muqarana · مقارنة

1:2

← surah 1 · all surahs

Aya text not in graph (graph hydration may be pending).

Classical (تراثي)

abu_hayyan — البحر المحيط
﴿الحَمْدُ﴾ الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ مِن نِعْمَةٍ أوْ غَيْرِها بِاللِّسانِ وحْدَهُ، ونَقِيضُهُ الذَّمُّ، ولَيْسَ مَقْلُوبَ مَدَحَ، خِلافًا لِابْنِ الأنْبارِيِّ، إذْ هُما في التَّصْرِيفاتِ مُتَساوِيانِ، وإذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ المَدْحُ بِالجَمادِ، فَتَمْدَحُ جَوْهَرَةً ولا يُقالُ تَحْمَدُ، والحَمْدُ والشُّكْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أوِ الحَمْدُ أعَمُّ، والشُّكْرُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى - بِأفْعالِهِ، والحَمْدُ ثَناءٌ بِأوْصافِهِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أصَحُّها أنَّهُ أعَمُّ، فالحامِدُ قِسْمانِ: شاكِرٌ ومُثْنٍ بِالصِّفاتِ. ﴿لِلَّهِ﴾ اللّامُ: لِلْمِلْكِ وشِبْهِهِ، ولِلتَّمْلِيكِ وشِبْهِهِ، ولِلِاسْتِحْقاقِ، ولِلنَّسَبِ، ولِلتَّعْلِيلِ، ولِلتَّبْلِيغِ، ولِلتَّعَجُّبِ، ولِلتَّبْيِينِ، ولِلصَّيْرُورَةِ، ولِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى في أوْ عِنْدَ أوْ بَعْدُ، ولِلِانْتِهاءِ، ولِلِاسْتِعْلاءِ مِثْلُ: ذَلِكَ المالُ لِزَيْدٍ، أدُومُ لَكَ ما تَدُومُ لِي، ووَهَبْتُ لَكَ دِينارًا، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، الجِلْبابُ لِلْجارِيَةِ، لِزَيْدٍ عَمٌّ، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]، قُلْتُ لَكَ، ولِلَّهِ عَيْنًا، مَن رَأى، مَن تَفَوَّقَ، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ﴿القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، كُتِبَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ، ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] . ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَّبُّ: السَّيِّدُ والمالِكُ والثّابِتُ والمَعْبُودُ والمُصْلِحُ، وزادَ بَعْضُهم بِمَعْنى الصّاحِبِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ: ؎فَدَنا لَهُ رَبُّ الكِلابِ بِكَفِّهِ بِيضٌ رِهافٌ رِيشُهُنَّ مُقَزَّعُ. وبَعْضُهم بِمَعْنى الخالِقِ العالِمِ لا مُفْرِدَ لَهُ كالأنامِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ العِلْمِ أوِ العَلامَةِ، ومَدْلُولُهُ كُلُّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ النّاسُ، قالَهُ البَجَلِيُّ، أوِ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ والشَّياطِينُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ، أوِ الثَّقَلانِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أبُو مُعاذٍ، أوْ أهْلُ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ الصّادِقُ، أوِ المُرْتَزِقُونَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، أوْ كُلُّ مَصْنُوعٍ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، أوِ الرَّوحانِيُّونَ، قالَهُ بَعْضُهم، ونُقِلَ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ أعْدادٌ مُخْتَلِفَةٌ في العالَمِينَ وفي مَقارِّها، اللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ. والجُمْهُورُ قَرَءُوا بِضَمِّ دالِّ الحَمْدِ، وأتْبَعَ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ مِيمَهُ لامَ الجَرِّ لِضَمَّةِ الدّالِ، كَما أتْبَعَ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَسْرَةَ الدّالِ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وهي أغْرَبُ؛ لِأنَّ فِيهِ إتْباعُ حَرَكَةِ مُعْرَبٍ لِحَرَكَةِ غَيْرِ إعْرابٍ، والأوَّلُ بِالعَكْسِ. وفي قِراءَةِ الحَسَنِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الإتْباعُ في مَرْفُوعٍ أوْ مَنصُوبٍ، ويَكُونُ الإعْرابُ إذْ ذاكَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُقَدَّرًا مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ شَغْلَ الكَلِمَةِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما في المَحْكِيِّ والمُدْغَمِ. وقَرَأ هارُونُ العَتَكِيُّ ورُؤْبَةُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الحَمْدَ بِالنَّصْبِ. والحَمْدُ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِألْ، إمّا لِلْعَهْدِ، أيِ الحَمْدُ المَعْرُوفُ بَيْنَكم لِلَّهِ، أوْ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، كَـ (الدِّينارُ خَيْرٌ مِنَ الدِّرْهَمِ)، أيْ: أيُّ دِينارٍ كانَ فَهو خَيْرٌ مِن أيِّ دِرْهَمٍ كانَ، فَيَسْتَلْزِمُ إذْ ذاكَ الأحْمِدَةَ كُلَّها، أوْ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَيَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الأحْمِدَةِ كُلِّها بِالمُطابَقَةِ. والأصْلُ في الحَمْدِ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ: جَمْعَهُ عَلى أحْمَدَ، كَأنَّهُ راعى فِيهِ جامِعُهُ اخْتِلافَ الأنْواعِ، قالَ: ؎وأبْلَجَ مَحْمُودِ الثَّناءِ خَصَصْتُهُ ∗∗∗ بِأفْضَلِ أقْوالِي وأفْضَلَ أحْمُدِي. وقِراءَةُ الرَّفْعِ أمْكَنُ في المَعْنى، ولِهَذا أجْمَعَ عَلَيْها السَّبْعَةُ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحَمْدِ واسْتِقْرارِهِ لِلَّهِ - تَعالى - فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ بِأنَّ الحَمْدَ مُسْتَقِرٌّ لِلَّهِ - تَعالى - أيْ حَمْدُهُ وحَمْدُ غَيْرِهِ. ومَعْنى اللّامُ في لِلَّهِ الِاسْتِحْقاقُ، ومَن (p-١٩)نَصَبَ فَلا بُدَّ مِن عامِلٍ تَقْدِيرُهُ أحْمَدُ اللَّهَ أوْ حَمِدْتُ اللَّهَ، فَيَتَخَصَّصُ الحَمْدُ بِتَخْصِيصِ فاعِلِهِ، وأشْعَرَ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، ويَكُونُ في حالَةِ النَّصْبِ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي حُذِفَتْ أفْعالُها وأُقِيمَتْ مَقامَها، وذَلِكَ في الأخْبارِ، نَحْوَ شُكْرًا لا كُفْرًا. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ لِلنَّصْبِ فِعْلًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ مِنَ الحَمْدِ، أيْ أقُولُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أوِ الزَمُوا الحَمْدَ لِلَّهِ، كَما حَذَفُوهُ مِن نَحْوِ اللَّهُمَّ ضَبْعًا وذِئْبًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وفي قِراءَةِ النَّصْبِ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، كَما قالَ أعْنِي لِلَّهِ، ولا تَكُونُ مُقَوِّيَةً لِلتَّعْدِيَةِ، فَيَكُونُ لِلَّهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ لِامْتِناعِ عَمَلِهِ فِيهِ. قالُوا: سُقْيًا لِزَيْدٍ، ولَمْ يَقُولُوا: سُقْيًا زَيْدًا، فَيُعْمِلُونَهُ فِيهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن مَعْمُولِ المَصْدَرِ، بَلْ صارَ عَلى عامِلٍ آخَرَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطائِفَةٌ (رَبَّ العالَمِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهي فَصِيحَةٌ لَوْلا خَفْضُ الصِّفاتِ بَعْدَها، وضَعُفَتْ إذْ ذاكَ. عَلى أنَّ الأهْوازِيَّ حَكى في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ (رَبَّ العالَمِينَ) (الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ) بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، فَلا ضَعْفَ إذْ ذاكَ، وإنَّما تَضْعُفُ قِراءَةُ نَصْبِ رَبٍّ وخَفْضِ الصِّفاتِ بَعْدَها لِأنَّهم نَصُّوا أنَّهُ لا إتْباعَ بَعْدَ القَطْعِ في النُّعُوتِ، لَكِنَّ تَخْرِيجَها عَلى أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ بَدَلًا، ولا سِيَّما عَلى مَذْهَبِ الأعْلَمِ، إذْ لا يُجِيزُ في الرَّحْمَنِ أنْ يَكُونَ صِفَةً، وحَسَّنَ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ كَوْنُهُ وصْفًا خاصًّا وكَوْنُ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى، فَحَسُنَ النَّصْبُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ نَصَبَ ”رَبِّ“ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْمَدُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مُراعاةُ التَّوَهُّمِ، وهو مِن خَصائِصِ العَطْفِ، ولا يَنْقاسُ فِيهِ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ نَصَبَهُ عَلى البَدَلِ فَضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بِقَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ورَبُّ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ عَلى أحَدِ وُجُوهِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أوِ اسْمُ فاعِلٍ حُذِفَتْ ألِفُهُ، فَأصْلُهُ رابٌّ، كَما قالُوا: رَجُلٌ بارٌّ وبَرٌّ، وأطْلَقُوا الرَّبَّ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ، وفي غَيْرِهِ قُيِّدَ بِالإضافَةِ نَحْوَ رَبِّ الدّارِ. وألْ في العالَمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ، وجَمْعُ العالَمِ شاذٌّ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وجَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ أشَذُّ لِلْإخْلالِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الَّتِي لِهَذا الجَمْعِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى المُكَلَّفِينَ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]، وقِراءَةُ حَفْصٍ بِكَسْرِ اللّامِ تُوَضِّحُ ذَلِكَ.
abu_suud — إرشاد العقل السليم
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحَمْدُ هو النَّعْتُ بِالجَمِيلِ عَلى الجَمِيلِ؛ اخْتِيارِيًّا كانَ أوْ مَبْدَأً لَهُ؛ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِتَوْجِيهِهِ إلى المَنعُوتِ؛ وبِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَمْتازُ عَنِ المَدْحِ؛ فَإنَّهُ خالٍ عَنْها؛ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ ما تَرى بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ في قَوْلِكَ: حَمِدْتُهُ؛ ومَدَحْتُهُ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ الثّانِي بِمَفْعُولِهِ عَلى مِنهاجِ تَعَلُّقِ عامَّةِ الأفْعالِ بِمَفْعُولاتِها؛ وأمّا الأوَّلُ فَتَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ مُنْبِئٌ عَنْ مَعْنى الإنْهاءِ؛ كَما في قَوْلِكَ: كَلَّمْتُهُ؛ فَإنَّهُ مُعْرِبٌ عَمّا يُقَيِّدُهُ لامُ التَّبْلِيغِ في قَوْلِكَ: "قُلْتُ لَهُ"؛ ونَظِيرِهِ؛ و"شَكَرْتُهُ"؛ و"عَبَدْتُهُ"؛ و"خَدَمْتُهُ"؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ كُلٍّ مِنها مُنْبِئٌ عَنِ المَعْنى المَذْكُورِ؛ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَفْعُولَ كُلِّ فِعْلٍ في الحَقِيقَةِ هو الحَدَثُ الصّادِرُ عَنْ فاعِلِهِ؛ ولا يُتَصَوَّرُ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ - أيِّ فِعْلٍ كانَ - اخْتِلافٌ أصْلًا؛ وأمّا المَفْعُولُ بِهِ الَّذِي هو مَحَلُّهُ ومَوْقِعُهُ؛ فَلَمّا كانَ تَعَلُّقُهُ بِهِ؛ ووُقُوعُهُ عَلَيْهِ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُصُوصِيّاتُ الأفْعالِ؛ بِحَسَبِ مَعانِيها المُخْتَلِفَةِ؛ فَإنَّ بَعْضَها يَقْتَضِي أنْ يُلابِسَهُ مُلابَسَةً تامَّةً؛ مُؤَثِّرَةً فِيهِ؛ كَعامَّةِ الأفْعالِ؛ وبَعْضَها يَسْتَدْعِي أنْ يُلابِسَهُ أدْنى مُلابَسَةٍ؛ إمّا بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ؛ كالإعانَةِ مَثَلًا؛ أوْ بِالِابْتِداءِ مِنهُ؛ كالِاسْتِعانَةِ مَثَلًا -؛ اعْتُبِرَ في كُلِّ نَحْوِ مِن أنْحاءِ تَعَلُّقِهِ بِهِ كَيْفِيَّةٌ لائِقَةٌ بِذَلِكَ النَّحْوِ؛ مُغايِرَةٌ لِما اعْتُبِرَ في النَّحْوَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ فَنُظِمَ القِسْمُ الأوَّلُ مِنَ التَّعَلُّقِ في سِلْكِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ الحَقِيقِيِّ؛ مُراعاةً لِقُوَّةِ المُلابَسَةِ؛ وجُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ (p-12)مِن قَبِيلِ التَّعَلُّقِ بِواسِطَةِ الجارِّ المُناسِبِ لَهُ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: أعَنْتُهُ؛ مُشْعِرٌ بِانْتِهاءِ الإعانَةِ إلَيْهِ؛ وقَوْلَكَ: اسْتَعَنْتُهُ؛ بِابْتِدائِها مِنهُ؛ وقَدْ يَكُونُ لِفِعْلٍ واحِدٍ مَفْعُولانِ؛ يَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما عَلى الكَيْفِيَّةِ الأُولى؛ وبِالآخَرِ عَلى الثّانِيَةِ؛ أوِ الثّالِثَةِ؛ كَما في قَوْلِكَ: حَدَّثَنِي الحَدِيثَ؛ وسَألَنِي المالَ؛ فَإنَّ التَّحْدِيثَ؛ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلًا واحِدًا؛ قَدْ تَعَلَّقَ بِكَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ وبِالحَدِيثِ عَلى الأُولى؛ وكَذا السُّؤالُ؛ فَإنَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ؛ وقَدْ تَعَلَّقَ بِكَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الثّالِثَةِ؛ وبِالمالِ عَلى الأُولى؛ ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِلافَ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ الثَّلاثِ؛ وتَبايُنَها واخْتِصاصَ كُلٍّ مِنَ المَفاعِيلِ المَذْكُورَةِ بِما نُسِبَ إلَيْهِ مِنها؛ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَرَدُّدٌ؛ ولا نَكِيرٌ؛ وإنْ كانَ لا يَتَّضِحُ حَقَّ الِاتِّضاحِ إلّا عِنْدَ التَّرْجَمَةِ والتَّفْسِيرِ؛ وإنَّ مَدارَ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ لَيْسَ إلّا اخْتِلافَ الفِعْلِ؛ أوِ اخْتِلافَ المَفْعُولِ؛ وإذْ لا اخْتِلافَ في مَفْعُولِ الحَمْدِ والمَدْحِ؛ تَعَيَّنَ أنَّ اخْتِلافَهُما في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ؛ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى قَطْعًا؛ هَذا وقَدْ قِيلَ: المَدْحُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِاخْتِيارِ؛ يُقالُ: مَدَحْتُ زَيْدًا عَلى حُسْنِهِ ورَشاقَةِ قَدِّهِ؛ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ بَيْنَهُما تَرادُفٌ؛ بَلْ أُخُوَّةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ؛ وتَناسُبٌ تامٌّ في المَعْنى؛ كالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ؛ فَإنَّهُما مُتَناسِبانِ مَعْنًى؛ مِن غَيْرِ تَرادُفٍ؛ لِما تَرى بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ؛ وإنَّما مُرادِفُ النَّصْرِ الإعانَةُ؛ ومُرادِفُ التَّأْيِيدِ التَّقْوِيَةُ؛ فَتَدَبَّرْ؛ ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ التَّفْسِيرِ هو المَشْهُورُ مِن مَعْنى الحَمْدِ؛ واللّائِقُ بِالإدارَةِ في مَقامِ التَّعْظِيمِ؛ وأمّا ما ذُكِرَ في كُتُبِ اللُّغَةِ مِن مَعْنى الرِّضا مُطْلَقًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾؛ وفي قَوْلِهِمْ: لِهَذا الأمْرِ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ وفي قَوْلِ الأطِبّاءِ: بُحْرانٌ مَحْمُودٌ؛ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِالفاعِلِ؛ فَضْلًا عَنْ الِاخْتِيارِ؛ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الإرادَةِ هَهُنا اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِتْباعًا؛ بِحَمْلِ الحَمْدِ عَلى ما يَعُمُّ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ في إثْباتِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها؛ وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُقابَلَةُ النِّعْمَةِ بِالثَّناءِ؛ وآدابِ الجَوارِحِ؛ وعَقْدِ القَلْبِ عَلى وصْفِ المُنْعِمِ بِنَعْتِ الكَمالِ؛ كَما قالَ مَن قالَ: ؎ أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ∗∗∗ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبا فَإذَنْ هو أعَمُّ مِنهُما مِن جِهَةٍ؛ وأخَصُّ مِن أُخْرى؛ ونَقِيضُهُ الكُفْرانُ؛ ولَمّا كانَ الحَمْدُ مِن بَيْنِ شُعَبِ الشُّكْرِ؛ أُدْخِلَ في إشاعَةِ النِّعْمَةِ والِاعْتِدادِ بِشَأْنِها؛ وأدَلَّ عَلى مَكانِها؛ لِما في عَمَلِ القَلْبِ مِنَ الخَفاءِ؛ وفي أعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الِاحْتِمالِ؛ جُعِلَ الحَمْدُ رَأْسَ الشُّكْرِ ومِلاكًا لِأمْرِهِ في قَوْلِهِ ﷺ: « "الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ؛ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ".» وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ؛ وأصْلُهُ النَّصْبُ؛ كَما هو شَأْنُ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالِها المُضْمَرَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُسْتَعْمَلُ مَعَها؛ نَحْوَ: شُكْرًا؛ وعَجَبًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا؛ بِنُونِ الحِكايَةِ؛ لِيُوافِقَ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ لِاتِّحادِ الفاعِلِ في الكُلِّ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ بَيانٌ لِحَمْدِهِمْ لَهُ (تَعالى)؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَحْمَدُونَ؟ فَقِيلَ: إيّاكَ نَعْبُدُ؛ فَمَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ في نَفْسِهِ؛ فَإنَّ السُّؤالَ المُقَدَّرَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَقْتَضِيهِ انْتِظامُ الكَلامِ؛ ويَنْساقُ إلَيْهِ الأذْهانُ والأفْهامُ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ الحامِدَ بَعْدَما ساقَ حَمْدَهُ (تَعالى) عَلى تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ اللّائِقَةِ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَسْألَ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ؛ عَلى أنَّ ما قُدِّرَ مِنَ السُّؤالِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْجَوابِ؛ فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ؛ لا لِبَيانِ العِبادَةِ؛ حَتّى يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ حَمْدِهِمْ؛ والِاعْتِذارُ بِأنَّ المَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ؛ وبِهِ يَتَبَيَّنُ كَيْفِيَّةُ الحَمْدِ؛ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ؛ وتَمَحُّلٌ لِتَوْفِيقِ المُنَّزَلِ المُقَرَّرِ؛ بِالمَوْهُومِ المُقَدَّرِ؛ وبَعْدَ (اللَّتَيّا والَّتِي) أنْ فُرِضَ السُّؤالُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فَأتَتْ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ الَّتِي أجْمَعَ عَلَيْها السَّلَفُ والخَلَفُ؛ وإنْ فُرِضَ مِن جِهَةِ الغَيْرِ يَخْتَلُّ النِّظامُ لِابْتِناءِ الجَوابِ عَلى خِطابِهِ (تَعالى)؛ (p-13)وَبِهَذا يَتَّضِحُ فَسادُ ما قِيلَ إنَّهُ اسْتِئْنافٌ؛ جَوابًا لِسُؤالٍ يَقْتَضِيهِ إجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ العِظامِ عَلى المَوْصُوفِ بِها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما شَأْنُكم مَعَهُ؟ وكَيْفَ تَوَجُّهُكم إلَيْهِ؟ فَأُجِيبُ بِحَصْرِ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ فِيهِ؛ فَإنَّ تَناسِيَ جانِبِ السّائِلِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وبِناءَ الجَوابِ عَلى خِطابِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ؛ والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ صَدَرَ عَنِ الحامِدِ بِمَحْضِ مُلاحَظَةِ اتِّصافِهِ (تَعالى) بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ هُناكَ شَيْءٌ آخَرُ؛ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا؛ وإيثارُ الرَّفْعِ عَلى النَّصْبِ الَّذِي هو الأصْلُ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ الحَمْدِ لَهُ (تَعالى) لِذاتِهِ؛ لا لِإثْباتِ مُثْبَتٍ؛ وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ؛ لا حادِثٌ مُتَجَدِّدٌ؛ كَما تُفِيدُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ؛ وهو السِّرُّ في كَوْنِ تَحِيَّةِ الخَلِيلِ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ - أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ لَهُ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾؛ وتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ؛ ومَعْناهُ الإشارَةُ إلى الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ هي حاضِرَةٌ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ والمُرادُ تَخْصِيصُ حَقِيقَةِ الحَمْدِ بِهِ (تَعالى) المُسْتَدْعِي لِتَخْصِيصِ جَمِيعِ أفْرادِها بِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ لَكِنْ لا بِناءً عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ (تَعالى)؛ فَتَكُونُ الأفْرادُ الواقِعَةُ بِمُقابَلَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ الجَمِيلَةِ راجِعَةً إلَيْهِ (تَعالى)؛ بَلْ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ تِلْكَ الأفْرادِ ودَواعِيها في المَقامِ الخِطابِيِّ مَنزِلَةَ العَدَمِ كَيْفًا وكَمًّا؛ وقَدْ قِيلَ: لِلِاسْتِغْراقِ الحاصِلِ بِالقَصْدِ إلى الحَقِيقَةِ؛ مِن حَيْثُ تَحَقُّقِها في ضِمْنِ جَمِيعِ أفْرادِها؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ وقُرِئَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ بِكَسْرِ الدّالِ إتْباعًا لَها بِاللّامِ؛ وبِضَمِّ اللّامِ إتْباعًا لَها بِالدّالِ؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ الكَلِمَتَيْنِ - لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما مُقْتَرِنَتَيْنِ - مَنزِلَةَ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ مِثْلَ "المُغِيرَةُ ومُنْحَدَرُ الجَبَلِ". ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾: بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ؛ فَإنَّ إضافَتَهُ حَقِيقِيَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْرِيفِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ ضَرُورَةٌ تُعَيِّنُ إرادَةَ الِاسْتِمْرارِ؛ وقُرِئَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ؛ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْمَدُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ؛ ولا مَساغَ لِنَصْبِهِ بِـ "الحَمْدُ" لِقِلَّةِ إعْمالِ المَصْدَرِ المُحَلّى بِاللّامِ؛ ولِلُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ؛ و"الرَّبُّ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ؛ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً؛ كالعَدْلِ؛ وقِيلَ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن "رَبَّهُ يَرُبُّهُ"؛ مِثْلَ "نَمَّهُ يَنُمُّهُ"؛ بَعْدَ جَعْلِهِ لازِمًا بِنَقْلِهِ إلى "فَعُلَ" بِالضَّمِّ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ سُمِّيَ بِهِ المالِكُ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ ما يَمْلِكُهُ ويُرَبِّيهِ؛ ولا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ (تَعالى)؛ إلّا مُقَيَّدًا؛ كَـ "رَبُّ الدّارِ"؛ و"رَبُّ الدّابَّةِ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾؛ وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ؛ وضِّئْ رَبَّكَ؛ ولا يَقُلْ أحَدُكُمْ: رَبِّي؛ ولْيَقُلْ: سَيِّدِي ومَوْلايَ"؛» فَقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ؛ وأمّا الأرْبابُ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ جازَ في إطْلاقِهِ الإطْلاقُ والتَّقْيِيدُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ الآيَةِ؛ والعالَمُ: اسْمٌ لِما يُعْلَمُ بِهِ؛ كَـ الخاتَمُ"؛ و"القالَبُ"؛ غَلَبَ فِيما يُعْلَمُ بِهِ الصّانِعُ (تَعالى) مِنَ المَصْنُوعاتِ؛ أيْ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ أجْناسِها؛ وبَيْنَ مَجْمُوعِها؛ فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى كُلِّ جِنْسٍ جِنْسٌ مِنها؛ في قَوْلِهِمْ: عالَمُ الأفْلاكِ؛ وعالَمُ العَناصِرِ؛ وعالَمُ النَّباتِ؛ وعالَمُ الحَيَوانِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ أيْضًا؛ كَما في قَوْلِنا: العالَمُ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ مُحْدَثٌ؛ وقِيلَ: هو اسْمٌ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ؛ وتَناوُلُهُ لِما سِواهم بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ النّاسُ فَقَطْ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم - مِن حَيْثُ اشْتِمالِهِ عَلى نَظائِرِ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ - يُعْلَمُ بِها الصّانِعُ؛ كَما يُعْلَمُ بِما فِيهِ عالَمٌ عَلى حِيالِهِ؛ ولِذَلِكَ أُمِرَ بِالنَّظَرِ في الأنْفُسِ؛ كالنَّظَرِ في الآفاقِ؛ فَقِيلَ: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾؛ والأوَّلُ هو الأحَقُّ الأظْهَرُ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِبَيانِ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ (تَعالى) لِجَمِيعِ (p-14)الأجْناسِ؛ والتَّعْرِيفُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنها بِأسْرِها؛ إذْ لَوْ أفْرَدَ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّعْرِيفِ هو الحَقِيقَةُ مِن حَيْثُ هِيَ؛ أوِ اسْتِغْراقُ أفْرادِ جِنْسٍ واحِدٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في تَعْرِيفِ الحَمْدِ؛ وحَيْثُ صَحَّ ذَلِكَ بِمُساعَدَةِ التَّعْرِيفِ نَزَلَ العالَمُ - وإنْ لَمْ يَنْطَلِقْ عَلى آحادِ مَدْلُولِهِ - مَنزِلَةَ الجَمْعِ؛ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ فَكَما أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ يَسْتَغْرِقُ آحادَ مُفْرَدِهِ - وإنْ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْها؛ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ (تَعالى):﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ كُلَّ مُحْسِنٍ - كَذَلِكَ العالَمُ يَشْمَلُ أفْرادَ الجِنْسِ المُسَمّى بِهِ؛ وإنْ لَمْ يَنْطَلِقْ عَلَيْها؛ كَأنَّها آحادُ مُفْرَدِهِ التَّقْدِيرِيِّ؛ ومِن قَضِيَّةِ هَذا التَّنْزِيلِ تَنْزِيلُ جَمْعِهِ مَنزِلَةَ جَمْعِ الجَمْعِ؛ فَكَما أنَّ "الأقاوِيلُ" يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الأقْوالِ؛ يَتَناوَلُ لَفْظُ "العالَمِينَ" كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الأجْناسِ الَّتِي لا تَكادُ تُحْصى؛ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنْبِهٍ أنَّهُ قالَ: "لِلَّهِ (تَعالى) ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عالَمٍ؛ والدُّنْيا عالَمٌ مِنها"؛ وإنَّما جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ مَعَ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِصِفاتِ العُقَلاءِ؛ وما في حُكْمِها مِنَ الأعْلامِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى العَلَمِ؛ مَعَ اعْتِبارِ تَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ؛ واعْلَمْ أنَّ عَدَمَ انْطِلاقِ اسْمِ العالَمِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآحادِ لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ الغَلَبَةِ والِاصْطِلاحِ؛ وأمّا بِاعْتِبارِ الأصْلِ فَلا رَيْبَ في صِحَّةِ الإطْلاقِ قَطْعًا؛ لِتَحْقِيقِ المِصْداقِ حَتْمًا؛ فَإنَّهُ كَما يُسْتَدَلُّ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِمَجْمُوعِ ما سِواهُ؛ وبِكُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِهِ؛ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ (تَعالى) بِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ؛ وبِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تِلْكَ الأجْناسِ لِتَحَقُّقِ الحاجَةِ إلى المُؤَثِّرِ الواجِبِ لِذاتِهِ في الكُلِّ؛ فَإنَّ كُلَّ ما ظَهَرَ في المَظاهِرِ؛ مِمّا عَزَّ وهانَ؛ وحَضَرَ في هَذِهِ المَحاضِرِ كائِنًا ما كانَ؛ دَلِيلٌ لائِحٌ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ؛ وسَبِيلٌ واضِحٌ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ؛ وأمّا شُمُولُ رُبُوبِيَّتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُلِّ فَمِمّا لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ؛ إذْ لا شَيْءَ مِمّا أحْدَقَ بِهِ نِطاقُ الإمْكانِ والوُجُودِ مِنَ العُلْوِيّاتِ، والسُّفْلِيّاتِ، والمُجَرَّداتِ، والمادِّيّاتِ، والرُّوحانِيّاتِ، والجُسْمانِيّاتِ؛ إلّا وهو في حَدِّ ذاتِهِ؛ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ انْقِطاعُ آثارِ التَّرْبِيَةِ عَنْهُ آنًا واحِدًا لَما اسْتَقَرَّ لَهُ القَرارُ؛ ولا اطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ؛ إلّا في مَطْمُورَةِ العَدَمِ؛ ومَهاوِي البَوارِ؛ لَكِنْ يُفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ - تَعالى شَأْنُهُ؛ وتَقَدَّسَ في كُلِّ زَمانٍ يَمْضِي؛ وكُلِّ آنٍ يَمُرُّ ويَنْقَضِي - مِن فُنُونِ الفُيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ، ووُجُودِهِ، وصِفاتِهِ، وكَمالاتِهِ؛ ما لا يُحِيطُ بِهِ فَلَكُ التَّعْبِيرِ؛ ولا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ؛ ضَرُورَةً؛ إنَّهُ كَما لا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنَ المُمْكِناتِ بِذاتِهِ الوُجُودَ ابْتِداءً؛ لا يَسْتَحِقُّهُ بَقاءً؛ وإنَّما ذَلِكَ مِن جَنابِ المَبْدَإ الأوَّلِ - عَزَّ وعَلا -؛ فَكَما لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ابْتِداءً ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الأصْلِيِّ؛ لا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى الوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِعِلَّتِهِ ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الطّارِئِ؛ لِما أنَّ الدَّوامَ مِن خَصائِصِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ؛ وظاهِرِ أنَّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي هي عِلَلُهُ؛ وشَرائِطُهُ؛ وإنْ كانَتْ مُتَناهِيَةً؛ لِوُجُوبِ تَناهِي ما دَخَلَ تَحْتَ الوُجُودِ؛ لَكِنَّ الأُمُورَ العَدَمِيَّةَ الَّتِي لَها دَخْلٌ في وُجُودِهِ - وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِارْتِفاعِ المَوانِعِ - لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ إذْ لا اسْتِحالَةَ في أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مَوانِعُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ؛ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ أوْ بَقاؤُهُ عَلى ارْتِفاعِها؛ أيْ بَقائِها عَلى العَدَمِ؛ مَعَ إمْكانِ وُجُودِها في نَفْسِها؛ فَإبْقاءُ تِلْكَ المَوانِعِ الَّتِي لا تَتَناهى عَلى العَدَمِ تَرْبِيَةٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ وبِالجُمْلَةِ فَآثارُ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - الفائِضَةُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ؛ في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ الوُجُودِ؛ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ؛ فَسُبْحانَهُ؛ سُبْحانَهُ؛ ما أعْظَمَ سُلْطانَهُ! لا تُلاحِظُهُ العُيُونُ بِأنْظارِها؛ ولا تُطالِعُهُ العُقُولُ بِأفْكارِها؛ شَأْنُهُ لا يُضاهى؛ وإحْسانُهُ لا يَتَناهى؛ ونَحْنُ في مَعْرِفَتِهِ حائِرُونَ؛ وفي إقامَةِ مَراسِمِ شُكْرِهِ قاصِرُونَ؛ نَسْألُكَ اللَّهُمَّ الهِدايَةَ (p-15)إلى مَناهِجِ مَعْرِفَتِكَ؛ والتَّوْفِيقَ لِأداءِ حُقُوقِ نِعْمَتِكَ؛ لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ؛ لا إلَهَ إلّا أنْتَ؛ نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ.
alusi — روح المعاني
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ (p-34)أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ. ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ (p-35)أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ (p-36)مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . (الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً (p-37)بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ. ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ (p-38)لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. (وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ. وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.
baghawy
قوله: {الحمد لله} : لفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله عز وجل وفيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة. يقال: حمدت فلاناً على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلاناً على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامداً. وقيل: الحمد باللسان قولاً والشكر بالأركان فعلاً، قال الله تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً} [11 - الإسراء] ، وقال: {اعملوا آل داود شكراً} [123 - سبأ] . قوله: {لله} اللام فيه للاستحقاق؛ كما يقال الدار لزيد. قوله: {رب العالمين} : فالرب يكون بمعنى المالك؛ كما يقال لمالك الدار: رب الدار، ويقال: رب الشيء إذا ملكه، ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أتممها وأصلحها فهو رب مثل طب، وبر. فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو الرب مُعَرَّفاً إنما يقال رب كذا مضافاً، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل. و (العالمين) جمع عالم، لا واحد له في لفظه، واختلفوا في العالمين؛ قال ابن عباس: " هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب" ، قال الله تعالى: {ليكون للعالمين نذيراً} [1 - الفرقان] . وقال قتادة ومجاهد والحسن: "هم جميع المخلوقات" ، قال الله تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما} [23 - 24 الشعراء] . واشتقاقه من العلم والعلامة سموا به لظهور أثر الصنعة فيهم، قال أبو عبيد: "هم أربعة أمم: الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين" . مشتق من العلم، ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم، قال سعيد بن المسيب: "لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر" . وقال مقاتل بن حيان: "لله ثمانون ألف عالم أربعون ألفاً في البحر وأربعون ألفاً في البر" . وقال وهب: "لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء" . وقال كعب الأحبار: "لا يحصي عدد العالمين أحد إلا الله" ، قال الله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [31 - المدثر] .
baghawy — معالم التنزيل
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي. سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ. وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" [[من نسخة (ب) .]] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ [[ساقط من أ.]] ] . وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ. قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) [[في الأصل: تعظيما.]] لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) [[في الأصل: الفعل.]] . وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) [[ساقط من (أ) .]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ [[أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.]] . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .]] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [[أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.]] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا. قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) . قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ. "وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) . قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) [[في ب: ريان.]] الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ. قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ. قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) [[في أ، ب (الاستطاعة) .]] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا. قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] [[ساقط من ب.]] وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ. قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) [[في ب: كسر.]] فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [[زيادة من ب.]] بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ. وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) [[ساقط من ب.]] مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .]] صَحِيحٌ. فصل في فضل (الفاتحة) [[في "ب": فاتحة الكتاب.]] أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) [[ساقط من (أ) .]] مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) [[ساقط من (أ) وفي ب: الذي.]] آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.]] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" [[رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] [[ساقط من ب.]] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ [[في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.]] غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" [[رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.]] صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [[ساقط من (ب) .]]
biqaai — نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولَمّا أثْبَتَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ لا لِشَيْءٍ غَيْرِ ذاتِهِ الحائِزِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ أشارَ إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ أيْضًا مِن حَيْثُ كَوْنِهِ رَبًّا مالِكًا مُنْعِمًا فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿العالَمِينَ﴾ إلى ابْتِداءِ الخَلْقِ تَنْبِيهًا عَلى الِاسْتِدْلالاتِ بِالمَصْنُوعِ عَلى الصّانِعِ وبِالبُداءَةِ عَلى الإعادَةِ (p-٢٨)كَما ابْتَدَأ التَّوْراةَ بِذَلِكَ [ لِذَلِكَ ] قالَ الحَرالِّيُّ: و”الحَمْدُ“ المَدْحُ الكامِلُ الَّذِي يُحِيطُ بِجَمِيعِ الأفْعالِ والأوْصافِ، عَلى أنَّ جَمِيعَها إنَّما هو مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّهُ كُلَّهُ مَدْحٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ذَمٌّ، فَإذا اضْمَحَلَّ ازْدِواجُ المَدْحِ بِالذَّمِّ وعُلِمَ سَرَيانُ المَدْحِ في الكُلِّ اسْتَحَقَّ عِنْدَ ذَلِكَ ظُهُورَ اسْمِ الحَمْدِ مُكَمَّلًا مُعَرَّفًا بِكَلِمَةِ ”ألْ“ وهي كَلِمَةٌ دالَّةٌ فِيما اتَّصَلَتْ بِهِ عَلى انْتِهائِهِ وكَمالِهِ. انْتَهى.
