر له: الثناء عليه أو لآله.
فالحمد: الثناء عليه بما هو به، والشكر: الثناء عليه بما هو منه.
وقد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرته، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، [ف] لا يقال: شكرته على علمه وحلمه.
والحمد أعمّ من الشكر لذلك ذكره الله فأمر به، فمعنى الآية: الحمد لله على صفاته العليا وأسمائه الحسنى، وعلى جميع صنعه وإحسانه إلى خلقه.
وقيل: الحمد باللسان قولا، قال الله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [[سورة الإسراء: 111.]] ، وقال:
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [[سورة النمل: 59.]] والشكر بالأركان فعلا، قال الله تعالى:
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [[سورة سبأ: 13.]] .
وقيل: الحمد لله على ما حبا وهو النعماء، والشكر على ما زوى وهو اللأواء.
وقيل: الحمد لله على النعماء الظاهرة، والشكر على النعماء الباطنة، قال الله تعالى:
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [[سورة لقمان: 20.]] .
وقيل: الحمد ابتداء والشكر [[بياض في المخطوط.]] ....
حدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري لفظا، حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي، حدّثنا محمد بن علي الترمذي، حدّثنا عبد الله بن العباس الهاشمي، حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو [بن العاص] قال: قال رسول الله ﷺ: «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده» [[المصنّف لعبد الرزّاق: 10/ 424، ح 19574.]] [24] .
وحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، حدّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدّثنا علي بن حجر، حدّثنا شعيب بن صفوان عن مفضّل بن فضالة عن علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: كلمة شكر أهل الجنة
. في إعراب الْحَمْدُ لِلَّهِ
وقد اختلف القرّاء في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فقرأت العامّة بضمّ الدال على الابتداء، وخبره فيما بعده. وقيل: على التقديم والتأخير، أي لله الحمد.
وقيل: على الحكاية. وقرأ هارون بن موسى الأعور ورؤبة بن العجاج بنصب الدال على الإضمار، أي أحمد الحمد لأن الحمد مصدر لا يثنّى ولا يجمع. وقرأ الحسن البصري بكسر الدال، أتبع الكسرة الكسرة. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة الشامي بضم الدال واللام، أتبع الضمة الضمّة.
رَبِّ الْعالَمِينَ قرأ زيد بن علي: رَبَّ الْعالَمِينَ بالنصب على المدح، وقال أبو سعيد ابن أوس الأنصاري: على معنى أحمد ربّ العالمين. وقرأ الباقون رَبِّ الْعالَمِينَ بكسر الباء، أي خالق الخلق أجمعين ومبدئهم ومالكهم والقائم بأمورهم، والرب بمعنى السيّد، قال الله تعالى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [[سورة يوسف: 42.]] أي سيّدك، قال الأعشى [[في المصدر نسبه إلى لبيد بن ربيعة.]] :
واهلكن يوما ربّ كندة وابنه ... وربّ معبين خبت وعرعر [[جامع البيان للطبري: 1/ 93.]]
وربّ عمر والرومي من رأس حضية ... وأنزلن بالأسباب رب المشقرة
يعني: رئيسها وسيّدها.
ويكون بمعنى المالك،
قال النبي ﷺ: «أربّ إبل أنت أم رب غنم؟» [[مسند الحميدي: 2/ 390، غريب الحديث: 1/ 166.]] [25] . فقال: من كل قد آتاني الله فأكثر وأطنب
وقال طرفة:
كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفنّ حتى تشاد بقرمد [[لسان العرب: 5/ 118، والقرمد: الحجارة.]]
وقال النابغة:
وإن يك ربّ أذواد فحسبي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا [[التبيان: 6/ 144.]]
ويكون بمعنى الصاحب، قال أبو ذؤيب:
فدنا له رب الكلاب بكفّه ... بيض رهاب ريشهن مقزع [[لسان العرب: 1/ 438.]]
ويكون بمعنى المرعى، يقول: ربّ يربّ ربابة وربوبا، فهو ربّ، مثل برّ وطب، قال الشاعر:
يربّ الذي يأتي من العرف إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمّما [[تاج العروس: 1/ 261.]]
ويكون بمعنى المصلح للشيء، قال الشاعر:
كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت ... سلاءها في أديم غير مربوب [[الصحاح: 1/ 55.]]
أي غير مصلح.