ibn_abi_hatim — تفسير ابن أبي حاتم
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [٨] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو مَعْمَرٍ المِنقَرِيُّ، ثَنا عَبْدُ الوارِثِ، ثَنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «”الحَمْدُ لِلَّهِ“ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“، قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي» [٩] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - يَعْنِي أبا كُرَيْبٍ - ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الزَّيّاتَ - ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ، الِاسْتِجْداءُ لِلَّهِ، والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ” الوَجْهُ الثّانِي [١٠] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا وُهَيْبٌ، ثَنا سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبٍ، قالَ:“الحَمْدُ لِلَّهِ”ثَناءٌ عَلى اللَّهِ الوَجْهُ الثّالِثُ [١١] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الفارِسِيُّ، ثَنا بَزِيعٌ أبُو خازِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي أبا بَسْطامٍ - عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: الحَمْدُ رِداءُ الرَّحْمَنِ. (p-٢٧)الوَجْهُ الرّابِعُ [١٢] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو مَعْمَرٍ القَطِيعِيُّ، ثَنا حَفْصٌ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ. ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها اللَّهُ لِنَفْسِهِ. قالَ: أبُو مُحَمَّدٍ: كَذا رَواهُ أبُو مَعْمَرٍ القَطِيعِيُّ، عَنْ حَفْصٍ [١٣] وحَدَّثَنا بِهِ الأشَجُّ، فَقالَ: ثَنا حَفْصٌ، وخالَفَهُ، فِيهِ، فَقالَ فِيهِ: قالَ: عُمَرُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأصْحابُهُ عِنْدَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، قَدْ عَرَفْناها، فَما سُبْحانَ اللَّهِ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ أحَبَّها لِنَفْسِهِ، ورَضِيَها لِنَفْسِهِ، وأحَبَّ أنْ تُقالَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [١٤] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - يَعْنِي أبا كُرَيْبٍ - ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الزَّيّاتَ - ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ثُمَّ قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قالَ:“الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ"، قالَ: يا مُحَمَّدُ، لَهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، السَّماواتُ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ، وما بَيْنَهُنَّ مِمّا يُعْلَمُ ومِمّا لا يُعْلَمُ» والوَجْهُ الثّانِي [١٥] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، ثَنا أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: الإنْسُ عالَمٌ، والجِنُّ عالَمٌ، وما سِوى ذَلِكَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عالَمٍ، أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ عالَمٍ، مِنَ المَلائِكَةِ عَلى الأرْضِ، والأرْضُ أرْبَعُ زَوايا، فَفي كُلِّ زاوِيَةٍ ثَلاثَةُ آلافِ عالَمٍ، وخَمَسُمِائَةِ عالَمٍ خَلْقَهم لِعِبادَتِهِ. [١٦] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا هِشامُ بْنُ خالِدٍ، ثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنا الفُراتُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ، عَنْ تَبِيعٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: العالَمِينَ ألْفُ أُمَّةٍ، فَسِتُّمِائَةٍ في البَحْرِ، وأرْبَعُمِائَةٍ في البَرِّ. [١٧] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ المَوْصِلِيُّ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ما وصَفَ مِن خَلْقِهِ (p-٢٨)الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العالَمِينَ: الجِنُّ والإنْسُ. فَقَطْ [١٨] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا أبُو غَسّانَ مالِكُ بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا قَيْسٌ، عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ - ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ بِإسْنادٍ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ - ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ
ibn_ashoor — التحرير والتنوير
(p-١٥٢)﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشَّأْنُ في الخِطابِ بِأمْرٍ مُهِمٍّ لَمْ يَسْبِقْ لِلْمُخاطَبِ بِهِ خِطابٌ مِن نَوْعِهِ أنْ يُسْتَأْنَسَ لَهُ قَبْلَ إلْقاءِ المَقْصُودِ وأنْ يُهَيَّأ لِتَلَقِّيهِ، وأنْ يُشَوَّقَ إلى سَماعِ ذَلِكَ وتُراضُ نَفْسُهُ عَلى الِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِلتَّلَقِّي بِالتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ عائِقًا عَنِ الِانْتِفاعِ بِالهُدى مِن عِنادٍ ومُكابَرَةٍ أوِ امْتِلاءِ العَقْلِ بِالأوْهامِ الضّالَّةِ، فَإنَّ النَّفْسَ لا تَكادُ تَنْتَفِعُ بِالعِظاتِ والنُّذُرِ، ولا تُشْرِقُ فِيها الحِكْمَةُ وصِحَّةُ النَّظَرِ ما بَقِيَ يُخالِجُها العِنادُ والبُهْتانُ، وتُخامِرُ رُشْدَها نَزَغاتُ الشَّيْطانِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ أُولى سُوَرِ الكِتابِ المَجِيدِ بِتَوْقِيفِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى قُرّاءَ كِتابِهِ وفاتِحِي مُصْحَفِهِ إلى أُصُولِ هَذِهِ التَّزْكِيَةِ النَّفْسِيَّةِ بِما لَقَّنَهم أنْ يَبْتَدِئُوا بِالمُناجاةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها سُورَةُ الفاتِحَةِ مِن قَوْلِهِ ”إيّاكَ نَعْبُدُ“ إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنَّها تَضَمَّنَتْ أُصُولًا عَظِيمَةً: أوَّلُها التَّخْلِيَةُ عَنِ التَّعْطِيلِ والشِّرْكِ بِما تَضَمَّنَهُ ”إيّاكَ نَعْبُدُ“ . الثّانِي التَّخَلِّي عَنْ خَواطِرِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ تِجاهَ عَظَمَتِهِ بِما تَضَمَّنَهُ ”وإيّاكَ نَسْتَعِينُ“ . الثّالِثُ الرَّغْبَةُ في التَّحَلِّي بِالرُّشْدِ والِاهْتِداءِ بِما تَضَمَّنَهُ ”اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ“ . الرّابِعُ الرَّغْبَةُ في التَّحَلِّي بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ بِما تَضَمَّنَهُ ”صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ“ . الخامِسُ التَّهَمُّمُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الضَّلالِ الصَّرِيحِ بِما تَضَمَّنَهُ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ“ . السّادِسُ التَّهَمُّمُ بِسَلامَةِ تَفْكِيرِهِمْ مِنَ الِاخْتِلاطِ بِشُبُهاتِ الباطِلِ المُمَوَّهِ بِصُورَةِ الحَقِّ وهو المُسَمّى بِالضَّلالِ لِأنَّ الضَّلالَ خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ بِما تَضَمَّنَهُ ولا الضّالِّينَ وأنْتَ إذا افْتَقَدْتَ أُصُولَ نَجاحِ المُرْشِدِ في إرْشادِهِ والمُسْتَرْشِدِ في تَلَقِّيهِ عَلى كَثْرَتِها وتَفارِيعِها وجَدْتَها عاكِفَةً حَوْلَ هَذِهِ الأرْكانِ السِّتَّةِ، فَكُنْ في اسْتِقْصائِها لَبِيبًا. وعَسى أنْ أزِيدَكَ مِن تَفْصِيلِها قَرِيبًا. وإنَّ الَّذِي لَقَّنَ أهْلَ القُرْآنِ ما فِيهِ جِماعُ طَرائِقِ الرُّشْدِ بِوَجْهٍ لا يُحِيطُ بِهِ غَيْرُ عَلّامِ الغُيُوبِ، لَمْ يُهْمِلْ إرْشادَهم إلى التَّحَلِّي بِزِينَةِ الفَضائِلِ وهي أنْ يُقَدِّرُوا النِّعْمَةَ حَقَّ قَدْرِها بِشُكْرِ المُنْعِمِ بِها فَأراهم كَيْفَ يُتَوِّجُونَ مُناجاتِهِمْ بِحَمْدِ واهِبِ العَقْلِ ومانِحِ التَّوْفِيقِ. ولِذَلِكَ كانَ افْتِتاحُ كُلِّ كَلامٍ مُهِمٍّ بِالتَّحْمِيدِ سُنَّةَ الكِتابِ المَجِيدِ. (p-١٥٣)فَسُورَةُ الفاتِحَةِ بِما تَقَرَّرَ مُنَزَّلَةٌ مِنَ القُرْآنِ مَنزِلَةَ الدِّيباجَةِ لِلْكِتابِ أوِ المُقَدِّمَةِ لِلْخُطْبَةِ، وهَذا الأُسْلُوبُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ في صِناعَةِ الأدَبِ العَرَبِيِّ وهو أعْوَنُ لِلْفَهْمِ وأدْعى لِلْوَعْيِ. وقَدْ رَسَمَ أُسْلُوبَ الفاتِحَةِ لِلْمُنْشِئِينَ ثَلاثَ قَواعِدَ لِلْمُقَدِّمَةِ: القاعِدَةُ الأوْلى: إيجازُ المُقَدِّمَةِ لِئَلّا تَمَلَّ نُفُوسُ السّامِعِينَ بِطُولِ انْتِظارِ المَقْصُودِ وهو ظاهِرٌ في الفاتِحَةِ، ولِيَكُونَ سُنَّةً لِلْخُطَباءِ فَلا يُطِيلُوا المُقَدِّمَةَ كَيْ لا يُنْسَبُوا إلى العَيِّ، فَإنَّهُ بِمِقْدارِ ما تُطالُ المُقَدِّمَةُ يَقْصُرُ الغَرَضُ، ومِن هَذا يَظْهَرُ وجْهُ وضْعِها قَبْلَ السُّوَرِ الطِّوالِ مَعَ أنَّها سُورَةٌ قَصِيرَةٌ. الثّانِيَةُ أنْ تُشِيرَ إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ وهو ما يُسَمّى بَراعَةَ الِاسْتِهْلالِ لِأنَّ ذَلِكَ يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِسَماعِ تَفْصِيلِ ما سَيَرِدُ عَلَيْهِمْ فَيَتَأهَّبُوا لِتَلَقِّيهِ إنْ كانُوا مِن أهْلِ التَّلَقِّي فَحَسْبُ، أوْ لِنَقْدِهِ وإكْمالِهِ إنْ كانُوا في تِلْكَ الدَّرَجَةِ، ولِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الخَطِيبِ مِنَ الغَرَضِ وثِقَتِهِ بِسَدادِ رَأْيِهِ فِيهِ بِحَيْثُ يُنَبِّهُ السّامِعِينَ لِوَعْيِهِ، وفِيهِ سُنَّةٌ لِلْخُطَباءِ لِيُحِيطُوا بِأغْراضِ كَلامِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اشْتِمالِ الفاتِحَةِ عَلى هَذا عِنْدَ الكَلامِ عَلى وجْهِ تَسْمِيَتِها أُمَّ القُرْآنِ. الثّالِثَةُ أنْ تَكُونَ المُقَدِّمَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُلَماءُ البَيانِ عِنْدَ ذِكْرِهِمُ المَواضِعَ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُتَكَلِّمِ أنْ يَتَأنَّقَ فِيها. الرّابِعُ أنْ تُفْتَتَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ. إنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ هُدًى لِلنّاسِ وتِبْيانًا لِلْأحْكامِ الَّتِي بِها إصْلاحُ النّاسِ في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ ومَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِنُفُوسِ الأُمَّةِ اعْتِيادٌ بِذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُهَيَّأ المُخاطَبُونَ بِها إلى تَلَقِّيها، ويُعْرَفُ تَهَيُّؤُهَمْ بِإظْهارِهِمُ اسْتِعْدادَ النُّفُوسِ بِالتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَعُوقَ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهاتِهِ التَّعالِيمِ النّافِعَةِ وذَلِكَ بِأنْ يُجَرِّدُوا نُفُوسَهم عَنِ العِنادِ والمُكابَرَةِ. وعَنْ خَلْطِ مَعارِفِهِمْ بِالأغْلاطِ الفاقِرَةِ. فَلا مَناصَ لَها قَبْلَ اسْتِقْبالِ تِلْكَ الحِكْمَةِ والنَّظَرِ مِنَ الِاتِّسامِ بِمَيْسِمِ الفَضِيلَةِ والتَّخْلِيَةِ عَنِ السَّفاسِفِ الرَّذِيلَةِ. فالفاتِحَةُ تَضَمَّنَتْ مُناجاةً لِلْخالِقِ جامِعَةً التَّنَزُّهَ عَنِ التَّعْطِيلِ والإلْحادِ والدَّهْرِيَّةِ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤])، وعَنِ الإشْراكِ بِما تَضَمَّنَهُ ”إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ“، وعَنِ المُكابَرَةِ والعِنادِ بِما تَضَمَّنَهُ ”اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ“ فَإنَّ طَلَبَ الهِدايَةِ اعْتِرافٌ بِالِاحْتِياجِ إلى العِلْمِ، ووَصْفُ الصِّراطِ بِالمُسْتَقِيمِ اعْتِرافٌ بِأنَّ مِنَ العِلْمِ ما هو حَقٌّ ومِنهُ ما هو مَشُوبٌ بِشُبَهٍ وغَلَطٍ، ومَنِ اعْتَرَفَ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ أعَدَّ نَفْسَهُ لِاتِّباعِ أحْسَنِهِما، وعَنِ الضَّلالاتِ الَّتِي تَعْتَرِي العُلُومَ الصَّحِيحَةَ والشَّرائِعَ الحَقَّةَ فَتَذْهَبُ بِفائِدَتِها (p-١٥٤)وتُنْزِلُ صاحِبَها إلى دَرَكَةٍ أقَلَّ مِمّا وقَفَ عِنْدَهُ الجاهِلُ البَسِيطُ، وذَلِكَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ)، كَما أجْمَلْناهُ قَرِيبًا. ولِأجْلِ هَذا سُمِّيَتْ هاتِهِ السُّورَةُ أُمَّ القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ. ولَمّا لُقِّنَ المُؤْمِنُونَ هاتِهِ المُناجاةَ البَدِيعَةَ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلى الإحاطَةِ بِها في كَلامِهِ غَيْرُ عَلّامِ الغُيُوبِ سُبْحانَهُ، قَدَّمَ الحَمْدَ عَلَيْها لِيَضَعَهُ المُناجُونَ كَذَلِكَ في مُناجاتِهِمْ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ بُلَغاءِ العَرَبِ عِنْدَ مُخاطَبَةِ العُظَماءِ أنْ يَفْتَتِحُوا خِطابَهم إيّاهم وطِلْبَتَهم بِالثَّناءِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعانَ: ؎أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي حَياؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ الحَياءُ ؎إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ فَكانَ افْتِتاحُ الكَلامِ بِالتَّحْمِيدِ، سُنَّةَ الكِتابِ المَجِيدِ، لِكُلِّ بَلِيغٍ مُجِيدٍ، فَلَمْ يَزَلِ المُسْلِمُونَ مِن يَوْمِئِذٍ يُلَقِّبُونَ كُلَّ كَلامِ نَفِيسٍ لَمْ يَشْتَمِلْ في طالِعِهِ عَلى الحَمْدِ بِالأبْتَرِ أخْذًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «كُلُّ أمْرِ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ لِلَّهِ أوْ بِالحَمْدِ فَهو أقْطَعُ» . وقَدْ لُقِّبَتْ خُطْبَةُ زِيادِ بْنِ أبِي سُفْيانَ الَّتِي خَطَبَها بِالبَصْرَةِ بِالبَتْراءِ لِأنَّهُ لَمْ يَفْتَتِحْها بِالحَمْدِ. وكانَتْ سُورَةُ الفاتِحَةِ لِذَلِكَ مُنَزَّلَةً مِنَ القُرْآنِ مَنزِلَةَ الدِّيباجَةِ لِلْكِتابِ أوِ المُقَدِّمَةِ لِلْخُطْبَةِ. ولِذَلِكَ شَأْنٌ مُهِمٌّ في صِناعَةِ الإنْشاءِ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُقَدِّمَةِ بَيْنَ يَدَيِ المَقْصُودِ أعْوَنُ لِلْأفْهامِ وأدْعى لِوَعْيِها. والحَمْدُ هو الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ أيِ الوَصْفُ الجَمِيلُ الِاخْتِيارِيُّ فِعْلًا كانَ كالكَرَمِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ أمْ غَيْرِهِ كالشَّجاعَةِ. وقَدْ جَعَلُوا الثَّناءَ جِنْسًا لِلْحَمْدِ فَهو أعَمُّ مِنهُ ولا يَكُونُ ضِدَّهُ. فالثَّناءُ الذِّكْرُ بِخَيْرٍ مُطْلَقًا وشَذَّ مَن قالَ يُسْتَعْمَلُ الثَّناءُ في الذِّكْرِ مُطْلَقًا ولَوْ بِشَرٍّ، ونَسَبا إلى ابْنِ القَطّاعِ وغَرَّهُ في ذَلِكَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ ﷺ «مَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ ومَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وجَبَتْ لَهُ النّارُ» وإنَّما هو مَجازٌ دَعَتْ إلَيْهِ المُشاكَلَةُ اللَّفْظِيَّةُ والتَّعْرِيضُ بِأنَّ مَن كانَ مُتَكَلِّمًا في مُسْلِمٍ فَلْيَتَكَلَّمْ بِثَناءٍ أوْ لِيَدَعْ، فَسَمّى ذِكْرَهم بِالشَّرِّ ثَناءً (p-١٥٥)تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. وأمّا الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ فَهو النِّثاءُ بِتَقْدِيمِ النُّونِ وهو في الشَّرِّ أكْثَرُ كَما قِيلَ. وأمّا المَدْحُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الوَصْفِ الِاخْتِيارِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ الحَمْدُ والمَدْحُ أخَوانِ فَقِيلَ أرادَ أخَوانِ في الِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ نَحْوَ جَبَذَ وجَذَبَ، وإنَّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ لَهُ في الكَشّافِ في مَعْنى أُخُوَّةٍ اللَّفْظَيْنِ لِئَلّا يَلْزَمَ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ أنَّ المَدْحَ يُطْلَقُ عَلى الثَّناءِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، لَكِنَّ هَذا فَهْمٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن شُرّاحِ الكَشّافِ أنَّهُ أرادَ مِنَ الأُخُوَّةِ هُنا التَّرادُفَ لِأنَّهُ ظاهِرُ كَلامِهِ؛ ولِأنَّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ في الفائِقِ الحَمْدِ هو المَدْحُ والوَصْفُ بِالجَمِيلِ ولِأنَّهُ ذَكَرَ الذَّمَّ نَقِيضًا لِلْحَمْدِ إذْ قالَ في الكَشّافِ ”والحَمْدُ نَقِيضُهُ الذَّمُّ مَعَ شُيُوعِ كَوْنِ الذَّمِّ نَقِيضًا لِلْمَدْحِ، وعُرْفُ عُلَماءِ اللُّغَةِ أنْ يُرِيدُوا مِنَ النَّقِيضِ المُقابِلَ لا ما يُساوِي النَّقِيضَ حَتّى يُجابَ بِأنَّهُ أرادَ مِنَ النَّقِيضِ ما لا يُجامِعُ المَعْنى، والذَّمُّ لا يُجامِعُ الحَمْدَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ رَفْعَ مَعْنى الحَمْدِ، بَلْ رَفْعَ مَعْنى المَدْحِ؛ إلّا أنَّ نَفْيَ الأعَمِّ وهو المَدْحُ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأخَصِّ وهو الحَمْدُ لِأنَّ هَذا لا يَقْصِدُهُ عُلَماءُ اللُّغَةِ، يَعْنِي وإنِ اغْتُفِرَ مِثْلُهُ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ في غَيْرِ أهْلِهِ ∗∗∗ يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْهِ ويَنْدَمِ لِأنَّ كَلامَ العُلَماءِ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّبْطِ والتَّدْقِيقِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ في مُرادِ صاحِبِ الكَشّافِ مِن تَرادُفِهِما هَلْ هُما مُتَرادِفانِ في تَقْيِيدِهِما بِالثَّناءِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، أوْ مُتَرادِفانِ في عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالِاخْتِيارِيِّ، وعَلى الأوَّلِ حَمَلَهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ وهو ظاهِرُ كَلامِ سَعْدِ الدِّينِ، واسْتَدَلَّ السَّيِّدُ بِأنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ [الحجرات: ٧] إذْ قالَ فَإنْ قُلْتَ فَإنَّ العَرَبَ تَمْدَحُ بِالجَمالِ وحُسْنِ الوُجُوهِ وهو مَدْحٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ النّاسِ، قُلْتُ: الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّهم رَأوْا حُسْنَ الرِّواءِ ووَسامَةَ المَنظَرِ في الغالِبِ يُسْفِرُ عَنْ مَخْبَرٍ مُرْضٍ وأخْلاقٍ مَحْمُودَةٍ، عَلى أنَّ مِن مُحَقِّقَةِ الثِّقاتِ وعُلَماءِ المَعانِي مَن دَفَعَ صِحَّةَ ذَلِكَ وخَطَّأ المادِحَ بِهِ وقَصَرَ المَدْحَ عَلى النَّعْتِ بِأُمَّهاتِ الخَيْرِ وهي كالفَصاحَةِ والشَّجاعَةِ والعَدْلِ والعِفَّةِ وما يَتَشَعَّبُ عَنْها اهـ. وعَلى المَحْمَلِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ قَصَدَ مِنَ التَّرادُفِ إلْغاءَ قَيْدِ الِاخْتِيارِيِّ في كِلَيْهِما حَمَلَهُ المُحَقِّقُ عَبْدُ الحَكِيمِ السَّلَكُوتِيُّ في حَواشِي التَّفْسِيرِ فَرْضًا أوْ نَقْلًا لا تَرْجِيحًا بِناءً عَلى أنَّهُ ظاهِرُ كَلامِهِ في الكَشّافِ والفائِقِ إذْ ألْغى قَيْدَ الِاخْتِيارِيِّ في تَفْسِيرِ المَدْحِ بِالثَّناءِ عَلى الجَمِيلِ وجَعَلَهُما مَعَ ذَلِكَ مُتَرادِفَيْنِ. (p-١٥٦)وبِهَذا يَنْدَفِعُ الإشْكالُ عَنْ حَمْدِنا اللَّهَ تَعالى عَلى صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ كالعِلْمِ والقُدْرَةِ دُونَ صِفاتِ الأفْعالِ وإنْ كانَ انْدِفاعُهُ عَلى اخْتِيارِ الجُمْهُورِ أيْضًا ظاهِرًا؛ فَإنَّ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ مَذْهَبَهم يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يُحْمَدَ اللَّهُ تَعالى عَلى صِفاتِهِ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ فَلا تُوصَفُ بِالِاخْتِيارِ إذِ الِاخْتِيارُ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ الِاتِّصافِ، وقَدْ أجابُوا عَنْهُ إمّا بِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ العَلِيَّةَ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ الِاخْتِيارِيَّةِ لِاسْتِقْلالِ مَوْصُوفِها، وإمّا بِأنْ تَرَتُّبَ الآثارِ الِاخْتِيارِيَّةِ عَلَيْها يَجْعَلُها كالِاخْتِيارِيَّةِ، وإمّا بِأنَّ المُرادَ بِالِاخْتِيارِيَّةِ أنْ يَكُونَ المَحْمُودُ فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَحْمُودُ عَلَيْهِ اخْتِيارِيًّا. وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ أنْ نَقُولَ: إنَّ شَرْطَ الِاخْتِيارِيِّ في حَقِيقَةِ الحَمْدِ عِنْدَ مُثْبِتِهِ لِإخْراجِ الصِّفاتِ غَيْرِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِأنَّ غَيْرَ الِاخْتِيارِيِّ فِينا لَيْسَ مِن صِفاتِ الكَمالِ إذْ لا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها الآثارُ المُوجِبَةُ لِلْحَمْدِ، فَكانَ شَرْطُ الِاخْتِيارِ في حَمْدِنا زِيادَةً في تَحَقُّقِ كَمالِ المَحْمُودِ، أمّا عَدَمُ الِاخْتِيارِ المُخْتَصِّ بِالصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ نَقْصٍ في صِفاتِهِ ولَكِنَّهُ كَمالٌ نَشَأ مِن وُجُوبِ الصِّفَةِ لِلذّاتِ لِقِدَمِ الصِّفَةِ، فَعَدَمُ الِاخْتِيارِ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى زِيادَةٌ في الكَمالِ، لِأنَّ أمْثالَ تِلْكَ الصِّفاتِ فِينا لا تَكُونُ واجِبَةً لِلذّاتِ مُلازِمَةً لَها، فَكانَ عَدَمُ الِاخْتِيارِ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى دَلِيلًا عَلى زِيادَةِ الكَمالِ وفِينا دَلِيلًا عَلى النَّقْصِ، وما كانَ نَقْصًا فِينا بِاعْتِبارِ ما قَدْ يَكُونُ كَمالًا لِلَّهِ تَعالى بِاعْتِبارٍ آخَرَ مِثْلَ عَدَمِ الوَلَدِ، فَلا حاجَةَ إلى الأجْوِبَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّنْزِيلِ إمّا بِاعْتِبارِ الصِّفَةِ أوْ بِاعْتِبارِ المَوْصُوفِ، عَلى أنَّ تَوْجِيهَ الثَّناءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِمادَّةِ حَمِدَ هو أقْصى ما تُسَمّى بِهِ اللُّغَةُ المَوْضُوعَةُ لِأداءِ المَعانِي المُتَعارَفَةِ لَدى أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ، فَلَمّا طَرَأتْ عَلَيْهِمُ المَدارِكُ المُتَعَلِّقَةُ بِالحَقائِقِ العالِيَةِ عَبَّرَ لَهم عَنْها بِأقْصى ما يُقَرِّبُها مِن كَلامِهِمْ. الحَمْدُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَرْوِيَّةِ، وقَوْلُهُ“ لِلَّهِ ”خَبَرُهُ، فَلامُ لِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ والِاسْتِقْرارِ العامِّ كَسائِرِ المَجْرُوراتِ المُخْبَرِ بِها وهو هُنا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي أتَتْ بَدَلًا عَنْ أفْعالِها في مَعْنى الإخْبارِ، فَأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ عَلى أنَّهُ بُدِّلَ مِن فِعْلِهِ وتَقْدِيرِ الكَلامِ نَحْمَدُ حَمْدًا لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ التَزَمُوا حَذْفَ أفْعالِها مَعَها. قالَ سِيبَوَيْهِ هَذا بابُ ما يُنْصَبُ مِنَ المَصادِرِ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ إظْهارُهُ وذَلِكَ قَوْلُكُ سَقْيًا ورَعْيًا وخَيْبَةً وبُؤْسًا، والحَذَرَ بَدَلًا عَنِ احْذَرْ فَلا يَحْتاجُ إلى مُتَعَلِّقٍ، وأمّا قَوْلُهم سَقْيًا لَكَ نَحْوَ ؎سَقْيًا ورَعْيًا لِذاكَ العاتِبِ الزّارِي فَإنَّما هو لِيُبَيِّنُوا المَعْنى بِالدُّعاءِ. ثُمَّ قالَ بَعْدَ أبْوابٍ: هَذا بابُ ما يَنْتَصِبُ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ المَتْرُوكِ إظْهارُهُ مِنَ المَصادِرِ في غَيْرِ الدُّعاءِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُكُ: حَمْدًا (p-١٥٧)وشُكْرًا، لا كُفْرًا وعَجَبًا، فَإنَّما يَنْتَصِبُ هَذا عَلى إضْمارِ الفِعْلِ كَأنَّكَ قُلْتَ“ أحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا ”وإنَّما اخْتُزِلَ الفِعْلُ هاهُنا لِأنَّهم جَعَلُوا هَذا بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في بابِ الدُّعاءِ، وقَدْ جاءَ بَعْضُ هَذا رَفْعًا يُبْتَدَأُ بِهِ ثُمَّ يُبْنى عَلَيْهِ أيْ يُخْبَرُ عَنْهُ. ثُمَّ قالَ بَعْدَ بابٍ آخَرَ: هَذا بابٌ يُخْتارُ فِيهِ أنْ تَكُونَ المَصادِرُ مُبْتَدَأةً مَبْنِيًّا عَلَيْها ما بَعْدَها، وذَلِكَ قَوْلُكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، والعَجَبُ لَكَ، والوَيْلُ لَهُ، وإنَّما اسْتَحَبُّوا الرَّفْعَ فِيهِ لِأنَّهُ صارَ مَعْرِفَةً وهو خَبَرٌ أيْ غَيْرُ إنْشاءٍ فَقَوِيَ في الِابْتِداءِ أيْ أنَّهُ لَمّا كانَ خَبَرًا لا دُعاءً وكانَ مَعْرِفَةً بِألْ تَهَيَّأتْ فِيهِ أسْبابُ الِابْتِداءِ لِأنَّ كَوْنَهُ في مَعْنى الإخْبارِ يُهَيِّئُ جانِبَ المَعْنى لِلْخَبَرِيَّةِ، وكَوْنَهَ مَعْرِفَةً يُصَحِّحُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً بِمَنزِلَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والرَّجُلِ، والَّذِي تَعْلَمُ مِنَ المَعارِفِ، لِأنَّ الِابْتِداءَ إنَّما هو خَبَرٌ وأحْسَنُهُ إذا اجْتَمَعَ مَعْرِفَةٌ ونَكِرَةٌ أنْ تَبْدَأ بِالأعْرافِ وهو أصْلُ الكَلامِ. ولَيْسَ كُلُّ حَرْفٍ أيْ تَرْكِيبٍ يُصْنَعُ بِهِ ذاكَ، كَما أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ حَرْفٍ أيْ كَلِمَةٍ مِن هَذِهِ المَصادِرِ يَدْخُلُ فِيهِ الألِفُ واللّامُ، فَلَوْ قُلْتَ السَّقْيَ لَكَ والرَّعْيَ لَكَ لَمْ يَجُزْ يَعْنِي يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى السَّماعِ. واعْلَمْ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ وإنِ ابْتَدَأْتَهُ فَفِيهِ مَعْنى المَنصُوبِ وهو بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِقَوْلِكَ: أحْمَدُ اللَّهَ. وسَمِعْنا ناسًا مِنَ العَرَبِ كَثِيرًا يَقُولُونَ: التُّرابَ لَكَ والعَجَبَ لَكَ، فَتَفْسِيرُ نَصْبِ هَذا كَتَفْسِيرِهِ حَيْثُ كانَ نَكِرَةً، كَأنَّكَ قُلْتُ: حَمْدًا وعَجَبًا، ثُمَّ جِئْتَ بِـ لَكَ لِتُبَيِّنَ مَن تَعْنِي ولَمْ تَجْعَلْهُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فَتَبْتَدِئَهُ. انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ بِاخْتِصارٍ. وإنَّما جَلَبْناهُ هُنا لِأنَّهُ أفْصَحُ كَلامٍ عَنْ أطْوارِ هَذا المَصْدَرِ في كَلامِ العَرَبِ واسْتِعْمالِهِمْ، وهو الَّذِي أشارَ لَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ“ وأصْلُهُ النَّصْبُ بِإضْمارِ فِعْلِهِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَنْصِبُها العَرَبُ بِأفْعالٍ مُضْمَرَةٍ في مَعْنى الإخْبارِ كَقَوْلِهِمْ شُكْرًا، وكُفْرًا، وعَجَبًا، يُنْزِلُونَها مَنزِلَةَ أفْعالِها ويَسُدُّونَ بِها مَسَدَّها، ولِذَلِكَ لا يَسْتَعْمِلُونَها مَعَها، والعُدُولُ بِها عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَعْنى إلَخْ. ومِن شَأْنِ بُلَغاءِ العَرَبِ أنَّهم لا يَعْدِلُونَ عَنِ الأصْلِ إلّا وهم يَرْمُونَ إلى غَرَضٍ عَدَلُوا لِأجْلِهِ، والعُدُولُ عَنِ النَّصْبِ هُنا إلى الرَّفْعِ لِيَتَأتّى لَهُمُ الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ بِمَصِيرِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً؛ والدَّلالَةُ عَلى العُمُومِ المُسْتَفادِ في المَقامِ مِن ألِ الجِنْسِيَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى الِاهْتِمامِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّقْدِيمِ. ولَيْسَ واحِدٌ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِمُمْكِنِ الِاسْتِفادَةِ لَوْ بَقِيَ المَصْدَرُ مَنصُوبًا إذِ النَّصْبُ يَدُلُّ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، والمُقَدَّرُ كالمَلْفُوظِ فَلا تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً إذِ الِاسْمُ فِيها نائِبٌ (p-١٥٨)عَنِ الفِعْلِ فَهو يُنادِي عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ فَلا يَحْصُلُ الدَّوامُ. ولِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَهُ اعْتِبارُ التَّقْدِيمِ فَلا يَحْصُلُ الِاهْتِمامُ، ولِأنَّهُ وإنْ صَحَّ اجْتِماعُ الألِفِ واللّامِ مَعَ النَّصْبِ كَما قُرِئَ بِذَلِكَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ فالتَّعْرِيفُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ دالًّا عَلى عُمُومِ المَحامِدِ لِأنَّهُ إنْ قُدِّرَ الفِعْلُ أحْمَدُ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ فَلا يَعُمُّ إلّا تَحْمِيداتِ المُتَكَلِّمِ دُونَ تَحْمِيداتِ جَمِيعِ النّاسِ، وإنْ قُدِّرَ الفِعْلُ نَحْمَدُ وأُرِيدَ بِالنُّونِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِقَرِينَةِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وبِقَرِينَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإنَّما يَعُمُّ مَحامِدَ المُؤْمِنِينَ أوْ مَحامِدَ المُوَحِّدِينَ كُلِّهِمْ، كَيْفَ وقَدْ حَمِدَ أهْلُ الكِتابِ اللَّهَ تَعالى وحَمِدَهُ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ ؎الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لا انْقِطاعَ لَهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ إحْسانُهُ عَنّا بِمَقْطُوعِ أمّا إذا صارَ الحَمْدُ غَيْرَ جارٍ عَلى فِعْلٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ الإخْبارُ عَنْ جِنْسِ الحَمْدِ بِأنَّهُ ثابِتٌ لِلَّهِ فَيَعُمُّ كُلَّ حَمْدٍ كَما سَيَأْتِي. فَهَذا مَعْنى ما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِي يَرْفَعُ الحَمْدَ يُخْبِرُ أنَّ الحَمْدَ مِنهُ ومِن جَمِيعِ الخَلْقِ والَّذِي يَنْصِبُ يُخْبِرُ أنَّ الحَمْدَ مِنهُ وحْدَهُ لِلَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ وإنْ كانَتْ شاذَّةً إلّا أنَّها مُجْدِيَةٌ هُنا لِأنَّها دَلَّتْ عَلى اعْتِبارٍ عَرَبِيٍّ في تَطَوُّرِ هَذا التَّرْكِيبِ المَشْهُورِ، وأنَّ بَعْضَ العَرَبِ نَطَقُوا بِهِ في حالِ التَّعْرِيفِ ولَمْ يَنْسَوْا أصْلَ المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. فَقَدْ بانَ أنَّ قَوْلَهُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ أبْلَغُ مِنَ الحَمْدِ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ، وأنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ والتَّعْرِيفِ أبْلَغُ مِن حَمْدًا لِلَّهِ بِالتَّنْكِيرِ. وإنَّما كانَ الحَمْدُ لِلَّهِ بِالرَّفْعِ أبْلَغَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. قالَ في الكَشّافِ: إنَّ العُدُولَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَعْنى واسْتِقْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ [هود: ٦٩] قالَ (سَلامٌ) رَفْعُ السَّلامِ الثّانِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيّاهم بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمُ اهـ. فَإنْ قُلْتَ: وقَعَ الِاهْتِمامُ بِالحَمْدِ مَعَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى أهَمُّ فَكانَ الشَّأْنُ تَقْدِيمَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى وإبْقاءَ الحَمْدِ غَيْرَ مُهْتَمٍّ بِهِ حَتّى لا يَلْجَأ إلى تَغْيِيرِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِأجْلِ هَذا الِاهْتِمامِ، قُلْتُ: قُدِّمَ الحَمْدُ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ الحَمْدِ إذْ هو ابْتِداءُ أوْلى النِّعَمِ بِالحَمْدِ وهي نِعْمَةُ تَنْزِيلِ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ نَجاحُ الدّارَيْنِ، فَتِلْكَ المِنَّةُ مِن أكْبَرِ ما يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن جَلائِلِ صِفاتِ الكَمالِ لا سِيَّما وقَدِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلى كَمالِ المَعْنى واللَّفْظِ والغايَةِ فَكانَ خُطُورُهُ عِنْدَ ابْتِداءِ سَماعِ إنْزالِهِ وابْتِداءِ تِلاوَتِهِ مُذَكِّرًا بِما لِمُنْزِلِهِ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ، وذَلِكَ يُذَكِّرُ بِوُجُوبِ حَمْدِهِ وأنْ لا يُغْفَلَ عَنْهُ، فَكانَ المَقامُ مَقامَ الحَمْدِ لا مَحالَةَ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ وأُزِيلُ عَنْهُ ما يُؤْذِنُ بِتَأخُّرِهِ لِمُنافاتِهِ (p-١٥٩)الِاهْتِمامَ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الِاهْتِمامَ تَأتّى بِهِ اعْتِبارُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِهِ أيْضًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى اعْتِدادًا بِأهَمِّيَّةِ الحَمْدِ العارِضَةِ في المَقامِ وإنْ كانَ ذِكْرُ اللَّهِ أهَمَّ في نَفْسِهِ لِأنَّ الأهَمِّيَّةَ العارِضَةَ تُقَدَّمُ عَلى الأهَمِّيَّةِ الأصْلِيَّةِ لِأنَّها أمْرٌ يَقْتَضِيهِ المَقامُ والحالُ، والآخَرُ يَقْتَضِيهِ الواقِعُ، والبَلاغَةُ هي المُطابَقَةُ لِمُقْتَضى الحالِ والمَقامِ، ولِأنَّ ما كانَ الِاهْتِمامُ بِهِ لِعارِضٍ هو المُحْتاجُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عارِضِهِ إذْ قَدْ يَخْفى، بِخِلافِ الأمْرِ المَعْرُوفِ المُقَرَّرِ فَلا فائِدَةَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بَلْ ولا يُفِيتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى غَيْرِهِ. فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُ تَقْدِيمِ الحَمْدِ وهو مُبْتَدَأٌ مُؤْذِنًا بِالِاهْتِمامِ مَعَ أنَّهُ الأصْلُ، وشَأْنُ التَّقْدِيمِ المُفِيدِ لِلِاهْتِمامِ هو تَقْدِيمُ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرِ. قُلْتُ: لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَإنَّ مَعْنى تَقْدِيمِهِ هو قَصْدُ المُتَكَلِّمِ لِلْإتْيانِ بِهِ مُقَدَّمًا مَعَ إمْكانِ الإتْيانِ بِهِ مُؤَخَّرًا؛ لِأنَّ لِلْبُلَغاءِ صِيغَتَيْنِ مُتَعارَفَتَيْنِ في حَمْدِ اللَّهِ تَعالى إحْداهُما ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ كَما في الفاتِحَةِ والأُخْرى ”لِلَّهِ الحَمْدُ“ كَما في سُورَةِ الجاثِيَةِ. وأمّا قَصْدُ العُمُومِ فَسَيَتَّضِحُ عِنْدَ بَيانِ مَعْنى التَّعْرِيفِ فِيهِ. والتَّعْرِيفُ فِيهِ بِالألِفِ واللّامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا في الأصْلِ عِوَضٌ عَنِ الفِعْلِ فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ الدّالُّ عَلى الفِعْلِ والسّادُّ مَسَدَّهُ دالًّا عَلى الجِنْسِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ اللّامُ فَهو لِتَعْرِيفِ مَدْلُولِهِ لِأنَّ اللّامَ تَدُلُّ عَلى التَّعْرِيفِ لِلْمُسَمّى، فَإذا كانَ المُسَمّى جِنْسًا فاللّامُ تَدُلُّ عَلى تَعْرِيفِهِ. ومَعْنى تَعْرِيفِ الجِنْسِ أنَّ هَذا الجِنْسَ هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ السّامِعِ فَإذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوِ العَجَبُ لَكَ، فَكَأنَّكَ تُرِيدُ أنَّ هَذا الجِنْسَ مَعْرُوفٌ لَدَيْكَ ولَدى مُخاطَبِكَ لا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ ”الرَّجُلُ“ وأرَدْتَ مُعَيَّنًا في تَعْرِيفِ العَهْدِ النَّحْوِيِّ فَإنَّكَ تُرِيدُ أنَّ هَذا الواحِدَ مِنَ النّاسِ مَعْرُوفٌ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُخاطَبِكَ فَهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ مِن حَيْثُ إنَّ تَعْرِيفَ الجِنْسِ لَيْسَ مَعَهُ كَبِيرُ مَعْنًى إذْ تَعَيُّنُ الجِنْسِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأجْناسِ حاصِلٌ بِذِكْرِ لَفْظَهِ الدّالِّ عَلَيْهِ لُغَةً وهو كافٍ في عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى غَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ مِنَ الأجْناسِ بِمُشارِكٍ لَهُ في اللَّفْظِ ولا مُتَوَهَّمٍ دُخُولُهُ مَعَهُ في ذِهْنِ المُخاطَبِ بِخِلافِ تَعْرِيفِ العَهْدِ الخارِجِيِّ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُخاطَبِكَ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أفْرادِ الجِنْسِ الَّتِي يَشْمَلُها اللَّفْظُ، فَلا يُفِيدُ هَذا التَّعْرِيفُ أعْنِي تَعْرِيفَ الجِنْسِ إلّا تَوْكِيدَ اللَّفْظِ وتَقْرِيرَهُ وإيضاحَهُ لِلسّامِعِ؛ لِأنَّكَ (p-١٦٠)لَمّا جَعَلْتَهُ مَعْهُودًا فَقَدْ دَلَلْتَ عَلى أنَّهُ واضِحٌ ظاهِرٌ، وهَذا يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِالجِنْسِ وتَقْرِيبِهِ مِنَ المَعْرُوفِ المَشْهُورِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ وهو نَحْوُ التَّعْرِيفِ في (أرْسَلَها العِراكَ)، ومَعْناهُ الإشارَةُ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّ الحَمْدَ ما هو والعِراكَ ما هو مِن بَيْنِ أجْناسِ الأفْعالِ وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ولَيْسَتْ لامُ التَّعْرِيفِ هُنا لِلِاسْتِغْراقِ لِما عَلِمْتَ أنَّها لامُ الجِنْسِ ولِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”والِاسْتِغْراقُ الَّذِي تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وهْمٌ مِنهم غَيْرَ أنَّ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ حاصِلٌ هُنا بِالمِثالِ لِأنَّ الحُكْمَ بِاخْتِصاصِ جِنْسِ الحَمْدِ بِهِ تَعالى لِوُجُودِ لامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ في قَوْلِهِ (الحَمْدُ) ولامِ الِاخْتِصاصِ في قَوْلِهِ“ لِلَّهِ ”يَسْتَلْزِمُ انْحِصارَ أفْرادِ الحَمْدِ في التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا اخْتَصَّ الجِنْسُ اخْتَصَّتِ الأفْرادُ؛ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ فَرَدٌ مِن أفْرادِ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَتَحَقَّقَ الجِنْسُ في ضِمْنِهِ فَلا يَتِمُّ مَعْنى اخْتِصاصِ الجِنْسِ المُسْتَفادِ مِن لامِ الِاخْتِصاصِ الدّاخِلَةِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، ثُمَّ هَذا الِاخْتِصاصُ اخْتِصاصٌ ادِّعائِيٌّ فَهو بِمَنزِلَةِ القَصْرِ الِادِّعائِيِّ لِلْمُبالَغَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى لِلَّهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاخْتِصاصِ عَلى أنَّهُ اخْتِصاصٌ ادِّعائِيٌّ كَما مَرَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لامَ التَّقْوِيَةِ قُوَّتْ تَعَلُّقَ العامِلِ بِالمَفْعُولِ لِضَعْفِ العامِلِ بِالفَرْعِيَّةِ وزادَهُ التَّعْرِيفُ بِاللّامِ ضَعْفًا لِأنَّهُ أبْعَدَ شَبَهَهُ بِالأفْعالِ، ولا يَفُوتُ مَعْنى الِاخْتِصاصِ لِأنَّهُ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ. هَذا وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ جُمْلَةَ الحَمْدِ هَلْ هي خَبَرٌ أوْ إنْشاءٌ فَإنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَعَلُّقٍ بِالتَّفْسِيرِ لِرُجُوعِهِ إلى المَعْنى بِقَوْلِ القائِلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وجِماعُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ الإنْشاءَ قَدْ يَحْصُلُ بِنَقْلِ المُرَكَّبِ مِنَ الخَبَرِيَّةِ إلى الإنْشاءِ، وذَلِكَ كَصِيَغِ العُقُودِ مِثْلَ بِعْتُ واشْتَرَيْتُ، وكَذَلِكَ أفْعالُ المَدْحِ والذَّمِّ والرَّجاءِ كَعَسى ونِعْمَ وبِئْسَ، وهَذا الأخِيرُ قِسْمانِ مِنهُ ما اسْتُعْمِلَ في الإنْشاءِ مَعَ بَقاءِ اسْتِعْمالِهِ في الخَبَرِ، ومِنهُ ما خُصَّ بِالإنْشاءِ، فالأوَّلُ كَصِيَغِ العُقُودِ فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ أخْبارًا تَقُولُ بِعْتُ الدّارَ لِزَيْدٍ الَّتِي أخْبَرْتُكَ بِأنَّهُ ساوَمَنِي إيّاها (p-١٦١)فَهَذا خَبَرٌ، وتَقُولُ: بِعْتُ الدّارَ لِزَيْدٍ أوْ بِعْتُكَ الدّارَ بِكَذا فَهَذا إنْشاءٌ بِقَرِينَةِ أنَّهُ جاءَ لِلْإشْهادِ أوْ بِقَرِينَةِ إسْنادِ الخَبَرِ لِلْمُخاطَبِ مَعَ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ حالٌ مِن أحْوالِهِ، والثّانِي كَنِعْمَ وعَسى. فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ جُمْلَةَ“ الحَمْدُ لِلَّهِ ”هَلْ هي إخْبارٌ عَنْ ثُبُوتِ الحَمْدِ لِلَّهِ أوْ هي إنْشاءُ ثَناءٍ عَلَيْهِ إلى مَذْهَبَيْنِ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ إلى أنَّها خَبَرٌ، وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّها خَبَرٌ باقٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ ولا إشْعارَ فِيهِ بِالإنْشائِيَّةِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِها لا يَكُونُ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ القَصْدَ أنَّهُ يُثْنِي ويَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى، وأُجِيبَ بِأنَّ الخَبَرَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى اعْتِرافٌ بِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالجَمِيلِ إذِ الحَمْدُ هو عَيْنُ الوَصْفِ بِالجَمِيلِ، ويَكْفِي أنْ يَحْصُلَ هَذا الوَصْفُ مِنَ النّاسِ ويَنْقُلَهُ المُتَكَلِّمُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أيْضًا بِأنَّ المُخْبِرَ داخِلٌ في عُمُومِ خَبَرِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ. وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ كَوْنَ المُتَكَلِّمِ حامِدًا قَدْ يَحْصُلُ بِالِالتِزامِ مِنَ الخَبَرِ يُرِيدُونَ أنَّهُ لازِمٌ عُرْفِيٌّ لِأنَّ شَأْنَ الأمْرِ الَّذِي تَضافَرَ عَلَيْهِ النّاسُ قَدِيمًا أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيهِ غَيْرُهم مِن كُلِّ مَن عَلِمَهُ، فَإخْبارُ المُتَكَلِّمِ بِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ يَدُلُّ عُرْفًا عَلى أنَّهُ مُقْتَدٍ بِهِمْ في ذَلِكَ هَذا وجْهُ اللُّزُومِ، وقَدْ خَفِيَ عَلى كَثِيرٍ، أيْ: فَيَكُونُ مِثْلَ حُصُولِ لازِمِ الفائِدَةِ مِنَ الخَبَرِ المُقَرَّرَةٍ في عِلْمِ المَعانِي، مِثْلَ قَوْلِكَ: سَهِرْتَ اللَّيْلَةَ وأنْتَ تُرِيدُ أنَّكَ عَلِمْتَ بِسَهَرِهِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إنْشاءٌ لِأنَّ التَّقْدِيرَ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ المُتَكَلِّمَ يُخْبِرُ عَنْ كَوْنِهِ حامِدًا كَما يُخْبِرُ عَنْ كَوْنِ جَمِيعِ النّاسِ حامِدِينَ فَهي خَبَرٌ لا إنْشاءٌ والمُسْتَفادُ مِنها بِطَرِيقِ اللُّزُومِ مَعْنًى إخْبارِيٌّ أيْضًا. ويُرَدُّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا أنَّ حَمْدَ المُتَكَلِّمِ يَصِيرُ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ بَلْ حاصِلًا بِالتَّبَعِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامَ حَمْدِ المُتَكَلِّمِ لا حَمْدِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى المُطابَقِيَّ قَدْ يُؤْتى بِهِ لِأجْلِ المَعْنى الِالتِزامِيِّ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم طَوِيلُ النَّجادِ والمُرادُ طُولُ القامَةِ فَإنَّ طُولَ النَّجادِ أتى بِهِ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى طُولِ القامَةِ. وذَهَبَ فَرِيقٌ ثانٍ إلى أنَّ جُمْلَةَ“ الحَمْدُ لِلَّهِ ”هي خَبَرٌ لا مَحالَةَ إلّا أنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ الإنْشاءُ مَعَ اعْتِبارِ الخَبَرِيَّةِ كَما يُرادُ مِنَ الخَبَرِ إنْشاءُ التَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ في نَحْوِ (إنِّي وضَعْتُها أُنْثى) وقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ ؎هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِيِّنَ مُصْعِدُ فَيَكُونُ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ هو الإنْشاءُ ولَكِنَّ العُدُولَ إلى الإخْبارِ لِما يَتَأتّى بِواسِطَةِ الإخْبارِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْراقِ والِاخْتِصاصِ والدَّوامِ والثَّباتِ، ووَجْهُ التَّلازُمِ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْ حَمْدِ النّاسِ وبَيْنَ إنْشاءِ الحَمْدِ واضِحٌ مِمّا عَلِمْتَهُ في وجْهِ التَّلازُمِ عَلى التَّقْرِيرِ الأوَّلِ، بَلْ هو هُنا أظْهَرُ لِأنَّ المُخْبِرَ عَنْ حَمْدِ النّاسِ (p-١٦٢)لِلَّهِ تَعالى لا جَرَمَ أنَّهُ مُنْشِئٌ ثَناءًا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وكَوْنُ المَعْنى الِالتِزامِيِّ في الكِنايَةِ هو المَقْصُودُ دُونَ المَعْنى المُطابَقِيِّ أظْهَرَ مِنهُ في اعْتِبارِ الخَبَرِيَّةِ المَحْضَةِ لِما عُهِدَ في الكِنايَةِ مِن أنَّها لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ الأصْلِ مَعَهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المَعْنى الأصْلِيَّ إمّا غَيْرُ مُرادٍ أوْ مُرادٌ تَبَعًا لِأنَّ“ مَعَ " تَدْخُلُ عَلى المَتْبُوعِ. المَذْهَبُ الثّانِي أنَّ جُمْلَةَ الحَمْدُ لِلَّهِ إنْشاءٌ مَحْضٌ لا إشْعارَ لَهُ بِالخَبَرِيَّةِ، عَلى أنَّها مِنَ الصِّيَغِ الَّتِي نَقَلَتْها العَرَبُ مِنَ الإخْبارِ إلى إنْشاءِ الثَّناءِ كَما نَقَلَتْ صِيَغَ العُقُودِ وأفْعالَ المَدْحِ والذَّمِّ أيْ نَقْلًا مَعَ عَدَمِ إماتَةِ المَعْنى الخَبَرِيِّ في الِاسْتِعْمالِ؛ فَإنَّكَ قَدْ تَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ جَوابًا لِمَن قالَ: لِمَنِ الحَمْدُ ؟ أوْ مَن أحْمَدُ ؟ . ولَكِنَّ تَعَهُّدَ المَعْنى الأصْلِيِّ ضَعِيفٌ فَيَحْتاجُ إلى القَرِينَةِ. والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْشاءِ فالقَصْدُ هو الإنْشائِيَّةُ لا مَحالَةَ، وعُدِّلَ إلى الخَبَرِيَّةِ لِتَحْمِلَ جُمْلَةُ الحَمْدِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ ما يُناسِبُ جَلالَةَ المَحْمُودِ بِها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ والِاسْتِغْراقِ والِاخْتِصاصِ والِاهْتِمامِ، وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِصِيغَةِ إنْشاءٍ نَحْوَ حَمْدًا لِلَّهِ أوْ أحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ العَرَبِ إيّاها إنْشاءً لا خَبَرًا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ولَمّا جَرَتْ في الجَزْلِ جَرْيًا كَأنَّهُ ∗∗∗ سَنا الفَجْرِ أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا فَعَبَّرَ عَنْ ذِكْرِ لَفْظِ الحَمْدِ أوِ الشُّكْرِ بِالإحْداثِ، والإحْداثُ يُرادِفُ الإنْشاءَ لُغَةً فَقَوْلُهُ أحْدَثْنا خَبَرٌ حَكى بِهِ ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالإحْداثِ وهو حَمْدُهُ الواقِعُ حِينَ التِهابِها في الحَطَبِ. واللَّهُ هو اسْمُ الذّاتِ الواجِبُ الوُجُودِ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. وأصْلُ هَذا الِاسْمِ الإلَهُ بِالتَّعْرِيفِ وهو تَعْرِيفُ إلَهٍ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَعْبُودِ مُشْتَقٌّ مِن ألَهَ بِفَتْحِ اللّامِ بِمَعْنى عَبَدَ، أوْ مِن ألِهَ بِكَسْرِ اللّامِ بِمَعْنى تَحَيَّرَ أوْ سَكَنَ أوْ فَزِعَ أوْ وُلِعَ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنًى هو مَلْزُومٌ لِلْخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ فَهو فِعالٌ بِكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ كِتابٍ، أطْلَقَهُ العَرَبُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ مِن أصْنامِهِمْ لِأنَّهم يَرَوْنَها حَقِيقَةً بِالعِبادَةِ ولِذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلى آلِهَةٍ بِوَزْنِ أفْعِلَةٍ مَعَ تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ مَدَّةً. وأحْسَبُ أنَّ اسْمَهُ تَعالى تَقَرَّرَ في لُغَةِ العَرَبِ قَبْلَ دُخُولِ (p-١٦٣)الإشْراكِ فِيهِمْ فَكانَ أصْلُ وضْعِهِ دالًّا عَلى انْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إذْ لا إلَهَ غَيْرُهُ فَلِذَلِكَ صارَ عَلَمًا عَلَيْهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ العَلَمِ بِالغَلَبَةِ بَلْ مِن قَبِيلِ العَلَمِ بِالِانْحِصارِ مِثْلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ فَلا بِدَعَ في اجْتِماعِ كَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ وكَوْنِهِ عَلَمًا، ولِذَلِكَ أرادُوا بِهِ المَعْبُودَ بِحَقٍّ رَدًّا عَلى أهْلِ الشِّرْكِ قَبْلَ دُخُولِ الشِّرْكِ في العَرَبِ وإنَّنا لَمْ نَقِفْ عَلى أنَّ العَرَبَ أطْلَقُوا الإلَهَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مُفْرَدًا عَلى أحَدِ أصْنامِهِمْ وإنَّما يُضِيفُونَ فَيَقُولُونَ: إلَهُ بَنِي فُلانٍ والأكْثَرُ أنْ يَقُولُوا: رَبُّ بَنِي فُلانٍ، أوْ يَجْمَعُونَ كَما قالُوا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ: أرْضُ الآلِهَةِ، وفي حَدِيثِ فَتْحِ مَكَّةَ وجَدَ رَسُولُ اللَّهِ البَيْتَ فِيهِ الآلِهَةَ. فَلَمّا اخْتَصَّ الإلَهُ بِالإلَهِ الواحِدِ واجِبِ الوُجُودِ اشْتَقُّوا لَهُ مِنَ اسْمِ الجِنْسِ عَلَمًا زِيادَةً في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الحَقِيقُ بِهَذا الِاسْمِ لِيَصِيرَ الِاسْمُ خاصًّا بِهِ غَيْرَ جائِزِ الإطْلاقِ عَلى غَيْرِهِ عَلى سُنَنِ الأعْلامِ الشَّخْصِيَّةِ، وأراهم أبْدَعُوا وأعْجَبُوا إذْ جَعَلُوا عَلَمَ ذاتِهِ تَعالى مُشْتَقًّا مِنَ اسْمِ الجِنْسِ المُؤْذِنِ بِمَفْهُومِ الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذاتَهُ تَعالى لا تُسْتَحْضَرُ عِنْدِ واضِعِ العَلَمِ وهو النّاطِقُ الأوَّلُ بِهَذا الِاسْمِ مِن أهْلِ اللِّسانِ إلّا بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى أوْلى مَن يُؤَلَّهُ ويُعْبَدُ لِأنَّهُ خالِقُ الجَمِيعِ فَحَذَفُوا الهَمْزَةَ مِنَ الإلَهِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا اللَّفْظِ عِنْدَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ تَعالى كَما حَذَفُوا هَمْزَةَ الأُناسِ فَقالُوا: النّاسُ؛ ولِذَلِكَ أظْهَرُوها في بَعْضِ الكَلامِ. قالَ البَعِيثُ بْنُ حُرَيْثٍ: ؎مَعاذَ الإلَهِ أنْ تَكُونَ كَظَبْيَةٍ ∗∗∗ ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيلَةِ رَبْرَبٍ (p-١٦٤)كَما أظْهَرُوا هَمْزَةَ الأُناسِ في قَوْلِ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ الأسَدِيِّ ؎إنَّ المَنايا لَيَطَّلِعْ ∗∗∗ نَ عَلى الأُناسِ الآمِنِينَ ونَزَلَ هَذا اللَّفْظُ في طَوْرِهِ الثّالِثِ مَنزِلَةَ الأعْلامِ الشَّخْصِيَّةِ فَتَصَرَّفُوا فِيهِ هَذا التَّصَرُّفَ لِيَنْتَقِلُوا بِهِ إلى طَوْرٍ جَدِيدٍ فَيَجْعَلُوهُ مِثْلَ عَلَمٍ جَدِيدٍ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَسْلُوكَةٌ في بَعْضِ الأعْلامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي في شَرْحِ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا في النَّشِيدِ الثّالِثِ عَشَرَ مِنَ الحَماسَةِ ؎إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ ∗∗∗ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكٍ شُمْسُ بِضَمِّ الشِّينِ وأصْلُهُ شَمْسُ بِفَتْحِها كَما قالُوا حُجْرَ وسُلْمى فَيَكُونُ مِمّا غُيِّرَ عَنْ نَظائِرِهِ لِأجْلِ العَلَمِيَّةِ اهـ. وفِي الكَشّافِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن قَرَأ أبِي لَهْبٍ بِسُكُونِ الهاءِ ما نَصَّهُ وهي مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ كَقَوْلِهِمْ شُمْسُ بْنُ مالِكٍ بِالضَّمِّ اهـ. وقالَ قَبْلَهُ ولِفُلَيْتَةَ بْنِ قاسِمٍ أمِيرِ مَكَّةَ ابْنانِ أحَدُهُما عَبْدِ اللَّهِ بِالجَرِّ، والآخَرُ عَبْدَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ، وكانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ عَبْدِ اللَّهِ لا يُعْرَفُ إلّا هَكَذا. اهـ يَعْنِي بِكَسْرِ دالِ عَبْدِ في جَمِيعِ أحْوالِ إعْرابِهِ، فَهو بِهَذا الإيماءِ نَوْعٌ مَخْصُوصٌ مِنَ العَلَمِ، وهو أنَّهُ أقْوى مِنَ العَلَمِ بِالغَلَبَةِ لِأنَّ لَهُ لَفْظًا جَدِيدًا بَعْدَ اللَّفْظِ المُغَلَّبِ. وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ في العَلَمِيَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لِاسْمِ الجَلالَةِ لا نَظِيرَ لَها في الأعْلامِ فَكانَ اسْمُهُ تَعالى غَيْرُ مُشابِهٍ لِأسْماءِ الحَوادِثِ كَما أنَّ مُسَمّى ذَلِكَ الِاسْمِ غَيْرُ مُماثِلٍ لِمُسَمَّياتِ أسْماءِ الحَوادِثِ. وقَدْ دَلُّوا عَلى تَناسِيهِمْ ما في الألِفِ واللّامِ مِنَ التَّعْرِيفِ وأنَّهم جَعَلُوهُما جُزْءًا مِنَ الكَلِمَةِ بِتَجْوِيزِهِمْ نِداءَ اسْمِ الجَلالَةِ مَعَ إبْقاءِ الألِفِ واللّامِ إذْ يَقُولُونَ يا اللَّهُ مَعَ أنَّهم يَمْنَعُونَ نِداءَ مَدْخُولِ الألِفِ واللّامِ. وقَدِ احْتَجَّ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى كَوْنِ أصْلِهِ الإلَهَ بِبَيْتِ البُعَيْثِ المُقَدَّمِ، ولَمْ يُقَرِّرْ ناظِرُوهُ وجْهَ احْتِجاجِهِ بِهِ، وهو احْتِجاجٌ وجِيهٌ لِأنَّ مَعاذَ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ في اسْتِعْمالِهِمْ مُضافَةً لِغَيْرِ اسْمِ الجَلالَةِ، مِثْلَ سُبْحانَ فَأُجْرِيَتْ مَجْرى الأمْثالِ في لُزُومِها لِهاتِهِ الإضافَةِ، إذْ تَقُولُ مَعاذَ اللَّهِ فَلَمّا قالَ الشّاعِرُ مَعاذَ الإلَهِ وهو مِن فُصَحاءِ أهْلِ اللِّسانِ عَلِمْنا أنَّهم يَعْتَبِرُونَ الإلَهَ أصْلًا لِلَفْظِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّصَرُّفُ تَغْيِيرًا إلّا أنَّهُ تَصَرَّفٌ في حُرُوفِ اللَّفْظِ الواحِدِ كاخْتِلافِ وُجُوهِ الأداءِ مَعَ كَوْنِ اللَّفْظِ واحِدًا، ألا تَرى أنَّهُمُ احْتَجُّوا (p-١٦٥)عَلى أنَّ لاهَ مُخَفَّفُ اللَّهِ بِقَوْلِ ذِي الأُصْبُعِ العَدْوانِيِّ: ؎لاهَ ابْنُ عَمِّكَ لا أُفْضِلْتَ في حَسَبٍ ∗∗∗ عَنِّي ولا أنْتَ دَيّانِي فَتَخْزُونِي وبِقَوْلِهِمْ لاهَ أبُوكَ لِأنَّ هَذا مِمّا لَزِمَ حالَةً واحِدَةً، إذْ يَقُولُونَ لِلَّهِ أبُوكَ ولِلَّهِ ابْنُ عَمِّكَ ولِلَّهِ أنْتَ. وقَدْ ذُكِرَتْ وُجُوهٌ أُخَرُ في أصْلِ اسْمِ الجَلالَةِ: مِنها أنَّ أصْلَهُ لاهٌ مَصْدَرُ لاهَ يَلِيهُ لَيْهًا إذا احْتَجَبَ، سُمِّيَ بِهِ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ لِلَمْحِ الأصْلِ كالفَضْلِ والمَجْدِ اسْمَيْنِ، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ جَوَّزَهُ. ومِنها أنَّ أصْلَهُ وِلاهٌ بِالواوِ فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن ولَهَ إذا تَحَيَّرَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِاسْتِثْقالِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، كَما قُلِبَتْ في إعاءٍ وإشاحٍ، أيْ وِعاءٍ ووِشاحٍ، ثُمَّ عُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ. ومِنها أنَّ أصْلَهُ لاها بِالسُّرْيانِيَّةِ عَلَمٌ لَهُ تَعالى فَعُرِّبَ بِحَذْفِ الألِفِ وإدْخالِ اللّامِ عَلَيْهِ. ومِنها أنَّهُ عَلَمٌ وُضِعَ لِاسْمِ الجَلالَةِ بِالقَصْدِ الأوَّلِيِّ مِن غَيْرِ أخْذٍ مِن ألَّهَ وتَصْيِيرِهِ الإلَهَ فَتَكُونُ مُقارَبَتُهُ في الصُّورَةِ لِقَوْلِنا الإلَهُ مُقارَبَةً اتِّفاقِيَّةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا جَمْعٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ ونُسِبَ إلى الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ووَجَّهَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّ العَرَبَ لَمْ تُهْمِلْ شَيْئًا حَتّى وضَعَتْ لَهُ لَفْظًا فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم إهْمالُ اسْمٍ لَهُ تَعالى لِتَجْرِي عَلَيْهِ صِفاتُهُ. وقَدِ التُزِمَ في لَفْظِ الجَلالَةِ تَفْخِيمُ لامِهِ إذا لَمْ يَنْكَسِرْ ما قَبْلَ لَفْظِهِ وحاوَلَ بَعْضُ الكاتِبِينَ تَوْجِيهَ ذَلِكَ بِما لا يَسْلَمُ مِنَ المَنعِ، ولِذَلِكَ أبى صاحِبُ الكَشّافِ التَّعْرِيجَ عَلَيْهِ فَقالَ وعَلى ذَلِكَ (أيِ: التَّفْخِيمُ) العَرَبُ كُلُّهم، وإطْباقُهم عَلَيْهِ دَلِيلُ أنَّهم ورِثُوهُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ. وإنَّما لَمْ يُقَدَّمِ المُسْنَدُ المَجْرُورُ وهو مُتَضَمِّنٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُقالُ: لِلَّهِ الحَمْدُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ حَمْدٌ عَلى تَنْزِيلِ القُرْآنِ والتَّشَرُّفِ بِالإسْلامِ وهُما مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحَمِدَهُ عَلَيْهِما عِنْدَ ابْتِداءِ تِلاوَةِ الكِتابِ الَّذِي بِهِ صَلاحُ النّاسِ في الدّارَيْنِ فَكانَ المَقامُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ اعْتِبارًا لِأهَمِّيَّةِ الحَمْدِ العارِضَةِ، وإنْ كانَ ذِكْرُ اللَّهِ أهَمَّ أصالَةً فَإنَّ الأهَمِّيَّةَ العارِضَةَ تُقَدَّمُ عَلى الأهَمِّيَّةِ الأصْلِيَّةِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ والحالِ. والبَلاغَةُ هي المُطالِبَةُ لِمُقْتَضى الحالِ. عَلى أنَّ الحَمْدَ لَمّا تَعَلَّقَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى كانَ في الِاهْتِمامِ بِهِ اهْتِمامٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى. (p-١٦٦)ومِن أعْجَبِ الآراءِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المَنهَلِ الأصْفى في شَرْحِ الشِّفاءِ التِّلْمِسانِيُّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ العُلَماءِ القَوْلُ بِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ يُمْسَكُ عَنِ الكَلامِ في مَعْناهُ تَعْظِيمًا وإجْلالًا ولِتَوَقُّفِ الكَلامِ فِيهِ عَلى إذْنِ الشّارِعِ. * * * ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ وصْفٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أسْنَدَ الحَمْدَ لِاسْمِ ذاتِهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ، عَقَّبَ بِالوَصْفِ وهو الرَّبُّ لِيَكُونَ الحَمْدُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أيْضًا لِأنَّ وصْفَ المُتَعَلَّقِ مُتَعَلِّقٌ أيْضًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ الحَمْدُ لِرَبِّ العالَمِينَ كَما قالَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] لِيُؤْذِنَ بِاسْتِحْقاقِهِ الوَصْفِيِّ أيْضًا لِلْحَمْدِ كَما اسْتَحَقَّهُ بِذاتِهِ. وقَدْ أجْرى عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أوْصافٍ هي رَبِّ العالَمِينَ، الرَّحْمَنِ، الرَّحِيمِ، مَلِكْ يَوْمِ الدِّينِ، لِلْإيذانِ بِالِاسْتِحْقاقِ الوَصْفِيِّ فَإنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأسْماءِ المُشْعِرَةِ بِالصِّفاتِ يُؤْذِنُ بِقَصْدِ مُلاحَظَةِ مَعانِيها الأصْلِيَّةِ. وهَذا مِنَ المُسْتَفاداتِ مِنَ الكَلامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في ذِكْرِ الوَصْفِ غُنْيَةٌ عَنْ ذِكْرِ المَوْصُوفِ لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الِاسْمِ كَأوْصافِهِ تَعالى وكانَ في ذِكْرِ لَفْظِ المَوْصُوفِ أيْضًا غُنْيَةٌ في التَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ المَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَةِ عَلِمْنا أنَّ المُتَكَلِّمَ ما جَمَعَ بَيْنَهُما إلّا وهو يُشِيرُ إلى أنَّ كِلا مَدْلُولَيِ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ جَدِيرٌ بِتَعَلُّقِ الحَمْدِ لَهُ. مَعَ ما في ذِكْرِ أوْصافِهِ المُخْتَصَّةِ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِما يُمَيِّزُهُ عَنِ الآلِهَةِ المَزْعُومَةِ عِنْدَ الأُمَمِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ والعَناصِرِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] والرَّبُّ إمّا مَصْدَرٌ وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ عَلى وزْنِ فَعْلٍ مِن رَبَّهَ يَرُبُّهُ بِمَعْنى رَبّاهُ وهو رَبٌّ بِمَعْنى مُرَبٍّ وسائِسٍ. والتَّرْبِيَةُ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ تَدْرِيجًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن رَبَّهُ بِمَعْنى مَلَكَهُ، فَإنْ كانَ مَصْدَرًا عَلى الوَجْهَيْنِ فالوَصْفُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو ظاهِرٌ، وإنْ كانَ صِفَةً مُشَبَّهَةً عَلى الوَجْهَيْنِ فَهي وارِدَةٌ عَلى القَلِيلِ في أوْزانِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّها لا تَكُونُ عَلى فَعْلٍ مِن فَعَلَ يَفْعُلُ إلّا قَلِيلًا، مِن ذَلِكَ قَوْلِهِمْ نَمَّ الحَدِيثَ يَنُمُّهُ فَهو نَمٌّ لِلْحَدِيثِ. والأظْهَرُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن رَبَّهُ بِمَعْنى رَبّاهُ وساسَهُ، لا مِن رَبَّهُ بِمَعْنى مَلَكَهُ لِأنَّ الأوَّلَ الأنْسَبَ بِالمَقامِ هُنا إذِ المُرادُ أنَّهُ مُدَبِّرُ الخَلائِقِ وسائِسُ أُمُورِها ومُبَلِّغُها غايَةَ كَمالِها، ولِأنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى مَعْنى المالِكِ لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] كالتَّأْكِيدِ والتَّأْكِيدُ خِلافُ الأصْلِ ولا داعِيَ (p-١٦٧)إلَيْهِ هُنا، إلّا أنْ يُجابَ بِأنَّ العالَمِينَ لا يَشْمَلُ إلّا عَوالِمَ الدُّنْيا، فَيَحْتاجُ إلى بَيانِ أنَّهُ مَلَكَ الآخِرَةَ كَما أنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيا، وإنْ كانَ الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ وُرُودَ الرَّبِّ بِمَعْنى المَلِكِ والسَّيِّدِ وذَلِكَ الَّذِي دَعا صاحِبَ الكَشّافِ إلى الِاقْتِصارِ عَلى مَعْنى السَّيِّدِ والمَلِكِ وجَوَّزَ فِيهِ وجْهَيِ المَصْدَرِيَّةِ والصِّفَةِ، إلّا أنَّ قَرِينَةَ المَقامِ قَدْ تَصْرِفَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى أكْثَرِ مَوارِدِهِ إلى حَمْلِهِ عَلى ما دُونَهُ فَإنَّ كِلا الِاسْتِعْمالَيْنِ شَهِيرٌ حَقِيقِيٌّ أوْ مَجازِيٌّ والتَّبادُرُ العارِضُ مِنَ المَقامِ المَخْصُوصِ لا يَقْضِي بِتَبادُرِ اسْتِعْمالِهِ في ذَلِكَ المَعْنى في جَمِيعِ المَواقِعِ كَما لا يَخْفى. والعَرَبُ لَمْ تَكُنْ تَخُصُّ لَفْظَ الرَّبِّ بِهِ تَعالى لا مُطْلَقًا ولا مُقَيَّدًا لِما عَلِمْتَ مِن وزْنِهِ واشْتِقاقِهِ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: ؎وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ مِ الحِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ. وقالَ النّابِغَةُ في النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ: ؎تَخُبُّ إلى النُّعْمانِ حَتّى تَنالَهُ ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن رَبٍّ طَرِيفِي وتالِدِي وقالَ في النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ حِينَ مَرِضَ ؎ورَبٌّ عَلَيْهِ اللَّهُ أحْسَنَ صُنْعَهُ ∗∗∗ وكانَ لَهُ عَلى البَرِيَّةِ ناصِرا وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَن تابَعَهُ: إنَّهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ تَعالى إلّا مُقَيَّدًا أوْ لَمْ يَأْتُوا عَلى ذَلِكَ بِسَنَدٍ وقَدْ رَأيْتُ أنَّ الِاسْتِعْمالَ بِخِلافِهِ، أمّا إطْلاقُهُ عَلى كُلٍّ مِن آلِهَتِهِمْ فَلا مِرْيَةَ فِيهِ كَما قالَ غاوِي بْنُ ظالِمٍ أوْ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ ∗∗∗ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ وسَمَّوُا العُزّى الرَّبَّةَ. وجَمْعُهُ عَلى أرْبابٍ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إطْلاقِهِ عَلى مُتَعَدِّدٍ فَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوى تَخْصِيصِ إطْلاقِهِ عِنْدَهم بِاللَّهِ تَعالى. وأمّا إطْلاقُهُ مُضافًا أوْ مُتَعَلِّقًا بِخاصٍّ فَظاهِرُ وُرُودِهِ بِكَثْرَةٍ نَحْوَ رَبِّ الدّارِ ورَبِّ الفُرْسِ ورَبِّ بَنِي فُلانٍ. وقَدْ ورَدَ الإطْلاقُ في الإسْلامِ أيْضًا حِينَ حَكى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] إذا كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى العَزِيزِ وكَذا قَوْلُهُ ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ٣٩] فَهَذا إطْلاقٌ لِلرَّبِّ مُضافًا وغَيْرَ مُضافٍ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى في الإسْلامِ لِأنَّ اللَّفْظَ عَرَبِيٌّ أُطْلِقَ في الإسْلامِ، ولَيْسَ يُوسُفُ أطْلَقَ هَذا اللَّفْظَ بَلْ أطْلَقَ مُرادِفَهُ فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهَذا اللَّفْظِ عَنِ المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ بِهِ يُوسُفُ لَكانَ في غَيْرِهِ مِن ألْفاظِ العَرَبِيَّةِ مُعَدَّلٌ، إنَّما ورَدَ في الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقُولَ أحَدٌ لِسَيِّدِهِ (p-١٦٨)رَبِّي ولِيَقُلْ: سَيِّدِي، وهو نَهْيُ كَراهَةٍ لِلتَّأْدِيبِ ولِذَلِكَ خُصَّ النَّهْيُ بِما إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مِمَّنْ يُعْبَدُ عُرْفًا كَأسْماءِ النّاسِ لِدَفْعِ تُهْمَةِ الإشْراكِ وقَطْعِ دابِرِهِ وجَوَّزُوا أنْ يَقُولَ رَبُّ الدّابَّةِ ورَبُّ الدّارِ، وأمّا بِالإطْلاقِ فالكَراهَةُ أشَدُّ فَلا يَقُلْ أحَدٌ لِلْمَلِكِ ونَحْوِهِ هَذا رَبٌّ. والعالَمِينَ جَمْعُ عالَمٍ قالُوا ولَمْ يُجْمَعْ فاعَلٌ هَذا الجَمْعَ إلّا في لَفْظَيْنِ عالَمٌ وياسَمٌ، اسْمٌ لِلزَّهْرِ المَعْرُوفِ بِالياسَمِينَ، قِيلَ جَمَعُوهُ عَلى ياسَمُونَ وياسَمِينَ قالَ الأعْشى: ؎وقابَلَنا الجُلُّ والياسَمُ ∗∗∗ ونَ والمُسْمِعاتُ وقَصّابُها والعالَمُ الجِنْسُ مِن أجْناسِ المَوْجُوداتِ وقَدْ بَنَتْهُ العَرَبُ عَلى وزْنِ فاعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ مُشْتَقًّا مِنَ العِلْمِ أوْ مِنَ العَلامَةِ لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ لَهُ تَمَيُّزٌ عَنْ غَيْرِهِ فَهو لَهُ عَلامَةٌ، أوْ هو سَبَبُ العِلْمِ بِهِ فَلا يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ. وهَذا البِناءُ مُخْتَصٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى الآلَةِ غالِبًا كَخاتَمٍ وقالَبٍ وطابَعٍ فَجَعَلُوا العَوالِمَ لِكَوْنِها كالآلَةِ لِلْعِلْمِ بِالصّانِعِ، أوِ العِلْمِ بِالحَقائِقِ. ولَقَدْ أبْدَعَ العَرَبُ في هَذِهِ اللَّطِيفَةِ إذْ بَنَوُا اسْمَ جِنْسِ الحَوادِثِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، ولَقَدْ أبْدَعُوا إذْ جَمَعُوهُ جَمْعَ العُقَلاءِ مَعَ أنَّ مِنهُ ما لَيْسَ بِعاقِلٍ تَغْلِيبًا لِلْعاقِلِ. وقَدْ قالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ العالَمُ اسْمٌ لِذَوِي العِلْمِ ولِكُلِّ جِنْسٍ يُعْلَمُ بِهِ الخالِقُ، يُقالُ عالَمُ المُلْكِ، عالَمُ الإنْسانِ، عالَمُ النَّباتِ يُرِيدُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ بِالإفْرادِ إلّا مُضافًا لِنَوْعٍ يُخَصِّصُهُ يُقالُ عالَمُ الإنْسِ عالَمُ الحَيَوانِ، عالَمُ النَّباتِ ولَيْسَ اسْمًا لِمَجْمُوعِ ما سِواهُ تَعالى بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ إجْراءٌ فَيَمْتَنِعُ جَمْعُهُ وهَذا هو تَحْقِيقُ اللُّغَةِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ عالَمٍ عَلى مَجْمُوعِ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما أطْلَقَهُ عَلى هَذا عُلَماءُ الكَلامِ في قَوْلِهِمُ العالَمُ حادِثٌ فَهو مِنَ المُصْطَلَحاتِ. والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ المَقامِ الخِطابِيِّ فَإنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ خارِجِيٌّ ولَمْ يَكُنْ مَعْنًى لِلْحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ ولا عَلى المَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ تَمَحَّضَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ دَفْعًا لِلتَّحَكُّمِ فاسْتِغْراقُهُ اسْتِغْراقُ الأجْناسِ الصّادِقِ هو عَلَيْها لا مَحالَةَ وهو مَعْنى قَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ لِيَشْمَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِمّا سُمِّيَ بِهِ إلّا أنَّ اسْتِغْراقَ الأجْناسِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِها اسْتِلْزامًا واضِحًا إذِ الأجْناسُ لا تُقْصَدُ لِذاتِها لا سِيَّما في مَقامِ الحُكْمِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ عَلَيْها فَإنَّهُ لا مَعْنى لِمَرْبُوبِيَّةِ الحَقائِقِ. وإنَّما جُمِعَ العالَمُ ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مُفْرَدًا لِأنَّ الجَمْعَ قَرِينَةٌ عَلى الِاسْتِغْراقِ، لِأنَّهُ لَوْ أُفْرِدَ لَتُوُهِّمَ أنَّ (p-١٦٩)المُرادَ مِنَ التَّعْرِيفِ العَهْدُ أوِ الجِنْسُ فَكانَ الجَمْعُ تَنْصِيصًا عَلى الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ سُنَّةُ الجُمُوعِ مَعَ (ال) الِاسْتِغْراقِيَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَمّا صارَتِ الجَمْعِيَّةُ قَرِينَةً عَلى الِاسْتِغْراقِ بَطَلَ مِنها مَعْنى الجَماعاتِ فَكانَ اسْتِغْراقُ الجُمُوعِ مُساوِيًا لِاسْتِغْراقِ المُفْرَداتِ أوْ أشْمَلَ مِنهُ. وبَطَلَ ما شاعَ عِنْدَ مُتابِعِي السَّكّاكِيِّ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ كَما سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]
ibn_atiyyah — المحرر الوجيز
"الحَمْدُ" مَعْناهُ: الثَناءُ الكامِلُ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ مِنَ المَحامِدِ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ، لِأنَّ الشُكْرَ إنَّما يَكُونُ عَلى فِعْلٍ جَمِيلٍ يُسْدى إلى الشاكِرِ، وشُكْرُهُ حَمْدٌ ما، والحَمْدُ المُجَرَّدُ هو ثَناءٌ بِصِفاتِ المَحْمُودِ مِن غَيْرِ أنْ يُسْدِيَ شَيْئًا، فالحامِدُ مِنَ الناسِ قِسْمانِ: الشاكِرُ والمُثْنِي بِالصِفاتِ، وذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّ الشُكْرَ والحَمْدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُرْضِيٍّ. وحُكِيَ عن بَعْضِ الناسِ أنَّهُ قالَ: الشُكْرُ ثَناءٌ عَلى اللهِ بِأفْضالِهِ وإنْعامِهِ، والحَمْدُ ثَناءٌ بِأوصافِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أصَحُّ مَعْنًى مِن أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، واسْتَدَلَّ الطَبَرَيُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنًى بِصِحَّةِ قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا، وهو في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلى (p-٧٢)خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: شُكْرًا؛ إنَّما خَصَّصَتْ بِهِ الحَمْدُ أنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ النِعَمِ. وأجْمَعَ السَبْعَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى رَفْعِ الدالِّ مِنَ "الحَمْدِ لِلَّهِ"، ورُوِيَ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ورُؤْبَةَ بْنُ العَجّاجِ: "الحَمْدَ لِلَّهِ" بِفَتْحِ الدالِ، وهَذا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ "الحَمْدِ لِلَّهِ" بِكَسْرِ الدالِ عَلى إتْباعِ الأوَّلِ الثانِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ "الحَمْدُ لِلَّهِ" بِضَمِّ الدالِ واللامِ عَلى إتْباعِ الثانِي والأوَّلِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "الحَمْدُ لِلَّهِ" ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا بِهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قُولُوا إيّاكَ. قالَ: وهَذا مِن حَذْفِ العَرَبِ ما يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ وأعْلَمُ أنَّنِي سَأكُونُ رَمْسًا إذا سارَ النَواعِجُ لا يَسِيرُ ∗∗∗ فَقالَ السائِلُونَ: لِمَن حَفَرْتُمْ؟ ∗∗∗ فَقالَ المُخْبِرُونَ لَهُمْ: وزِيرُ المَعْنى: "المَحْفُورُ لَهُ وزِيرُ"، فَحَذَفَ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا كَثِيرٌ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ "رَبَّ" بِالنَصْبِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عَلى النِداءِ، وعَلَيْهِ يَجِيءُ إيّاكَ. و"الرَبُّ" في اللُغَةِ المَعْبُودُ، والسَيِّدُ المالِكُ، والقائِمُ بِالأُمُورِ، المُصْلِحُ لِما يَفْسُدُ مِنها، والمَلِكُ، تَأْتِي اللَفْظَةُ لِهَذِهِ المَعانِي. فَمِمّا جاءَ بِمَعْنى "المَعْبُودِ" قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ أرَبٌّ يَبُولُ الثَعْلَبانُ بِرَأْسِهِ ∗∗∗ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَعالِبُ (p-٧٣)وَمِمّا جاءَ بِمَعْنى "السَيِّدِ المالِكِ" قَوْلُهُمْ: رَبُّ العَبِيدِ والمَمالِيكِ. ومِمّا جاءَ بِمَعْنى "القائِمِ بِالأُمُورِ الرَئِيسُ فِيها" قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وأهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ ورَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خِبْتٍ وعَرْعَرِ ومِمّا جاءَ بِمَعْنى "المَلِكِ" قَوْلُ النابِغَةِ: ؎ تَخِبُّ إلى النُعْمانِ حَتّى تَنالَهُ ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن رَبٍّ طَرِيفِي وتالِدِي ومِن مَعْنى "الإصْلاحِ" قَوْلُهُمْ: أدِيمٌ مَرْبُوبٌ. أيْ: مُصْلِحٌ: قالَ الشاعِرُ: ؎ كانُوا كَسالِئَةٍ حَمْقاءَ إذْ حُقِنَتْ ∗∗∗ سَلاءَها في أدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبٍ ومِن مَعْنى "المَلِكِ" قَوْلِ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ لِأخِيهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: " لِأنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِن أنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: وإنْ كانَ لا بُدَّ، لِأنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن بَنِي عَمِّي أحَبُّ (p-٧٤)إلَيَّ مِن أنْ يُرَبِّنِي غَيْرُهم. ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ بَراءَةَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وكُنْتُ امْرَءًا أفْضَتْ إلَيْكَ رِبابَتِي ∗∗∗ وقَبْلَكِ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ وهَذِهِ الِاسْتِعْمالاتُ قَدْ تَتَداخَلُ، فالرَبُّ عَلى الإطْلاقِ الَّذِي هو رَبُّ الأرْبابِ عَلى كُلِّ جِهَةٍ هو اللهُ تَعالى. و"العالَمِينَ" جَمْعُ عالَمٍ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللهِ تَعالى، يُقالُ لِجُمْلَتِهِ: عالَمٌ، ولِأجْزائِهِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: عالَمٌ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ يُجْمَعُ عَلى العالَمِينَ، ومِن حَيْثُ عالَمُ الزَمانِ مُتَبَدِّلٌ في زَمانٍ آخَرَ حَسُنَ جَمْعُها. ولَفْظَةُ "العالَمِ" جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ. كَذا قالَ الزُجاجَ.
ibn_juzayy — التسهيل لعلوم التنزيل
وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية. الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن". الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده. الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة. الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة. الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة" والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله. الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات. الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة. الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة. الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]. الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده. الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك. الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له. الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة. الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه. الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر. الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال. الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع. الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين. خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
ibn_qayyim — تفسير ابن القيم
عند قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تجد تحت هذه الكلمة إثباتَ كل كمال للرب تعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلًا ووصفًا واسمًا، فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، منزَّهٌ عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ الدنيا والآخرة والسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووُجِد بحمده، فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكلُّ موجود شاهد بحمده، وإرساله رسوله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عُمرتْ بأهلها بحمده، والنار عُمرتْ بأهلها بحمده، وما أُطِيعَ إلا بحمده، وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده. وهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد، كما أنه هو الواحد الأحد ولو لم يُوحِّده العباد، والإله الحق وإن لم يُؤلِّهوه، وهو سبحانه الذي حَمِد نفسَه على لسان القائل: الحمد لله رب العالمين، كما قال النبي ﷺ: "إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده". فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه، وإجراؤه بحمده، فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فهذه المعرفة من عبودية الحمد. ومن عبوديته أيضًا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه، يستحق عليها الحمدَ، فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدًا آخر على نعمة حمده، وهلمَّ جرًّا. فالعبد ولو استنفد أنفاسَه كلَّها في حمده على نعمة من نعمه، كان ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يُحصِي أحد البتة ثناءً عليه بمحامده. ومن عبودية العبد شهودُ العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه فالرب سبحانه هو المحمود عليه، إذ هو مُجرِيه على لسانه وقلبه. ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرةً وباطنةً على ما يحب العبد وما يكرهه، فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد. ثم لقوله: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية، وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومُدبِّر أمورهم ومُوجِدهم ومُفنِيهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم وملجأهم ومفزعهم عند النوائب، فلا ربَّ غيره، ولا إلهَ سواه. * (لطيفة) قال جعفر بن محمد رضي الله عنه فقدَ أبي بغلة له فقال إن ردها الله عليَّ لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أُتيَ بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال (الحمد لله) لم يزد عليها. فقيل له في ذلك، فقال هل تركت وأبقيت شيئا؟! جعلت الحمد كله لله. (الفرق بين الحمد والمدح) والفرق بينهما أن حمد يتضمن الثناء مع العلم بما يثنى به فإن تجرد عن العلم كان مدحا ولم يكن حمدا فكل حمد مدح دون العكس ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازنا لعلم ولم يجئ كذلك مدح فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه ومن ثم في الكتاب والسنة حمد: ربنا فلانا ويقول مدح الله فلانا وأثنى على فلان ولا تقول حمد إلا لنفسه ولذلك قال سبحانه: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بلام الجنس المفيدة للاستغراق فالحمد كله له إما ملكا وإما استحقاقا فحمده لنفسه استحقاق وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يقال في ذلك الحمد ملك له لأن الحمد كلامه ولم يسغ أن يضاف إليه على جهة الاستحاق وقد تعلق بغيره. فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم، فلم لا يجوز أن يسمى حمدا؟ قيل لا يسمى حمدا على الإطلاق إلا ما يتضمن العلم بالمحاسن على الكمال وذلك معدوم في غيره سبحانه فإذا مدح فإنما يمدح بخصلة هي ناقصة في حق العبد وهو أعلم بنقصانها وإذا حمد نفسه حمد بما علم من كمال صفاته قلت: ليس ما ذكره من الفرق بين الحمد والمدح باعتبار العلم وعدمه صحيحا فإن كل واحد منهما يتضمن العلم بما يحمد به غيره ويمدحه فلا يكون مادحا ولا حامدا من لم يعرف صفات المحمود والممدوح فكيف يصح قوله: إن تجرد عن العلم كان مادحا بل إن تجرد عن العلم كان كلاما بغير علم فإن طابق فصدق وإلا فكذب وقوله: ومن ثم لم يجئ في الكتاب والسنة حمد ربنا فلانا يقال وأين جاء فيهما مدح الله فلانا وقد جاء في السنة ما هو أخص من الحمد وهو الثناء الذي هو تكرار المحامد كما في قول النبي ﷺ لأهل قباء: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به " (صحيح) فإذا كان قد أثنى عليهم والثناء حمد متكرر فما يمنع حمده لمن شاء من عباده. ثم الصحيح في تسمية النبي ﷺ محمدا أنه الذي يحمده الله وملائكته وعباده المؤمنون. وأما من قال: الذي يحمده أهل السماوات وأهل الأرض فلا ينافي حمد الله بل حمد أهل السماوات والأرض له بعد حمد الله له فلما حمده الله حمده أهل السماوات والأرض وبالجملة فإذا كان الحمد ثناء خاصا على المحمود لم يمتنع أن يحمد الله تعالى من يشاء من خلقه كما يثني عليه فالصواب في الفرق بين الحمد والمدح أن يقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا من حب وإرادة أو مقرونا بحبه وإرادته فإن كان الأول فهو المدح وإن كان الثاني فهو الحمد فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه ولهذا كان خبرا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح فإنه خبر مجرد فالقائل إذا قال: الحمد لله أو قال: ربنا لك الحمد تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدرة وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه الرب تعالى ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا ينبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد ولما كان هذا المعنى مقارنا للحمد لا تتقوم حقيقته إلا به فسره من فسره بالرضى والمحبة وهو تفسير له بجزء مدلوله بل هو رضاء ومحبة ومقارنة للثناء، ولهذا السر والله أعلم جاء فعله على بناء الطبائع والغرائز فقيل: (حمد) لتضمنه الحب الذي هو بالطبائع والسجايا أولى وأحق من فهم وحذر وسقم ونحوه بخلاف الإخبار المجرد عن ذلك وهو المدح فإنه جاء على وزن فعل فقالوا: مدحه لتجرد معناه من معاني الغرائز والطبائع فتأمل هذه النكتة البديعة وتأمل الإنشاء الثابت في قولك ربنا لك الحمد وقولك الحمد لله كيف تجده تحت هذه الألفاظ ولذلك لا يقال موضعها المدح لله تعالى ولا ربنا لك المدح وسره ما ذكرت لك من الأخبار بمحاسن المحمود إخبارا مقترنا بحبه وإرادته وإجلاله وتعظيمه. فإن قلت: فهذا ينقض قولكم إنه لا يمتنع أن يحمد الله تعالى من شاء من خلقه فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا يستحق التعظيم غيره فكيف يعظم أحدا من عباده قلت: المحبة لا تنفك عن تعظيم وإجلال للمحبوب ولكن يضاف إلى كل ذات بحسب ما تقتضيه خصائص تلك الذات فمحبة العبد لربه تستلزم إجلاله وتعظيمه وكذلك محبة الرسول تستلزم توقيره وتعزيزه وإجلاله وكذلك محبة الوالدين والعلماء وملوك العدل وأما محبة الرب عبده فإنها تستلزم إعزازه لعبده وإكرامه إياه والتنويه بذكره وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه فهذا المعنى ثابت في محبته وحمده لعبده سمي تعظيما وإجلالا أو لم يسم ألا ترى أن محبته سبحانه لرسله كيف اقتضت أن نوه بذكرهم في أهل السماء والأرض ورفع ذكرهم على ذكر غيرهم وغضب على من لم يحبهم ويوقرهم ويجلهم وأحل به أنواع العقوبات في الدنيا والآخرة وجعل كرامته في الدنيا والآخرة لمحبيهم وأنصارهم وأتباعهم أولا ترى كيف أمر عباده وأولياءه بالصلاة التي هي تعظيم وثناء على خاتمهم وأفضلهم صلوات الله عليه وسلامه أفليس هذا تعظيما لهم وإعزازا وإكراما وتكريما. فإن قيل: فقد ظهر الفرق بين الحمد والمدح واستبان صبح المعنى وأسفر وجهه فما الفرق بينهما وبين الثناء والمجد الفرق بين الحمد والمدح وبين الثناء والمجد؟ قيل: قد تعدينا طورنا فيما نحن بصدده ولكن نذكر الفرق تكميلا للفائدة فنذكر تقسيما جامعا لهذه المعاني الأربعة أعني الحمد والمدح والثناء والمجد فنقول الإخبار عن محاسن الغير له ثلاث اعتبارات اعتبار من حيث المخبر به واعتبار من حيث الإخبار عنه بالخبر واعتبار من حيث حال المخبر فمن حيث الاعتبار الأول ينشأ التقسيم إلى الحمد والمجد فإن المخبر به إما أن يكون من أوصاف العظمة والجلال والسعة وتوابعها أو من أوصاف الجمال والإحسان وتوابعها فإن كان الأول فهو المجد وإن كان الثاني فهو الحمد وهذا لأن لفظ م ج د في لغتهم يدور على معنى الاتساع والكثرة فمنه قولهم أمجد الدابة علفا أي أوسعها علفا ومنه مجد الرجل فهو ماجد إذا كثر خيره وإحسانه إلى الناس قال الشاعر: أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل ومنه قولهم في شجر الغار واستمجد "المرخ" "والعفار" أي كثرت النار فيهما ومن حيث اعتبار الخبر نفسه ينشأ التقسيم إلى الثناء والحمد فإن الخبر عن المحاسن إما متكرر أو لا فإن تكرر فهو الثناء وإن لم يتكرر فهو الحمد فإن الثناء مأخوذ من الثني وهو العطف ورد الشيء بعضه على بعض ومنه ثنيت الثوب ومنه التثنية في الاسم فالمثنى مكرر لمحاسن من يثنى عليه مرة بعد مرة ومن جهة اعتبار حال المخبر ينشأ التقسيم إلى المدح والحمد فإن المخبر عن محاسن الغير إما أن يقترن بإخباره حب له وإجلال أو لا فإن اقترن به الحب فهو الحمد وإلا فهو المدح فحصل هذه الأقسام وميزها ثم تأمل تنزيل قوله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ حين يقول العبد: " (الحمد لله رب العالمين) فيقول الله حمدني عبدي فإذا قال (الرحمن الرحيم) قال أثنى علي عبدي لأنه كرر حمده فإذا قال (مالك يوم الدين) قال مجدني عبدي فإنه وصفه بالملك والعظمة والجلال " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. فاحمد الله على ما ساقه إليك من هذه الأسرار والفوائد عفوا لم تسهر فيها عينك ولم يسافر فيها فكرك عن وطنه ولم تتجرد في تحصيلها عن مألوفاتك بل هي عرائس معان تجلى عليك وتزف إليك فلك لذة التمتع بها ومهرها على غيرك لك غنمها وعليه غرمها. * [فَصْلٌ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ] وَتَكَلَّمَ النّاسُ في الفَرْقِ بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ أيُّهُما أعْلى وأفْضَلُ؟ وَفِي الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ، فَمَن لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ». والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ الشُّكْرَ أعَمُّ مِن جِهَةِ أنْواعِهِ وأسْبابِهِ، وأخَصُّ مِن جِهَةِ مُتَعَلَّقاتِهِ. والحَمْدُ أعَمُّ مِن جِهَةِ المُتَعَلَّقاتِ، وأخَصُّ مِن جِهَةِ الأسْبابِ. وَمَعْنى هَذا: أنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالقَلْبِ خُضُوعًا واسْتِكانَةً، وبِاللِّسانِ ثَناءً واعْتِرافًا، وبِالجَوارِحِ طاعَةً وانْقِيادًا. ومُتَعَلَّقُهُ: النِّعَمُ، دُونَ الأوْصافِ الذّاتِيَّةِ، فَلا يُقالُ: شَكَرْنا اللَّهَ عَلى حَياتِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وعَلِمْهِ. وهو المَحْمُودُ عَلَيْها. كَما هو مَحْمُودٌ عَلى إحْسانِهِ وعَدْلِهِ، والشُّكْرُ يَكُونُ عَلى الإحْسانِ والنِّعَمِ. فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الشُّكْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الحَمْدُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ وكُلُّ ما يَقَعُ بِهِ الحَمْدُ يَقَعُ بِهِ الشُّكْرُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ. فَإنَّ الشُّكْرَ يَقَعُ بِالجَوارِحِ. والحَمْدَ يَقَعُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ. * (فائدة) فإذا قيل: "الحمد كله لله" فهذا له معنيان: أحدهما أنه محمود على كل شيء وبكل ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضًا كما يحمد رسله وأنبياؤه وأتباعهم - فذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأول [وبالذت وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده] فهو المحمود أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وهذا كما أنه بكل شيء عليم، وقد علم غيره من علمه ما لم يكن يعلمه بدون تعليمه، وفي الدعاء المأْثور: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُهُ، ولَكَ المُلْكُ كُلُّهُ، وبِيَدِكِ الخَيْرُ كُلُّهُ، وإلَيْكَ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، أسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كله وأعُوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ"، وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاءَ. وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه، فحمده أيضًا داخل في حمده، فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية أيضًا، وإذا قال الحامد: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْد"، فالمراد به أنت المستحق لكل حمد، ليس المراد به الحمد الخارجى فقط. المعنى الثاني أن يقال: "لَكَ الحَمْد كلُّه" أي الحمد التام الكامل فهذا مختص بالله عز وجل ليس لغيره فيه شركة. والتحقيق أن له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه، فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو وليس الملك التام الكامل إلا له وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإنهم يقولون: إنه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء ألبتة فله الملك كله. والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمتقين من ملكه كما يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلًا تحت ملكه وقدرته، ويثبتون كمال الحمد أيضًا، وأنه المحمود على جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه، لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل. وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتي القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدًا كما لا يثبتون له الحكمة، فإن الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئًا لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله. فأما من لا يفعل شيئًا لشيء ألبتة فلا يتصور في حقه الحكمة. * (فصل: في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه) والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، أنه سبحانه محمود على ذلك مشكور حمد المدح وحمد الشكر، أما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق إذ هو رب العالمين والحمد لله رب العالمين وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إذا اقترن بواجبه من الإحسان، والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمه، والطاعة من أجلّ نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا وإن كان سببها مسخوطًا مبغوضًا للرب تعالى، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار، وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته بأرض دوِّية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها في أصل شجرة فجاءَ حتى أخذها، فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته، فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه، وله أسباب ولوازم لابد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوبًا له فهذا الفرح أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع، فله من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة. هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله، وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفًا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب تعالى محمود على الأمرين. فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من والتوبة والذل والإنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة في الملأ الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل، فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحد قابلًا لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها. ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأيضًا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن نكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه، وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك، والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أُوليائه غاية الحكمة، وكان في تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له. فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبة والتقرب إليه، فإن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة، ومن المعلوم أن من لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها أو يخلق ذواتًا وأسبابًا وأعمالًا وأخلاقًا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحق المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة، ويجب من يوصل إليه ذلك ويحصله له، ولكن الشأْن في أمر وراءَ هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها مما لا يلائمها، فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يجب ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأْكل والمشرب والمنكح والرياسة، فإن أُعطى منها رضى وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته، فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه بهم لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له، ولا عبودية بذل الأرواح في جهاد أعدائه ونصرته وعبودية مفارقة الأمر عنده أحوج ما يكون إليهم عبده في مرضاته ما يتحسر إليهم وهو الذي عاب نفسه وملاذ بها بأيديهم قد جنى بمفارقتهم ومشايعتهم وأما من موالاة الحق عليهم، فلولا الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار. وأيضًا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإيثارًا لمرضاته وطلبًا للزلفى لديه والقرب منه. وأيضًا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية، فإن الله سبحانه خلق خلقه أطوارًا: فخلق الملائكة عقولًا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضي شيئًا من الآثار والطبائع المذمومة، وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها، وخلق الثقلين - الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها. وهؤلاءِ هم أهل الامتحان والابتلاءِ، وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاءَ سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى الإلهية، ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطًا واحدًا لوجد الملحد مقالًا وقال: هذا مقتضى الطبيعة، ولو كان فاعلًا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه. وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضًا مقالًا وقال: لو كان لهذا العالم خالقًا مختارًا لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته واختياره، كما روى الحسن أو غيره قال: كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: جلَّ ربنا القديم، لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك في الله إنه لو كان لهذا العالم خالق لحادثه بينا هو ليل إذ جاءَ نهار وبينا هو نهار إذ جاءَ ليل، بينا هو صحو إذ جاءَ غيم وبينا هو غيم إذ جاءَ صحو، ونحو هذا من الكلام، ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه. ولهذا سبحانه خلق النوع الإنساني أربعة أقسام: أحدها لا من ذكر ولا أُنثى وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم. الثاني خلقه من ذكر بلا أُنثى كخلق أمهم حواءَ من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أُنثى أو يشتمل عليها بطن. الثالث خلقه من أُنثى بلا ذكر كخلق المسيح عيسى ابن مريم ﷺ. الرابع خلق سائر النوع الإنسانى من ذكر وأُنثى، وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال، وأنه ليس للنوع أب ولا أم وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد، ولم يعلم هؤلاءِ الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى حامل لها، وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره في طبعها وخلقها، وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة، فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته ومملوك من مماليكه وعبيدة مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته، ودلائل الصنعة وإمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة، لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضلًا عن إسناد الكائنات إليها. والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك، وهو أيضًا من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضًا، فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه واقتضائه له، فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها، وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد كما تقدم التنبيه عليه. وأيضًا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب تعالى محبوب له، فكما تنوعت أسباب الحمد تنوَّع الحمد بتنوُّعها وكثر بكثرتها ومعلوم أنه سبحانه محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة، كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان، فهو محمول على هذا وعلى هذا، مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة، ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه، فله الحمد على عفوه وانتقامه، وعلى عدله وإحسانه، ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها. فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر، وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من أسرار القدر، ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مونقة. والله الموفق الهادى للصواب. وأيضًا فإن الله سبحانه نوَّع الأدلة الدالة عليه والتي تعرّف عباده به غاية التنوع، وصرّف الآيات وضرب الأمثال، ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك نعمته السابغة، ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه، بل الحجة كلها له والنعم كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته، ولو شاءَ لسوّى بينهم في الهداية كما قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فأخبر أن له الحجة البالغة، وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها، ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاءَ ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأْبى ذلك وعدله يأْبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة، فأقام الحجة وصرّفَ الآيات وضرب الأمثال ونوَّع الأدلة، ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأُمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال، ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم، ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله، وأُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأْى العين، ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأْن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعًا فيه ثم إنجاءَ موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد، فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها ألبتة ولا توجد بدون لوازمها. وأيضًا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاءِ والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَآءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وتُعِزّ مَن تَشَآءُ وتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنّكَ عَلىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللّيْلَ في النّهارِ وتُولِجُ النّهارَ في اللّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيّ مِنَ المَيّتِ وتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الحَيّ وتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦-٢٧]، وقال تعالى: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، يغفر ذنبًا ويفرّج كَرْبًا ويكشف غمًا وينصر مظلومًا ويأْخذ ظالمًا ويفك عانيًا ويغنى فقيرًا ويجبر كسيرًا ويشفى مريضًا ويقبل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلًا ويذل عزيزًا ويعطي سائلًا ويذهب بدولة ويأْتي بأُخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع أقوامًا ويضع آخرين يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك. وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمِ هو في شَأْن﴾ [الرحمن: ٢٩]، فقال: سئل عنها رسول الله ﷺ فقال: "مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ، وفيه أيضًا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله في السماوات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحون [ثلاث ساعات] حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يُصَوّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إلَهَ إلاّ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، ﴿يَهَبُ لِمَن يشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠] فتلك اثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد الله: ﴿كُلَّ يومٍ هو في شَأْن﴾ [الرحمن: ٢٩] ثم قال: هذا شأْنكم وشأْن ربكم عز وجل. وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر. وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفًا تامًا. والمقصود أن الملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده، فهو محمود في ملكه وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته، ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقة وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناءٍ ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله، ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، تَباركَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرّات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدًا، لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هي حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر: فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأن للعالم إلهًا حيًا جامعًا لكل صفة كمال واسم حسن وثناءٍ جميل وفعل كريم وأنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذي وسع الأصوات والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات والملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغني التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود آثارها في الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات، واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس له من يشركه في ذرة من ذرات ملكه، أو يخلفه في تدبير خلقه، أو يحجبه عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه، أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فلو كان معه آلهة أُخرى كما يقول أعداؤه المبطلون لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حالٍ، ولا يصلح عليه وجود. ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدًا له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاءَ متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدًا لإله نحتته الأفكار، لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأْمر ولا ينهى، ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا يرفع إليه العمل الصالح، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه ولا محاذيًا له ولا مباينًا، ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق عباده، وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء، ولا يحِب ولا يحَب، ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب، بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السماوات وأُخرى يقبض بها الأرض، ولا له فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به، ولا كلم موسى تكليمًا، ولا تجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاءِ، ولا ينزل كل ليلة إلى سماءِ الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري، ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، ويجوز في حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل السماوات والأرضين، وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين والمكذبين له ولرسله، والكل بالنسبة إليه سواءٌ ولا فرق ألبتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، فامتنع للخبر بأنه لا يفعله، لا لأنه في نفسه مناف لحكمته، ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته، إن هي إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاءُ بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة، ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو ونسبه إليهم، ويعذبهم إذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه، يجوز في حكمته أن يعذب رجالًا إذا لم يكونوا نساءَ ونساءً حيث لم يكونوا رجالًا وطوالًا حيث لم يكونوا قصارًا وبالعكس وسودًا إذا لم يكونوا بيضًا وبالعكس، بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس إذ لا قدرة لهم ألبتة على فعل ما أُمروا به ولا ترك ما نهوا عنه. فله الحمد والمنة والثناءُ الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدًا لمن هذا شأْنه فنكون مضيعين، ليس لنا رب نقصده، ولا صمد نتوجه إليه ونعبده، ولا إله نعوّل عليه، ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة: من دلنا وجمع علينا ربًا ضائعًا لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محاذ له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا نزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا كلَّم أحدًا ولا يكلمه أحد، ولا ينبغي لأحد أن يذكر صفاته ولايعرفه بها بل يذكرها بلسانه فلا يتكلم بها وبقلبه فلا يعقلها وينبغي له أن يعاقب بالقتل أو بالضرب والحبس من ذكرها أو أخبر عنه بها أو أثبتها له. أو نسبها إلِيه أوْ عرفه بها، بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفى قيامها به واتصافه وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده وتكفير من أثبته واستحلال دمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه، وكلما كان النفي أبلغ كان التوحيد أتم، فليس كذا وليس كذا أبلغُ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا. فللَّه العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما منَّ به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العلى وأسمائه الحسنى، وإقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين قيوم السماوات والأرضين إله الأولين والآخرين، ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، منزهًا عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال. * (فصل) الله - عز وجل - هو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما قدره وخلقه، وعلى كل ما أمر به وشرعه. ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقر آثارها في الخلق والأمر، رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام، ورأى سريان آثارها فيهما وعلم - بحسب معرفته بها ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأْمر به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأْمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى بعض الأحكام جورًا وظلمًا أو سفهًا وعبثًا ومفسدة أو ما لا يوجب حمدًا وثناءً فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه، وأنه بريء منه ورسوله، فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا بالمفسدة وبالحكمة لا بالعبث والسفه، وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين، ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبي الرحمة وأُمته الأُمة المرحومة وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأًفعاله الحميدة، فلا يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناءِ كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماءِ. وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه في أول الخلق وآخره وعند الأمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالَمين، وحمد نفسه على تفرده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، وحمد نفسه على علوه وكبريائه، وحمد نفسه في الأُولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوى والسفلى، ونبه على هذا كله في كتابه وحمد نفسه عليه، فتنوع حمده وأسباب حمده، وجمعها تارة وفرقها أُخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه. قال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وقال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِين﴾ [الكهف: ١-٢]، وقال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى لَهُ ما فِى السَّمَواتِ وما فِى الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ فِى الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرِ﴾ [سبأ: ١]، وقال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ فاطِرِ السَّمَواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِى أجْنَحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ فِى الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١]، وقال: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ فِى الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال: ﴿هُوَ الحى لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وقال: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ فِى السّمَواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧-١٨]. أخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته ﴿وَقُضِى بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيْلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. وأخبر عن حمد أهل الجنة له وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده، كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده، فقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِي لَوْلا أنْ هَدانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣]، و ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سلامٌ، وآخِرُ دَعْواهم أن الحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقال عن أهل النار: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ونَزَعْنا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُواْ بُرْهانَكم فَعَلِمُواْ أنّ الحَقّ لِلّهِ وضَلّ عَنْهم مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤-٧٥]، وقال: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]. وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته مفترين عليه، وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم ببعض حقه عليهم وأنه غير ظالم لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه، لا كما تقول الجبرية. وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناءٍ جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه فهو محامد له وثناءٌ وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده، وهو حمد الصفات والأسماء. والنوع الثاني حمد النعم والآلاءِ، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق بل ابتداءً منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها. ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ومدافعته عتهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب إليهم بنعمة مع غناه عنهم وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم دارًا وأعد لهم فيها من كل ما تشتيهه الأنفس وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جدًا بالإضافة إلى بقاءِ دار النعيم، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرًا وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات، وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلًا منه عليهم وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال. وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، ﴿يا عِبادِي الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، ﴿قَل لِعِبادِي﴾ [ابراهيم: ٣١]، ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّى﴾ [البقرة: ١٨٦]، فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله: ﴿يَأيّها النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكم والّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلّكم تَتّقُونَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسّماءَ بِنَآءً وأنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَراتِ رِزْقًا لّكم فَلاَ تَجْعَلُواْ للهِ أندادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢]، ﴿ياأيّها النّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مّنَ السّمَآءِ والأرْضِ لاَ إلَهَ إلاّ هو فَأنّىَ تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]، ﴿ياأيّها النّاسُ إنّ وعْدَ اللهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الحَياةُ الدّنْيا ولاَ يَغُرّنّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، ﴿ياأيّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيم الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٧]، ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللهَ حَقّ تُقاتِهِ ولاَ تَمُوتُنّ إلاّ وأنْتُمْ مّسْلِمُونَ واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولاَ تَفَرّقُواْ واذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْدَآءً فَألّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلىَ شَفا حُفْرَةٍ مّنَ النّارِ فَأنقَذَكم مّنْها كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢-١٠٣]، ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطانَةً مّن دُونِكم لاَ يَأْلُونَكم خَبالًا ودّواْ ما عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَآءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وعَدُوّكم أوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدّةِ وقَدْ كَفَرُواْ بِما جَآءَكم مّنَ الحَقّ يُخْرِجُونَ الرّسُولَ وإيّاكم أن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبّكم إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغَآءَ مَرْضاتِي تُسِرّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدّةِ وأناْ أعْلَمُ بِمَآ أخْفَيْتُمْ ومَآ أعْلَنتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١]، ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للهِ ولِلرّسُولِ إذا دَعاكُم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُواْ أنّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ واتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكم خَآصّةً واعْلَمُواْ أنّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ واذْكُرُواْ إذْ أنتُمْ قَلِيلٌ مّسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أن يَتَخَطّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيّدَكُم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مّنَ الطّيّباتِ لَعَلّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤-٢٦]، ﴿ياأيّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُواْ لَهُ إنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وإن يَسْلُبْهُمُ الذّبابُ شَيْئًا لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ما قَدَرُواْ اللهَ حَقّ قَدْرِهِ إنّ اللهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣-٧٤]، ﴿وَإذا قُلْنا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ أفَتَتّخِذُونَهُ وذُرّيّتَهُ أوْلِيَآءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردته من سمائى وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداءٌ لكم. فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة، وأعلم سبحانه عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف. قال تعالى: ﴿إن تَكْفُرُواْ فَإنّ اللهَ غَنِيّ عَنكم ولاَ يَرْضىَ لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿اليَومَ أكْمَلْتُ لَكم دِيْنَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِى ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ واللهُ يُرِيدُ أن يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَواتِ أن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللهُ أن يُخَفّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨]. ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي نسبها إليه من يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره: من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله ألبتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلق السماوات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٧]، فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودًا وإحسانًا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، ولما أمرهم بالوضوءِ وبالغسل من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم، قال تعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في الأضاحى والهدايا: ﴿لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلاَ تَيَمّمُواْ الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلاّ أن تُغْمِضُواْ فِيهِ واعْلَمُواْ أنّ اللهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يقول سبحانه: إني غنى عما تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق المحامد كلها، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغني بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم. ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها، من صدق الرغبة واللجإ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة ومن أراد مطالعة أُصول النعم فليسم سرح الذكر في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها، أعداء الله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره، وتفصيل ذلك لا تفى به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة. ومن استقرئ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناءً تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر. ففي دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: "أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ فِى كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوْ اسْتأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أن تَجْعَلَ القُرْآن رَبِيع قَلْبِى ونُورَ صَدْرِى وجَلاءَ حُزْنِي وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي". وفى الصحيح عنه ﷺ في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدي ربه قال: "فَيَفْتَحُ قَلبِى مَن مَحامِدهِ بِشَيْءٍ لا أُحْسِنُهُ الآن"، وكان يقول في سجوده: "أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك أعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْت عَلى نَفْسِكِ "، فلا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه ألبتة، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر. فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاءِ والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون في الأسماءِ الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟ قيل: قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفى بعضه لذى الفطرة السليمة والعقل المستقيم وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرًا ونحن نزيد ما تقدم إيضاحًا وبيانًا إذ بسط هذا المقام أولى من اختصاره فنقول: قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة، وله كل ثناءٍ وكل حمد ومدحه وكل خير فمنه وله وبيده، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه. لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه في كل دقيق وجليل، وحكمه على كل ما يرد عليك، وحاكم إليه واجعله آخرتك التي ترجع إليها وتعتمد عليها. واعلم أن لله خصائص في خلقه ورحمة وفضلًا يختص به من يشاءُ، وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته، فإياك ثم إياك أن تصغى إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة إنه هلا سوّى بين عباده في تلك الخصائص وقسمها بينهم على السواءِ، فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به، وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأْبى ذلك وتمنع منه. ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله، فيختص برحمته من يشاء ُ ويقصد بعذابه من يشاءُ وهو المحمود على هذا، فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاءِ والامتحان، وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملين، واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمته، فكذلك لا تضرهم الأدواءُ ولا السموم، بل متى وسوس لهم العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفة تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون وإذا واقعوا في معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب في حقهم دواء وبدل حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية، لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه، وأراهم عزته في قضائه، وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل، وأشدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم، وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدًا، فإنهم لما أعطوا من أنفسهم العزم أن لا يعصون وعقدوا عليه قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم برد عفوه وحنانه وعطفه ورأْفته، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل ورحيم سبقت رحمته غضبه، وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفورًا رحيمًا، حليمًا كريمًا، يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ويحبهم. فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بذل العبيد وعزا الربوبية فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه، ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه، وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفًا آخر: فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه، ومبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور والإيضاع في طرق معاصيه، وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم، وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الإهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافى فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك، ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه في قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به، ولو أشهدهم عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه فقط لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأْس من روحه والقنوط من رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم، ولكن رحمهم قبل البلاء وفي حشو البلاء وبعد البلاء وجعل تلك الآثار التي توجبها معصيته من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببًا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده، فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته، فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون في كرمه وإحسانه، وكل قضاءٍ يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه، وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم، فإذا استرجعها أيضًا منهم وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل: إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة، والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأْنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لا تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه. فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور، وفنون الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم، ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد، فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه، ولو شهدوا بها وباؤا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته، فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده وينفذ فيهم حكمه ويمضى فيهم عدله، ويحق عليهم كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه، ويعمر بهم ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته، وشهد أولياؤه عظيم ملكه وعز سلطانه وصدق رسله وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم به. ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأي شيء صرف عنهم، وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجوده يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليميني، وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام كلماته الصدق والعدل قوله وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه. وكل ذلك منه حسن جميل له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله، وهو حكم عدل وقضاءٌ فصل، وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره في حقه وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكًا وإتلافًا، فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أولى أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسان بن ثابت: ؎يتطهرون - يرونه قربانهم ∗∗∗ بدماءِ من علقوا من الكفار وكذلك لما ضحى خالد بن عبد الله القسري بشيخ المعطلة الفرعونية جعد بن درهم، فإن خطبهم في يوم أضحى، فلما أكمل خطبته قال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه، فكان ضحيته. وذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال، فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته، ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به وتنزيهه عما لا يليق به صاروا أسوأ حالًا من الأنعام وضربوا بالحجاب، وأبعدوا عنه بأقصى البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغيبت قلوبهم في الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غابات، ليتم عليهم أمده، وينفذ فيهم حكمه، والله عليم حكيم، والله أعلم. (فائِدَة) تأمّل خطاب القُرْآن تَجِد ملكا لَهُ الملك كُله وله الحَمد كُله، أزِمَّة الأُمُور كلها بِيَدِهِ، ومصدرها مِنهُ، ومردها إلَيْهِ، مستويا على سَرِير ملكه، لا تخفى عَلَيْهِ خافية في أقطار مَمْلَكَته، عالما بِما في نفوس عبيده، مطّلعا على أسرارهم وعلانيتهم، مُنْفَردا بتدبير المملكة، يسمع ويرى ويُعْطِي ويمْنَع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويُمِيت ويحيي، ويقدر ويَقْضِي ويدبّر، الأُمُور نازلة من عِنْده دقيقها وجليلها وصاعدة إلَيْهِ لا تتحرك في ذرّة إلّا بِإذْنِهِ ولا تسْقط ورقة إلّا بِعِلْمِهِ. فتأمّل كَيفَ تَجدهُ يثني على نَفسه ويمجّد نَفسه ويحمد نَفسه وينْصَح عباده ويدلّهم على ما فِيهِ سعادتهم وفلاحهم ويرغّبهم فِيهِ ويحذّرهم مِمّا فِيهِ هلاكهم ويتعرّف إلَيْهِم بأسمائه وصِفاته ويتححب إلَيْهِم بنعمه وآلائه فيذكّرهم بنعمه عَلَيْهِم ويَأْمُرهم بِما يستوجبون بِهِ تَمامها ويحذّرهم من نقمه ويذكّرهم بِما أعد لَهُم من الكَرامَة إن أطاعوه وما أعد لَهُم ما العقُوبَة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكَيف كانَت عاقِبَة هَؤُلاءِ وهَؤُلاء ويثني على أوليائه بِصالح أعْمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسيئ أعْمالهم وقبيح صفاتهم ويضْرب الأمْثال وينوّع الأدلّة والبراهين ويجيب عَن شبه أعدائه أحسن الأجْوِبَة ويصدق الصّادِق ويكذب الكاذِب ويَقُول الحق ويهْدِي السَّبِيل ويَدْعُو إلى دار السَّلام ويذكر أوصافها وحسنها ونَعِيمها ويحذّر من دار البَوار ويذكر عَذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فَقرهمْ إلَيْهِ وشدّة حاجتهم إلَيْهِ من كل وجه وأنَّهم لا غنى لَهُم عَنهُ طرفَة عين ويذكر غناهُ عَنْهُم وعَن جَمِيع الموجودات، وأنه الغَنِيّ بِنَفسِهِ عَن كل ما سواهُ، وكل ما سواهُ فَقير إلَيْهِ بِنَفسِهِ، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخَبَر فَما فَوْقها إلّا بفضله ورَحمته ولا ذرّة من الشَّرّ فَما فَوْقها إلّا بعدله وحكمته، ويشْهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مَعَ ذَلِك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم، والدافع عَنْهُم والمحامي عَنْهُم والناصر لَهُم، والكَفِيل بمصالحهم، والمنجي لَهُم من كل كرب، والموفي لَهُم بوعده، وأنه وليّهم الَّذِي لا ولي لَهُم سواهُ فَهو مَوْلاهُم الحق ونصيرهم على عدوهم فَنعم المولى ونعم النصير. فَإذا شهِدت القُلُوب من القُرْآن ملكا عَظِيما رحِيما جوادا جميلا هَذا شَأْنه فَكيف لا تحبّه وتنافس في القرب مِنهُ وتنفق أنفاسها في التودد إلَيْهِ ويكون أحب إلَيْها من كل ما سواهُ ورضاهُ آثر عِنْدها من رضا كل ما سواهُ وكَيف لا تلهج بِذكرِهِ ويصير حبه والشوق إلَيْهِ والأنس بِهِ هو غذائها وقوتها ودواؤها بِحَيْثُ إن فقدت ذَلِك فَسدتْ وهَلَكت ولم تَنْفَع بحياتها. * [فَصْلٌ: والمُقِرُّونَ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ صانِعُ العالَمِ نَوْعانِ] نَوْعٌ يَنْفِي مُبايَنَتَهُ لِخَلْقِهِ، ويَقُولُونَ: لا مُبايِنَ ولا مُحايِثَ، ولا داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ، ولا فَوْقَهُ ولا تَحْتَهُ، ولا عَنْ يَمِينِهِ ولا عَنْ يَسارِهِ، ولا خَلْفَهُ ولا أمامَهُ، ولا فِيهِ ولا بائِنَ عَنْهُ. فَتَضَمَّنَتِ الفاتِحَةُ الرَّدَّ عَلى هَؤُلاءِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِ، فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ المَحْضَةَ تَقْتَضِي مُبايَنَةَ الرَّبِّ لِلْعالَمِ بِالذّاتِ، كَما بايَنَهم بِالرُّبُوبِيَّةِ، وبِالصِّفاتِ والأفْعالِ، فَمَن لَمْ يُثْبِتْ رَبًّا مُبايِنًا لِلْعالَمِ، فَما أثْبَتَ رَبًّا، فَإنَّهُ إذا نَفى المُبايَنَةَ لَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ، لُزُومًا لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ ألْبَتَّةَ: إمّا أنْ يَكُونَ هو نَفْسَ هَذا العالَمِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُهُ، فَإنَّ العالَمَ لا يُبايِنُ ذاتَهُ ونَفْسَهُ، ومِن هاهُنا دَخَلَ أهْلُ الوَحْدَةِ، وكانُوا مُعَطِّلَةً أوَّلًا، واتِّحادِيَّةً ثانِيًا. وَإمّا أنْ يَقُولَ: ما ثَمَّ رَبٌّ يَكُونُ مُبايِنًا ولا مُحايِثًا، ولا داخِلًا ولا خارِجًا، كَما قالَتْهُ الدَّهْرِيَّةُ المُعَطِّلَةُ لِلصّانِعِ. وَأمّا هَذا القَوْلُ الثّالِثُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ: إثْباتِ رَبٍّ مُغايِرٍ لِلْعالَمِ مَعَ نَفْيِ مُبايَنَتِهِ لِلْعالَمِ، وإثْباتِ خالِقٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، لا في العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ، ولا فَوْقَ العالَمِ ولا تَحْتَهُ، ولا خَلْفَهُ ولا أمامَهُ، ولا يَمْنَتَهُ ولا يَسْرَتَهُ فَقَوْلٌ لَهُ خَبِيءٌ، والعُقُولُ لا تَتَصَوَّرُهُ حَتّى تُصَدِّقَ بِهِ، فَإذا اسْتَحالَ في العَقْلِ تَصَوُّرُهُ، فاسْتِحالَةُ التَّصْدِيقِ بِهِ أظْهَرُ وأظْهَرُ، وهو مُنْطَبِقٌ عَلى العَدَمِ المَحْضِ، والنَّفْيِ الصِّرْفِ، وصِدْقُهُ عَلَيْهِ أظْهَرُ عِنْدَ العُقُولِ والفِطَرِ مِن صِدْقِهِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ. فَضَعْ هَذا النَّفْيَ وهَذِهِ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ عَلى العَدَمِ المُسْتَحِيلِ، ثُمَّ ضَعْها عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ القائِمَةِ بِنَفْسِها، الَّتِي لَمْ تَحِلَّ في العالَمِ، ولا حَلَّ العالَمُ فِيها، ثُمَّ انْظُرْ أيَّ المَعْلُومِينَ أوْلى بِهِ؟ واسْتَيْقِظْ لِنَفْسِكَ، وقُمْ لِلَّهِ قَوْمَةَ مُفَكِّرٍ في نَفْسِهِ في الخَلْوَةِ في هَذا الأمْرِ، مُتَجَرِّدٍ عَنِ المَقالاتِ وأرْبابِها، وعَنِ الهَوى والحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ، صادِقًا في طَلَبِ الهِدايَةِ مِنَ اللَّهِ، فالَلَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُخَيِّبَ عَبْدًا هَذا شَأْنُهُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن إثْباتِ رَبٍّ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، مُبايِنٍ لِخَلْقِهِ، بَلْ هَذا نَفْسُ تَرْجَمَتِها. * [فَصْلٌ: المُثْبِتُونَ لِلْخالِقِ تَعالى] ثُمَّ المُثْبِتُونَ لِلْخالِقِ تَعالى نَوْعانِ: أهْلُ تَوْحِيدٍ، وأهْلُ إشْراكٍ، وأهْلُ الإشْراكِ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ، كالمَجُوسِ ومَن ضاهاهم مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَإنَّهم يُثْبِتُونَ مَعَ اللَّهِ خالِقًا آخَرَ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ مُكافِئٌ لَهُ، والقَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ تُثْبِتُ مَعَ اللَّهِ خالِقِينَ لِلْأفْعالِ، لَيْسَتْ أفْعالُهم مَقْدُورَةً لِلَّهِ، ولا مَخْلُوقَةً لَهُمْ، وهي صادِرَةٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، ولا هو الَّذِي جَعَلَ أرْبابَها فاعِلِينَ لَها، بَلْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم شائِينَ مُرِيدِينَ فاعِلِينَ. فَرُبُوبِيَّةُ العالَمِ الكامِلَةُ المُطْلَقَةُ الشّامِلَةُ تُبْطِلُ أقْوالَ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ، لِأنَّها تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والحَرَكاتِ والأفْعالِ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ: أنَّهُ تَعالى لَيْسَ رَبًّا لِأفْعالِ الحَيَوانِ، ولا تَناوَلَتْها رُبُوبِيَّتُهُ، وكَيْفَ تَتَناوَلُ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وخَلْقِهِ؟ مَعَ أنَّ في عُمُومِ حَمْدِهِ ما يَقْتَضِي حَمْدَهُ عَلى طاعاتِ خَلْقِهُ، إذْ هو المُعِينُ عَلَيْها والمُوَفِّقُ لَها، وهو الَّذِي شاءَها مِنهم كَما قالَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فَهو مَحْمُودٌ عَلى أنْ شاءَها لَهُمْ، وجَعَلَهم فاعِلِيها بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَهو المَحْمُودُ عَلَيْها في الحَقِيقَةِ، وعِنْدَهم أنَّهم هُمُ المَحْمُودُونَ عَلَيْها، ولَهُمُ الحَمْدُ عَلى فِعْلِها، ولَيْسَ لِلَّهِ حَمْدٌ عَلى نَفْسِ فاعِلِيَّتِها عِنْدَهُمْ، ولا عَلى ثَوابِهِ وجَزائِهِ عَلَيْها. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ فاعِلِيَّتَها بِهِمْ لا بِهِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجَزاءَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقَ الأُجْرَةِ عَلى المُسْتَأْجِرِ، فَهو مَحْضُ حَقِّهِمْ، الَّذِي عاوَضُوهُ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ رَدٌّ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ، إذِ اسْتِعانَتُهم بِهِ إنَّما تَكُونُ عَنْ شَيْءٍ هو بِيَدِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعِينُ مَن بِيَدِهِ الفِعْلُ وهو مُوجِدُهُ، إنْ شاءَ أوْجَدَهُ وإنْ شاءَ لَمْ يُوجِدْهُ بِمَن لَيْسَ ذَلِكَ الفِعْلُ بِيَدِهِ، ولا هو داخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ولا مَشِيئَتِهِ؟ وَفِي قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْضًا رَدٌّ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ المُطْلَقَةَ التّامَّةَ هي المُسْتَلْزِمَةُ لِحُصُولِ الِاهْتِداءِ، ولَوْلا أنَّها بِيَدِهِ تَعالى دُونَهم لَما سَألُوهُ إيّاها، وهي المُتَضَمِّنَةُ لِلْإرْشادِ والبَيانِ، والتَّوْفِيقِ والإقْدارِ، وجَعْلِهِمْ مُهْتَدِينَ، ولَيْسَ مَطْلُوبُهم مُجَرَّدَ البَيانِ والدِّلالَةِ كَما ظَنَّتْهُ القَدَرِيَّةُ، لِأنَّ هَذا القَدَرَ وحْدَهُ لا يُوجِبُ الهُدى، ولا يُنْجِي مِنَ الرَّدى، وهو حاصِلٌ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى. * (فَصْلٌ) النَّوْعُ الثّانِي: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وهُمُ المُقِرُّونَ بِأنَّهُ وحْدَهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، ومَلِيكُهُ وخالِقُهُ، وأنَّهُ رَبُّهم ورَبُّ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، ورَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، وهم مَعَ هَذا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، ويَعْدِلُونَ بِهِ سِواهُ في المَحَبَّةِ والطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يُوَفُّوا " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ " حَقَّهُ، وإنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِن " نَعْبُدُكَ " لَكِنْ لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِن إيّاكَ نَعْبُدُ المُتَضَمِّنِ مَعْنى: لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ حُبًّا وخَوْفًا ورَجاءً وطاعَةً وتَعْظِيمًا، فَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ " تَحْقِيقٌ لِهَذا التَّوْحِيدِ، وإبْطالٌ لِلشِّرْكِ في الإلَهِيَّةِ، كَما أنَّ " إيّاكَ نَسْتَعِينُ " تَحْقِيقٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإبْطالٌ لِلشِّرْكِ بِهِ فِيها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّهم أهْلُ التَّوْحِيدِ، وهم أهْلُ تَحْقِيقِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " وأهْلُ الإشْراكِ هم أهْلُ الغَضَبِ والضَّلالِ. * (فصل) تأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق، وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له، ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته، وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمه كله ومصلحة وحقا ولهذا قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته وما كان كذلك كان صدقا وعدلا وهدى وإرشادا. وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: أألد وأنا عجوز عقيم ﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر. وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله وأن لقاءه حق لا ريب فيه ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار. وقد بينت في موضع آخر أن كل حركة تشاهد على اختلاف أنواعها فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد بطريق سهلة واضحة برهانية وكذلك ذكرت في رسالة إلى بعض الأصحاب بدليل واضح أن الروح مركوز في أصل فطرتها وخلقتها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الإنسان لو استقصى التفتيش لوجد ذلك مركوزا في نفس روحه وذاته وفطرته فلو تأمل العاقل الروح وحركتها فقط لاستخرج منها الإيمان بالله تعالى وصفاته والشهادة بأنه لا إله إلا هو والإيمان برسله وملائكته ولقائه، وإنما يصدق بهذا من أشرقت شمس الهداية على أفق قلبه وانجابت عنه سحائب غيبه وانكشف عن قلبه حجاب ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فهنالك يبدو له سر طال عنه اكتتامه ويلوح له صباح هو ليله وظلامه فقف الآن عند كل كلمة من قوله تعالى: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وفي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ... وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ثم تأمل وجه كونها آية وعلى ماذا جعلت آية أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعددة وكذلك سائر ما في القرآن الكريم من هذا النمط كآخر سورة آل عمران وقوله في سورة الروم: ﴿وَمِن آياتِه﴾ إلى آخرها وقوله في سورة النمل: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إلى آخر الآيات وأضعاف ذلك في القرآن الكريم وكقوله في سورة الذاريات ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ فهذا كله من الحق الذي خلقه به السماوات والأرض وما بينهما وهو حق لوجود هذه المخلوقات مسطور في صفحاتها يقرؤه كل موفق كاتب وغير كاتب كما قيل: ؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملأ الأعلى إليك رسائل ؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل وأما الحق الذي هو غاية خلقها فهو غاية تراد من العباد وغاية تراد بهم فالتي تراد منهم أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله عز وجل وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئا فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم ومطاعهم ومحبوبهم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده وقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهذه الغاية هي المرادة من العباد وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده. وأما الغاية المرادة بهم فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ وقال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلاّ مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فتأمل الآن كيف اشتمل خلق السماوات والأرض وما بينهما على الحق أولا وآخرا ووسطا وأنها خلقت بالحق، وللحق، وشاهدة بالحق. وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ وتأمل ما في هذين الاسمين وهما الملك الحق من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه إذ هو مناف لكمال ملكه ولكونه الحق إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها فكما أن ذاته الحق فقوله الحق ووعده الحق وأمره الحق وأفعاله كلها حق وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى " وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السماوات والأرض باطل فقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولا ولم يجعل لهم أجلا للقائه كان ذلك ظنا منهم أنه خلق خلقه باطلا ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلا وأنهم لما علموا ذلك وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه فذكروا في دعائهم هذين الأمرين فقالوا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ فلما علموا أن خلق السماوات والأرض يستلزم الثواب والعقاب تعوذوا بالله من عقابه، ثم ذكروا الإيمان الذي أوقعهم عليه فكرهم في خلق السماوات والأرض فقالوا ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ فكانت ثمرة فكرهم في خلق السماوات والأرض الإقرار به تعالى وبوحدانيته وبدينه وبرسله وبثوابه وعقابه فتوسلوا إليه بإيمانهم الذي هو من أعظم فضله عليهم إلى مغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وإدخالهم مع الإبرار إلى جنته التي وعدهموها وذلك تمام نعمته عليهم فتوسلوا بإنعامه عليهم أولا إلى إنعامه عليهم آخرا وتلك وسيلة بطاعته إلى كرامته وهو إحدى الوسائل إليه وهي الوسيلة التي أمرهم بها في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ وأخبر عن خاصة عبادهم أنهم يبتغون الوسيلة إليه إذ يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ على أن في هاتين الآيتين أسرارا بديعة ذكرتها في كتاب (التحفة المكية في بيان الملة الإبراهيمية) فأثمر لهم فكرهم الصحيح في خلق السماوات والأرض أنه لم يخلقها باطلا وأثمر لهم الإيمان بالله ورسوله ودينه وشرعه وثوابه وعقابه والتوسل إليه بطاعته والإيمان به. وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرة من بحر لا ساحل له فلا تستطله فإنه كنز من كنوز العلم لا يلائم كل نفس، ولا يقبله كل محروم، والله يختص برحمته من يشاء. * (فصل: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر) حكى أبو الفرج ابن الجوزي في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن الصبر أفضل. والثاني أن الشكر أفضل. والثالث أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت" ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما لها وعليها في احتجاجها بعون الله وتوفيقه. * فصل: قال الصابرون قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه وأمر به وعلق عليه خير الدنيا والآخرة وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين موضعا وقد تقدم من النصوص والأحاديث فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر ويكفي في فضله قوله "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبهه به ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله: "مدمن الخمر كعابد وثن " ونظائر ذلك قالوا وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة في الشكر وجدنا نصوص الصبر أضعافها ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الأعمال كانت الأحاديث فيهما في سائر الابواب فلا تجد الأحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا وأيضا فالصبر يدخل في كل باب بل في كل مسئلة من مسائل الدين ولهذا كان من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر الزيادة فقال ﴿وإذ تأذن ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب وأيضا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال وسيجزى الله الشاكرين وقيد جزاء الصابرين بالإحسان فقال ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ قالوا وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به ". وفي لفظ: " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وما ذاك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ولهذا قال النبي لمن سأله عن أفضل الأعمال: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له" ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر. وقال بعض السلف الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب فإن النفس تشتهى الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين وقد أشار إلى ذلك النبي في الحديث الصحيح وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل إني صائم " فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغي له أن يحتمى من إفسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ". قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى والله مع الصابرين لا شيء يعدل معيته لعبده، كما قال بعض العارفين ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة، لأنهم نالوا معية الله. وقال تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وما عليها وهي صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولى العزم من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت إليه وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل فقال الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند الله قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته، فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها. قالوا وقد علم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور علوم يعرفها وأعمال يعمل بها، وأحوال ترتب له على علومه وأعماله. وأفضل العلم والعمل والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك، وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب إفضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الأعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب إفضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيئ له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك وإذا أشتركت عدة أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيا عنها وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها وها هنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولى الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من الظالم واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته وتأمل تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر بل قال له: "إني أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وأمره وغيره بالصيام وقال: "عليك بالصوم فانه لا عدل له" وأمر آخر بأن لا يغضب وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هيئ له فإذا استفرغ وسعه على غيره وفاق الناس فيه كما قيل ؎ما زال يسبق حتى قال حاسده ∗∗∗ هذا طريق إلى العلياء مختصر وهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلا إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد وإنما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل ايما أفضل الخبز أو الماء لكان الجواب أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل وإذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال فهو دواء للداء الذي في القلب يمنعه من المقصود وأما الفقير الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا فإن قيل فقد حث الشرع على الأعمال وانفصلوا عنه بأن قالوا الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحأصل به ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فوقع الحث على العمل المقصود وهو شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك قالوا وإذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة وحال الشاكر حال المتداوي بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم فصل قال الشاكرون لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاما غيره أفضل منه وقدمتم الوسيلة على الغاية والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الأكمل والفاضل على الأفضل ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته وقد قرن تعالى ذكره الذي هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر والصبر خادم لهما ووسيلة إليهما وعونا عليهما قال تعالى (اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) وقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ أي أن وفيتم ما خلقتم له وهو الشكر والإيمان فما أصنع بعذابكم. هذا وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده فقال {وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ} وقسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله قال تعالى في الإنسان ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ وقال نبيه سليمان ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال تعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان فلم ينقلبوا على أعقابهم وعلق سبحانه المزيد بالشكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيرا من الجزاء على المشيئة كقوله ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ وقوله في الإجابة ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ وقوله في الرزق ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وفي المغفرة ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ والتوبة ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وأطلق جزاء الشكر إطلاقا حيث ذكر كقوله وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين ولما عرف عدو الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ووصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين. فقال ما هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين إن الله قال ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، وقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ فقال عمر صدقت. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾ وفي تخصيص نوح هاهنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني فإن الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلا إلا من ذريته كما قال تعالى ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فإنه كان عبدا شكورا وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾ وأول وصية وصى الله بها الإنسان بعد ماعقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير﴾ وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ فأخبر عنه سبحانه بأنه أمة أي قدوة يؤتم به في الخير وإنه قانتا لله والقانت هو المطيع المقيم على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ثم ختم له بهذه الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله. وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة لعلكم تشكرون فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ويجوز أن يكون قوله لعلكم تشكرون تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو الظاهر فالشكر غاية الخلق والأمر وقد صرح سبحانه بأنه غاية أمره وإرساله الرسول في قوله تعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ قالوا فالشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" وثبت في المسند والترمذي أن النبي قال لمعاذ: "والله إني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا أبو معاويه وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمه حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا في ماله" وذكر أيضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره وإن الرجل يشترى الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له". وقد ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكله فيحمده عليها ويشرب الشربه فيحمده عليها" فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ في مقابلة شكره بالحمد وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال قال رسول الله: "لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادة" لأن الله تعالى يقول ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا" ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه يجلب النعم المفقودة وذكر ابن أبي الدنيا عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لرجل من همذان: "إن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" وقال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله" وكان يقول: الشكر قيد النعم. وقال مطرف بن عبد الله "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن ابتلى فأصبر" وقال الحسن "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر" وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال. وقال على بن الجعدي سمعت سفيان الثوري يقول إن داود عليه الصلاة والسلام قال الحمد لله حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله إليه يا داود أتعبت الملائكة وقال شعبة حدثنا المفضل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال خرج علينا عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال أن رسول الله قال: "إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". وذكر شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: "أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة فقال هل لك من مال قال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل المال قد آتانى الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال فإذا آتاك الله ما لا فليرى عليك". وفي بعض المراسيل "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه" وروى عبد الله بن يزيد المقري عن أبي معمر عن بكير بن عبد الله رفعه: "من أعطي خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله، ومن أعطي خيرا ولم ير عليه سمي بغيض الله معاديا لنعمة الله" وقال الفضيل بن عياض "كان يقال من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة، لقول الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وقال "من شُكْر النعمة أن يحدث بها. وقد قال تعالى: "يا ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذرني لأصرعك بين معاصي يا ابن آدم اتقني ونم حيث شئت". وقال الشعبي الشكر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله وقال أبو قلابة لا تضركم دنيا شكرتموها وقال الحسن إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادرا على أن يبعث نعمته عليهم عذابا وقد ذم الله سبحانه الكنود وهو الذي لا يشكر نعمه قال الحسن ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي إن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب قال: "لو أحسنت إلى إحداههن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج وهي في الحقيقة من الله فكيف بمن ترك شكر نعمة الله ؎يا أيها الظالم في فعله ∗∗∗ والظلم مردود على من ظلم ؎إلى متى أنت وحتى متى ∗∗∗ تشكو المصيبات وتنسى النعم ذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله: "التحدث بالنعمة شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، والجماعة بركة والفرقة عذاب" وقال مطرف بن عبد الله "نظرت في العافية والشكر فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة، ولأن أعافى أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر" ورأى بكر بن عبد الله المزني حمالا عليه حمله وهو يقول الحمد الله أستغفر الله. قال فانتظرته حتى وضع ما على ظهره، وقلت له: أما تحسن غير هذا؟ قال بلى أحسن خيرا كثيرا أقرأ كتاب الله غير أن العبد بين نعمة وذنب فأحمد الله على نعمه السابغة، وأستغفره لذنوبي. فقلت الحمال أفقه من بكر. وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" وقال مشعر لما قيل لآل داود ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُودَ شُكْرًا﴾ لم يأت على القوم ساعة إلا وفيهم مصل وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء إني رأيت في أمري لم أر خيرا إلا شر معه إلا المعافاة والشكر، فرب شاكر في بلائه، ورُب معافى غير شاكر، فإذا سألتم الله فاسألوهما جميعا. وقال أبو معاوية: لبس عمر بن الخطاب قميصا فلما بلغ ترقوته قال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم مد يديه فنظر شيئا يزيد على يديه فقطعه ثم أنشأ يحدث قال سمعت رسول الله يقول: "من لبس ثوبا أحسبه جديدا فقال حين يبلغ ترقوته أو قال قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك ثم عمد إلى ثوبه الخلق فكسا به مسكينا لم يزل في جوار الله وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتا ما بقي من ذلك الثوب سلك". وقال عون بن عبد الله لبس رجل قميصا جديدا فحمد الله فغفر له فقال رجل ارجع حتى أشتري قميصا فألبسه وأحمد الله. وقال شريح ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت وأنها لا بد كائنة فقد كانت. وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثنى بها وقال روح بن القاسم تنسك رجل فقال لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره فقال الحسن هذا أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله عز وجل: "ابن آدم خيرى إليك نازل وشرك إلى صاعد أتحبب إليك بالنعم وتتبغض إلى بالمعاصي ولا يزال ملك كريم قد عرج إلى منك بعمل قبيح". قال ابن أبي الدنيا حدثني أبو على قال كنت أسمع جارا لي يقول في الليل: "يا إلهي خيرك على نازل وشري إليك صاعد كم من ملك كريم قد صعد إليك مني بعمل قبيح وأنت مع غناك عني تتحبب إلى بالنعم وأنا مع فقري إليك وفاقتي أتمقت إليك بالمعاصي وأنت في ذلك تجبرني وتسترني وترزقني وكان أبو المغيرة إذا قيل له كيف أصبحت يا أبا محمد أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين عن الشكر يتحبب الينا ربنا وهو غني عنا ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون. وقال عبد الله بن ثعلبة إلهي من كرمك أنك تطاع ولا تعصى، ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عواد. وكان معاوية بن قرة إذا لبس ثوبا جديدا قال: بسم الله والحمد لله. وقال أنس بن مالك ما من عبد توكل بعبادة الله إلا عزم الله السماوات والأرض تعبر رزقه فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفع عنه إليه فإن العبد قبله أوجب عليه الشكر وأن أباه وجد الغني الحميد عبادا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له". وقال يونس بن عبيد: "قال رجل لأبي تميمة كيف أصبحت قال أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملي". وروى ابن أبي الدنيا عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: "يارب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال لا يزال لسانك رطبا من ذكري" وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي فانطلقنا معه فلما طعم وغسل يديه قال الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربى ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العرى وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير من خلقه تفضيلا الحمد لله رب العالمين. وفي مسند الحسن بن الصلاح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله: "ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت" ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي دخل عليها فرآى كسرة ملقاة فمسحها وقال "يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها فلما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم" ذكره ابن أبي الدنيا. وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال قرأت في مسألة داود أنه قال: "يا رب كيف لي أن أشكر وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمك" قال فأتاه الوحي: "يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني قال بلى يا رب قال فإني نرضى بذلك منك شكرا". وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا أبو الوليد عن سعيد ابن عبد العزيز قال كان من دعاء داود سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج الدعاء بالبلاء وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود أحبني وأحب عبادتى وحببني إلى عبادي قال يا رب هذا حبك وحب عبادتك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن فجل جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جده وتقدست أسماؤه وجل ثناؤه ولا إله غيره وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق بن عمران قال سمعت وهبا يقول وجدت في كتاب آل داود بعزتي أن من اعتصم بي فإن كادته السماوات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه كفي بي لعبدي ما لا إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني وأجبته قبل أن يدعونى وإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه. وقال أحمد حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلى فيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال أحمد وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة قال داود يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك مني فأوحى الله إليه نعم الضفدع وأنزل الله عليه ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم على ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيدني نعمة بعد نعمة فالنعم منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتني يا داود قال أحمد وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبي الله داود: " إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق نعمة واحدة". وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال قال موسى يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازى بها عملي كله قال فأتاه الوحي يا موسى الآن شكرتني قال بكر بن عبد الله ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله وقال الحسن سمع نبي الله رجلا يقول الحمد لله بالإسلام فقال انك لتحمد الله على نعمة عظيمة وقال خالد بن معدان سمعت عبد الملك بن مروان يقول: "ما قال عبد كلمة أحب إلى الله وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام". وقال سليمان التيمى أن الله سبحانه أنعم على عبده على قدره وكلفهم الشكر على قدرتهم وكان الحسن إذا ابتدأ حديثه يقول الحمد لله اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا لك الحمد بالإسلام والقرآن ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة كبت عدونا وبسطت رزقنا وأظهرت أمننا وجمعت فرقتنا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة أو حي أو ميت أو شاهد أو غائب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت وقال الحسن قال موسى يا رب كيف يستطيع ابن آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه فكان ذلك شكر ما صنعت إليه وقال سعد بن مسعود الثقفي إنما سمى نوح عبدا شكورا لأنه لم يلبس جديدا ولم يأكل طعاما إلا حمد الله وكان على بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها وقال مخلد بن الحسين كان يقال الشكر ترك المعاصي وقال أبو حازم كان نعمة لا تقرب من الله فهى بلية وقال سليمان ذكر النعم يورث الحب لله وقال حماد بن زيد حدثنا ليث عن أبي بردة قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي ألا تدخل بيتا دخله النبي ونطعمك سويقا وتمرا ثم قال أن الله إذا جمع الناس غدا ذكرهم بما أنعم عليهم فيقول العبد ما آية ذلك فيقول آية ذلك انك كنت في كربة كذا وكذا قد دعوتنى فكشفتها وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتنى فصحبتك قال يذكره حتى يذكر فيقول آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم يقف عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه فبكى ثم بكى ثم قال إني لأرجو الله أن لا يقعد الله عبدا بين يديه فيعذبه وروى ليث بن أبي سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال قال رسول الله: "يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات فيقول الله عز وجل لنعمة من نعمه خذى حقك من حسناته فما تترك له من حسنة إلا ذهبت بها". وقال بكر بن عبد الله المزني ينزل بالعبد الأمر فيدعو الله فيصرف عنه فيأتيه الشيطان فيضعف شكره يقول أن الأمر كان أيسر مما تذهب إليه قال أو لا يقول العبد كان الأمر أشد مما أذهب إليه ولكن الله صرفه عني وذكر ابن أبي الدنيا عن صدقة بن يسار قال بينا داود عليه السلام في محرابه إذ مرت به ذره فنظر إليها وفكر في خلقها وعجب منها وقال ما يعبؤ الله بهذه فأنطقها الله فقالت يا داود أتعجبك نفسك فو الذي نفسي بيده لأنا على ما آتانى الله من فضله أشكر منك على ما آتاك الله من فضله وقال أيوب أن من أعظم نعمة الله على عبده أن يكون مأمونا على ماجاء به النبي وقال سفيان الثوري كان يقال ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء معصيبة وقال زازان مما يجب لله على ذى النعمة بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية قال ابن أبي الدنيا أنشدنى محمود الوراق: ؎إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ∗∗∗ فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ؎على له في مثلها يجب الشكر ∗∗∗ إذا مس بالسراء عم سرورها ؎وان طالت الايام واتصل العمر ∗∗∗ وما منهما إلا له فيه منة ؎وان مس بالضراء أعقبها الأجر ∗∗∗ تضيق بها الاوهام والبر والبحر وقد روى الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يعني قال الله عز وجل: "إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" ومر محمد بن المنكدر بشاب يغامز امرأة فقال يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عليك وقال حماد بن سلمة عن ثابت قال قال أبو العاليه إني لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين نعمة يحمد الله عليها وذنب يستغفر منه وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن حين ولى القضاء بالرقة أما بعد فلتكن التقوى من بالك على كل حال وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها فإن في النعم حجة وفيها تبعة فأما الحجة بها فالمعصية بها وأما التبعة فيها فقلة للشكر عليها فعفى الله عنك كلما ضيعت من شكر أو ركبت من ذنب أو قصرت من حق ومر الربيع بن أبي رأشد برجل به زمانة فجلس يحمد الله ويبكى قيل له ما يبكيك قال ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء فذلك الذي أبكانى وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي: "إذا أحب أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر إلي من تحته ولا ينظر إلي من فوقه" قال عبد الله بن المبارك أخبرني يحيى بن عبد الله قال سمعت أبي هريرة فذكره وقال ابن المبارك حدثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن قال قال أبو الدرداء من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله وحضر عذابه قال ابن المبارك أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضى الله قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام فقال عمر للرجل كيف أنت قال الرجل أحمد إليك الله قال هذا أردت منك قال ابن المبارك وأخبرنا مسعود عن علقمة بن مرقد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لعلنا نلتقى في اليوم مرارا يسأل بعضنا عن بعض ولم يرد بذلك إلا ليحمد الله عز وجل وقال مجاهد في قوله تعالى ﴿وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ قال لا إله إلا الله وقال ابن عيينة ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله قال وأن لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا وقال بعض السلف في خطبته يوم عيد أصبحتم زهرا وأصبح الناس غبرا أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون فبكى وأبكاهم وقال عبد الله بن قرط الأزدي وكان من الصحابة على المنبر وكان يوم أضحى ورأى على الناس ألوان الثياب يا لها من نعمة ما أشبعها ومن كرامة ما أظهرها ما زال عن قوم شيئا أشد من نعمة لا يستطيعون ردها وإنما تثبت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم وقال سلمان الفارسى رضي الله عنه أن رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية أرأيتك أنت على ما تحمد الله قال أحمده على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه قال وما ذاك قال أرأيتك بصرك أرأيتك لسانك أرأيتك يديك أرايتك رجليك وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم قال الرجل لا قال فبيديك مائه ألف قال لا فبرجليك مائة الف قال لا قال فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة وكان ابو الدرداء يقول الصحة الملك وقال جعفر بن محمد رضي الله عنه فقد أبي بغلة له فقال إن ردها الله عليَّ لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أتى بسرجها ولجامها فركبها فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال الحمد لله لم يزد عليها. فقيل له في ذلك فقال هل تركت وأبقيت شيئا جعلت الحمد كله لله. وروى ابن أبي الدنيا من حديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: "بعث رسول الله بعثا من الأنصار وقال أن سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه سمعناك تقول أن سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال قد فعلت اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلا". وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال محمد بن المنكدر لأبي حازم يا أبا حازم ما أكثر من يلقانى فيدعو لي بالخير ما أعرفهم وما صنعت إليهم خيرا قط فقال أبو حازم لا تظن أن ذلك من قبلك ولكن انظر إلى الذي ذلك من قبله فاشكره وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وقال علي بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون حدثني من أصدقه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في دعائه "أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضا، والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة، بجميع ميسر الأمور كلها، لا معسورها يا كريم. وقال الحسن ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ. قال ابن أبي الدنيا وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال هذا خطأ لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله ثم قال وقال بعض أهل العلم إنما تفسير هذا أن الرجل إذا أنعم الله عليه نعمة وهو ممن يجب عليه أن يحمده عرفه ما صنع به فيشكر الله كما ينبغي له أن يشكره فكان الحمد له أفضل قلت لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة فإن قوله الحمد لله نعمة من نعم الله والنعمة التي حمد الله عليها أيضا نعمة من نعم الله وبعض النعم أجل من بعض فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها والله أعلم وهذا لا يستلزم أن يكون فعل العبد أفضل من فعل الله وأن دل على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول الله وفعل العبد هو مفعول الله ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض وقال بعض أهل العلم لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا فإن أكون فيما رضى الله لنبيه وأحب له أحب إلي من أن أكون فيما كره له وسخطه وقال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض العلماء أنه قال ينبغي للعالم أن يحمد الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه وأين يقع ما أعطاه الله والحساب يأتي عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله به فيشغل قلبه ويتعب جوارحه فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه وحدث عن ابن أبي الحوارى قال جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول أنعم الله علينا في كذا وكذا أنعم الله علينا في كذا فعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر وقال غير سفيان كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البنانى عن الاستدراج فقال ذلك مكر الله بالعباد المضيعين وقال يونس في تفسيرها أن العبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه أعطاه أشرف منها وإذا هو ضيع الشكر استدرجه الله وكان تضييعه الشكر استدراجا وقال أبو حازم نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها إني رأيته أعطاها أقواما فهلكوا وكل نعمة لا تقرب من الله فهى بلية وإذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره وذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة فإنكم في دار الثوى فيها قليل وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فقطعوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الايام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاويه فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم وعبرة لمن يخشى وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضه وزمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم يبق منه إلا حماة شر وصبابة كدر وأهاويل عبر وعقوبات غير وإرسال فتن وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الامل وغره طول الاجل وتبلغ بطول الأماني نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى انذاره وعقل بشره فمهد لنفسه وكان يقال الشكر ترك المعصية وقال ابن المبارك قال سفيان ليس بفقيه فمن لم يعد البلاء نعمه والرخاء مصيبة وكان مروان بن الحكم إذا ذكر الإسلام قال بنعمة ربى وصلت إليه لا بما قدمت يدى ولا بإرادتي إني كنت خاطئا ؎وكم من مدخل لو مت فيه ∗∗∗ لكنت فيه نكالا في العشيرة ؎وقيت السوء والمكروه فيه ∗∗∗ وظفرت بنعمة منه كبيرة ؎وكم من نعمة لله تمسى ∗∗∗ وتصبح في العيان وفي السريرة ودعى عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قوم على ريبة فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم فأعتق رقبة شكرا لله أن لا يكون جرى على يديه خزى مسلم قال يزيد بن هرون أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحا عليه السلام كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفته في جسدي وأذهب عني أذاه فسمى عبدا شكورا. وقال ابن أبي الدنيا حدثني العباس بن جعفر عن الحارث بن شبل قال حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي أنه لم يقم عن خلاء قط إلا قاله وقال رجل لأبي حازم ما شكر العينين يا أبا حازم قال أن رأيت بهما خيرا أعلنته وأن رأيت بهما شرا سترته قال فما شكر الاذنين قال أن سمعت بهما خيرا وعيته وأن سمعت بهما شرا دفعته قال فما شكر اليدين قال لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقا لله هو فيهما قال فما شكر البطن قال أن يكون أسفله طعاما وأعلاه علما قال فما شكر الفرج قال قال الله ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلاَّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قال فما شكر الرجلين قال أن علمت ميتا تغبطه استعملت بهما عمله وأن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر وذكر عبد الله بن المبارك أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان جالس على التراب قال جعفر فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال فلما رأى ما في وجوهنا قال إني أبشركم بما يسركم إنه جاءنى من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان التقوا بواد يقال له بدر كثير الاراك كأنى أنظر إليه كنت أرعى به لسيدى رجل من بني ضمرة فقال له جعفر ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاق قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام أن حقا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما أحدث الله لهم من نعمه فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع وقال حبيب بن عبيد ما ابتلى الله عبدا ببلاء إلا كان له عليه فيه نعمة ألا يكون أشد منه وقال عبد الملك بن إسحاق ما من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره أو بلية لينظر كيف صبره وقال سفيان الثوري لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها وكان رسول الله إذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدا شكرا له عز وجل ذكره أحمد وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "خرج علينا النبي فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود فقلت يا رسول الله سجدت سجدة حسبت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها فقال أن جبريل أتانى فبشرني أن الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا" ذكره أحمد وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبا من عزور نزل ثم رفع يديه ودعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال إني سألت ربى وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسى فسألت ربى لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا لربي ثم رفعت رأسى فسألت ربى ربى فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي رواه أبو داود وذكر محمد بن إسحاق في كتاب الفتوح قال لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه رسول الله ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا فحلف له فخر رسول الله ساجدا. وذكر سعيد بن منصور أن أبي بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة وذكر أحمد أن عليا رضي الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج وسجد كعب بن مالك في عهد النبي لما بشر بتوبة الله عليه والقصة في الصحيحين فإن قيل فنعم الله دائما مستمرة على العبد فما الذي اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم؟ قيل الجواب من وجوه: أحدها أن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة والإنسان موكل بالأدنى الثاني أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسهلها على الإنسان وأحبها إلى الله السجود شكرا له الثالث أن المتجددة لها وقع في النفوس والقلوب بها أعلق ولهذا يهنى بها ويعزى بفقدها الرابع أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها وكثيرا ما يجر ذلك إلى الأشر والبطر والسجود ذل لله وعبودية وخضوع فإذا تلقى به نعمته لسروره وفرح النفس وانبساطها فكان جديرا بدوام تلك النعمة وإذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه الله والاشر والبطر كما يفعله الجهال عندما يحدث الله لهم من النعم كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال وانقلبت نقمة وعادت استدراجا وقد تقدم أمر النجاشي فإن الله إذا احدث لعبده نعمة أحب أن يحدث لها تواضعا وقال العلاء بن المغيرة بشرت الحسن بموت الحجاج وهو مختف فخر لله ساجدا. * (فصل) ومن دقيق نعم الله على العبد التي لا يكاد يفطن لها أنه يغلق عليه بابه فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئا من القوت ليعرفه نعمته عليه. وقال سلام بن أبي مطيع دخلت على مريض أعوده فإذا هو يئن فقلت له أذكر المطروحين على الطريق أذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم قال ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه اذكري المطروحين في الطريق اذكري من لا مأوى له ولا له من يخدمه وقال عبد الله بن أبي نوح قال لي رجل على بعض السواحل كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت ما أحصى ذلك كثرة قال فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت لا والله ولكنه أحسن إلى وأعاننى قال فهل سألته شيئا فلم يعطكه؟ قلت وهل منعني شيئا سألته ما سألته شيئا قط إلا أعطاني ولا استعنت به إلا أعاننى قال أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك قلت ما كنت أقدر له مكافأة ولا جزاء قال فربك أحق وأحرى أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديما وحديثا إليك والله لشكره أيسر من مكافأة عباده إنه تبارك وتعالى رضى من العباد بالحمد شكرا وقال سفيان الثوري ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه وقال ابن أبي الحوارى قلت لأبي معاوية ما أعظم النعمة علينا في التوحيد نسأل الله أن لا يسلبنا إياه قال يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه والله أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها ويستعمل بعمل إلا قبله وقال ابن أبي الحوارى قالت لي امرأة أنا في بيتى قد شغل قلبى قلت وما هو قالت أريد أن أعرف نعم الله على في طرفة عين أو أعرف تقصيرى عن شكر النعمة على في طرفة عين قلت تريدين ما لا تهتدى إليه عقولنا وقال ابن زيد إنه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد الله عز وجل فيقضى لذلك المجلس حوائجهم كلهم قال وفي بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى أنه قال: "سروا عبدي المؤمن فكان لا يأتيه شيء إلا قال الحمد لله ما شاء الله قال روعوا عبدي المؤمن فكان لا يطلع عليه طليعة من طلائع المكروه إلا قال الحمد لله الحمد لله فقال الله تبارك وتعالى أن عبدي يحمدنى حين روعته كما يحمدنى حين سررته أدخلوا عبدي دار عزى كما يحمدنى على كل حالاته". وقال وهب عبد الله عابد خمسين عاما فأوحى الله إليه إني قد غفرت لك قال أي رب وما تغفر لي ولم أذنب فأذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم ولم يصل ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا إليه فقال ما لقيت من ضربان العرق فقال الملك أن ربك يقول أن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق وذكر ابن أبي الدنيا أن داود قال يارب أخبرني ما أدنى نعمك على فأوحى الله إليه يا داود تنفس فتنفس قال هذا أدنى نعمى عليك * فصل: وبهذا يتبين معنى الحديث الذي رواه أبو داود من حديث زيد ابن ثابت وابن عباس "إن الله لو عذب اهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو عير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" والحديث الذي في الصحيح "لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله عليه". أما قول بعض الفقهاء أن من حلف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد كان بر يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فهذا ليس بحديث عن رسول الله ولا عن أحد من الصحابة وإنما هو إسرائيلى عن آدم وأصح منه الحمد لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ولا يمكن حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم الله فضلا عن موافاته جميع نعمه ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئا للمزيد ولكن يحمل على وجه يصح وهو أن الذي يستحقه الله سبحانه من الحمد حمدا يكون موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده وأن لم يقدر العبد أن يأتي به كما إذا قال الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر وعدد أنفاس الخلائق وعدد ما خلق الله وما هو خالق فهذا أخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد. * (فصل) وقال أبو المليح قال موسى يا رب ما أفضل الشكر؟ قال أن تشكرني على كل حال وقال بكر بن عبد الله قلت لأخ لي أوصنى فقال ما أدرى ما أقول غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار فإن ابن آدم بين نعمة وذنب ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار فأوسعنى علما ما شئت وقال عبد العزيز بن أبي داود رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق على منها فقال لي أتدرى ماذا لله على في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتى ولا طرف لساني ولا على طرف ذكرتى فهانت على قرحته وروى الجريري عن أبي الورد عن الحلاج عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله أتى على رجل وهو يقول: " اللهم إني أسألك تمام النعمة فقال ابن آدم هل تدرى ما تمام النعمة قال يارسول الله دعوت دعوة أرجو بها الخير فقال أن تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة". وقال سهم بن سلمة حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم الله على أول طعامه وحمده على آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام * (فصل) ويدل على فضل الشكر على الصبر أن الله سبحانه يحب أن يسأل العافية وما يسأل شيئا أحب إليه من العافية كما في المسند عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام أبو بكر رضي الله عنه على المنبر ثم قال: "سلوا الله العافية فإنه لم يعط عبدا بعد اليقين خيرا من العافية". وفي حديث آخر إن الناس لم يعطوا في هذه الدنيا شيئا أفضل من العفو والعافية فسلوهما الله عز وجل وقال لعمه العباس يا عم أكثر من الدعاء بالعافية وفي الترمذي قلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله قال سل الله العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت علمني شيئا أسأله الله فقال لي يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة وقال في دعائه يوم الطائف أن لم يكن بك على غضب فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وفي حديث آخر "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة" وهذا السؤال يتضمن العفو عما مضى والعافية في الحال والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها وكان عبد الأعلى التيمى يقول أكثروا من سؤال الله العافية فإن المبتلى وأن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافي الذي لا يأمن البلاء وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كنا من رجال البلاء إنه رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة فما يؤمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة ثم يقول بعد ذلك الحمد لله الذي إن نعد نعمه لا نحصيها وإن ندأب له عملا لا نجزيها وإن نعمر فيها لا نيليها ومر رسول الله برجل يسأل الله الصبر فقال لقد سألت البلاء فاسأل العافية وفي صحيح مسلم أنه عاد رجلا قد هفت أي هزل فصار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال رسول الله سبحانه لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فدعا الله له فشفاه وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال دعاء حفظته من رسول الله لا أدعه: "اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك". وقال شيبان كان الحسن إذا جلس مجلسا يقول لك الحمد بالإسلام ولك الحمد بالقرآن ولك الحمد بالأهل والمال بسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك أعطيتنا فلك الحمد كثيرا كما تنعم كثيرا أعطيت خيرا كثيرا وصرفت شرا كثيرا فلوجهك الجليل الباقي الدايم الحمد. وكان بعض السلف يقول اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة في دين أو دنيا جرت علينا فيما مضى وهي جارية علينا فيما بقي فإنها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد بذلك علينا ولك المن ولك الفضل ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك لا إله إلا أنت. وقال مجاهد إذا كان ابن عمر في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثا اللهم صاحبنا فأفضل علينا عائذ بالله من النار ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاثا وذكر الإمام أحمد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام يا موسى كن يقظان مرتادا لنفسك أخدانا وكل خدن لا يواتيك على مسرتى فلا تصحبه فإنه عدو لك وهو يقسى قلبك وأكثر من ذكري حتى تستوجب الشكر وتستكمل المزيد وقال الحسن خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمني وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض منهم الأعمى والأصم والمبتلى فقال آدم يا رب إلا سويت بين ولدي قال يا آدم إني أريد أن أشكر وفي السنن عنه من قال حين يصبح: "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر إلا أدى شكر ذلك اليوم ومن قال ذلك حين يمسى فقد أدى شكر ليلته" ويذكر عن النبي من ابتلى فصبر وأعطى فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الامن وهم مهتدون ويذكر عنه أنه أوصى رجلا بثلاث فقال أكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه وعليك بالدعاء فإنك لا تدرى متى يستجاب لك وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة ويذكر عنه أنه كان إذا أكل قال: "الحمد لله الذي أطعمني وسقانى وهدانى وكل بلاء حسن أبلانى الحمد لله الرازق ذى القوة المتين اللهم لا تنزع منا صالحا أعطيتنا ولا صالحا رزقتنا واجعلنا لك من الشاكرين" ويذكر عنه أنه إذا أكل قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا" وكان عروة بن الزبير إذا أتى بطعام لم يزل مخمرا حتى يقول هذه الكلمات: "الحمد لله الذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر اللهم ألفتنا نعمتك ونحن بكل شر فأصبحنا وأمسينا بخير نسألك تمامها وشكرها لا خير إلا خيرك ولا إله غيرك إله الصالحين ورب العالمين الحمد لله لا إله إلا الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار". وقال وهب بن منبه رءوس النعم ثلاثة فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمه إلا بها والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به وقدم سعيد الجريري من الحج فجعل يقول: "أنعم الله علينا في سفرنا بكذا وكذا ثم قال تعداد النعم من الشكر" ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح وهو يقول "الحمد لله على نعمه فقال رجل كان مع وهب أي شيء بقي عليك من النعمة تحمد الله عليها فقال له المبتلى ارم ببصرك إلى أهل المدينة فانظر إلى كثرة أهلها أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيرى". ويذكر عن النبي أنه قال: "إذا أنعم الله على عبد نعمة فحمده عندها فقد أدى شكرها" وذكر على بن أبي طالب رضي الله عنه أن بختنصر أتى بدانيال فأمر به فحبس في جب وأضرى أسدين ثم خلى بينهما وبينه ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجده قائما يصلى والأسدان في ناحية الجب لم يعرضا له فقال له ما قلت حين دفع عليك قال قلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره والحمد الله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحيل والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي يكشف عنا ضرنا بعد كربتنا والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة. ويذكر عنه أنه كان إذا نظر في المرآة قال: "الحمد لله الذي أحسن خلْقي وخلُقي وزان مني ما شان من غيري" وقال ابن سيرين: "كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الاسفار فقلت له ولم قال أنظر فما كان في وجهى زين فهو في وجه غيرى شين أحمد الله عليه" وسئل أبو بكر بن أبي مريم ما تمام النعمة قال أن تضع رجلا على الصراط ورجلا في الجنة وقال بكر بن عبد الله: يا ابن آدم إن أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك وقال مقاتل في قوله ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ قال أما الظاهرة فالإسلام وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصي وقال ابن شوذب قال عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه "إن لله على أهل النار منة لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم" وقال أبو سليمان الدارانى جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالا الكرم والسخاء والحلم والرأفة والرحمة والشكر والبر والصبر وقال أبو هريرة رضي الله عنه من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى جميع خلقه تفضيلا فقد أدى شكر تلك النعمة وقال عبد الله بن وهب سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول الشكر يأخذ بجذم الحمد وأصله وفرعه قال ينظر في نعم الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك ليس من هذا شيء إلا فيه نعمه من الله حق على العبد أن يعمل في النعمة التي هي في بدنه لله في طاعته ونعمة أخرى في الرزق وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم عليه به من الرزق بطاعته فمن عمل بهذا كان قد أخذ يجذم الشكر وأصله وفرعه وقال كعب: "ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الأخرى وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقات من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه". وقال الحسن من لا يرى لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو لباس فقد قصر علمه وحضر عذابه وقال الحسن يوما لبكر المزني هات يا أبا عبد الله دعوات لإخوانك فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال والله ما أدرى أي النعمتين أفضل على وعليكم أنعمة المسلك أم نعمة المخرج إذا أخرجه منا قال الحسن إنها لمن نعمة الطعام وقالت عائشة رضي الله عنها ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل بغير أذى ويخرج الاذى إلا وجب عليه الشكر قال الحسن يالها من نعمة تدخل كل لذة وتخرج مسرخا لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الحب فيكتال منه ثم يجرجر قائما فيقول يا ليتنى مثلك ما يشرب حتى يقطع عنه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات يا لها من نعمة وكتب بعض العلماء إلى أخ له أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه فما يدرى أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر وقيل للحسن ها هنا رجل لا يجالس الناس فجاء إليه فسأله عن ذلك فقال إني أمسى وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار من الذنب والشكر لله على النعمة فقال له الحسن أنت عندي يا عبد الله أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه وقال ابن المبارك سمعت عليا بن صالح يقول في قوله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ قال أي من طاعتي. والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل نعمه. وذكر أبن أبي الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانا أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد وأنا العارى الذي كسوته فلك الحمد وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا. وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى طبقه وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه إلا العلم بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرا، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانا علما منه أن العباد لا يتجاوزون ذلك وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر في دينه إلي من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلي من هو دونه. فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلي من هو دونه ونظر في دنياه إلي من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابرا شاكرا. وبهذا الإسناد عن عبد الله ابن عمرو موقوفا عليه أربع خصال من كن فيه بني الله له بيتا في الجنة من كان عصمة أمره لا إله إلا الله وإذا أصابته مصيبه قال إنا لله وإنا إليه راجعون وإذا أعطى شيئا قال الحمد لله وإذا أذنب قال استغفر الله وقال ابن المبارك عن شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ قال لم يأكل شيئا إلا حمد الله عليه ولم يشرب شرابا قط إلا حمد الله عليه ولم يبطش بشيء قط إلا حمد الله عليه فأثنى الله عليه إنه كان عبدا شكورا وقال محمد بن كعب كان نوح إذا أكل قال الحمد لله وإذا شرب قال الحمد لله وإذا لبس قال الحمد لله وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله عبدا شكورا وقال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض الحكماء قال لو لم يعذب الله على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى لشكر نعمته. * (فصل) ولله تبارك وتعالى على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما: أحدهما أمره ونهيه اللذين هما محض حقه عليه. والثاني شكر نعمه التي أنعم بها عليه فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره فمشهد الواجب عليه لا يزال يشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته فإن لم يداركه بذلك هلك وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم وشهوده لتقصيره أعظم وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله وأكثر الديانين لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس. وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحه لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلا عن أن يريدوا فعلها وفضلا عن أن يفعلوها وأقل الناس دينا وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعها وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه في نصرة دينه وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء وقد ذكر أبو عمر وغيره أن الله تعالى أمر ملكا من الملائكة أن يخسف بقرية فقال يا رب أن فيهم فلانا العابد الزاهد قال به فابدأ وأسمعنى صوته إنه لم يتمعر وجهه في يوم قط. * (فصل) وأما شهود النعمة فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو عمل أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله وأدنى نعمه من نعمه تستنفذ عمله فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق الله عليه قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله إليه لو دعانى حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقى عليه فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها ولا يزال مزريا على نفسه ذاما لها وما اقربه من الرحمه إذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله المستعان. * (فصل: في الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين) فنقول كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل منهما وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه وأنواعه ونذكر حقيقة الشكر وماهيته قال في الصحاح الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له واللام أفصح وقوله تعالى ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ يحتمل أن يكون مصدرا كالقعود وأن يكون جميعا كالبرود والكفور والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل واشتكرت السماء اشتد وقع مطرها واشتكر الضرع امتلأ لبنا تقول منه شكرت الناقة بالكسر تشكر شكرا فهى شكرة وشكرت الشجرة تشكر شكرا إذا خرج منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به وبين الشكر الذي هو جزاء الرب الشكور كيف تجد في الجميع معنى الزيادة والنماء ويقال أيضا دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكورا إلا بمجموعها أحدها اعترافه بنعمة الله عليه والثاني الثناء عليه بها والثالث الاستعانة بها على مرضاته وأما قول الناس في الشكر فقالت طائفة هو الاعتراف بنعمه المنعم على وجه الخضوع وقيل الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه إليه فشكر العبد ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه وقيل شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة والقيام بالحدمة وقيل شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقيل الشكر معرفه العجز عن الشكر ويقال الشكر على الشكر أتم من الشكر وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه وذلك التوفيق من أجل النعم عليك تشكر على الشكر ثم تشكره على الشكر إلا ترى نفسك للنعمه أهلا وقيل الشكر استفراغ الطاقه في الطاعه وقيل الشاكر الذي يشكر على الموجود والشكور الذي يشكر على المفقود وقيل الشاكر الذي يشكر على الرفد والشكور الذي يشكر على الرد وقيل الشاكر الذي يشكر على النفع والشكور الذي يشكر على المنع وقيل الشاكر الذي يشكر على العطاء والشكور الذي يشكر على البلاء وقال الجنيد كنت بين يدى السرى ألعب وأنا ابن سبع سنين وبيننا جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي ياغلام ما الشكر فقلت ألا تعصى الله بنعمه فقال يوشك أن يكون حظك من الله لسانك فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التي قالها السرى وقال الشبلي الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم وهذا ليس بجيد بل من تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم وقيل الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقال أبو عثمان شكر العامة على المطعم والملبس وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعانى وحبس السلطان رجلا فأرسل إليه صاحبه أشكر الله فضرب فارسل إليه أشكر الله فجيء بمحبوس مجوسى مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في الرجل المذكور فكان المجوسى يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على راسه حتى يفرغ فكتب إليه صاحبه أشكر الله فقال له إلى متى تقول أشكر الله وأي بلاء فوق هذا؟ فقال ولو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ماذا كنت تصنع فاشكر الله ودخل رجل على سهل ابن عبد الله فقال اللص دخل داري وأخذ متاعى فقال أشكر الله فلو دخل اللص قلبك وهو الشيطان وافسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع؟ وقيل الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه وقيل إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقيل أربعة لا ثمرة لهم مشاورة الاصم ووضع النعمة عند من لا يشكرها والبذر في السباح والسراج في الشمس والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فالقلب للمعرفة والمحبة واللسان للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه وقال الشاعر ؎أفادتكم النعماء مني ثلاثة ∗∗∗ يدى ولساني والضمير المحجبا والشكر أخص بالافعال والحمد أخص بالأقوال وسبب الحمد أعم من سبب الشكر ومتعلق الشكر وما به الشكر أعم مما به الحمد فما يحمد الرب تعالى عليه أعم مما يشكر عليه فانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه ويشكر على نعمه وما يحمد به أخص مما يشكر به فانه يشكر بالقلب واللسان والجوارح ويحمد بالقلب واللسان * فصل: إذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر داخل في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به وإنما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الاغلب عليه والأظهر منه وإلا فحقيقة الشكر إنما يلتئم من الصبر والإرادة والفعل فإن الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر وإذا كان الصبر مأمورا به فأداؤه هو الشكر فإن قيل فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر وإنهما اسمان لمسمى واحد وهذا محال عقلا ولغة وعرفا وقد فرق الله سبحانه بينهما؟ قيل بل هما معنيان متغايران وإنما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما في وجود ماهيته إلى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرا وإذا تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبرا أما الأول فظاهر وأما الثاني إذا تجرد عن الشكر كان كافورا ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخوط فإن قيل بل ها هنا قسم آخر وهو أن لا يكون كفورا ولا شكورا بل صابرا على مضض وكراهة شديدة فلم يأت بحقيقة الشكر ولم يخرج عن ماهية الصبر قيل: كلامنا في الصبر المأمور به الذي هو طاعة لا في الصبر الذي هو تجلد كصبر البهائم وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر فمقامات الإيمان لا تعدم بالتنقل فيها بل تندرج وينطوى الادنى في الاعلى كما يندرج الإيمان في الإحسان وكما يندرج الصبر في مقامات الرضا لا أن الصبر يزول ويندرج الرضا في التفويض ويندرج الخوف والرجاء في الحب لا أنهما يزولان فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء كان محبوبا أو مكروها فالفقر مثلا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة ويتعلق به الشكر لما فيه من النعمة فمن غلب شهود نعمته وتلذذ به واستراح واطمأن إليه عده نعمة يشكر عليها ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى على أن الله سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد ذلك كله ابتلاء فقال ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ وقال إنا جعلنا ما على الأرض زينا لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلى وقدر أجل الخلق وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء فالابتلاء من النعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة وتأتي الأسباب أعظم الابتلائين والصبر على طاعة الله أشق الصبرين كما قال الصحابة رضي الله عنهم ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد يكون أعظم النعمتين وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها فالرب تعالى يبتلي بنعمه وينعم بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل وعن الطعام والشراب أيهما أفضل وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدى إلا بصبر وشكر والمحظور لا يترك إلا بصبر وشكر وأما المقدور الذي يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في الله فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به ويصبر عن الهوى المنهي عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا معافى أو مبتلى وهذه هي مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وللناس فيها ثلاثة أقوال وهي التي حكاها أبو الفرج ابن الجوزي وغيره في عموم الصبر والشكر أيهما أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها والتحقيق أن يقال أفضلهما أتقاهما لله تعالى فإن فرض استوائهما في التقوى استويا في الفضل فإن الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء وإنما فضل بالتقوى كما قال تعالى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وقد قال لا فضل لعربي على عجمي ولا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب والتقوى مبنيه على أصلين الصبر والشكر وكل من الغني والفقير لا بد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل فإن قيل فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟ قيل أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله ولا يصح التفضيل بغير هذا ألبتة فإن الغنى قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغنى في شكره فلا يصح أن يقال هذا بغناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل ولا يصح أن يقال هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ولا بالعكس لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما بل الواجب أن يقال أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين كما قال تعالى في الأثر الإلهي: "ما تقرب إلى عبدي بمثل مداومة ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه" فأي الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل فإن قيل: فقد ثبت عن النبي أنه قال " يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" قيل هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وأن سبقوهم بالدخول فقد يتأخر الغنى والسلطان العادل في الدخول لحسابه فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع كسبق الفقير القفل في المضائق وغيرها ويتأخر صاحب الاحمال بعده فإن قيل فقد قال النبي للفقراء لما شكوا إليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقه: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به فذكروا ذلك للنبي فقال: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" وهذا يدل على ترجيح حال الغنى الشاكر قيل هذا حجة للقول الذي نصرناه وهو أن أفضلهما أكثرهما نوافل فإن استويا استويا وها هنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضه والنافلة وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقه وفضلوهم بذلك فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في الله والصبر على المقدور وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها فإن قيل: إن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردها وقال: "بل اشبع يوما وأجوع يوما" وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهما قالت: "خرج رسول الله من الدنيا ولم يشبع من خبز البر ومات ودرعه مرهونه عند يهودى على طعام أخذه لأهله". وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عبادة بن القعقاع عن أبي زرعه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش النبي عباءة مثنيه فرجعت إلى منزلها فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول الله فقال: "ما هذا؟ فقلت فلانه الأنصاريه دخلت على فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتى حتى قال لي ذلك ثلاث مرات فقال ياعائشة رديه فوالله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضه فرددته" ولم يكن الله سبحانه ليختار لرسوله إلا الأفضل هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها في مرضاة الله ولكان شكره بها فوق شكر جميع العالمين قيل احتج بحال رسول الله كل واحدة من الطائفتين والتحقيق أن الله سبحانه وتعالى جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه وكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين فحصل له من الصبر على الفقراء ما لم يحصل لأحد سواه ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغنى سواه ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك فكان أصبر الخلق في مواطن الصبر وأشكر الخلق في مواطن الشكر وربه تعالى كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين قال تعالى ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ وأجمع المفسرون أن العائل هو الفقير يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر وأعال يعيل إذا صار ذا عيال مثل لبن وأثمر وأثرى إذا صار ذا لبن وثمر وثروة وعال يعول إذا جار ومنه قوله تعالى ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ وقيل المعنى ألا تكثر عيالكم والقول هو الأول لوجوه أحدها: أنه لا يعرف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله وإنما المعروف في ذلك عال يعيل وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا هذا الذي ذكره أهل اللغة قاطبة الثاني: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذي نقلهم عند خوفهم من فقده إلى الواحدة والتسرى بما شاءوا من ملك أيمانهم ولا يحسن هنا التعليل بعدم العيال يوضحه الوجه الثالث أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط في نكاح اليتامى إلي من سواهن من النساء لئلا يقعوا في ظلم أزواجهم اليتامى وجوز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل في القسمة إلى الواحدة أو النوع الذي لا قسمة عليهم في الاستمتاع بهنوهن الإماء فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ذينك القسمين عند خوف العدل فما لكثرة العيال مدخل ها هنا ألبتة يوضحه الوجه الرابع: إنه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم إلى ما شاءوا من كثرة الاماء بلا عدد فإن العيال كما يكونون من الزوجات يكونون من الإماء ولا فرق فإنه لم ينقلهم إلى اماء الاستخدام بل إلى إماء الاستفراش يوضحه الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرا محذورا مكروها للرب تعالى كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء وقد قال النبي: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" فأمر بنكاح الولود ليحصل منها ما يكاثر به الأمم يوم القيامة والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيا شاكرا بعد إن كان فقيرا صابرا فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به أيضا لحالها فإن قيل فقد كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من الشاكرين وقد قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال بينما عائشة في بيتها سمعت صوتا في المدينة فقالت ما هذا فقالوا عير لعبد الرحمن قدمت من الشام تحمل من كل شيء قال وقد كانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله يقول: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال إن استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأحمالها وأقتابها كلها في سبيل الله قيل قد قال الإمام أحمد هذا الحديث كذب منكر قالوا أو عمارة يروى أحاديث مناكير وقال أبو حاتم الرازي عمارة بن زإذان لا يحتج به قال أبو الفرج وقد روى الجراح بن منهال بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي قال له: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض ربك يطلق قدميك" قال أبو عبد الرحمن النسائي هذا حديث موضوع والجراح متروك الحديث وقال يحيى ليس حديث الجراح بشيء وقال ابن المدينى لا يكتب حديثه وقال ابن حبان كان يكذب وقال الدارقطنى متروك فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه البيهقي من حديث أحمد بن على بن إسماعيل بن محمد حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرني خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن رسول الله أنه قال: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميك" قال وما الذي أقرض يا رسول الله قال تتبرأ مما أمسيت فيه قال أمن كله أجمع يا رسول الله قال نعم فخرج وهو يهتم بذلك فأتاه جبريل فقال مر ابن عوف فليضف الضيف وليطعم المساكين وليبدأ بمن يعول وليعط السائل فإذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه". قيل هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله فإن أحد رواته خالد بن يزيد بن أبي مالك قال الإمام أحمد ليس بشيء وقال ابن معين واه وقال النسائي غير ثقة وقال الدارقطنى ضعيف وقال يحيى بن معين لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي قاله الإمام أحمد حدثنا الهذيل بن ميمون عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله: "دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدى قلت ما هذا قال بلال فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذرارى المسلمين ولم ار فيها أحدا أقل من الأغنياء والنساء قيل لي أما الأغنياء فهم في الباب يحاسبون ويمحصون وأما النساء فألهاهن الاحمران الذهب والحرير ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحت بها ثم أتى بأبي بكر فوضع في كفة وجئ بجميع أمتي فوضعوا في كفة فرجح أبو بكر ثم اتى بعمر فوضع في كفة ووضع أمتي في كفة فرجح عمر وعرضت على أمتي رجلا رجلا فجعلوا يمرون واستبطأت عبد الرحمن ابن عوف ثم جاء بعد الاياس فقلت عبد الرحمن فقال بأبي وأمى يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت إني لا أصل إليك إلا بعد المشيبات قلت وما ذاك قال من كثرة مالى أحاسب فأمحص". قيل هذا حديث لا يحتج بإسناده وقد أدخله أبو الفرج هو والذي قبله في كتاب الموضوعات وقال أما عبيد بن زحر فقال يحيى ليس بشيء وعلى بن يزيد متروك وقال ابن حبان عبيد الله يروي الموضوعات عن الاثبات وإذا روى عن على بن يزيد أتى بالطامات وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم ابن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم قال أبو الفرج وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جملة المتزهدين ويرون أن المال مانع من السبق إلى الخير ويقولون إذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفا لأجل ماله كفى ذلك في ذم المال والحديث لا يصح وحاشا عبد الرحمن المشهود له بالجنة أن يمنعه ماله من السبق لان جمع المال مباح وإنما المذموم كسبه من غير وجهه ومنع الحق الواجب فيه وعبد الرحمن منزه عن الحالين وقد خلف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب وخلف الزبير وغيره ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل وكم قاص يتسوف بمثل هذا الحديث يحث على الفقر ويذم الغنى فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول اهـ قلت وقد بالغ في رد هذا الحديث وتجاوز الحد في إدخاله في الأحاديث الموضوعة المختلقة على رسول الله وكأنه استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم عن السبق إليها ودخول الجنة حبوا ورأى ذلك مناقضا لسبقه ومنزلته التي أعدها الله له في الجنة وهذا وهم منه رحمه الله وهب أنه وجد السبيل إلى الطعن في هذين الخبرين أفيجد سبيلا إلى القدح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام " قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفى حديث ابن عمر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا" وفى مسند الإمام أحمد عنه عن النبي: "هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء". وفى جامع الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي أنه قال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا" فهذا الحديث وأمثاله صحيح صريح في سبق فقراء الصحابة إلى الجنة لأغنيائهم وهم في السبق متفاوتون فمنهم من يسبق خمسمائة عام ومنهم من يسبق بأربعين عاما ولا يقدح ذلك في منزلة المتأخرين في الدخول فإنهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم إلى الدخول وأن تأخروا بعدهم للحساب فإن الإمام العادل يوقف للحساب ويسبقه من لم يل شيئا من أمور المسلمين إلى الجنة فإذا دخل الإمام العادل بعده كانت منزلته أعلى من منزلة الفقير بل يكون أقرب الناس من الله منزلة كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي: "أن أحب الناس إلى الله يوم القيامة واقربهم منه مجلسا امام عادل وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر" فالإمام العادل والغنى قد يتأخر دخول كل منهم للحساب ويكون بعد الدخول ارفع منزلة من الفقير السابق ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله حتى يحاسبه عليه ثم يلحق برسول الله وأصحابه غضاضة عليه ولا نقص من مرتبته ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهودا له بالجنة وأما حديث دخوله الجنة زحفا فالأمر كما قال فيه الإمام أحمد رحمه الله إنه كذب منكر وكما قال النسائي إنه موضوع ومقامات عبد الرحمن وجهاده ونفقاته العظيمة وصدقاته تقتضى دخوله مع المارين كالبرق أو كالطرف أو كأجاويد الخيل ولا يدعه يدخلها زحفا. * (فصل) والله سبحانه كما هو خالق الخلق فهو خالق ما به غناهم وفقرهم. فخلق الغنى والفقر ليبتلي بهما عباده أيهم أحسن عملا وجعلهما سببا للطاعة والمعصية والثواب والعقاب قال تعالى ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام وكلها بلاء وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان وقال تعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ كَلاَّ﴾ فأخبر سبحانه أنه يبتلي عبده بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه وأن كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته إكرام من الله لعبده وأن تضييقه عليه اهانة منه له فقال كلا أي ليس الأمر كما يقول الإنسان بل قد أبتلى بنعمتي وأنعم ببلائى وإذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرا للمتأمل وقال تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم وقال تعالى ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فأخبر سبحانه أنه زين الأرض بما عليها من المال وغيره للابتلاء والامتحان كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك وخلق السماوات والأرض لهذا الابتلاء أيضا فهذه ثلاثة مواضع في القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي وما بينهما وأجل العالم وأجل أهله وأسباب معائشهم التي جعلها زينة للأرض من الذهب والفضة والمساكن والملابس والمراكب والزروع والثمار والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أطوع له وارضى فهو الأحسن عملا وهذا هو الحق الذي خلق به وله السماوات والأرض وما بينهما وغايته الثواب والعقاب وفواته وتعطيله هو العبث الذي نزه نفسه عنه وأخبر أنه يتعالى عنه وأن ملكه الحق وتفرده بالإلهية وحده وبربوبية كل شيء ينفى هذا الظن الباطل والحساب الكاذب كما قال تعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ فنزه سبحانه نفسه عن ذلك كما نزهها عن الشريك والولد والصاحبة وسائر العيوب والنقائص من السنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السماوات والأرض وتقدم الشفعاء بين يديه بدون إذنه كما يظنه أعداؤه المشركون يخرجون عن علمه جزئيات العالم أو شيئا منها فكما أن كماله المقدس وكمال أسمائه وصفاته يأبى ذلك ويمنع منه فكذلك يبطل خلقه لعباده عبثا وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يردهم إليه فيثيب محسنهم بإحسانه ومسيئهم باساءته ويعرف المبطلون منهم إنهم كانوا كاذبين ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا أولى بالصدق والحق منهم فمن أنكر ذلك فقد انكر إلهيته وربوبيته وملكه الحق وذلك عين الجحود والكفر به سبحانه كما قال المؤمن لصاحبه الذي حاوره في المعاد وأنكره ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ فأخبر أن إنكاره للمعاد كفر بذات الرب سبحانه وقال تعالى وأن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفى خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وذلك أن إنكار المعادي يتضمن إنكار قدرة الرب وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته والهيته كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم يتضمن ذلك أيضا فمن كذب رسله وجحد المعاد فقد أنكر ربوبيته سبحانه ونفى أن يكون رب العالمين والمقصود أنه سبحانه وتعالى خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به كما في المسند عنه قال: يقول الله تعالى: "إنا نزلنا المال لاقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له ثان لابتغى له ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " فأخبر سبحانه إنه أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه بالصلاة واقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الأنعام فإذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فإن الغرض والحكمة التي أنزل لها كان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذي امتلأ به بما خلق له من الإيمان والعلم والحكمة فانه خلق لان يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه والإيمان به ومحبته وذكره وانزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك فعطل الجاهل بالله وبأمر الله وبتوحيد الله وبأسمائه وصفاته جوفه عما خلق له وملأه بمحبة المال الفانى الذاهب الذي هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس وجمعه والاستكثار منه ومع ذلك فلم يمتلئ بل ازداد فقرا وحرصا إلى أن امتلأ جوفه بالتراب الذي خلق منه فرجع إلى مادته الترابية التي خلق منها هو وماله ولم تتكمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والإيمان الذي بهما كماله وفلاحه وسعادته في معاشه ومعاده فالمال إن لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك إن لم ينفعه ضره فإن هذه الأمور وسائل لمقاصد يتوسل بها إليها في الخير والشر فإن عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها. فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده، وأخسر الناس من توسل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة، فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك لكان خاسرا لكنه جعلها وسائل إلى ضد ما جعلت له فهو بمثابة من توسل بأسباب اللذة إلى أعظم الآلام أدوائها. فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الأسباب معرض عنها الثاني مكب عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها إلى ما يضره ولا ينفعه في معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة في الخسران الرابع متوصل بها إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له إرادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب قالوا والآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس. وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله في الدنيا بحسناته ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها. وأما المؤمن فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة قال هؤلاء فالآية في الكفار بدليل قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح عنه نزلت في أهل القبلة. قال مجاهد هم أهل الرياء. وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا. واختار الفراء هذا القول وقال من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس. وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون مؤمنا ألبتة فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإنما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وإن عملا بمعصيته. فأما من لم يرد بعمله وجه الله وإنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان، وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذي قرأ القرآن ليقال فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال فلان جواد، والغازي الذي قتل في الجهاد ليقال هو جريء. وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مراءٍ كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب. وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن ادريس قال أخبرني عبد الحميد بن صالح حدثنا قطن بن الحباب عن عبد الوارث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله: "إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق فرقة يعبدون الله عز وجل للدنيا وفرقة يعبدون رياء وسمعة وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا بعزتي وجلالي ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك الدنيا فيقول إني لم أقبل من ذلك شيئا إذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدون رياء وسمعة بعزتي وجلالي ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك رياء وسمعة فيقول إني لم أقبل من ذلك شيئا إذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره بعزتي وجلالي ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك وجهك ودارك فيقول صدقتم إذهبوا بهم إلى الجنة" هذا حديث غنى عن الإسناد والقرآن والسنة شاهدان بصدقه ويدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ وذلك على أنها في قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه الله وإنما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا فوفاهم الله ثواب أعمالهم فيها من غير بخس وأفضوا إلى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة إلا كما يقع منه كبائر الأعمال وقوعا عارضا يتوب منه ويراجع التوحيد وقال ابن الأنباري فعلى هذا القول المعنى في قوم من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم به دنياهم غير متفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه فهؤلاء يجعل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا فإذا جاءت الآخرة كان جزاؤهم عليها النار إذا لم يريدوا بها وجه الله ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره ثم أورد صاحب هذا القول على أنفسهم سؤالا قالوا فإن قيل الآية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار؟ وأجابوا عنه بأن ظاهر الآية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الآخرة بل كانت نيته الدنيا فإن الله يبطل إيمانه عند الموافاة فلا يوافى ربه بالإيمان قالوا ويدل عليه قوله ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهذا يتناول أصل الإيمان وفروعه. وأجابت فرقة أخرى بأن الآية لا تقتضى الخلود الأبدي في النار وإنما تقتضى أن الذي يستحقونه في الآخرة النار وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين وهذا هو جواب ابن الأنباري وغيره والآية بحمد الله لا إشكال فيها والله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار وأخبر بحبوط عمله وبطلانه فإذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه فإن كان معه إيمان لم يرد به الدنيا وزينتها بل أراد الله به والدار الآخرة لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة والإيمان إيمانان إيمان يمنع من دخول النار وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله يبتغي بها وجهه وثوابه وإيمان يمنع الخلود في النار وإن كان مع المرائي شيء منه وإلا كان من أهل الخلود فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق وذلك قوله ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ومنه قوله ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا وتجتمع على معنى واحد وهو أن من كانت الدنيا مراده ولها يعمل في غاية سعيه لم يكن له في الآخرة نصيب ومن كانت الآخرة مراده ولها عمل وهي غاية سعيه فهى له بقى أن يقال: فما حكم من يريد الدنيا والآخرة فانه داخل تحت حكم الإرادتين فبأيهما يلحق قيل من ها هنا نشأ الإشكال وظن من ظن من المفسرين أن الآية في حق الكافر فانه هو الذي يريد الدنيا دون الآخرة وهذا غير لازم طردا ولا عكسا فإن بعض الكفار قد يريد الآخرة وبعض المسلمين قد لا يكون مراده إلا الدنيا والله تعالى قد علق السعادة بإرادة الآخرة والشقاوة بإرادة الدنيا فإذا تجردت الإرادتان تجرد موجبهما ومقتضاهما وأن اجتمعتا فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والإيمان والشرك في العبد وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسل ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَة﴾ وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية. والذين أريدوا في هذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله بحفظه وهم من خيار المسلمين ولكن هذه إرادة عارضة حملتهم على ترك المركز والاقبال على كسب الغنائم بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها فهذه الإرادة لون وإرادة هؤلاء لون وها هنا أمر يجب التنبيه له وهو أنه لا يمكن إرادة الدنيا وعاجلها بأعمال البر دون الآخرة مع الإيمان بالله ورسوله ولقائه أبدا فإن الإيمان بالله والدار الآخرة يستلزم إرادة العبد لرحمة الله والدار الآخرة بأعماله فحيث كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الإيمان أبدا وأن جامع الإقرار والعلم فالإيمان وراء ذلك والإقرار والمعرفة حاصلان لمن شهد الله سبحانه له بالكفر مع هذه المعرفة كفرعون وثمود واليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوه كما عرفوا أبناءهم وهم من أكفر الخلق بإرادة الدنيا وعاجلها بالأعمال قد تجامع هذه المعرفة والعلم ولكن الإيمان الذي هو وراء ذلك لا بد أن يريد صاحبه بأعماله الله والدار الآخرة والله المستعان. * (فصل) والمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءا وامتحانا للشكر والصبر، والصدق والكذب والإخلاص والشرك قال تعالى ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فجعل الدنيا عرضا عاجلا ومتاع غرور وجعل الآخرة دار جزاء وثواب وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها كما قال تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة وهو سبعة أشياء النساء اللاتى هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة والبنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده إلى متاع الآخرة وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو نوعان ثواب يتمتعون به وأكبر منه وهو رضوإنه عليهم قال تعالى ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولي البصائر وإنها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا في غير شيء ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ومحبة ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى قال الإمام حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي قال: "مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها". وفى جامع الترمذي من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء قال الترمذي حديث صحيح. وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابة". وفى الترمذي من حديثه قال: "كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما" والحديثان حسنان قال الإمام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا إسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهرانى قال قال عيسى عليه السلام للحواريين بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله. وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق قال أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال قال عيسى ابن مريم عليه السلام يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا. وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يقول بحق أقول لكم أن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس وفى المسند عنه: "إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا وأن قزحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير". * فصل: ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها إنها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة في الآخرة فهذه من جنس المنافسة المأمور بها وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس. * (فصل) ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ والتكاثر في كل شيء فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها * فصل: ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح إن شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله يعجب الزراع وإنما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه كما قال على بن أبي طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك في الثرى أم بمضاجع أمهاتك في البلاء كم رأيت موروثا كم عللت بكفيك عليلا كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء وتستوصف له الأطباء ثم لم تنفعه شفاعتك ولم تسعفه طلبتك مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك ثم التفت إلى المقابر فقال يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسكنت وأما الأموال فقسمت وأما الأزواج فنكحت فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم ثم التفت الينا فقال أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الإطلاق وإلا فهى مبني الآخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الارواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والإنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والاقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم وحقه أفضل من حقهم قالوا والإيمان والطاعة أفضل من جزائه والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل والإيمان والطاعة في هذه الدار أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة فهذا أفضل ما في هذه الدار وهذا أفضل ما في الدار الأخرى ولا يصح أن يقال فأي الأمرين أفضل فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق. * (فصل) ولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبين غايتها ونهايتها وانقلابها في الآخرة إلى عذاب شديد ومغفرة من الله وثواب أمر عباده بالمسابقة والمبادرة إلى ما هو خير وأبقى وأن يؤثروه على الفانى المنقطع المشوب بالانكاد والتنغيص ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات الصالحات وهي الأعمال والأقوال الصالحة التي يبقى ثوابها ويدوم جزاؤها خير ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه وقال تعالى ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ولما أخبر عباده عن آفات هذه الدار دعا عباده إلى دار السلام التي سلمت من التغير والاستحالة والزوال والفناء وعم عباده بالدعوة إليها عدلا وخص من شاء بالهداية إلى طريقها فضلا وأخبر سبحانه أن الأموال والأولاد لا تقرب الخلق إليه وإنما يقربهم إليه تقوى الله ومعاملته فيهم وحذر سبحانه عباده أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكره وأخبر أن من ذلك فعل فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده في الدنيا ونهى نبيه أن يمد عينيه إلى ما متع به أهل الدنيا فيها فتنة لهم واختبارا وأخبر أن رزقه الذي أعده له في الآخرة خير وأبقى من هذا الذي متعوا به وأخبر سبحانه إنه آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما متع به أهل الدنيا في دنياهم وجعل ما آتاه مانعا له من مد عينيه إلى ذلك فهذا العطاء في الدنيا وما ادخر له من رزق الآخرة خير مما متع به أهل الدنيا فلا تمدن عينيك * فصل: وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للإيمان لا يحمل إلا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما في موضعه أفضل فالصبر في مواطن الصبر أفضل والشكر في مواضع الشكر أفضل هذا إن صح مفارقة كل واحد منهما للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما حقيقة مركبة من الأمرين معا كما تقدم بيانه فالتفضيل بينهما لا يصح إلا إذا جرد أحدهما عن الآخر وذلك فرض ذهنى يقدره الذهن ولا يوجد في الخارج ولكن يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذي هو قدر زائد على مجرد الصبر من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر النفس على ما هو فيه لقوة الوارد وضيق المحل فتنصرف قواه كلها إلى كف النفس وحبسها لله وقد يغلب شكره بالأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه لنفسه وحبسها لله فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه واعتبر هذا بشخصين أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل التشكى للمصيبات وذلك جل عمله وآخر كثير الإعطاء لفعل الخير القاصر والمتعدى سمح النفس ببذل المعروف وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس قوتان قوة الصبر والكف وامساك النفس وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على فعل ما تكمل به وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس في ذلك أربع طبقات فأعلاهم من اجتمعت له القوتان وسفلتهم من عدم القوتين، ومنهم من قوة صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس في ذلك، فإذا فضل الشكر على الصبر فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام. وأما أن يكون باعتبار تجريد كل من الأمرين عن الآخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام إيضاح هذا بمسالة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها بابا يخصها ويكشف عن الصواب فيها.