وقال الحسين بن الفضل: الرب: اللبث من غير إثبات أحد، يقال: ربّ بالمكان وأربّ، ولبث وألبث إذا أقام وفي الحديث أنه كان يتعوّذ بالله من فقر ضرب أو قلب قال الشاعر:
ربّ بأرض تخطّاها الغنم ... لب بأرض ما تخطاها الغنم [[لسان العرب: 1/ 731.]]
وهو الاختيار لأن المتكلمين أجمعوا على أنّ الله لم يزل ربّا
وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو بكر محمد بن موسى الواسطي عن الرب، فقال: هو الخالق ابتداء، والمربي غذاء، والغافر انتهاء.
ولا يقال للمخلوق: هو الرب، معرّفا بالألف واللام، وإنما يقال على الإضافة: هو رب كذا لأنه لا يملك الكل غير الله، والألف واللام تدلّان على العموم. وأمّا العالمون فهم جمع عالم، ولا واحد له من لفظه [[أي من لفظ العالم.]] ، كالأنام والرهط والجيش ونحوها.
واختلفوا في معناه،
حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، أخبرنا أبو إسحاق بن أسعد بن الحسن بن سفيان عن جدّه عن أبي نصر ليث بن مقاتل عن أبي معاذ الفضل بن خالد عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن الربيع بن أنس عن شهر بن حوشب عن أبي بن كعب قال:
العالمون هم الملائكة، وهم ثمانية عشر ألف ملكا منهم أربعة آلاف وخمسمائة ملك بالمشرق، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك بالمغرب، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك بالكهف الثالث من الدنيا، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك في الكهف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلّا الله عزّ وجلّ ومن ورائهم أرض بيضاء كالرخام..» .. مسير الشمس أربعين يوما، طولها لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ مملوءة ملائكة يقال لهم الروحانيون، لهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو كشف عن صوت أحدهم لهلك أهل الأرض من هول صوته فهم العالمون، منتهاهم إلى حملة العرش.
وقال أبو معاذ [النحوي] : هم بنو آدم.
وقال أبو هيثم خالد بن يزيد: هم الجن والإنس لقوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [[سورة الفرقان: 1.]] ، وهي رواية عطية العوفي وسعيد بن جبير عن ابن عباس.
وقال الحسين بن الفضل: العالمون: الناس، واحتجّ بقوله تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ [[سورة الشعراء: 165.]] .
وقال العجاج: بخلاف هذا العالم.
وقال الفراء وأبو عبيدة: هو عبارة عمن يعقل، وهم أربع أمم: الملائكة، والجن، والإنس، والشياطين، لا يقال للبهائم: عالم. وهو مشتق من العلم، قال الشاعر:
ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم أهل التنزيه من الخلق. وقال عبد الرّحمن بن زيد ابن أسلم: هم المرتزقون. وقال الخضر بن إسماعيل: هو اسم الجمع الكثير، قال ابن الزبعري:
إني وجدتك يا محمد عصمة ... للعالمين من العذاب الكارث [[لم نجده في المصادر نعم هو في مناقب ابن شهر آشوب (1/ 144) وفيه: العذاب الواصب.]]
وقال أبو عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس: كل ذي روح دبّ على وجه الأرض. وقال سفيان بن عيينة: هو جمع للأشياء المختلفة.
وقال جعفر بن محمد الصادق: «العالمون: أهل الجنة وأهل النار» .
وقال الحسن وقتادة ومجاهد: هو عبارة عن جميع المخلوقات، واحتجوا بقوله: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [[سورة الشعراء: 23- 24.]] .
واشتقاقه على هذا القول من (العلم) و (العلامة) لظهورهم ولظهور أثر الصنعة فيهم ثم اختلفوا في مبلغ العالمين وكيفيتهم، فقال سعيد بن المسيب: لله ألف عالم منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وقال الضحاك: فمنهم ثلاثمائة وستون عالما حفاة عراة لا يعرفون من خالقهم، وستون عالما يلبسون الثياب. وقال وهب: لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها، وما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال أبو القاسم مقاتل بن حيان:
العالمون ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البرّ وأربعون ألفا في البحر. وقال مقاتل بن سليمان: لو فسّرت الْعالَمِينَ، لاحتجت إلى ألف جلد كل جلد ألف ورقة. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين إلّا الله، قال الله: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [[سورة المدّثّر: 31.]] .
zamakhshari — الكشاف
الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها. تقول: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته.