jazairi — أيسر التفاسير
شرح الكلمات: الحمد: الوصف بالجميل، والثناء به على المحمود ذي الفضائل والفواضل، كالمدح والشكر. لله: اللام حرف جر ومعناها الاستحقاق أي أن الله مستحق لجميع المحامد والله علم على ذات الرب تبارك وتعالى. الرب: السيد المالك المصلح المعبود بحق جل جلاله. العالمين: جمع عالم وهو كل ما سوى الله تعالى، كعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الانس وعالم الحيوان، وعالم النبات. معنى الآية: يخبر تعالى أن جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه، إذ هو رب كل شيء وخالقه ومالكه. وأن علينا أن نحمده ونثني عليه بذلك.
katheer — تفسير القرآن العظيم
الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ عَلَى ضَمِّ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الحمدُ لِله﴾ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَرُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ أَنَّهُمَا قَالَا "الحمدَ لِله" بِالنَّصْبِ وَهُوَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، وَقَرَأَ ابْنُ أبي عَبْلَةَ: "الحمدُ لُله" بِضَمِّ الدَّالِ وَاللَّامِ إِتْبَاعًا لِلثَّانِي الْأَوَّلَ وَلَهُ شَوَاهِدُ لَكِنَّهُ شَاذٌّ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: "الحمدِ لِله" بِكَسْرِ الدَّالِّ إِتْبَاعًا لِلْأَوَّلِ الثَّانِيَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشُّكْرُ لِلَّهِ خَالِصًا دُونَ سَائِرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَدُونَ كُلِّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقِهِ، بِمَا أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا الْعَدَدُ، وَلَا يُحِيطُ بِعَدَدِهَا غَيْرُهُ أَحَدٌ، فِي تَصْحِيحِ الْآلَاتِ لِطَاعَتِهِ، وَتَمْكِينِ جَوَارِحِ أَجْسَامِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، مَعَ مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، وغذَّاهم بِهِ مِنْ نَعِيمِ الْعَيْشِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَعَ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ، مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى دَوَامِ الْخُلُودِ فِي دَارِ الْمُقَامِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَلِرَبِّنَا الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا. [وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثَنَاءٌ أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] . قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، "ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الْحُسْنَى [[في جـ، ط، أ، و: "بأسمائه الحسنى وصفاته العلى".]] ، وَقَوْلُهُ: الشُّكْرُ لِلَّهِ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ وَأَيَادِيهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي رَدِّ ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ مَكَانَ [[في جـ: "موضع".]] الْآخَرِ. [وَقَدْ نَقَلَ السُّلَمِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَابْنِ عَطَاءٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ لِابْنِ جَرِيرٍ بِصِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ شُكْرًا [[تفسير القرطبي (١/١٣٤) .]] ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] . وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمَحْمُودِ بِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْمُتَعَدِّيَةِ، وَيَكُونُ بِالْجَنَانِ وَاللِّسَانِ وَالْأَرْكَانِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرُ الْمُحَجَّبَا وَلَكِنَّهُمُ [[في جـ، ط، ب، أ، و: "لكن".]] اخْتَلَفُوا: أَيُّهُمَا أَعَمُّ، الْحَمْدُ أَوِ الشُّكْرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، تَقُولُ: حَمدته لِفُرُوسِيَّتِهِ وَحَمِدْتُهُ لِكَرَمِهِ. وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ عَلَيْهِ [[في جـ، ط، ب، أ، و: "به".]] ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ [[في طـ، ب: "والفعل".]] وَالنِّيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ، لَا يُقَالُ: شَكَرْتُهُ لِفُرُوسِيَّتِهِ، وَتَقُولُ: شَكَرْتُهُ عَلَى كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ. هَذَا حَاصِلُ مَا حَرَّرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّاد الْجَوْهَرِيُّ: الْحَمْدُ نَقِيضُ الذَّمِّ، تقول: حَمِدت الرجل أحمده حمدًا وَمَحْمَدَةً [[في جـ، "حمدا ومجدته" وفي ط: "حمدا فهو حميد".]] ، فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ. وَقَالَ فِي الشُّكْرِ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِمَا أَوْلَاكَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، يُقَالُ: شَكَرْتُهُ، وَشَكَرْتُ لَهُ. وَبِاللَّامِ أَفْصَحُ [[انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة "حمد".]] . [وَأَمَّا الْمَدْحُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْحَيِّ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْجَمَادِ -أَيْضًا-كَمَا يُمْدَحُ الطَّعَامُ وَالْمَالُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ قَبْلَ الْإِحْسَانِ وَبَعْدَهُ، وَعَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَاللَّازِمَةِ أَيْضًا فَهُوَ أَعَمُّ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] . ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي الْحَمْدِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَا الْحَمْدُ لِلَّهِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ [[تفسير ابن أبي حاتم (١/١٤) .]] . وَرَوَاهُ غَيْرُ أَبِي مَعْمَر، عَنْ حَفْصٍ، فَقَالَ: قال عمر لعلي، وأصحابه عنده: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الْحَمْدُ لِلَّهِ؟ قَالَ [[في ط، ب: "فقال".]] عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ أَحَبَّهَا [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، ط.]] لِنَفْسِهِ، وَرَضِيَهَا لِنَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تُقَالَ [[رواه الأشج عن حفص، لكنه خالفه فيه، وصنيع الحافظ هنا يفيد أنه لا مخالفة قال ابن أبي حاتم في تفسيره (١/١٥) : "كذا رواه أبو معمر القطيعي عن حفص، وحدثنا به الأشج فقال: ثنا حفص –وخالفه فيه- فقال فيه: قال عمر لعلي، رضي الله عنهما، وأصحابه عنده: لا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال علي: كلمة أحبها لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال". وكلام الحافظ يفيد أنه لا مخالفة، فلعله اطلع عليه من رواية أخرى أو أنه سقط نظر، والله أعلم.]] . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَان، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَرَوَى -أَيْضًا-هُوَ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ عِمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ هُوَ الشُّكْرُ لِلَّهِ وَالِاسْتِخْذَاءُ لَهُ، وَالْإِقْرَارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وَهِدَايَتِهِ وَابْتِدَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَنَاءُ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رِدَاءُ الرَّحْمَنِ. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكوني، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا قُلْتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ، فَزَادَكَ" [[تفسير الطبري (١/١٣٦) وفي إسناده عيسى بن إبراهيم، قال البخاري: منكر الحديث، وشيخه موسى ضعفه أبو حاتم وغيره، والحكم بن عمير قال فيه أبو حاتم: "روى عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم وهو ذاهب الحديث سمعت أبي يقول ذلك" أ. هـ. مستفادا من حاشية العلامة أحمد شاكر على تفسير الطبري.]] . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا رُوحٌ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي، تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ" [[المسند (٣/٤٣٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٩٥) : "رجاله رجال الصحيح" وهو منقطع، فالحسن لم يسمع من الأسود، رضي الله عنه.]] . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (٧٧٤٥) .]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ" [[سنن الترمذي برقم (٣٣٨٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٠٠) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ" [[سنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٥) من طريق أبي عاصم، عن شبيب بن بشر عن أنس به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٩٢) : "هذا إسناد حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه".]] . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَفِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَكَانَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" [[قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/٢٦٧) : "موضوع"، ورواه ابن عساكر (١٥/٢٧٦/٢) عن أبي المفضل –محمد بن عبد الله بن محمد بن همام بن المطلب الشيباني: حدثني محمد بن عبد الحي بن سويد الحربي الحافظ، نا زريق، نا عمران بن موسى الجنديسابوري –نزيل بردعة- نا سورة بن زهير الغامري –من أهل البصرة- حدثني هشيم عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعا. وهذا موضوع آفته أبو المفضل هذا، قال الخطيب (٥/٤٦٦، ٤٦٧) : "كان يروي غرائب الحديث وسؤالات الشيوخ، فكتب الناس عنه، بانتخاب الدارقطني، ثم بان كذبه، فمزقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بعد يضع الأحاديث للرافضة. قال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: كان يضع الحديث، وكان له سمت ووقار. وقال لي الأزهري: كان أبو المفضل دجالا كاذبا". ورواه ابن عساكر عنه في ترجمة أبي المفضل هذا. ومن بينه وبين هشيم لم أعرفهم غير زريق، والظاهر أنه ابن محمد الكوفي، روى عن حماد بن زيد، قال الذهبي: "ضعفه الأمير ابن ماكولا".]] . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: أَيْ لَكَانَ إِلْهَامُهُ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَكْبَرَ نِعْمَةً عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ ثَوَابَ الْحَمْدِ لَا يَفْنَى وَنَعِيمُ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٦] . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ: "أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَالَ: يَا رَبِّ، لَكَ الْحَمْدُ كما ينبغي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَعَضَلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا، فَصَعَدَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَا يَا رَبِّ، إِنَّ عَبْدًا قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا، قَالَ اللَّهُ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ-: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالَا يَا رَبِّ إِنَّهُ قَدْ قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ. فَقَالَ اللَّهُ لَهُمَا: اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيَهُ بِهَا" [[سنن ابن ماجة برقم (٣٨٠١) من طريق صدقة بن بشير عن قدامة بن إبراهيم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال البوصيري في الزائد (٣/١٩١) : "هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات".]] . وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَوْلُ الْعَبْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَفْضَلُ مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِاشْتِمَالِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى التَّوْحِيدِ مَعَ الْحَمْدِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَعَلَيْهَا يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي السُّنَنِ: "أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث".]] . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ". وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْحَمْدِ لِاسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْحَمْدِ، وَصُنُوفِهِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ" الْحَدِيثَ [[جاء من حديث أبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، أما حديث أبي سعيد، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٤٠٠) من طريق خالد بن يزيد عن ابن أبي ذئب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري. وأما حديث سعد، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٣٩٩) من طريق أبي بلج، عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص.]] . ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَالرَّبُّ هُوَ: الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى السَّيِّدِ، وَعَلَى الْمُتَصَرِّفِ لِلْإِصْلَاحِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. [وَلَا يُسْتَعْمَلُ الرَّبُّ لِغَيْرِ اللَّهِ، بَلْ بِالْإِضَافَةِ تَقُولُ: رَبُّ الدَّارِ رَبُّ كَذَا، وَأَمَّا الرَّبُّ فَلَا يُقَالُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] . وَالْعَالَمِينَ: جَمْعُ عَالَمٍ، [وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] ، وَالْعَالَمُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْعَوَالِمُ أَصْنَافُ الْمَخْلُوقَاتِ [فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] [[زيادة من جـ، ط.]] فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَكُلُّ قَرْنٍ مِنْهَا وَجِيلٍ يُسَمَّى عَالَمًا أَيْضًا. قَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنْ الضحاك، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٢] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ كُلُّهُ، السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ، وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، مِمَّا نَعْلَمُ، وَمَا لَا نَعْلَمُ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَبُّ الْجِنِّ والإنس. وكذلك قال سعيد بن جَبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ [نَحْوَهُ] [[زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.]] . وَقَالَ [[في ط، ب: "قاله".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: بِإِسْنَادٍ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١] وَهُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَعْقِلُ وَهُمُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ: عَالَمٌ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ [[في و: "أبي محيصن العالم".]] كُلُّ مَا لَهُ رُوحٌ يَرْتَزِقُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ -وَهُوَ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَيُعْرَفُ بِالْجَعْدِ وَيُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ -أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ عَالَمٌ وَاحِدٌ وَسَائِرُ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ [[في و: "يعلمهم".]] إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَبُّ الْعَالَمِينَ، كُلُّ صِنْفٍ عَالَمٌ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الْإِنْسُ عَالَمٌ، وَالْجِنُّ عَالَمٌ، وَمَا سِوَى [[في جـ: "وما عدا".]] ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفِ عَالَمٍ، أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفِ عَالَمٍ، هُوَ يَشُكُّ، مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلِلْأَرْضِ أَرْبَعُ زَوَايَا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ عَالَمٍ، وَخَمْسِمِائَةِ عَالَمٍ، خَلْقَهُمُ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ.]] لِعِبَادَتِهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. [وَهَذَا كَلَامٌ غَرِيبٌ يَحْتَاجُ مِثْلُهُ إِلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ] [[زيادة من جـ، ط.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْفُرَاتُ، يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ، عَنْ مُعَتِّبِ [[كذا وقع في النسخ وأصل تفسير ابن أبي حاتم، ووقع في كتب الرجال "مغيث".]] بْنِ سُمَيٍّ، عَنْ تُبَيع، يَعْنِي الْحِمْيَرِيَّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الْعَالَمِينَ أَلْفُ أُمَّةٍ فَسِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ، وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ. [وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ] [[زيادة من جـ، ط.]] . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ الْقَيْسِيُّ، أَبُو عَبَّادٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَلَّ الْجَرَادُ فِي سَنَةٍ مِنْ سِنِي عُمَرَ الَّتِي وَلِيَ فِيهَا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يُخْبَرْ بِشَيْءٍ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ رَاكِبًا يَضْرِبُ إِلَى الْيَمَنِ، وَآخَرَ إِلَى الشَّامِ، وَآخَرَ إِلَى الْعِرَاقِ، يَسْأَلُ: هَلْ رُئِيَ مِنَ الْجَرَادِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَأَتَاهُ الرَّاكِبُ الَّذِي مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ بِقَبْضَةٍ مِنْ جَرَادٍ، فَأَلْقَاهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهَا كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "خَلَقَ اللَّهُ أَلْفَ أُمَّةٍ، سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَهْلِكُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الْجَرَادُ، فَإِذَا هَلَكَ [[في جـ، ط، ب: "هلكت".]] تَتَابَعَتْ مِثْلَ النِّظَامِ إِذَا قُطِعَ سِلْكُهُ" [[ورواه ابن عدي في الكامل (٥/٣٥٢) ، (٦/٢٤٥) والخطيب في تاريخه (١١/٢١٨) من طريق عبيد بن واقد به نحوه. وقال ابن عدي: "قال عمرو بن علي: محمد بن عيسى بصري صاحب محمد بن المنكدر، ضعيف منكر الحديث، روى عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في "الجراد". وقال ابن عدي أيضا: "عبيد بن واقد لا يتابع عليه".]] . مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى هَذَا -وَهُوَ الْهِلَالِيُّ-ضَعِيفٌ. وَحَكَى الْبَغَوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ أَلْفُ عالَم؛ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عالَم؛ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَوَالِمُ ثَمَانُونَ أَلْفًا. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يَعْلَمُ عَدَدَ الْعَوَالِمِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. نَقَلَهُ كُلَّهُ الْبَغَوِيُّ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ؛ الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ مِنْهَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْعَالَمِينَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ وَالْعَالَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلَامَةِ (قُلْتُ) : لِأَنَّهُ عِلْمٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ ... أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
katheer
القراء السبعة على ضم الدال من قوله : ( الحمد لله وهو مبتدأ وخبر . وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا الحمد لله بالنصب وهو على إضمار فعل ، وقرأ ابن أبي عبلة : ( الحمد لله بضم الدال واللام إتباعا للثاني الأول وله شواهد لكنه شاذ ، وعن الحسن وزيد بن علي : الحمد لله بكسر الدال إتباعا للأول الثاني . قال أبو جعفر بن جرير : معنى الحمد لله الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم ذلك عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم ، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا . [ وقال ابن جرير : الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا : الحمد لله ] . قال : وقد قيل : إن قول القائل : ( الحمد لله ، ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى ، وقوله : الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه ، ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر . [ وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية . وقال ابن عباس : الحمد لله كلمة كل شاكر ، وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل : الحمد لله شكرا ] . وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر ؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية ، والشكر لا يكون إلا على المتعدية ، ويكون بالجنان واللسان والأركان ، كما قال الشاعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا ولكنهم اختلفوا : أيهما أعم ، الحمد أو الشكر ؟ على قولين ، والتحقيق أن بينهما عموما وخصوصا ، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه ؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية ، تقول : حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه . وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول ، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه ، لأنه يكون بالقول والعمل والنية ، كما تقدم ، وهو أخص ؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية ، لا يقال : شكرته لفروسيته ، وتقول : شكرته على كرمه وإحسانه إلي . هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين ، والله أعلم . وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري : الحمد نقيض الذم ، تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة ، فهو حميد ومحمود ، والتحميد أبلغ من الحمد ، والحمد أعم من الشكر . وقال في الشكر : هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف ، يقال : شكرته ، وشكرت له . وباللام أفصح . [ وأما المدح فهو أعم من الحمد ؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد - أيضا - كما يمدح الطعام والمال ونحو ذلك ، ويكون قبل الإحسان وبعده ، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم ] . ذكر أقوال السلف في الحمد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو معمر القطيعي ، حدثنا حفص ، عن حجاج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال عمر : قد علمنا سبحان الله ، ولا إله إلا الله ، فما الحمد لله ؟ فقال علي : كلمة رضيها الله لنفسه . ورواه غير أبي معمر ، عن حفص ، فقال : قال عمر لعلي ، وأصحابه عنده : لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، قد عرفناها ، فما الحمد لله ؟ قال علي : كلمة أحبها [ الله ] لنفسه ، ورضيها لنفسه ، وأحب أن تقال . وقال علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، قال : قال ابن عباس : الحمد لله كلمة الشكر ، وإذا قال العبد : الحمد لله ، قال : شكرني عبدي . رواه ابن أبي حاتم . وروى - أيضا - هو وابن جرير ، من حديث بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : أنه قال : الحمد لله هو الشكر لله والاستخذاء له ، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك . وقال كعب الأحبار : الحمد لله ثناء الله . وقال الضحاك : الحمد لله رداء الرحمن . وقد ورد الحديث بنحو ذلك . قال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير ، وكانت له صحبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قلت : الحمد لله رب العالمين ، فقد شكرت الله ، فزادك . وقد روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا روح ، حدثنا عوف ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، قال : قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ، تبارك وتعالى ؟ فقال : أما إن ربك يحب الحمد . ورواه النسائي ، عن علي بن حجر ، عن ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، به . وروى الترمذي ، والنسائي وابن ماجه ، من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير ، عن طلحة بن خراش ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله . وقال الترمذي : حسن غريب . وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنعم الله على عبد نعمة فقال : الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ . وقال القرطبي في تفسيره ، وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال : الحمد لله ، لكان الحمد لله أفضل من ذلك . قال القرطبي وغيره : أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا ؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى ، قال الله تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا [ الكهف : 46 ] . وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم : أن عبدا من عباد الله قال : يا رب ، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها ، فصعدا إلى السماء فقالا يا رب ، إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها ، قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - : ماذا قال عبدي ؟ قالا يا رب إنه قد قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها . وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا : قول العبد : الحمد لله رب العالمين ، أفضل من قول : لا إله إلا الله ؛ لاشتمال " الحمد لله رب العالمين " على التوحيد مع الحمد ، وقال آخرون : لا إله إلا الله أفضل لأنها الفصل بين الإيمان والكفر ، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله كما ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الآخر في السنن : أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وقد تقدم عن جابر مرفوعا : أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله . وحسنه الترمذي . والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد ، وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث : اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله الحديث . رب العالمين والرب هو : المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد ، وعلى المتصرف للإصلاح ، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى . [ ولا يستعمل الرب لغير الله ، بل بالإضافة تقول : رب الدار ، رب كذا ، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل ، وقد قيل : إنه الاسم الأعظم ] . والعالمين : جمع عالم ، [ وهو كل موجود سوى الله عز وجل ] ، والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، والعوالم أصناف المخلوقات [ في السماوات والأرض ] في البر والبحر ، وكل قرن منها وجيل يسمى عالما أيضا . قال بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( الحمد لله رب العالمين ) [ الفاتحة : 2 ] الحمد لله الذي له الخلق كله ، السماوات والأرضون ، ومن فيهن وما بينهن ، مما نعلم ، وما لا نعلم . وفي رواية سعيد بن جبير ، وعكرمة ، عن ابن عباس : رب الجن والإنس . وكذلك قال سعيد بن جبير ، ومجاهد وابن جريج ، وروي عن علي [ نحوه ] . وقال ابن أبي حاتم : بإسناد لا يعتمد عليه . واستدل القرطبي لهذا القول بقوله : ( ليكون للعالمين نذيرا ) [ الفرقان : 1 ] وهم الجن والإنس . وقال الفراء وأبو عبيدة : العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم : عالم ، وعن زيد بن أسلم وأبي عمرو بن العلاء : كل ما له روح يرتزق . وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم - وهو آخر خلفاء بني أمية ويعرف بالجعد ويلقب بالحمار - أنه قال : خلق الله سبعة عشر ألف عالم أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد وسائر ذلك لا يعلمه إلا الله ، عز وجل . وقال قتادة : رب العالمين ، كل صنف عالم . وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى رب العالمين قال : الإنس عالم ، والجن عالم ، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم ، أو أربعة عشر ألف عالم ، هو يشك ، من الملائكة على الأرض ، وللأرض أربع زوايا ، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم ، وخمسمائة عالم ، خلقهم [ الله ] لعبادته . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . [ وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح ] . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الفرات ، يعني ابن الوليد ، عن معتب بن سمي ، عن تبيع ، يعني الحميري ، في قوله : رب العالمين قال : العالمين ألف أمة فستمائة في البحر ، وأربعمائة في البر . [ وحكي مثله عن سعيد بن المسيب ] . وقد روي نحو هذا مرفوعا كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبيد بن واقد القيسي ، أبو عباد ، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان ، حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قل الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها فسأل عنه ، فلم يخبر بشيء ، فاغتم لذلك ، فأرسل راكبا يضرب إلى اليمن ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى العراق ، يسأل : هل رئي من الجراد شيء أم لا ؟ قال : فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد ، فألقاها بين يديه ، فلما رآها كبر ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خلق الله ألف أمة ، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد ، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه . محمد بن عيسى هذا - وهو الهلالي - ضعيف . وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال : لله ألف عالم ؛ ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، وقال وهب بن منبه : لله ثمانية عشر ألف عالم ؛ الدنيا عالم منها . وقال مقاتل : العوالم ثمانون ألفا . وقال كعب الأحبار : لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل . نقله كله البغوي ، وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : إن لله أربعين ألف عالم ؛ الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها ، وقال الزجاج : العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة . قال القرطبي : وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين ، كقوله : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين والعالم مشتق من العلامة ( قلت ) : لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز : فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
makki — الهداية إلى بلوغ النهاية
في وصل ﴿الرَّحِيـمِ﴾ بـ ﴿ٱلْحَمْدُ﴾، عند النحويين ثلاثة أوجه: - أحدها: أن تقول "الرَّحِيْمِ. الحَمْدُ لله" فتكسر الميم وتقف عليها وتقطع ألف الحمد. وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي عن النبي ﷺ روته أم سلمة. - والثاني: أن تقول: "الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لله"، فَتَصِل الألف وتعرب الرحيم بحقه من الإعراب فتكون الكسرة خفضاً، وإن شئت قدرت أنك وقفت على الرحيم بالإسكان، ثم وصلت فكسرت الميم لسكونها وسكون لام الحمد بعدها، ولا يعتد بألف الوصل لسقوطها في درج الكلام. وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة. - والوجه الثالث: حكاه الكسائي سماعاً من العرب، أن تقول: "الرَّحِيمَِ الحَمْدُ" فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر أنك أسكنت الميم للوقف عليها وقطعت ألف الحمد للابتداء بها، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفتها فانفتحت الميم. ولا يقرأ بهذا. وقد ذكر الفراء هذا التقدير في قوله تعالى: ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ﴾ [آ ل عمران: ١-٢] وذكره غيره. وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل "نَسْتَعِينُ" بِـ "اهْدِنَا". والألف الأول من اسم "الله" تحذف من الخط مع اللام، تقول: "لله الحجة، ولله الأمر"، فإن قلت: "بالله أتق"، و "ليس كالله أحد"؛ لم يجز حذف الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف الجر، أنَّ اللام مع الألف يصيران حرفاً واحداً في رأي العين. والألف مع اللام الثانية بمنزلة "قَدْ" لأنهما زيدا معاً للتعريف لا يفترقان. فلو أثبتت الألف مع اللام الأولى، كنت قد فصلتها مع اللام الأولى من اللام الثانية. وقيل: إنما حذفت الألف من الخط مع اللام، لئلا تصير "لا" فتشبه النفي. فإن كانت الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من حروف الجر في الخط نحو قولك: "لألواحك حُسْنٌ، ولألواحِك بياض"، وإنما ذلك، لأن الألف في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز انفصالها من اللام الثانية مع اللام الأولى. * * * قوله: ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. الرب المالك. فمعناه: مالك العالمين. وقيل: الرب السيد. وقيل: المصلح، يقال: "رَبَّه يَرُبُّه رَبّاً" إذا أصلحه. ويقال على التكثير: رَبَّتَهُ وِرَِبَّاهُ ورَبَّبَهُ. فالذين يقولون: "رَبَّتَه" بالتاء، أصله عندهم رَبَّبَهُ ثم أبدلوا من الباء الثالثة "ياء"، كما يقال، تقَضَّيْتُ" في "تَقَضَّضْتُ" ثم أبدلوا من الياء تاء. كما أبدلوا من الواو تاء في "تُراتٍ"، و "تُجاهٍ" و "تولج" وأصله "وولج" على "فوعل، من "ولجت". وبدل التاء من الياء قليل شاذ، وهو في الواو كثير. و ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ جمع عالم. والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل زمان. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قول الله: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. قال: "العالمون ثمانية عشر ألف ملك في نواحي الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك وخمسمائة ملك مع كل ملك منهم عدد الجن والإنس، فبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض".
mawardi — النكت والعيون
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أمّا ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَهو الثَّناءُ عَلى المَحْمُودِ بِجَمِيلِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، والشُّكْرُ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِإنْعامِهِ، فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ، ولَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَحْمِدَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يَشْكُرَها. فَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ، فَهو أنَّ الحَمْدَ لا يُسْتَحَقُّ إلّا عَلى فِعْلٍ (p-٥٤)حَسَنٍ، والمَدْحُ قَدْ يَكُونُ عَلى فِعْلٍ وغَيْرِ فِعْلٍ، فَكُلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ ولَيْسَ كُلُّ مَدْحٍ حَمْدًا، ولِهَذا جازَ أنْ يُمْدَحَ اللَّهُ تَعالى عَلى صِفَتِهِ، بِأنَّهُ عالِمٌ قادِرٌ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُحْمَدَ بِهِ، لِأنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، لا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُمْدَحَ ويُحْمَدَ عَلى صِفَتِهِ، بِأنَّهُ خالِقٌ رازِقٌ لِأنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ لا مِن صِفاتِ ذاتِهِ. وَأمّا قَوْلُهُ: ( رَبِّ ) فَقَدِ اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المالِكِ، كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ أيْ مالِكُها. والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّيِّدِ، لِأنَّ السَّيِّدَ يُسَمّى رَبًّا قالَ تَعالى: ﴿أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يُوسُفَ: ٤١] يَعْنِي سَيِّدَهُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الرَّبَّ المُدَبِّرُ، ومِنهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وهْمُ العُلَماءُ، سُمُّوا رَبّانِيِّينَ، لِقِيامِهِمْ بِتَدْبِيرِ النّاسِ بِعِلْمِهِمْ، وقِيلَ: رَبَّةُ البَيْتِ، لِأنَّها تُدَبِّرُهُ. والقَوْلُ الرّابِعُ: الرَّبُّ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] فَسَمّى ولَدَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً، لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَها. فَعَلى هَذا، أنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ رَبٌّ، لِأنَّهُ مالِكٌ أوْ سَيِّدٌ، فَذَلِكَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، وإنْ قِيلَ: لِأنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ، ومُرَبِّيهِمْ، فَذَلِكَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ، ومَتى أدْخَلْتَ عَلَيْهِ الألِفَ واللّامَ. اخْتَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ، دُونَ عِبادِهِ، وإنْ حُذِفَتا مِنهُ، صارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ. وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿العالَمِينَ﴾ فَهو جَمْعُ عالَمٍ، لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، مِثْلُ: رَهْطٍ وقَوْمٍ، وأهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ قالَ العَجّاجُ: ؎ ... ... ... ∗∗∗ فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذا العالَمِ واخْتُلِفَ في العالَمِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ما يَعْقِلُ: مِنَ المَلائِكَةِ، والإنْسِ، والجِنِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥٥) والثّانِي: أنَّ العالَمَ الدُّنْيا وما فِيها. والثّالِثُ: أنَّ العالَمَ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ. واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِلْمِ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ العالَمَ اسْمًا لِما يَعْقِلُ. والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَلامَةِ، لِأنَّهُ دِلالَةٌ عَلى خالِقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن جَعَلَ العالَمَ اسْمًا لِكُلِّ مَخْلُوقٍ.