وأمّا الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّى ثلاثةً ... يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا [[وما كان شكرى وافيا بنوالكم ... ولكنني حاولت في الجهد مذهبا
أفادتكم النعماء منى ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
أى لم يكن تعظيمي إياكم وافيا بحق عطائكم، ولكنني أردت من الاجتهاد في تعظيمكم مذهبا، وبينه بقوله: إن نعمتكم على إفادتكم من يدي ولساني وجناني، فهي وأعمالها لكم، قال السيد الشريف: هو استشهاد معنوي على أن الشكر يطلق على أفعال الموارد الثلاثة، وبيان أنه جعلها جزاء للنعمة، وكل ما هو جزاء للنعمة عرفا يطلق عليه الشكر لغة، فكأنه قال: كثرت نعمتكم عندي فوجب على استيفاء أنواع الشكر لكم، وبالغ في ذلك حتى جعل مواردها ملكا لهم، وقيل: النعماء جمع للنعمة، لكن ظاهر عبارة اليد أنها بمعناها، ورواية البيت الأول بعد الثاني أحسن موقعا وأظهر استشهاداً.]] والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله عليه السلام: «الحمد رأس الشكر، ما شكر اللَّه عبد لم يحمده» [[أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما به مرفوعا، وفيه انقطاع وعن ابن عباس مثله، رواه البغوي في تفسير (سبحان) وفيه نصر بن حماد. وهو ضعيف.]] وإنما جعله رأس الشكر لأنّ ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها، أشيع لها وأدلّ على مكانها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كلّ خفى ويجلى كل مشتبه.
والحمد نقيضه الذمّ، والشكر نقيضه الكفران، وارتفاع الحمد بالابتداء وخبره الظرف الذي هو للَّه وأصله النصب [[قال محمود رحمه اللَّه: «الأصل في الحمد النصب ... الخ» قال أحمد: ولأن الرفع أثبت اختار سيبويه في قول القائل: رأيت زيداً فإذا له علم علم الفقهاء: الرفع، وفي مثل: رأيت زيداً فإذا له صوت صوت حمار: النصب، والسر في الفرق بين الرفع والنصب أن في النصب إشعاراً بالفعل، وفي صيغة الفعل إشعار بالتجدد والطرو، ولا كذلك الرفع، فانه إنما يستدعى اسما: ذلك الاسم صفة ثابتة، ألا ترى أن المقدر مع النصب نحمد اللَّه الحمد. ومع الرفع الحمد ثابت للَّه أو مستقر.]] الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار، كقولهم: شكراً، وكفراً، وعجباً، وما أشبه ذلك، ومنها: سبحانك، ومعاذ اللَّه، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدّون بها مسدّها، لذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة، والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره. ومنه قوله تعالى: (قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) ، رفع السلام الثاني للدلالة على أنّ إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدّده وحدوثه. والمعنى: نحمد اللَّه حمداً، ولذلك قيل:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد. فإن قلت:
ما معنى التعريف فيه؟ قلت: هو نحو التعريف في أرسلها العراك، [[قال محمود رحمه اللَّه: «وتعريف الحمد نحو التعريف في أرسلها العراك وهو تعريف الجنس ومعناه الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: تعريف التكرار باللام إما عهدى وإما جنسى، والعهد إما أن ينصرف العهد فيه إلى فرد معين من أفراد الجنس باعتبار يميزه عن غيره من الأفراد كالتعريف في نحو (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) ، وإما أن ينصرف العهد فيه الى الماهية باعتبار يميزها عن غيرها من الماهيات كالتعريف في نحو «أكلت الخبز، وشربت الماء» ، والجنسي هو الذي ينضم إليه شمول الآحاد، نحو: الرجل أفضل من المرأة، وكلا نوعي العهد لا يوجب استغراقها، وإنما يوجبه الجنسي خاصة فالزمخشرى جعل تعريف الحمد من النوع الثاني من نوعي العهد، وإن كان قد عبر عنه بتعريف الجنس لعدم اعتنائه باصطلاح أصول الفقه. وغير الزمخشري جعله للجنس فقضى بافادته، لاستغراق جميع أنواع الحمد وليس ببعيد.]] وهو تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أنّ الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال. والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم. وقرأ الحسن البصري: (الحمد للَّه) بكسر الدال لإتباعها اللام. وقرأ إبراهيم بن أبى عبلة: (الحمد للَّه) بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك- والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة- تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين، وأشف القراءتين قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى، بخلاف قراءة الحسن.
الرب: المالك. ومنه قول صفوان لأبى سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلىّ من أن يربني رجل من هوازن [[موقوف. قال ابن إسحاق في المغازي: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه عن أبيه في قصة حنين. وفيه قول صفوان هذا. ومن طريقه أخرجه ابن حبان في صحيحه. والبيهقي في الدلائل. ورواه جويرية عن مالك عن الزهري مرسلا. وأخرجه الدارقطني في الغرائب.
(تنبيه) وقع فيه أن صفوان قال ذلك لأبى سفيان. والذي في مرسل الزهري أنه قال لابن أخيه. والذي في المغازي: أنه قال لأخيه ابن أمه كلدة. وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن إسحاق.]] . تقول: ربه يربه فهو رب، كما تقول: نمّ عليه ينمّ فهو نمّ.
ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلا في اللَّه وحده، وهو في غيره على التقيد بالإضافة، كقولهم: رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى: (ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ) ، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) . وقرأ زيد بن على رضى اللَّه عنهما: (رب العالمين) بالنصب على المدح، وقيل بما دل عليه الْحَمْدُ لِلَّهِ، كأنه قيل: نحمد اللَّه رب العالمين.
العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، [[قال محمود رحمه اللَّه: «العالم اسم لذوي العلم من الملائكة ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: تعليله الجمع بافادة استغراقه لكل جنس تحته فيه نظر فان «عالما» كما قرره: اسم جنس عرف باللام الجنسية، فصار العالم- وهو مفرد- أدل على الاستغراق منه جمعاً. قال إمام الحرمين رحمه اللَّه: التمر أحرى باستغراق الجنس من التمور فان التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية، والتمور ترده إلى تخيل الوجدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب. انتهي كلامه. والتحقيق في هذا وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس ثم يعرف تعريف الجنس: أنه يفيد أمرين: أحدهما أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة. والآخر أنه مستغرق لجميع ما تحته منها لكن المفيد لاختلاف الأنواع الجمع، والمفيد لاستغراق جميعها التعريف ألا ترى أنه إذا جمع مجردا من التعريف دل على اختلاف الأنواع، ثم إذا عرف أفاد استغراقا غير موقوف على الجمعية، إذ هذا حكم مفرده إذا عرف فقول الزمخشري اذاً «إن فائدة جمع العالمين الاستغراق» مردود بثبوت هذه الفائدة وإن لم يجمع وقول إمام الحرمين «إن الجمع يؤيد الاشعار بالاستغراق لما نتخيله من الرد إلى الوجدان» مرود بأن فائدة الجمع الاشعار باختلاف الأنواع، واختلافها لا ينافي استغراقها بصيغة المفرد المقر من تعريف الجنس، وإن أراد أن الجمع يخيل الاشارة إلى أنواع محله معهودة فهذا الخيال يعينه من المفرد، فالعالم إذاً جمع ليفيد اختلاف الأنواع المندرجة تحته من الجن والانس والملائكة، وعرف ليفيد عموم الربوبية للَّه تعالى في كل أنواعه وتوضيح هذا التقرير: أنا لو فرضنا جنساً ليس تحته إلا آحاد متساوية وهو الذي يسميه غير النحاة النوع الأسفل، لما جاز جمع هذا بحال، لا معرفا ولا منكراً، وبهذا الفائدة يرد قول إمام الحرمين «إن التمور جمع من حيث اللفظ» لا معنى تحته لجمع الجمع في نحو نوق ونياق وأنيق وأما تعليل الزمخشري جمعه بالواو والنون باشعاره لصفة العلم فيلحق بصفات من يعقل، فصحيح إذا بنى الأمر على أنه لا يتناول إلا أولى العلم: وأما على القول بأنه اسم لكل موجود سوى اللَّه، فيحتاج إلى مزيد نظر في تغليب العاقل في الجمع على غير العاقل]] وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض. فإن قلت: لم جمع؟ قلت: ليشمل كل جنس مما سمى به. فإن قلت: هو اسم غير صفة، وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام.
قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه وهي الدلالة على معنى العلم.