mawsua_mathur — موسوعة التفسير المأثور
<h3>﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ - تفسير</h3> <div> <p><span class="item-no">٧٥<span class="dash">-</span></span> عن قتادة، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «<b>الحمد رأس الشكر، فما شكر اللهَ عبدٌ لا يحمده</b>»[[أخرجه عبد الرزاق عن مَعْمَر في جامعه ١٠/٤٢٤ (١٩٥٧٤)، والبيهقي في الشعب ٦/٢٣٠ (٤٠٨٥). قال المناوي في الفتح السماوي ١/١٠٠: «رجاله ثقات، لكنه منقطع بين قتادة وابن عمرو». وقال الألباني في الضعيفة ٣/٥٥٢ (١٣٧٢): «ضعيف».]]. (١/٥٤)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٧٦<span class="dash">-</span></span> عن النواس بن سَمْعان، قال: سُرِقَت ناقة رسول الله ﷺ، فقال: <b>«لَئِن رَدَّها اللهُ عَلَيَّ لأشكرنَّ ربي».</b> فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأةٌ مُسْلِمَة، فوقع في خَلَدِها أن تهرب عليها، فرأت من القوم غفلة، فقعدت عليها، ثم حركتها، فصبَّحت بها المدينة، فلما رآها المسلمون فرحوا بها، ومشوا بجنبها حتى أتَوْا رسولَ الله ﷺ، فلما رآها قال: <b>«الحمد لله</b>». فانتظروا هل يُحْدِثُ رسولُ الله ﷺ صومًا أو صلاة، فظنوا أنه نسي، فقالوا: يا رسول الله، قد كنت قلت: <b>«لئن ردها الله لأشكرن ربي».</b> قال: «<b>ألم أقل: الحمد لله</b>؟!»[[أخرجه الطبراني في الأوسط ٢/١٤ (١٠٧١). قال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن النواس إلا بهذا الإسناد، تفرد به النفيلي». وقال الهيثمي في المجمع ٤/١٨٧ (٦٩٦٠): «فيه عمرو بن واقد القرشي، وقد وثقه محمد بن المبارك الصوري، ورد عليه، وقد ضعفه الأئمة، وترك حديثه». وقال السيوطي: «بسند ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٤/١١٩ (٦٥٤٩): «ضعيف جدًّا».]]. (١/٥٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٧٧<span class="dash">-</span></span> عن الحكم بن عمير -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ: «<b>إذا قلتَ: الحمد لله رب العالمين. فقد شكرت الله، فزادك</b>»[[أخرجه ابن جرير (١/١٣٦). قال السيوطي: «بسند ضعيف».]]. (١/٥٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٧٨<span class="dash">-</span></span> عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل بن سليمان، عن الضحاك- عن النبي ﷺ، قال: «<b>إنّ الله أنزل عَلَيَّ سورةً لم يُنزلها على أحد من الأنبياء والرسل من قبلي».</b> قال النبي ﷺ: <b>«قال الله تعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي؛ فاتحة الكتاب، جعلت نصفها لي ونصفها لهم، وآية بيني وبينهم، فإذا قال العبد: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال الله: عبدي دعاني باسمين رقيقين، أحدهما أرق من الآخر، فالرحيم أرق من الرحمن، وكلاهما رقيقان. فإذا قال: ﴿الحمد لله﴾ قال الله: شكرني عبدني وحمدني. فإذا قال: ﴿رب العالمين﴾ قال الله: شهد عبدي أني رب العالمين».</b> يعني بـ﴿رب العالمين﴾: رب الإنس والجن والملائكة والشياطين وسائر الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء. <b>«فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول: مَجَّدني عبدي. وإذا قال: ﴿ملك يوم الدين﴾».</b> يعني: بـ﴿يوم الدين﴾: يوم الحساب. <b>«قال الله تعالى: شهد عبدي أنه لا مالك ليوم الحساب أحد غيري. وإذا قال: ﴿ملك يوم الدين﴾ فقد أثنى علي عبدي. ﴿إياك نعبد﴾».</b> يعني: الله أعبد وأُوَحِّد. <b>«﴿وإياك نستعين﴾ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، إياي يعبد، فهذه لي، وإياي يستعين، فهذه له، ولعبدي بعد ما سأل [بقية [هذه] السورة]</b>[[في مطبوعة شعب الإيمان (ت: عبد العلي عبد الحميد حامد): «ولعبدي ما سأل. بقية هذه السورة، ﴿اهدنا﴾». وقال المحقق في الحاشية: إن هذه الجملة زيادة من الدر المنثور. يعني: أنه استدركها من الدر المنثور. والدر المنثور (ت: التركي) فيه نقطة بعد كلمة «ما سأل»، وليس فيه كلمة «هذه». ويظهر أن الكلام متصل، كما أثبتنا، والمعنى: ولعبدي ما سأل في بقية هذه السورة. والله أعلم.]]. ﴿اهدنا﴾: أرشدنا، ﴿الصراط المستقيم﴾ يعني: دين الإسلام؛ لأن كل دين غير الإسلام فليس بمستقيم، الذي ليس فيه التوحيد، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ يعني به: النبيين والمؤمنين الذين أنعم الله عليهم بالإسلام والنبوة، ﴿غير المغضوب عليهم﴾ يقول: أرشدنا غير دين هؤلاء الذين غضبت عليهم، وهم اليهود، ﴿ولا الضالين﴾ وهم النصارى؛ أضلهم الله بعد الهدى، فبمعصيتهم غضب الله عليهم فجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ﴿أولئك شر مكانا﴾ في الدنيا والآخرة، يعني: شر منزلًا من النار، ﴿وأضل عن سواء السبيل﴾ [المائدة:٦٠] من المؤمنين. يعني: أضل عن قصد السبيل المَهْدِيِّ من المسلمين، قال النبي ﷺ: <b>«فإذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾. فقولوا: آمين. يجبكم الله».</b> قال النبي ﷺ: <b>«قال لي: يا محمد، هذه نجاتك، ونجاة أمتك، ومن اتبعك على دينك من النار»</b>[[أخرجه البيهقي في الشعب ٤/٣٧ (٢١٤٧). وقال: «قوله: «رقيقان». قيل: هذا تصحيف وقع في الأصل، وإنما هو رفيقان، والرفيق من أسماء الله تعالى». قال المتقي الهندي في كنز العمال ٢/٣٠٠ (٤٠٥٥): «وفي سنده ضعف وانقطاع، ويظهر لي أن فيه ألفاظًا مدرجة من قول ابن عباس». وقد سبق ذكره مختصرًا برقم ٥٦.]]. (١/٤٢)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٧٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طرق- قال: ﴿الحمد لله﴾ كلمة الشكر، إذا قال العبد: ﴿الحمد لله﴾ قال الله: شكرني عبدي[[أخرجه ابن جرير ١/١٣٥، ١٣٦، وابن أبي حاتم ١/٢٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١/٥٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span>، قال: الحمد لله هو الشكر، والاستِخْذاءُ لله[[استخذيت: خضعت. فالاستِخْذاءُ لله: الخُضُوعُ له. ينظر: لسان العرب (خذا).]]، والإقرار بنعمته، وهدايته، وابتدائه وغير ذلك[[أخرجه ابن جرير ١/١٣٥، ١٣٦، وابن أبي حاتم ١/٢٦.]]. (١/٥٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨١<span class="dash">-</span></span> عن ابن عباس، قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله، ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال <span class="name-1">علي [بن أبي طالب]</span>: كلمة رضيها الله لنفسه، وأحبَّ أن تُقال[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٧.]]. (١/٥٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">كعب الأحبار</span> -من طريق السَّلُولي- قال: ﴿الحمد لله﴾ ثناء على الله[[أخرجه ابن جرير ١/١٣٦، وابن أبي حاتم ١/٢٦.]]. (١/٥٧)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٣<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان</span>: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾، يعني: الشكر لله[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٦.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٤<span class="dash">-</span></span> عن محمد بن حرب، قال: قال <span class="name-3">سفيان الثوري</span>: حمدُ الله ذِكْر وشُكْر، وليس شيء يكون ذِكْرًا وشُكْرًا غيره[[أخرجه البيهقي في الشعب (٤٤٥٧). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.]]<span class=comment-ref>١٤</span>. (١/٦٣)</p> </div> <div><span class=comment-ref>١٤</span> <span class="comment-type-3">رجَّح</span> <u>ابنُ جرير</u> (١/١٣٥-١٣٦) أنّ الحمد والشكر بمعنًى واحد <span class="mustanad">استنادًا إلى لغة العرب</span>؛ لأن الحمدَ لله قد يُنطَق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يُوضَع موضع الحمد؛ لأنّ ذلك لو لم يكن كذلك لَما جاز أن يقال: «الحمد لله شكرًا»، فيخرج من قول القائل «الحمد لله» مصدر «أشكر»، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد كان خطأً أن يصدر من الحمد غير معناه وغير لفظه. <span class="comment-type-3">ورجَّح</span> <u>ابنُ عطية</u> (١/٧١) أنّ الحمدَ أعمُّ من الشكر. ثم <span class="comment-type-2">انتقد</span> <u>ابنَ جرير</u> (١/٧١، ٧٢) في جَعْلِهما بمعنًى واحد، فقال: «وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنًى واحد، وذلك غير مرضيٌّ، وحُكِي عن بعض الناس أنه قال: الشكر ثناء على الله بأفعاله وإنعامه. والحمد ثناء بأوصافه، ... وهذا أصح معنًى من أنهما بمعنى واحد، واستدل الطبري على أنهما بمعنًى بصحة قولك:»الحمد لله شكرًا«، وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه، لأن قولك: شكرًا، إنما خصصت به الحمد أنه على نعمة من النعم». و<span class="comment-type-2">انتقده</span> <u>ابنُ كثير</u> (١/٢٠٢) كذلك بقوله: «وهذا الذي ادَّعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان ... ولكنَّهم اختلفوا أيهما أعم، الحمد أو الشكر؟ على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حَمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان به؛ لأنه يكون بالقول والعمل والنية، كما تقدم، وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال: شكرته لفروسيته، وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليّ، هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين».</div> <h3>﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ - تفسير</h3> <div> <p><span class="item-no">٨٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">أُبَيّ بن كعب</span> -من طريق شَهْر بن حَوْشَب- قال: العالمون: الملائكة. وهم ثمانية عشر ألف مَلَك، منهم أربعة آلاف وخمسمائة مَلَك بالمشرق، ومثلها بالمغرب، ومثلها بالكتف الثالث من الدنيا، ومثلها بالكتف الرابع من الدنيا، مع كل مَلَك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله[[أخرجه الثعلبي ١/١١١.]]. (١/٦٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٦<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، قال: الجن والإنس[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٥، وابن أبي حاتم ١/٢٨ (١٨)، والحاكم ٢/٢٥٨. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. كما أخرجه ابن جرير ١/١٤٥ من طريق عكرمة.]]. (١/٦٤)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">علي بن أبي طالب</span>، مثله[[علّقه ابن أبي حاتم ١/٢٨ (عقب ١٨).]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٨<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-1">عبد الله بن عباس</span> -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: قال جبريل لمحمد: يا محمد، قل: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾. قال ابن عباس: يقول: قل: الحمد لله الذي له الخلق كله، السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن وما بينهن، مما يعلم ومما لا يعلم. يقول: اعلم يا محمد أنّ ربك هذا لا يشبهه شيء[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٥، وابن أبي حاتم ١/٢٧ (١٤).]]. (١/٦٤)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٨٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">كعب الأحبار</span> أنّه قال: لا يُحْصِي عددَ العالمين إلا اللهُ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا یَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ﴾ [المدثر:٣١][[تفسير البغوي ١/٥٣.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">تُبَيْع الحِمْيَرِيّ</span> -من طريق مُعَتِّبِ بنِ سُمَيٍّ- قال: العالمون ألف أمة؛ فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٧ (١٦)، وأبو الشيخ (٩٤٩).]]. (١/٦٦)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩١<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">أبي العالية رفيع بن مهران</span> -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، قال: الإنس عالَم، والجن عالَم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالَم من الملائكة، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالَم وخمسمائة عالَم خلقهم لعبادته[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٧، وابن أبي حاتم ١/٢٧ (١٥).]]<span class=comment-ref>١٥</span>. (١/٦٦)</p> </div> <div><span class=comment-ref>١٥</span> <span class="comment-type-2">انتَقَد</span> <u>ابنُ كثير</u> (١/٢٠٨) هذا الأثر بقوله: «وهذا كلام غريب، يحتاج مثله إلى دليل صحيح».</div> <div> <p><span class="item-no">٩٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">سعيد بن جبير</span> -من طريق عطاء بن السائب- قال: الجن والإنس[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٦.]]. (١/٦٤)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٣<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">سعيد بن جبير</span> -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿رب العالمين﴾، قال: ابن آدم، والجن، والإنس كل أمة منهم عالَم على حِدَته[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٦.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span>= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٥<span class="dash">-</span></span> و<span class="name-2">الحسن البصري</span>= (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٦<span class="dash">-</span></span> و<span class="name-2">قتادة بن دعامة</span>: أنهم جميع المخلوقات[[تفسير البغوي ١/٥٢.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٧<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">مجاهد بن جبر</span> -من طريق سفيان- في قوله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، قال: الجن، والإنس[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٦. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١/٢٨ (بعد ١٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٦٤)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٨<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">الحسن البصري</span> -من طريق عَبّاد بن منصور- في قوله: ﴿العالمين﴾، قال: الناس كلهم[[أخرجه ابن أبي حاتم ٨/٢٦٦٠ (١٤٩٥٦).]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">٩٩<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">وهب بن مُنَبِّه</span>، قال: إن لله ﷿ ثمانية عشر ألف عالَم، الدنيا منها عالَم واحد[[أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٥٠) من طريق عبد المنعم عن أبيه، وأبو نعيم في الحلية ٤/٧٠ من طريق أبي سنان.]]. (١/٦٥)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٠<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">قتادة بن دعامة</span> -من طريق سعيد- في قوله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، قال: كل صنف عالَم[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٦.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠١<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">قتادة بن دعامة</span> -من طريق مَطَر الوَرّاق- في قول الله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، قال: ما وصَفَ من خلقه[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٧ (١٧).]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٢<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-2">إسماعيل السُّدِّيّ</span>: ﴿ليكون للعالمين﴾ [الفرقان:١]، يعني: الإنس، والجن[[علَّقه يحيى بن سلام ١/٤٦٨.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٣<span class="dash">-</span></span> قال <span class="name-3">مقاتل بن سليمان</span>: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، يعني: الجن، والإنس. مثلُ قوله: ﴿ليكون للعالمين نذيرا﴾ [الفرقان:١][[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٣٦.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٤<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">مقاتل بن حيان</span>، أنّه قال: لله ثمانون ألف عالَم؛ أربعون ألفًا في البحر، وأربعون ألفًا في البر[[تفسير البغوي ١/٥٢.]]. (ز)</p> </div> <div> <p><span class="item-no">١٠٥<span class="dash">-</span></span> عن <span class="name-3">عبد الملك ابن جُرَيْج</span> -من طريق حجاج- في قوله: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، قال: الجن، والإنس[[أخرجه ابن جرير ١/١٤٧.]]<span class=comment-ref>١٦</span>. (ز)</p> </div> <div><span class=comment-ref>١٦</span> <span class="comment-type-3">رَجَّحَ</span> <u>ابنُ جرير</u> (١/١٤٤-١٤٥) أن يكون «العالَم» اسمًا لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالَمُ ذلك القرن وذلك الزمان، قال ﵀: «وهذا القول الذي قلناه ... هو معنى قول عامّة المفسرين».</div>
mukhtasar — المختصر في تفسير القرآن الكريم
جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون من سواه، إذ هو رب كل شيء وخالقه ومدبره. و«العالمون» جمع «عالَم» وهم كل ما سوى الله تعالى.
muyassar — التفسير الميسر
الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية. وفي ضمنه أَمْرٌ لعباده أن يحمدوه، فهو المستحق له وحده، وهو سبحانه المنشئ للخلق، القائم بأمورهم، المربي لجميع خلقه بنعمه، ولأوليائه بالإيمان والعمل الصالح.
nasafi — مدارك التنزيل وحقائق التأويل
﴿الحَمْدُ﴾ الوَصْفُ الجَمِيلُ عَلى جِهَةِ التَفْضِيلِ. وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وأصْلُهُ النَصْبُ، وقَدْ قُرِئَ بِإظْهارِ فِعْلِهِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مُضْمَرَةٍ في مَعْنى الإخْبارِ، كَقَوْلِهِمْ: شُكْرًا، وكُفْرًا. والعُدُولُ عَنِ النَصْبِ إلى الرَفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَعْنى واسْتِقْرارِهِ. والخَبَرُ: ﴿لِلَّهِ﴾ اللامُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: واجِبٌ أوْ ثابِتٌ. وقِيلَ: الحَمْدُ والمَدْحُ أخَوانِ، وهو الثَناءُ والنِداءُ عَلى الجَمِيلِ مِن نِعْمَةٍ وغَيْرِها، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَجُلَ عَلى إنْعامِهِ، وحَمِدْتُهُ عَلى شَجاعَتِهِ وحَسَبِهِ. وأمّا الشُكْرُ فَعَلى النِعْمَةِ خاصَّةً، وهو بِالقَلْبِ واللِسانِ والجَوارِحِ، قالَ: ؎ أفادَتْكُمُ النَعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ∗∗∗ يَدِي ولِسانِي والضَمِيرُ المُحْجَبا و"الحَمْدُ" بِاللِسانِ وحْدَهُ، وهو إحْدى شُعَبِ الشُكْرِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "الحَمْدُ رَأْسُ الشُكْرِ، ما شَكَرَ اللهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ". » وجَعَلَهُ رَأْسَ الشُكْرِ، لِأنَّ ذِكْرَ النِعْمَةِ بِاللِسانِ أشْيَعُ لَها مِنَ الِاعْتِقادِ وآدابِ الجَوارِحِ لِخَفاءِ عَمَلِ القَلْبِ، وما في عَمَلِ الجَوارِحِ مِنَ الِاحْتِمالِ. ونَقِيضُ الحَمْدِ: الذَمُّ، ونَقِيضُ الشُكْرِ: الكُفْرانُ. وقِيلَ: المَدْحُ: ثَناءٌ عَلى ما هو لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ كَكَوْنِهِ باقِيًا، قادِرًا، عالِمًا، أبَدِيًّا، أزَلِيًّا. والشُكْرُ: ثَناءٌ عَلى ما هو مِنهُ مِن أوْصافِ الإفْضالِ، والحَمْدُ يَشْمَلُها. والألِفُ واللامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ عِنْدَنا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، ولِذا قُرِنَ بِاسْمِ (p-٣٠)اللهِ، لِأنَّهُ اسْمُ ذاتٍ، فَيَسْتَجْمِعُ صِفاتِ الكَمالِ. وهو بِناءٌ عَلى مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ، وقَدْ حَقَّقَتْهُ في مَواضِعَ. ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَبُّ: المالِكُ، ومِنهُ: قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لِأنَّ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ. تَقُولُ: رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فَهو رَبٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما وُصِفَ بِالعَدْلِ. ولَمْ يُطْلِقُوا الرَبَّ إلّا في اللهِ وحْدَهُ، وهو في العَبِيدِ مَعَ التَقَيُّدِ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يُوسُفُ: ٢٣] ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يُوسُفُ: ٥٠]. وقالَ الواسِطِيُّ: هو الخالِقُ ابْتِداءً، والمُرَبِّي غِذاءً، والغافِرُ انْتِهاءً، وهو اسْمُ اللهِ الأعْظَمِ. والعالَمُ: هو ما عَلِمَ بِهِ الخالِقُ مِنَ الأجْسامِ والجَواهِرِ والأعْراضِ، أوْ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللهِ تَعالى، سُمِّيَ بِهِ، لِأنَّهُ عَلَمٌ عَلى وُجُودِهِ، وإنَّما جُمِعَ بِالواوِ والنُونِ مَعَ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِصِفاتِ العُقَلاءِ، أوْ ما في حُكْمِها مِنَ الأعْلامِ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، وهِيَ: الدَلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ.
qannuji — فتح البيان في مقاصد القرآن
(الحمد لله) هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد التبجيل، وبهذا فارق المدح، وقال الزمخشري إنهما أخوان، والحمد أخص من الشكر مورداً، وأعم منه متعلقاً، وبه صرح في الفائق، لكن الأوفق ما عليه الأكثر أنهما غير مترادفين بل متشابهان معنى أو اشتقاقاً كبيراً، وتعريفه لاستغراق إفراد الحمد، وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو الفرد الكامل، فيكون الحصر ادعائياً، ورجح الزمخشري أن التعريف هنا هو تعريف الجنس لا الإستغراق، وإليه نحا أبو السعود، والصواب ما ذكرناه وعليه الجمهور. وقد جاء في الحديث " اللهم لك الحمد كله " [[ورد أحاديث كثيرة فيها هذا اللفظ ومنها ما أخرجه مسلم 769 - 476.]] قال ابن جرير الحمد ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال قولوا الحمد لله، ثم رجح اتحاد الحمد والشكر مستدلاً على ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر، قال ابن كثير وفيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، انتهى. ولا يخفى أن المرجع في مثل هذا إلى معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين فإن ذلك لا يرد على ابن جرير ولا تقوم به الحجة هذا إذا لم يثبت للحمد حقيقة شرعية فإن ثبتت وجب تقديمها. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد الحمد لله قال الله: شكرني عبدي [[وفي الحديث الطويل لمسلم 395/قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي .... قال الله حمدني عبدي.]]، وروى ابن جرير عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابى في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده " [[الدارقطني 10/ 311.]] وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال: " سرقت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لئن ردها الله عليّ لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال الحمد لله فانتظروا هل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوم أو صلاة فظنوا أنه نسي، فقالوا يا رسول الله كنت قد قلت لئن ردها الله عليّ لأشكرن ربي؛ قال ألم أقل الحمد لله ". وقد ورد في فضل الحمد أحاديث: منها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه البخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال أما إن ربك يحب الحمد [[ضعيف الجامع/2789.]]. وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله) [[صحيح الجامع 1/ 1115 - الأحاديث الصحيحة/1497. ابن حبان/2326.]]. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان الحمد أفضل منها " وأخرج مسلم والنسائي وأحمد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - " الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان " [[صحيح الجامع/3852.]] وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما شيء أحب إلى الله من الحمد "، وفي الباب أحاديث. وأخرج أهل السنن وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " [[ضعيف الجامع/4221.]] وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها " [[صحيح الجامع/1812 - الأحاديث الصحيحة/1651. مسلم 8/ 87 الترمذي 1/ 334 أحمد 3/ 100.]]. وإيثار الرفع على النصب الذي هو الأصل للإيذان بأن ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت؛ وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث متجدد كما تفيده قراءة النصب. (رب العالمين) قال في الصحاح الرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك وقال الزمخشري " الرب " المالك كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه قال القرطبي والرب السيد ومنه قوله تعالى: (اذكرني عند ربك) وفي الحديث " أن تلد الأمة ربتها " [[مسلم 8/من الحديث الجامع عن عمر بن الخطاب بينا نحن جلوس عند رسول الله ... وانظر الأربعين نووية الحديث الأول.]] والرب المصلح والمدبر والمربي والجابر والقائم قال والرب المعبود. والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لما يعلم به غلب فيما يعلم به الصانع من المصنوعات، قال أبو السعود وهو الأحق الأظهر أو اسم لكل موجود سوى الله تعالى، قال قتادة فيدخل فيه جميع الخلق، وهو ظاهر كلام الجوهري، وقيل أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن مفضل، وقال ابن عباس العالمون هم الجن والإنس، وقيل اسم جمع عالم بالفتح وليس جمعاً له لأن العالم عام في العقلاء وغيرهم، والعالمين مختص بالعقلاء، والخاص لا يكون جمعاً لما هو أعم منه، قاله ابن مالك وتبعه ابن هشام في توضيحه، وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع، وقال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم أربعة أمم الانس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم لأن هذا الجمع إنما هو جمع ما يعقل، حكاها القرطبي وذكر أدلتها، وقال إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق موجود، دليله قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما) وقيل عنى به الناس فإن كل واحد منهم عالم، وفيه بعد. قال الزجاج: العالم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة وعلى هذا يكون جمعه بالياء والنون تغليباً للعقلاء على غيرهم وعن ابن عباس في الآية قال إنه الخلق كله، السموات كلهن ومن فيهن والأرضين كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ولا يعلم، وفيه دليل على أن رب العالمين جرى مجرى الدليل على وجود الآله القديم وبيان لشمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس، فآثار تربيته عز وجل الفائضة على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آن من آنات الوجود غير متناهية فسبحانه ما أعظم شأنه لا تلاحظه العيون بأنظارها، ولا تطالعه العقول بأفكارها شأنه لا يضاهى، وإحسانه لا يتناهى، ونحن في معرفته حائرون، وفي إقامة مراسم شكره قاصرون. وأتى بجمع القلة تنبيهاً على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه تعالى، واختلف في مبلغ عدد العالم على أقوال لم يصح شيء منها، والحق ما قاله سبحانه وتعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو).
qasimi — محاسن التأويل
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢ ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ " الحَمْدُ لِلَّهِ" أيِ الثَّناءُ بِالجَمِيلِ، والمَدْحُ بِالكَمالِ ثابِتٌ لِلَّهِ دُونَ سائِرِ ما يَعْبُدُ مِن دُونِهِ، ودُونِ كُلِّ ما بَرَأ مِن خَلْقِهِ. واللّامُ في "الحَمْدُ" لِلِاسْتِغْراقِ أيِ اسْتِغْراقُ جَمِيعِ أجْناسِ الحَمْدِ وثُبُوتُها لِلَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا وتَمْجِيدًا- كَما في الحَدِيثِ: ««اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ ولَكَ المُلْكُ كُلُّهُ»» . (p-٧)قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ": المُلْكُ والحَمْدُ في حَقِّهِ تَعالى مُتَلازِمانِ. فَكُلُّ ما شَمِلَهُ مُلْكَهُ وقُدْرَتُهُ شَمِلَهُ حَمْدُهُ، فَهو مَحْمُودٌ في مُلْكِهِ، ولَهُ المُلْكُ والقُدْرَةُ مَعَ حَمْدِهِ، فَكَما يَسْتَحِيلُ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ عَنْ مُلْكِهِ وقُدْرَتِهِ، يَسْتَحِيلُ خُرُوجُها عَنْ حَمْدِهِ وحِكْمَتِهِ، ولِهَذا يَحْمَدُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ لِيُنَبِّهَ عِبادَهُ عَلى أنَّ مَصْدَرَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ عَنْ حَمْدِهِ. فَهو مَحْمُودٌ عَلى كُلِّ ما خَلَقَهُ وأمَرَ بِهِ، حَمْدَ شُكْرٍ وعُبُودِيَّةٍ، وحَمْدَ ثَناءٍ ومَدْحٍ، ويَجْمَعُهُما التَّبارُكُ، "فَتَبارَكَ اللَّهُ" يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، ولِهَذا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالحَمْدُ أوْسَعُ الصِّفاتِ وأعَمُّ المَدائِحِ. والطُّرُقُ إلى العِلْمِ بِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والسَّبِيلُ إلى اعْتِبارِهِ في ذَرّاتِ العالَمِ وجُزْئِيّاتِهِ، وتَفاصِيلِ الأمْرِ والنَّهْيِ واسِعَةٌ جِدًّا، لِأنَّ جَمِيعَ أسْمائِهِ، تَبارَكَ وتَعالى حَمْدٌ، وصِفاتُهُ حَمْدٌ، وأفْعالُهُ حَمْدٌ، وأحْكامُهُ حَمْدٌ، وعَدْلُهُ حَمْدٌ، وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ حَمْدٌ، وفَضْلُهُ في إحْسانِهِ إلى أوْلِيائِهِ حَمْدٌ، والخَلْقُ والأمْرُ إنَّما قامَ بِحَمْدِهِ، ووُجِدَ بِحَمْدِهِ، وظَهَرَ بِحَمْدِهِ، وكانَ الغايَةُ هي حَمْدُهُ، فَحَمْدُهُ سَبَبُ ذَلِكَ وغايَتُهُ ومَظْهَرُهُ وحامِلُهُ، فَحَمْدُهُ رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ، وقِيامُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِهِ، وسَرَيانُ حَمْدِهِ في المَوْجُوداتِ، وظُهُورُ آثارِهِ فِيهِ أمْرٌ مَشْهُودٌ بِالأبْصارِ والبَصائِرِ -ثُمَّ قالَ-: وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ صِفَةِ عَلْياءَ، واسْمِ حُسْنٍ، وثَناءٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ حَمْدٍ ومَدْحٍ وتَسْبِيحٍ وتَنْزِيهٍ وتَقْدِيسٍ وجَلالٍ وإكْرامٍ فَهو لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأتَمِّها وأدْوَمِها؛ وجَمِيعُ ما يُوصَفُ بِهِ، ويُذْكَرُ بِهِ، ويُخْبَرُ عَنْهُ بِهِ فَهو مَحامِدُ لَهُ وثَناءٌ وتَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ، فَسُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ لا يُحْصِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ثَناءً عَلَيْهِ. اهـ. " رَبِّ العالَمِينَ" الرَّبُّ يُطْلَقُ عَلى السَّيِّدِ المُطاعِ وعَلى المُصْلِحِ وعَلى المالِكِ -تَقُولُ: رَبَّهُ يَرُبُّهُ فَهو رَبٌّ كَما تَقُولُ: نَمَّ عَلَيْهِ يَنِمُّ فَهو نَمٌّ -فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٨)مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ، وهي: تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً كَما وُصِفَ بِالعَدْلِ، والرَّبُّ - بِاللّامِ - لا يُقالُ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وهو في غَيْرِهِ عَلى التَّقْيِيدِ بِالإضافَةِ - كَرَبِّ الدّارِ- ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] و"العالَمِينَ" جَمْعُ عالَمٍ وهو: الخَلْقُ كُلُّهُ وكُلُّ صِنْفٍ مِنهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِبَيانِ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأجْناسِ، والتَّعْرِيفُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنها بِأسْرِها.
qortobi
الحمد لله سورة الفاتحة : وفيها أربعة أبواب : [ الباب الأول في فضائلها وأسمائها ] وفيه سبع مسائل الأولى : روى الترمذي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . أخرج مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب : أن أبا سعيد مولى [ عبد الله بن ] عامر بن كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي ; فذكر الحديث . قال ابن عبد البر : أبو سعيد لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل المدينة ، روايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل ; وقد روى هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه أيضا رواه عنه حفص بن عاصم ، وعبيد بن حنين . قلت : كذا قال في ( التمهيد ) : لا يوقف له على اسم . وذكر في كتاب الصحابة الاختلاف في اسمه . والحديث خرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلي ; فقال : ( ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) - ثم قال لي - ( إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟ قال : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته . قال ابن عبد البر وغيره : أبو سعيد بن المعلى من جلة الأنصار ، وسادات الأنصار ، تفرد به البخاري ، واسمه رافع ، ويقال : الحارث بن نفيع بن المعلى ، ويقال : أوس بن المعلى ، ويقال : أبو سعيد بن أوس بن المعلى ; توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين سنة ، وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت ، وسيأتي . وقد أسند حديث أبي يزيد بن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي ; فذكر الحديث بمعناه . وذكر ابن الأنباري في كتاب الرد له : حدثني أبو عبيد الله الوراق حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال : إن إبليس - لعنه الله - رن أربع رنات : حين لعن ، وحين أهبط من الجنة ، وحين بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، وحين أنزلت فاتحة الكتاب ، وأنزلت بالمدينة . الثانية : اختلف العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض ، وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض ، فقال قوم : لا فضل لبعض على بعض ، لأن الكل كلام الله ، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها . ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري ، والقاضي أبو بكر بن الطيب ، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي ، وجماعة من الفقهاء . وروي معناه عن مالك . قال يحيى بن يحيى : تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها . وقال عن مالك في قول الله تعالى : نأت بخير منها أو مثلها قال : محكمة مكان منسوخة . وروى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك . واحتج هؤلاء بأن قالوا : إن الأفضل يشعر بنقص المفضول ، والذاتية في الكل واحدة ، وهي كلام الله ، وكلام الله تعالى لا نقص فيه . قال البستي : ومعنى هذه اللفظة ( ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ) : أن الله تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن ، إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم ، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه ، وهو فضل منه لهذه الأمة . قال ومعنى قوله : ( أعظم سورة ) أراد به في الأجر ، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض . وقال قوم بالتفضيل ، وأن ما تضمنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في تبت يدا أبي لهب وما كان مثلها . والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها ، لا من حيث الصفة ، وهذا هو الحق . وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين ، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار ، لحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث أبي بن كعب أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبي أي آية معك في كتاب الله أعظم ) قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . قال : فضرب في صدري وقال : ( ليهنك العلم أبا المنذر ) أخرجه البخاري ومسلم . قال ابن الحصار : عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص . وقال ابن العربي : قوله : " ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها " وسكت عن سائر الكتب ، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها ، لأن هذه المذكورة أفضلها ، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل ، صار أفضل الكل . كقولك : زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس . وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها ، حتى قيل : إن جميع القرآن فيها . وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن . ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده ، ولا تصح القربة إلا بها ، ولا يلحق عمل بثوابها ، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم ، كما صارت قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ، إذ القرآن توحيد وأحكام ووعظ ، و قل هو الله أحد فيها التوحيد كله ، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لأبي . ( أي آية في القرآن أعظم ) قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله : أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له أفضل الذكر ; لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد ، والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير ، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى . الثالثة : روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب ، وآية الكرسي ، و شهد الله أنه لا إله إلا هو ، و قل اللهم مالك الملك ، هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب ) . أسنده أبو عمرو الداني في كتاب ( البيان ) له . الرابعة : في أسمائها ، وهي اثنا عشر اسما : ( الأول ) : الصلاة ، قال الله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) الحديث . وقد تقدم . ( الثاني ) : الحمد ، لأن فيها ذكر الحمد ; كما يقال : سورة الأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ونحوها . ( الثالث ) : فاتحة الكتاب ، من غير خلاف بين العلماء ; وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا ، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا ، وتفتتح بها الصلوات . ( الرابع ) : أم الكتاب ، وفي هذا الاسم خلاف ، جوزه الجمهور ، وكرهه أنس والحسن وابن سيرين . قال الحسن : أم الكتاب الحلال والحرام ، قال الله تعالى : آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . وقال أنس وابن سيرين : أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ . قال الله تعالى : وإنه في أم الكتاب . ( الخامس ) : أم القرآن ، واختلف فيه أيضا ، فجوزه الجمهور ، وكرهه أنس وابن سيرين ; والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين . روى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي البخاري قال : وسميت أم الكتاب لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف ، ويبدأ بقراءتها في الصلاة . وقال يحيى بن يعمر : أم القرى : مكة ، وأم خراسان : مرو ، وأم القرآن : سورة الحمد . وقيل : سميت أم القرآن لأنها أوله ومتضمنة لجميع علومه ، وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض ومنها دحيت ، ومنه سميت الأم أما لأنها أصل النسل ، والأرض أما ، في قول أمية بن أبي الصلت : فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد ويقال لراية الحرب : أم ; لتقدمها واتباع الجيش لها . وأصل أم أمهة ، ولذلك تجمع على أمهات ، قال الله تعالى : وأمهاتكم . ويقال أمات بغير هاء . قال : فرجت الظلام بأماتكا وقيل : إن أمهات في الناس ، وأمات في البهائم ; حكاه ابن فارس في المجمل . ( السادس ) : المثاني ، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة . وقيل : سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها . ( السابع ) : القرآن العظيم ، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن ، وذلك أنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله ، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها ، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى ، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم ; وكفاية أحوال الناكثين ، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين . ( الثامن ) : الشفاء ، روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم . ( التاسع ) : الرقية ، ثبت ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل ، الذي رقى سيد الحي : ( ما أدراك أنها رقية ) فقال : يا رسول الله شيء ألقي في روعي ; الحديث . خرجه الأئمة ، وسيأتي بتمامه . ( العاشر ) : الأساس ، شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة ; فقال : عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب ، سمعت ابن عباس يقول : لكل شيء أساس ، وأساس الدنيا مكة ، لأنها منها دحيت ; وأساس السماوات عريبا ، وهي السماء السابعة ; وأساس الأرض عجيبا ، وهي الأرض السابعة السفلى ; وأساس الجنان جنة عدن ، وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة ; وأساس النار جهنم ، وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات ، وأساس الخلق آدم ، وأساس الأنبياء نوح ; وأساس بني إسرائيل يعقوب ; وأساس الكتب القرآن ; وأساس القرآن الفاتحة ; وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم ; فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى . ( الحادي عشر ) : الوافية ، قاله سفيان بن عيينة ، لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال ، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ، ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ ; ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز . ( الثاني عشر ) : الكافية ، قال يحيى بن أبي كثير : لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها . يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الإسكندراني قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا . الخامسة : قال المهلب : إن موضع الرقية منها إنما هو إياك نعبد وإياك نستعين . وقيل : السورة كلها رقية ، لقوله عليه السلام للرجل لما أخبره : ( وما أدراك أنها رقية ) ولم يقل : أن فيها رقية ; فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية ، لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ، ومتضمنة لجميع علومه ، كما تقدم والله أعلم . السادسة : ليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها بذلك ، قال الله عز وجل : كتابا متشابها مثاني فأطلق على كتابه : مثاني ; لأن الأخبار تثنى فيه . وقد سميت السبع الطول أيضا مثاني ; لأن الفرائض والقصص تثنى فيها . قال ابن عباس : أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني ; قال : السبع الطول . ذكره النسائي ، وهي من " البقرة " إلى " الأعراف " ست ، واختلفوا في السابعة ، فقيل : يونس ، وقيل : الأنفال والتوبة ; وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير . وقال أعشى همدان : فلجوا المسجد وادعوا ربكم وادرسوا هذي المثاني والطول وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الحجر " إن شاء الله تعالى . السابعة : المثاني جمع مثنى ، وهي التي جاءت بعد الأولى ، والطول جمع أطول . وقد سميت الأنفال من المثاني لأنها تتلو الطول في القدر . وقيل : هي التي تزيد آياتها على المفصل وتنقص عن المئين . والمئون : هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية . وفيه عشرون مسألة الأولى : أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات ; إلا ما روي عن حسين الجعفي : أنها ست ; وهذا شاذ . وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل إياك نعبد آية ، وهي على عدة ثماني آيات ; وهذا شاذ . وقوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني ، وقوله : ( قسمت الصلاة ) الحديث ، يرد هذين القولين . وأجمعت الأمة أيضا على أنها من القرآن . فإن قيل : لو كانت قرآنا لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه ، فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن ، كالمعوذتين عنده . فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباري قال : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا سليمان بن الأشعث حدثنا ابن أبي قدامة حدثنا جرير عن الأعمش قال : أظنه عن إبراهيم قال : قيل لعبد الله بن مسعود : لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك ؟ قال لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة . قال أبو بكر : يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها ، فقال : اختصرت بإسقاطها ، ووثقت بحفظ المسلمين لها ، ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة ، إذ كانت تتقدمها في الصلاة . الثانية : اختلفوا أهي مكية أم مدنية ؟ فقال ابن عباس وقتادة وأبو العالية الرياحي - واسمه رفيع - وغيرهم : هي مكية . وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم : هي مدنية . ويقال : نزل نصفها بمكة ، ونصفها بالمدينة . حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي في تفسيره . والأول أصح لقوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم والحجر مكية بإجماع . ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة . وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الحمد لله رب العالمين ; يدل على هذا قوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) . وهذا خبر عن الحكم ، لا عن الابتداء ، والله أعلم . وقد ذكر القاضي ابن الطيب اختلاف الناس في أول ما نزل من القرآن ; فقيل : المدثر ، وقيل : اقرأ ، وقيل : الفاتحة . وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا قالت : معاذ الله ! ما كان الله ليفعل بك ، فوالله إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث . فلما دخل أبو بكر - وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم - ذكرت خديجة حديثه له ، قالت : يا عتيق ، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل . فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده ، فقال : انطلق بنا إلى ورقة ، فقال : ( ومن أخبرك ) . قال : خديجة ، فانطلقا إليه فقصا عليه ; فقال : إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض فقال : لا تفعل ، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني . فلما خلا ناداه : يا محمد ، قل بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين - حتى بلغ ولا الضالين ، قل : لا إله إلا الله . فأتى ورقة فذكر ذلك له ; فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر ، فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى ابن مريم ، وأنك على مثل ناموس موسى ، وأنك نبي مرسل ، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ، وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك . فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة . قال البيهقي رضي الله عنه : هذا منقطع . يعني هذا الحديث ، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعدما نزل عليه اقرأ باسم ربك و ياأيها المدثر . الثالثة : قال ابن عطية : ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل بسورة الحمد ; لما رواه مسلم عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم ، سمع نقيضا من فوقه ، فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك ، فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ; فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ; لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته . قال ابن عطية : وليس كما ظن ، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام تقدم الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلما به وبما ينزل معه ; وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها ; والله أعلم . قلت : الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك . وقد بينا أن نزولها كان بمكة ، نزل بها جبريل عليه السلام ، لقوله تعالى : نزل به الروح الأمين وهذا يقتضي جميع القرآن ، فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة ، ونزل الملك بثوابها بالمدينة . والله أعلم . وقد قيل : إنها مكية مدنية ، نزل بها جبريل مرتين ; حكاه الثعلبي . وما ذكرناه أولى . فإنه جمع بين القرآن والسنة ، ولله الحمد والمنة . الرابعة : قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح ، وإذا ثبت ذلك فحكم المصلي إذا كبر أن يصله بالفاتحة ولا يسكت ، ولا يذكر توجيها ولا تسبيحا ، لحديث عائشة وأنس المتقدمين وغيرهما ، وقد جاءت أحاديث بالتوجيه والتسبيح والسكوت ، قال بها جماعة من العلماء ; فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان إذا افتتحا الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . وبه قال سفيان وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي . وكان الشافعي يقول بالذي روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال : وجهت وجهي الحديث ، ذكره مسلم ، وسيأتي بتمامه في آخر سورة الأنعام ، وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفى إن شاء الله . قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ يقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد واستعمل ذلك أبو هريرة . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة . وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب . الخامسة : واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ; فقال مالك وأصحابه : هي متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة . قال ابن خويز منداد البصري المالكي : لم يختلف قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه . واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية ; فقال مرة : يعيد الصلاة ، وقال مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو ; وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك . قال ابن خويز منداد وقد قيل : إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام . قال ابن عبد البر : الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا منها ، كمن أسقط سجدة سهوا . وهو اختيار ابن القاسم . وقال الحسن البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني : إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة ; لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن ; وهي تامة لقوله عليه السلام : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن وهذا قد قرأ بها . قلت : ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة ، وهو الصحيح على ما يأتي . ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات ، وهذا هو سبب الخلاف والله أعلم . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه ; على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك . وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أقله ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين . وعن محمد بن الحسن أيضا قال : أسوغ الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة ; نحو : الحمد لله ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما . وقال الطبري : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة ، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها . قال ابن عبد البر : وهذا لا معنى له ; لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها ; ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها ، وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها ، كسائر المفروضات المتعينات في العبادات . السادسة : وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعا فالإمام يحمل عنه القراءة ; لإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أنه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا وإن أدركه قائما فإنه يقرأ ، وهي المسألة : السابعة : ولا ينبغي لأحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر ; فإن فعل فقد أساء ; ولا شيء عليه عند مالك وأصحابه . وأما إذا جهر الإمام وهي المسألة : الثامنة : فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك ; لقول الله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي أنازع القرآن ، وقوله في الإمام : إذا قرأ فأنصتوا ، وقوله : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة . وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل : لا تجزئ أحدا صلاة حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة ، إماما كان أو مأموما ، جهر إمامه أو أسر . وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم : يقرأ إذا أسر ولا يقرأ إذا جهر ; كمشهور مذهب مالك . وقال بمصر : فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة قولان : أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه ألا يقرأ ويكتفي بقراءة الإمام . حكاه ابن المنذر . وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب والكوفيون : لا يقرأ المأموم شيئا ، جهر إمامه أو أسر ; لقوله عليه السلام : فقراءة الإمام له قراءة وهذا عام ، ولقول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام . التاسعة : الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر ، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، وقوله : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا . وقال أبو هريرة : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه : ( لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد ) أخرجه أبو داود . كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى ، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها ; وبه قال عبد الله بن عون وأيوب السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداود بن علي ، وروي مثله عن الأوزاعي ; وبه قال مكحول . وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب . وهو قول ابن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي ; فهؤلاء الصحابة بهم القدوة ، وفيهم الأسوة ، كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة . وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال فقال : حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل ، ح ، وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال للذي علمه الصلاة : وافعل ذلك في صلاتك كلها وسيأتي . ومن الحجة في ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال : أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح ; فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس ، وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم ، وأبو نعيم يجهر بالقراءة ; فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن ; فلما انصرف قلت لعبادة : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر ؟ قال : أجل ! صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه ; فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال : هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة ؟ فقال بعضنا : إنا نصنع ذلك ; قال : فلا . وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن . وهذا نص صريح في المأموم . وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق بمعناه ; وقال : حديث حسن . والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ; وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، يرون القراءة خلف الإمام . وأخرجه أيضا الدارقطني وقال : هذا إسناد حسن ، ورجاله كلهم ثقات ; وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن إيلياء ، وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت المقدس . وقال أبو محمد عبد الحق : ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في تاريخه ولا ابن أبي حاتم ; ولا أخرج له البخاري ومسلم شيئا . وقال فيه أبو عمر : مجهول . وذكر الدارقطني عن يزيد بن شريك قال : سألت عمر عن القراءة خلف الإمام ، فأمرني أن أقرأ ، قلت : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا ; قلت : وإن جهرت ؟ قال : وإن جهرت . قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح . وروي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا . قال أبو حاتم : هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الإمام ; وبهذا أفتى أبو هريرة الفارسي أن يقرأ بها في نفسه حين قال له : إني أحيانا أكون وراء الإمام ، ثم استدل بقوله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرءوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين الحديث . العاشرة : أما ما استدل به الأولون بقوله عليه السلام : وإذا قرأ فأنصتوا أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ; وقال : وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا قال الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة ; وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم يذكروها ; منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة . قال الدارقطني : فإجماعهم يدل على وهمه . وقد روي عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي ; ولكن ليس هو بالقوي ، تركه القطان . وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديث أبي هريرة وقال : هذه الزيادة إذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة . وذكر أبو محمد عبد الحق : أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال : هو عندي صحيح . قلت : ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن كانت مما لم يجمعوا عليها . وقد صححها الإمام أحمد بن حنبل وابن المنذر . وأما قوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فإنه نزل بمكة ، وتحريم الكلام في الصلاة نزل بالمدينة - كما قال زيد بن أرقم فلا حجة فيها ; فإن المقصود كان المشركين ، على ما قال سعيد بن المسيب . وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال : عبد الله بن عامر ضعيف . وأما قوله عليه السلام : ( ما لي أنازع القرآن ) فأخرجه مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي ، واسمه فيما قال مالك : عمرو ، وغيره يقول عامر ، وقيل يزيد ، وقيل عمارة ، وقيل عباد ، يكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة ، لم يرو عنه الزهري إلا هذا الحديث الواحد ، وهو ثقة ، وروى عنه محمد بن عمرو وغيره . والمعنى في حديثه : لا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج ، اقرءوا في أنفسكم . يبينه حديث عبادة وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين . فلو فهم المنع جملة من قوله : ( ما لي أنازع القرآن ) لما أفتى بخلافه ، وقول الزهري في حديث ابن أكيمة : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة ، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد بالحمد على ما بينا ; وبالله توفيقنا . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك ، وأبو حنيفة وهو ضعيف ; كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر . أخرجه الدارقطني وقال : رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم ، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب . وأما قول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام ; فرواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله . قال ابن عبد البر : ورواه يحيى بن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ . وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن ; وهو يشهد لصحة ما ذهب إليه ابن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب . وفيه أيضا أنالإمام قراءته لمن خلفه قراءة ; وهذا مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره . الحادية عشرة : قال ابن العربي : لما قال صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال ، أو على الإجزاء ؟ اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر ، ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم ، كان الأقوى من رواية مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت . ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة ; فمن تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود . والله أعلم . الثانية عشرة : ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين ، وأنها وغيرها من آي القرآن سواء . وقد عينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما ذكرناه ; وهو المبين عن الله تعالى مراده في قوله : وأقيموا الصلاة . وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر . فدل هذا الحديث على أن قوله عليه السلام للأعرابي : اقرأ ما تيسر معك من القرآن ما زاد على الفاتحة ، وهو تفسير قوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر منه وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن - زاد في رواية - فصاعدا . وقوله عليه السلام : ( هي خداج - ثلاثا - غير تمام ) أي غير مجزئة بالأدلة المذكورة . والخداج : النقص والفساد . قال الأخفش : خدجت الناقة ; إذا ألقت ولدها لغير تمام ، وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق . والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة ، لأنها صلاة لم تتم ; ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر ، على حسب حكمها . ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ، ولا سبيل إليه من وجه يلزم ، والله أعلم . الثالثة عشرة : روي عن مالك أن القراءة لا تجب في شيء في الصلاة ; وكذلك كان الشافعي يقول بالعراق فيمن نسيها ، ثم رجع عن هذا بمصر فقال : لا تجزئ صلاة من يحسن فاتحة الكتاب إلا بها ، ولا يجزئه أن ينقص حرفا منها ; فإن لم يقرأها أو نقص منها حرفا أعاد صلاته وإن قرأ بغيرها . وهذا هو الصحيح في المسألة . وأما ما روي عن عمر رحمه الله أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها ، فذكر ذلك له فقال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا : حسن ، قال : لا بأس إذا ، فحديث منكر اللفظ منقطع الإسناد ، لأنه يرويه إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر ، ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر ، وكلاهما منقطع لا حجة فيه ; وقد ذكره مالك في الموطأ ، وهو عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه ، لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة ، وقال ليس عليه العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة ; وهو الصحيح عنه . روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد بهم الصلاة . قال ابن عبد البر : وهذا حديث متصل شهده همام من عمر ; روي ذلك من وجوه . وروى أشهب عن مالك قال : سئل مالك عن الذي نسي القراءة ، أيعجبك ما قال عمر ؟ فقال : أنا أنكر أن يكون عمر فعله - وأنكر الحديث - وقال : يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به ! أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا . الرابعة عشرة : أجمع العلماء على أن لا صلاة إلا بقراءة ، على ما تقدم من أصولهم في ذلك . وأجمعوا على أن لا توقيت في ذلك بعد فاتحة الكتاب ، إلا أنهم يستحبون ألا يقرأ مع فاتحة الكتاب إلا سورة واحدة لأنه الأكثر مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال مالك : وسنة القراءة أن يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب . وقال الأوزاعي : يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم القرآن وقرأ بغيرها أجزأه ، وقال : وإن نسي أن يقرأ في ثلاث ركعات أعاد . وقال الثوري : يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، ويسبح في الأخريين إن شاء ، وإن شاء قرأ ، وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت صلاته ، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين . قال ابن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين ، وبه قال النخعي . قال سفيان : فإن لم يقرأ في ثلاث ركعات أعاد الصلاة لأنه لا تجزئه قراءة ركعة . قال : وكذلك إن نسي أن يقرأ ركعة في صلاة الفجر . وقال أبو ثور : لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة ، كقول الشافعي المصري ، وعليه جماعة أصحاب الشافعي . وكذلك قال ابن خويز منداد المالكي ; قال : قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة ، وهذا هو الصحيح في المسألة . روى مسلم عن أبي قتادة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ، ويسمعنا الآية أحيانا ، وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية ، وكذلك في الصبح . وفي رواية : ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ; وهذا نص صريح وحديث صحيح لما ذهب إليه مالك . ونص في تعين الفاتحة في كل ركعة ; خلافا لمن أبى ذلك ، والحجة في السنة لا فيما خالفها . الخامسة عشرة : ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس بواجب ; لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : في كل صلاة قراءة ، فما أسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى منا أخفينا منكم ; فمن قرأ بأم القرآن فقد أجزأت عنه ، ومن زاد فهو أفضل . وفي البخاري : وإن زدت فهو خير . وقد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة ; منهم عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وابن عمر وابن عباس وغيرهم ; قالوا : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن ; فمنهم من حد آيتين ، ومنهم من حد آية ، ومنهم من لم يحد ، وقال : شيء من القرآن معها ; وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن على كل حال مع فاتحة الكتاب ; لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما . وفي المدونة : وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال : حدثني من سمع عمر بن الخطاب يقول : لا تجزئ صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها . واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال : سنة ، فضيلة ، واجبة . السادسة عشرة : من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شيء من القرآن ولا علق منه بشيء ، لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله ، إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الإمام ; فقد روى أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ، فعلمني ما يجزئني منه ; قال : قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ; قال : يا رسول الله ، هذا لله ، فما لي ؟ قال : قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني . السابعة عشرة : فإن عجز عن إصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده ; فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله ; وعليه أبدا أن يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد ، إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله . الثامنة عشرة : من لم يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجميين وغيرهم ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته ; فإن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى . التاسعة عشرة : لا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول الجمهور . وقال أبو حنيفة : تجزئه القراءة بالفارسية وإن أحسن العربية ; لأن المقصود إصابة المعنى . قال ابن المنذر : لا يجزئه ذلك ; لأنه خلاف ما أمر الله به ، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلاف جماعات المسلمين . ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال . الموفية عشرين : من افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة ، فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة ويتصور ذلك بأن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فلا يستأنف الصلاة ; لأنه أدى ما مضى على حسب ما أمر به ; فلا وجه لإبطاله قاله في كتاب ابن سحنون . فيه ثمان مسائل : الأولى : ويسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون " ولا الضالين " : آمين ، ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن . الثانية : ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث . الأولى : تأمين الإمام ، الثانية : تأمين من خلفه ، الثالثة : تأمين الملائكة ، الرابعة : موافقة التأمين ، قيل في الإجابة ، وقيل في الزمن ، وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء ، لقوله عليه السلام : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه . الثالثة : روى أبو داود عن أبي مصبح المقرائي قال : كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة ، فيحدث أحسن الحديث ، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال : اختمه بآمين . فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة . قال أبو زهير ألا أخبركم عن ذلك ، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فأتينا على رجل قد ألح في المسألة ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوجب إن ختم فقال له رجل من القوم : بأي شيء يختم ؟ قال : بآمين فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب فانصرف الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى الرجل فقال له : اختم يا فلان وأبشر . قال ابن عبد البر : أبو زهير النميري اسمه يحيى بن نفير روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم . وقال وهب بن منبه : آمين أربعة أحرف يخلق الله من كل حرف ملكا يقول : اللهم اغفر لكل من قال آمين . وفي الخبر ( لقنني جبريل آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب وقال إنه كالخاتم على الكتاب ) وفي حديث آخر : آمين خاتم رب العالمين . قال الهروي قال أبو بكر : معناه أنه طابع الله على عباده ; لأنه يدفع [ به عنهم ] الآفات والبلايا ; فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ، ويمنع من إفساده وإظهار ما فيه . وفي حديث آخر آمين درجة في الجنة . قال أبو بكر : معناه أنه حرف يكتسب به قائله درجة في الجنة . الرابعة : معنى آمين عند أكثر أهل العلم : اللهم استجب لنا ; وضع موضع الدعاء . وقال قوم : هو اسم من أسماء الله ; روي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح ; قاله ابن العربي . وقيل معنى آمين : كذلك فليكن ; قاله الجوهري . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين ؟ قال : ( رب افعل ) . وقال مقاتل : هو قوة للدعاء ، واستنزال للبركة . وقال الترمذي : معناه لا تخيب رجاءنا . الخامسة : وفي آمين لغتان : المد على وزن فاعيل كياسين . والقصر على وزن يمين . قال الشاعر في المد : يا رب لا تسلبني حبها أبدا ويرحم الله عبدا قال آمينا وقال آخر : آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا وقال آخر في القصر : تباعد مني فطحل إذ سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وتشديد الميم خطأ ; قال الجوهري . وقد روي عن الحسن وجعفر الصادق التشديد ; وهو قول الحسين بن الفضل ; من " أم " إذا قصد ، أي نحن قاصدون نحوك ; ومنه قوله : ولا آمين البيت الحرام . حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري . قال الجوهري : وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف ; لاجتماع الساكنين . وتقول منه : أمن فلان تأمينا . السادسة : اختلف العلماء هل يقولها الإمام وهل يجهر بها ; فذهب الشافعي ومالك في رواية المدنيين إلى ذلك . وقال الكوفيون وبعض المدنيين : لا يجهر بها . وهو قول الطبري ، وبه قال ابن حبيب من علمائنا . وقال ابن بكير : هو مخير . وروى ابن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه ; وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب مالك . وحجتهم حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " فقولوا آمين يجبكم الله وذكر الحديث ، أخرجه مسلم . ومثله حديث سمي عن أبي هريرة ; وأخرجه مالك . والصحيح الأول لحديث وائل بن حجر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال : " آمين " يرفع بها صوته ; أخرجه أبو داود والدارقطني ، وزاد " قال أبو بكر : هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة ، هذا صحيح والذي بعده " . وترجم البخاري " باب جهر الإمام بالتأمين " . وقال عطاء : " آمين " دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة . قال الترمذي : وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها . وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق . وفي الموطأ والصحيحين قال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " آمين " . وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال : ترك الناس آمين ; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : " آمين " حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد . وأما حديث أبي موسى وسمي فمعناهما التعريف بالموضع الذي يقال فيه آمين ; وهو إذا قال الإمام : ولا الضالين ليكون قولهما معا ، ولا يتقدموه بقول : آمين ; لما ذكرناه ، والله أعلم . ولقوله عليه السلام : إذا أمن الإمام فأمنوا . وقال ابن نافع في كتاب ابن الحارث : لا يقولها المأموم إلا أن يسمع الإمام يقول : ولا الضالين . وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل . وقال ابن عبدوس : يتحرى قدر القراءة ويقول : آمين . السابعة : قال أصحاب أبي حنيفة : الإخفاء بآمين أولى من الجهر بها لأنه دعاء ، وقد قال الله تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية . قالوا : والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى : قد أجيبت دعوتكما . قال : كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما الله داعيين . الجواب : أن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء . وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر ، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره ; وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها ; فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه ; وهذا بين . الثامنة : كلمة آمين لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام . ذكر الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن حسان قال حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهو تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون قال أبو عبد الله : معناه أن موسى دعا على فرعون ، وأمن هارون ، فقال الله تبارك اسمه عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله : قد أجيبت دعوتكما ولم يذكر مقالة هارون ; وقال موسى : ربنا ، فكان من هارون التأمين ، فسماه داعيا في تنزيله ، إذ صير ذلك منه دعوة . وقد قيل : إن أمين خاص لهذه الأمة ; لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين أخرجه ابن ماجه من حديث حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . . . ; الحديث . وأخرج أيضا من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما حسدنا أهل الكتاب لأن أولها حمد لله وثناء عليه ثم خضوع له واستكانة ، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم ، ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين . وفيه ست وثلاثون مسألة : الأولى : قوله سبحانه وتعالى : الحمد لله روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي . وروى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحم
qortobi — الجامع لأحكام القرآن
الْأُولَى قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي الْحَمْدُ لِي). وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا). وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهَا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ). وَفِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِحَذَافِيرِهَا بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَكَانَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ (. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِي عَلَى أَثَرِهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَفْضَلَ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا، لِأَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْكَلِمَةَ بَاقِيَةٌ، هِيَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، قَالَ [اللَّهُ تَعَالَى:" وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ [[زيادة عن نوادر الأصول.]]] خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا" [مريم: ٧٦]. وَقِيلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: لَكَانَ مَا أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ. فَصَيَّرَ الْكَلِمَةَ إِعْطَاءً مِنَ العبد، والدنيا أخذا من الله، فهذا فِي التَّدْبِيرِ [[في بعض نسخ الأصل: (في التذكير).]]. كَذَاكَ يَجْرِي فِي الْكَلَامِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ الْعَبْدِ، وَالدُّنْيَا مِنَ اللَّهِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ اللَّهِ فِي الْأَصْلِ، الدُّنْيَا مِنْهُ وَالْكَلِمَةُ مِنْهُ، أَعْطَاهُ الدُّنْيَا فَأَغْنَاهُ، وَأَعْطَاهُ الْكَلِمَةَ فَشَرَّفَهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ: (أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَالَ يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ فَعَضَلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَا يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدَكَ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي قَالَا يَا رَبِّ إِنَّهُ قَدْ قَالَ يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ فَقَالَ اللَّهُ لَهُمَا اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزَيهُ بِهَا (. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَعْضَلَ الْأَمْرُ: اشْتَدَّ وَاسْتَغْلَقَ، وَالْمُعَضِّلَاتُ (بِتَشْدِيدِ الضَّادِ): الشَّدَائِدُ. وَعَضَّلَتِ الْمَرْأَةُ وَالشَّاةُ: إِذَا نَشِبَ وَلَدُهَا فَلَمْ يَسْهُلْ مَخْرَجُهُ، بِتَشْدِيدِ الضَّادِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: أَعْضَلَتِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ عَضَّلَتِ الْمُلْكَيْنِ بِغَيْرِ بَاءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّمَا أَفْضَلُ، قَوْلُ الْعَبْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ فِي ضِمْنِهِ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَوْحِيدٌ وَحَمْدٌ، وَفِي قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدٌ فَقَطْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ، لِأَنَّهَا تَدْفَعُ الْكُفْرَ وَالْإِشْرَاكَ، وَعَلَيْهَا يُقَاتَلُ الْخَلْقُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ: وَالْحَاكِمُ بِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له). الثَّالِثَةُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَحْمُودٌ عَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ، وَأَنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ الْإِيمَانَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ فِعْلُهُ وَخَلْقُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "رَبِّ الْعالَمِينَ". وَالْعَالَمُونَ جُمْلَةُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْإِيمَانُ، لَا كَمَا قَالَ الْقَدَرِيَّةُ: إِنَّهُ خَلْقٌ لَهُمْ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. الرَّابِعَةُ الْحَمْدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ الْكَامِلُ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ مِنَ الْمَحَامِدِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ بِأَجْمَعِهِ إِذْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَا، وَقَدْ جُمِعَ لَفْظُ الْحَمْدِ جَمْعَ الْقِلَّةِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ... بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضَلِ أَحْمُدِي فَالْحَمْدُ نَقِيضُ الذَّمِّ، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ حَمْدًا فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ. وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصال الْمَحْمُودَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ: إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ الشاعر: [[هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.]] فَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَالْمَحْمَدَةُ: خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَأَحْمَدَ الرَّجُلُ: صَارَ أَمْرُهُ إِلَى الْحَمْدِ. وَأَحْمَدْتُهُ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، تَقُولُ: أَتَيْتُ مَوْضِعَ كَذَا فَأَحْمَدْتُهُ، أَيْ صَادَفْتُهُ مَحْمُودًا مُوَافِقًا، وَذَلِكَ إِذَا رَضِيتَ سُكْنَاهُ أَوْ مَرْعَاهُ. وَرَجُلٌ حُمَدَةٌ مِثْلَ هُمَزَةٍ يُكْثِرُ حَمْدَ الْأَشْيَاءِ وَيَقُولُ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا. وَحَمَدَةُ النَّارَ بِالتَّحْرِيكِ: صَوْتُ الْتِهَابِهَا. الْخَامِسَةُ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ سَوَاءً، وَلَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَحَكَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ "الْحَقَائِقِ" لَهُ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَعْنَاهُ الشُّكْرُ لِلَّهِ، إِذْ كَانَ مِنْهُ الِامْتِنَانُ عَلَى تَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ حَتَّى حَمِدْنَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى بِصِحَّةِ قَوْلِكَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ قَوْلَكَ شُكْرًا، إِنَّمَا خَصَصْتَ بِهِ الْحَمْدَ، لِأَنَّهُ عَلَى نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ من الحمد، لأنه باللسان وبالجوارح وَالْقَلْبِ، وَالْحَمْدُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً. وَقِيلَ: الْحَمْدُ أَعَمُّ، لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الشُّكْرِ وَمَعْنَى الْمَدْحِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الشُّكْرِ وَلَا يُوضَعُ الشُّكْرُ مَوْضِعَ الْحَمْدِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ حِينَ عَطَسَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ اللَّهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [[آية ٢٨ سورة المؤمنون.]] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ" [[آية ٣٩ سورة إبراهيم.]]. وَقَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: "وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" [[آية ١٥ سورة النمل.]]. وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً" [[آية ١١١ سورة الاسراء.]]. وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ" [[آية ٣٤ سورة فاطر.]]. "وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" [[آية ١٠ سورة يونس.]]. فَهِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَمْدَ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ بِصِفَاتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ إِحْسَانِ، وَالشُّكْرِ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَشْكُورِ بِمَا أَوْلَى مِنَ الْإِحْسَانِ [[عقب ذلك ابن عطية في تفسيره قوله: فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثنى بالصفات. وبه يتضح كلام المؤلف.]]. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ يَقَعُ عَلَى الثَّنَاءِ وَعَلَى التَّحْمِيدِ وَعَلَى الشُّكْرِ، وَالْجَزَاءُ مَخْصُوصٌ إِنَّمَا يَكُونُ مُكَافَأَةً لِمَنْ أَوْلَاكَ مَعْرُوفًا، فَصَارَ الْحَمْدُ أَعَمَّ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الشُّكْرِ. وَيُذْكَرُ الْحَمْدُ بِمَعْنَى الرِّضَا، يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قول تَعَالَى: "مَقاماً مَحْمُوداً" [[آية ٧٩ سورة الاسراء.]]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ غَسْلَ الْإِحْلِيلِ) أَيْ أَرْضَاهُ لَكُمْ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ فِي قَوْلِهِ "الْحَمْدُ لِلَّهِ": مَنْ حَمِدَهُ بِصِفَاتِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ حمد، لان الحمد جاء وَمِيمٌ وَدَالٌ، فَالْحَاءُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْمِيمُ مِنَ الْمُلْكِ، وَالدَّالُ مِنَ الدَّيْمُومِيَّةِ، فَمَنْ عَرَفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالدَّيْمُومِيَّةِ وَالْمُلْكِ فَقَدْ عَرَفَهُ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي تَفْسِيرِ "الْحَمْدُ لِلَّهِ" قَالَ: هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا إِذَا أَعْطَاكَ اللَّهُ شَيْئًا تَعْرِفُ مَنْ أَعْطَاكَ. وَالثَّانِي أَنْ تَرْضَى بِمَا أَعْطَاكَ. وَالثَّالِثُ مَا دَامَتْ قُوَّتُهُ فِي جَسَدِكَ أَلَّا تعصيه، فهذه شرائط الحمد. السَّادِسَةُ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَمْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِحَمْدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، بَلْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: "فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى " [[آية ٣٢ سورة النجم.]]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (احْثُوَا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ) رَوَاهُ الْمِقْدَادُ. وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٢٤٦]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَمَعْنَى "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أَيْ سَبَقَ الْحَمْدُ مِنِّي لِنَفْسِي أَنْ يَحْمَدَنِي أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَحَمْدِي نَفْسِي لِنَفْسِي فِي الْأَزَلِ لَمْ يَكُنْ بِعِلَّةٍ، وَحَمْدِي الْخَلْقَ مَشُوبٌ بِالْعِلَلِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَيُسْتَقْبَحُ مِنَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَمْ يُعْطَ الْكَمَالَ أَنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ لِيَسْتَجْلِبَ لَهَا الْمَنَافِعَ وَيَدْفَعَ عَنْهَا الْمَضَارَّ. وَقِيلَ: لَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ عَجْزَ عِبَادِهِ عَنْ حَمْدِهِ، حَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فِي الْأَزَلِ، فَاسْتِفْرَاغُ طَوْقِ عِبَادِهِ هُوَ مَحَلُّ الْعَجْزِ عِنْ حَمْدِهِ. أَلَا تَرَى سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ كَيْفَ أَظْهَرَ الْعَجْزَ بِقَوْلِهِ: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ). وَأَنْشَدُوا: إِذَا نَحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِصَالِحٍ ... فَأَنْتَ كَمَا نُثْنِي وَفَوْقَ الَّذِي نُثْنِي وَقِيلَ: حَمِدَ نَفْسَهُ فِي الْأَزَلِ لِمَا عَلِمَ مِنْ كَثْرَةِ نِعَمِهِ على عباده وعجزهم عن الْقِيَامِ بِوَاجِبِ حَمْدِهِ فَحَمِدَ نَفْسَهُ عَنْهُمْ، لِتَكُونَ النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم بِهِ ثِقَلَ الْمِنَّةِ. السَّابِعَةُ وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى رَفْعِ الدَّالِ مِنَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ". وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَرُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِنَصَبِ الدَّالِ، وَهَذَا عَلَى إِضْمَارِ فَعِلَ. وَيُقَالُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَسَبِيلُ الْخَبَرِ أَنْ يُفِيدَ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالرَّفْعِ فَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مِثْلُ مَا فِي قَوْلِكَ: حَمِدْتُ اللَّهَ حَمْدًا، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ لِلَّهِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَحْدَهُ لِلَّهِ. وَقَالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ. إِنَّمَا يُتَكَلَّمُ بِهَذَا تَعَرُّضًا لِعَفْوِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَتَمْجِيدًا، فَهُوَ خِلَافُ مَعْنَى الْخَبَرُ وَفِيهِ مَعْنَى السُّؤَالِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (مَنْ شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ). وَقِيلَ: إِنَّ مَدْحَهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهَا لِيُعَلِّمَ ذَلِكَ عِبَادَهُ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثَنَاءٌ أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجئ قُولُوا إِيَّاكَ. وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْعَرَبِ مَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا ... إِذَا سَارَ النَّوَاعِجُ [[النواعج من الإبل: السراع.]] لَا يَسِيرُ فَقَالَ السَّائِلُونَ لِمَنْ حَفَرْتُمْ ... فَقَالَ الْقَائِلُونَ لَهُمْ وَزِيرُ الْمَعْنَى: الْمَحْفُورُ لَهُ وَزِيرٌ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِضَمِّ الدَّالِ وَاللَّامِ عَلَى إِتْبَاعِ الثَّانِي الْأَوَّلَ، وَلِيَتَجَانَسَ اللَّفْظُ، وَطَلَبُ التَّجَانُسِ فِي اللَّفْظِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ، نَحْوَ: أَجُوءُكَ، وَهُوَ مُنْحَدُرٌ مِنَ الْجَبَلِ، بِضَمِّ الدَّالِ وَالْجِيمِ. قَالَ: اضْرِبِ السَّاقَيْنُ أُمُّكَ هَابِلُ بِضَمِّ النُّونِ لِأَجْلِ ضَمِّ الْهَمْزَةِ. وَفِي قِرَاءَةٍ لِأَهْلِ مَكَّةَ "مُرُدِفِينَ" بِضَمِّ الرَّاءِ إِتْبَاعًا لِلْمِيمِ، وَعَلَى ذَلِكَ "مُقُتِّلِينَ" بِضَمِّ الْقَافِ. وَقَالُوا: لِإِمِّكَ، فَكَسَرُوا الْهَمْزَةَ إِتْبَاعًا لِلَّامِ، وَأُنْشِدَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: وَيَلِ امِّهَا فِي هَوَاءِ الْجَوِّ طَالِبَةً ... وَلَا كَهَذَا الَّذِي فِي الْأَرْضِ مَطْلُوبُ [[وصف عقابا تتبع ذئبا لتصيده. وهذا البيت نسبه سيبويه في كتابه مرة للنعمان (ج ٢ ص ٢٧٢) وأخرى لامرئ القيس (ج ١ ص ٣٥٣). ونسبه البغدادي في خزانة الأدب في الشاهد ٢٦٦ لامرئ القيس أيضا. وقد ورد في ديوانه: لا كالذي في هواء الجو ... وعلى هذا لا شاهد فيه.]] الْأَصْلُ: وَيْلٌ لِأُمِّهَا، فَحُذِفَتِ اللَّامُ الْأُولَى وَاسْتُثْقِلَ ضَمُّ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ فَنَقَلَهَا لِلَّامِ ثُمَّ أَتْبَعَ اللَّامَ الْمِيمَ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِكَسْرِ الدَّالِّ عَلَى اتْبَاعِ الْأَوَّلِ الثَّانِيَ. الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَيْ مَالِكُهُمْ، وَكُلِّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا فَهُوَ رَبُّهُ، فَالرَّبُّ: الْمَالِكُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالرَّبُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يو ... م الحيارين [[الحياران: موضع غزا أهله المنذر بن ماء السماء.]] والبلاء بلاء وَالرَّبُّ: السَّيِّدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [[آية ٤٢ سورة يوسف.]]. وَفِي الْحَدِيثِ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) أَيْ سَيِّدَتَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ). وَالرَّبُّ: الْمُصْلِحُ وَالْمُدَبِّرُ وَالْجَابِرُ وَالْقَائِمُ. قَالَ الْهَرَوِيُّ وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شي وَإِتْمَامِهِ: قَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ فَهُوَ رَبٌّ لَهُ وَرَابٌّ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّبَّانِيُّونَ لِقِيَامِهِمْ بِالْكُتُبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ) أَيْ تَقُومُ بِهَا وَتُصْلِحُهَا. وَالرَّبُّ: الْمَعْبُودُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانِ بِرَأْسِهِ ... لَقَدْ ذُلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ وَيُقَالُ عَلَى التَّكْثِيرِ [[في النحاس: (على التكبير).]]: رَبَّاهُ وَرَبَّبَهُ وَرَبَّتَهُ، حَكَاهُ النَّحَّاسُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَرَبَّ فُلَانٌ وَلَدَهُ يَرُبُّهُ رَبًّا وَرَبَّبَهُ وَتَرَبَّبَهُ بِمَعْنًى أَيْ رَبَّاهُ. وَالْمَرْبُوبُ: الْمُرَبَّى. التَّاسِعَةُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، لِكَثْرَةِ دَعْوَةِ الدَّاعِينَ بِهِ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا فِي آخِرِ "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٣١٣.]] وَسُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" [[راجع ج ٩ ص ٣٦٨.]] وَغَيْرِهِمَا، وَلِمَا يُشْعِرُ به هذا الوصف من الصلاة بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْعَطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَالِافْتِقَارِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [[آية ٢٣ سورة النساء.]]. فَسَمَّى بِنْتَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَهَا. فَعَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ، وَعَلَى أَنَّ الرَّبَّ بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَالسَّيِّدِ يَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ. الْعَاشِرَةُ مَتَى أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى "رَبِّ" اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، لِأَنَّهَا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ حَذَفْنَا مِنْهُ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَيُقَالُ: اللَّهُ رَبُّ الْعِبَادِ، وَزَيْدٌ رَبُّ الدَّارِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ رَبُّ الْأَرْبَابِ، يملك المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورزقه، وَكُلُّ رَبٍّ سِوَاهُ غَيْرُ خَالِقٍ وَلَا رَازِقٍ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ فَمُمَلَّكٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ومنتزع ذلك من يده، وإنما يملك شيئا دون شي، وَصِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، فَهَذَا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين. الحادية عشرة قَوْلُهُ تَعَالَى (الْعالَمِينَ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي "الْعالَمِينَ" اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ، وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مِثْلَ رَهْطٍ وَقَوْمٍ. وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ، قَالَهُ الحسين بن الفضل، لقول تَعَالَى: "أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ" [[سورة الشعراء آية ١٦٥.]] أَيْ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ: فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَألَمِ [[خندف اسم قبيلة من العرب، وذكر العلامة الشنقيطي أن العجاج كان ينشد: العالم، بالهمز والإسكان.]] وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى: تَنَصَّفُهُ الْبَرِيَّةُ وَهُوَ سَامٍ ... وَيُضَحِي الْعَالَمُونَ لَهُ عِيَالًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَالَمُونَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [[سورة الفرقان آية ١]] وَلَمْ يَكُنْ نَذِيرًا لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أُمَمٍ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ. وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ: عَالَمٌ، لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً. قَالَ الْأَعْشَى: مَا إِنْ سَمِعْتُ بِمِثْلِهِمْ فِي الْعَالَمِينَا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُرْتَزِقُونَ، وَنَحْوَهُ قَوْلُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: هُمُ الرُّوحَانِيُّونَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كُلُّ ذِي رُوحٍ دَبَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: إِنَّ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَالَمُونَ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَرِّ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَحْرِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ ابن أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْجِنُّ عَالَمٌ، وَالْإِنْسُ عَالَمٌ، وَسِوَى ذَلِكَ لِلْأَرْضِ أَرْبَعُ زَوَايَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ عَالَمٍ، خَلَقَهُمْ لعبادته. قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [[آية ٢٣ سورة الشعراء.]] "ثُمَّ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُوجِدِهِ. كَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ قَالَ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْعِلْمُ وَالْعَلَامَةُ وَالْمَعْلَمُ: مَا دَلَّ عَلَى الشَّيْءِ، فَالْعَالَمُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْجُنَيْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتِمَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، قُلْ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَنِ الْعَالَمِينَ حَتَّى تُذْكَرَ مَعَ الْحَقِّ؟ قَالَ: قُلْ يَا أَخِي؟ فَإِنَّ الْمُحْدَثَ إِذَا قُرِنَ مَعَ الْقَدِيمِ لَا يَبْقَى لَهُ أثر. الثانية عشرة يَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فِي" رَبِّ" فَالنَّصَبُ عَلَى الْمَدْحِ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْقَطْعِ، أَيْ هُوَ رَبُّ العالمين.
razi — مفاتيح الغيب
البابُ الخامِسُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وفِيهِ فَصُولٌ الفَصْلُ الأوَّلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: هاهُنا ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ: الحَمْدُ والمَدْحُ والشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ألا تَرى أنَّ مَن رَأى لُؤْلُؤَةً في غايَةِ الحُسْنِ أوْ ياقُوتَةً في غايَةِ الحُسْنِ فَإنَّهُ قَدْ يَمْدَحُها، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَحْمَدَها، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ. الوَجْهُ الثّانِي في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإحْسانِ وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْسانِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«احْثُوا التُّرابَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ» “ أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قالَ ﷺ: (p-١٧٩)”«مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» “ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ، وأمّا الحَمْدُ فَهو القَوْلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهي فَضِيلَةُ الإنْعامِ والإحْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ. وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَهو أنَّ الحَمْدَ يَعُمُّ ما إذا وصَلَ ذَلِكَ الإنْعامُ إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالإنْعامِ الواصِلِ إلَيْكَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ حاصِلٌ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ولِلْفاعِلِ المُخْتارِ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ: المَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا مُخْتارًا، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتارًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا القائِلِ مُقِرًّا بِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذّاتِ كَما تَقُولُ الفَلاسِفَةُ بَلْ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِن قَوْلِهِ: الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلى غَيْرِهِ، وأمّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهو ثَناءٌ بِسَبَبِ إنْعامٍ وصَلَ إلى ذَلِكَ القائِلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَواءٌ أعْطَيْتَنِي أوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإنْعامُكَ واصِلٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ العَظِيمِ، وقِيلَ: الحَمْدُ عَلى ما دَفَعَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عَلى ما أعْطى مِنَ النَّعْماءِ. فَإنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ في الإعْطاءِ أكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ في دَفْعِ البَلاءِ، فَلِماذا تَرَكَ الأكْثَرَ وذَكَرَ الأقَلَّ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا شاكِرٌ لِأدْنى النِّعْمَتَيْنِ فَكَيْفَ لِأعْلاهُما. الثّانِي: المَنعُ غَيْرُ مُتَناهٍ، والإعْطاءُ مُتَناهٍ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِشُكْرِ دَفْعِ البَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ أوْلى. الثّالِثُ: أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قَدَّمَهُ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أحْمَدُ اللَّهَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ العِبارَةُ الثّانِيَةُ أوْلى؛ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، أفادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ القائِلِ قادِرًا عَلى حَمْدِهِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِينَ وقَبْلَ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، فَهَؤُلاءِ سَواءٌ حَمِدُوا أوْ لَمْ يَحْمَدُوا، وسَواءٌ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا، فَهو تَعالى مَحْمُودٌ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ بِحَمْدِهِ القَدِيمِ وكَلامِهِ القَدِيمِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ حُقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، فَإنَّهُ تَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أيادِيهِ وأنْواعِ آلائِهِ عَلى العِبادِ، فَقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، ولَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ أوْلى مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى أنَّ شَخْصًا واحِدًا حَمِدَهُ. وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ لَكانَ قَدْ حَمِدَ، لَكِنْ لا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وأمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أنا حَتّى أحْمَدَهُ ؟ لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الحامِدِينَ، مِثالُهُ ما لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ ؟ فَإنْ قَلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ ولَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، ولَوْ قُلْتَ في الجَوابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلى كُلِّ الخَلائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأكْمَلِ المَحامِدِ. ورابِعُها: أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةِ القَلْبِ، وهي اعْتِقادُ كَوْنِ ذَلِكَ المَحْمُودِ مُتَفَضِّلًا مُنْعِمًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَإذا تَلَفَّظَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ غافِلًا عَنْ مَعْنى التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِجَلالِ اللَّهِ كانَ كاذِبًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ حامِدًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ غافِلًا أوْ مُسْتَحْضِرًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ فَإنَّهُ يَكُونُ صادِقًا؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ حَقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ كانَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ (p-١٨٠)أوْلى مِن قَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ لا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ، بِخِلافِ قَوْلِنا: أشَهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كاذِبًا في قَوْلِهِ: أشَهْدُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في تَكْذِيبِ المُنافِقِينَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ولِهَذا السِّرِّ أُمِرَ في الأذانِ بِقَوْلِهِ: أشْهَدُ، ثُمَّ وقَعَ الخَتْمُ عَلى قَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أحَدُها: الِاخْتِصاصُ اللّائِقُ كَقَوْلِكَ: الجُلُّ لِلْفَرَسِ. وثانِيها: المِلْكُ كَقَوْلِكَ: الدّارُ لِزَيْدٍ. وثالِثُها: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِكَ: البَلَدُ لِلسُّلْطانِ، واللّامُ في قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ اللّائِقِ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ الحَمْدُ إلّا بِهِ لِغايَةِ جَلالِهِ وكَثْرَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى المِلْكِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِلْكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكَ مِنهم كَوْنَهم مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلى المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وبِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ مِلْكُهُ ومَلَكَهُ، وبِمَعْنى أنَّهُ هو المُسْتَوْلِي عَلى الكُلِّ والمُسْتَعْلِي عَلى الكُلِّ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثَمانِيَةُ أحْرُفٍ، وأبْوابُ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، فَمَن قالَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ عَنْ صَفاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمانِيَةَ أبْوابِ الجَنَّةِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الحَمْدُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ كانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سابِقٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وإلّا يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإجْمالِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ يُفِيدُ الماهِيَّةَ والحَقِيقَةَ فَقَطْ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ أفادَ أنَّ كُلَّ ما كانَ حَمَدًا وثَناءً فَهو لِلَّهِ وحَقُّهُ ومِلْكُهُ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ البَتَّةَ، وإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ ماهِيَّةَ الحَمْدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَنْفِي حُصُولَ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأُسْتاذُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ، والسُّلْطانُ العادِلُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ. قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِ بِإنْعامٍ فالمُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، وإلّا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وسَلَّطَ ذَلِكَ المُنْعِمَ عَلَيْها، ومَكَّنَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ - لَما حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُنْعِمَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ. * * * الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ قَوْلَهَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مَحْمُودَ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ العَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ داعِيَةَ الإنْعامِ في قَلْبِ المُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ، فَيَكُونُ المُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى الغَيْرِ فَإنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الإنْعامِ عِوَضًا؛ إمّا ثَوابًا، أوْ ثَناءً، أوْ تَوْصِيلَ حَقٍّ، أوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِن خُلُقِ البُخْلِ، وطالِبُ العِوَضِ لا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ في الحَقِيقَةِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَطْلُبُ الكَمالَ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَكانَتْ عَطاياهُ جُودًا مَحْضًا وإحْسانًا مَحْضًا، فَلا جَرَمَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ (p-١٨١)أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ الوُجُودِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الوُجُودِ فَإنَّهُ وُجِدَ بِإيجادِ الحَقِّ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةٍ، يَنْتُجُ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] والحَمْدُ لا مَعْنًى لَهُ إلّا الثَّناءُ عَلى الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ لا إنْعامَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهَ تَعالى. ورابِعُها: النِّعْمَةُ لا تَكُونُ كامِلَةً إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ مَنفَعَةً، والِانْتِفاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا، وكَوْنُهُ حَيًّا مُدْرِكًا لا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ والغَمِّ، وإخْلاءُ المَنافِعِ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ آمِنَةً مِن خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وهَذا الأمْرُ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا ثَبَتَ هَذا فالنِّعْمَةُ الكامِلَةُ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ الكامِلَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا، وما لَمْ يَحْصُلْ شُعُورُ الإنْسانِ بِوُصُولِ النِّعْمَةِ إلَيْهِ امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ عاجِزًا عَنْ حَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ لا يَقْوى عَقْلُ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإذا امْتَنَعَ وُقُوفُ الإنْسانِ عَلَيْها امْتَنَعَ اقْتِدارُهُ عَلى الحَمْدِ والشُّكْرِ والثَّناءِ اللّائِقِ بِها. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُمْكِنُهُ القِيامُ بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ إذا أقْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا خَلَقَ في قَلْبِهِ داعِيَةً إلى فِعْلِ ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا زالَ عَنْهُ العَوائِقُ والحَوائِلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنْعامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتِلْكَ النِّعَمُ أيْضًا تُوجِبُ الشُّكْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالشُّكْرِ والحَمْدِ إلّا عِنْدَ الإتْيانِ بِهِ مِرارًا لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإنْسانُ يَمْتَنِعُ مِنهُ الإتْيانُ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، الثّالِثُ: أنَّ الحَمْدَ والشُّكْرَ لَيْسَ مَعْناهُ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ بِلِسانِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عِلْمُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، وكُلُّ ما خَطَرَ بِبالِ الإنْسانِ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ فَكَمالُ اللَّهِ وجَلالُهُ أعْلى وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ والمُتَصَوَّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الإنْسانِ آتِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ مَعْناهُ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يُقابِلُ الإنْعامَ الصّادِرَ مِنَ المُنْعِمِ بِشُكْرِ نَفْسِهِ وبِحَمْدِ نَفْسِهِ وذَلِكَ بِعِيدٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لا حَدَّ لَها، فَمُقابَلَتُها بِهَذا الِاعْتِقادِ الواحِدِ وبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ في غايَةِ البُعْدِ. وثانِيها: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ حَمْدَهُ وشُكْرَهُ يُساوِي نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أشْرَكَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الواسِطِيِّ الشُّكْرُ شِرْكٌ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى إنْعامِ اللَّهِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أحْوالِهِ، واللَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ وحَمْدِ الحامِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُقابَلَةُ نِعَمِ اللَّهِ بِهَذا الشُّكْرِ وبِهَذا الحَمْدِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإتْيانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَقُلِ احْمَدُوا اللَّهَ، بَلْ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ احْمَدُوا اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ المَعْنى أنَّ كَمالَ الحَمْدِ حَقُّهُ ومِلْكُهُ، سَواءٌ قَدَرَ الخَلْقُ عَلى الإتْيانِ بِهِ أوْ لَمْ يَقْدِرُوا (p-١٨٢)عَلَيْهِ؛ ونُقِلَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِكَ عَلَيَّ، وهو أنْ تُوَفِّقَنِي لِذَلِكَ الشُّكْرِ ؟ فَقالَ: يا داوُدُ، لَمّا عَلِمْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي بِحَسَبِ قُدْرَتِكَ وطاقَتِكَ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً فَيَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرُوا إلى عَبْدِي أعْطَيْتُهُ ما لا قَدْرَ لَهُ فَأعْطانِي ما لا قِيمَةَ لَهُ»، وتَفْسِيرُهُ أنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى العَبْدِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أحَدَ الأشْياءِ المُعْتادَةِ مِثْلَ أنَّهُ كانَ جائِعًا فَأطْعَمَهُ، أوْ كانَ عَطْشانًا فَأرْواهُ، أوْ كانَ عُرْيانًا فَكَساهُ، أمّا إذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ حَمْدٍ أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ فَهو لِلَّهِ، وكُلَّ حَمْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ وأمْكَنَ في حُكْمِ العَقْلِ دُخُولُهُ في الوُجُودِ فَهو لِلَّهِ، وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها مَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وساكِنُو أطْباقِ السَّماواتِ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي سَيَذْكُرُونَها إلى وقْتِ قَوْلِهِمْ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ثُمَّ جَمِيعُ هَذِهِ المَحامِدِ مُتَناهِيَةٌ، وأمّا المَحامِدُ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها هي الَّتِي سَيَأْتُونَ بِها أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، فَكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ العَبْدِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: «انْظُرُوا إلى عَبْدِي قَدْ أعْطَيْتُهُ نِعْمَةً واحِدَةً لا قَدْرَ لَها، فَأعْطانِي مِنَ الشُّكْرِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ» . أقُولُ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ، وقَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ المُتَناهِي إذا سَقَطَ مِنهُ المُتَناهِي بَقِيَ الباقِي غَيْرَ مُتَناهٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: عَبْدِي، إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ فالَّذِي بَقِيَ لَكَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ طاعاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا بُدَّ مِن مُقابَلَتِها بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَسْتَحِقُّ العَبْدُ الثَّوابَ الأبَدِيَّ والخَيْرَ السَّرْمَدِيَّ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ العَبْدِ لِلَّهِ يُوجِبُ سَعاداتٍ لا آخِرَ لَها وخَيْراتٍ لا نِهايَةَ لَها. * * * الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَيٌّ فَإنَّهُ يَكْرَهُ عَدَمَ نَفْسِهِ، ولَوْلا أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ حَصَلَ بِإيجادِ اللَّهِ وجُودِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ في عالَمِ الأرْواحِ والأجْسامِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ ورَحْمَةٌ وإحْسانٌ، والنِّعْمَةُ والرَّحْمَةُ والإحْسانُ مُوجِبَةٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مُرادُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيَّ، بَلِ المُرادُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الصّادِرَةِ مِنهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إنْعامَهُ واصِلٌ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، كانَ مَعْناهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ، وعَلى كُلِّ مُحْدَثٍ أحْدَثَهُ مِن نُورٍ، وظُلْمَةٍ، وسُكُونٍ، وحَرَكَةٍ، وعَرْشٍ، وكُرْسِيٍّ، وجِنِّيٍّ، وإنْسِيٍّ، وذاتٍ، وصِفَةٍ، وجِسْمٍ، وعَرَضٍ، إلى أبَدِ الآبادِ ودَهْرِ الدّاهِرِينَ، وأنا أشْهَدُ أنَّها بِأسْرِها حَقُّكَ ومِلْكُكَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَكَ فِيها شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ فَما السَّبَبُ هاهُنا في وُقُوعِ البِدايَةِ بِالتَّحْمِيدِ ؟ والجَوابُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ دَلالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى كَوْنِهِ (p-١٨٣)مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى تامًّا، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فَوْقَ التَّمامِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الِابْتِداءُ بِالتَّحْمِيدِ أوْلى، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القَوانِينِ الحِكَمِيَّةِ، وأمّا الوَجْهُ اللّائِقُ بِالقَوانِينِ الأُصُولِيَّةِ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكُونُ مُحْسِنًا بِالعِبادِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِيَعْلَمَ أصْنافَ حاجاتِ العِبادِ، وإلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ لِيَقْدِرَ عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وإلّا إذا كانَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ حاجَةِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الِابْتِداءَ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ. الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالماضِي وتَعَلُّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالماضِي فَهو أنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلى النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ فَهو أنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ النِّعَمَ السّابِقَةَ تُوجِبُ الإقْدامَ عَلى الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ إذا اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ انْفَتَحَتْ عَلى العَقْلِ والقَلْبِ أبْوابُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأبْوابُ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ الحَمْدُ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالماضِي يُغْلِقُ عَنْكَ أبْوابَ النِّيرانِ، وبِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَقْبَلِ يَفْتَحُ لَكَ أبْوابَ الجِنانِ، فَتَأْثِيرُهُ في الماضِي سَدَّ أبْوابَ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وتَأْثِيرُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَتَحَ أبْوابَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِلْعَبْدِ في مَعارِجِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ولا مِفْتاحَ لَها إلّا قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الحَمْدِ بِسُورَةِ الفاتِحَةِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ لَكِنْ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها في مَوْضِعِها وإلّا لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنها، قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ: كَيْفَ يَجِبُ الإتْيانُ بِالطّاعَةِ ؟ قالَ: أنا مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً أسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً واحِدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَقِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: وقَعَ الحَرِيقُ في بَغْدادَ واحْتَرَقَتِ الدَّكاكِينُ والدُّورُ، فَأخْبَرُونِي أنَّ دُكّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وكانَ مَعْناهُ أنِّي فَرِحْتُ بِبَقاءِ دُكّانِي حالَ احْتِراقِ دَكاكِينِ النّاسِ، وكانَ حَقُّ الدِّينِ والمُرُوءَةِ أنْ لا أفْرَحَ بِذَلِكَ، فَأنا في الِاسْتِغْفارِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ وإنْ كانَتْ جَلِيلَةَ القَدْرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ رِعايَةُ مَوْضِعِها، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ كَثِيرَةٌ، إلّا أنَّها بِحَسَبِ القِسْمَةِ الأُولى مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: نِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ إجْلالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن أنْ يَذْكُرَها في مُقابَلَةِ نِعَمِ الدُّنْيا، بَلْ يَجِبُ أنْ لا يَذْكُرَها إلّا عِنْدَ الفَوْزِ بِنِعَمِ الدِّينِ، ثُمَّ نِعَمُ الدِّينِ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ، وأعْمالُ القُلُوبِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، ثُمَّ نِعَمُ الدُّنْيا قِسْمانِ: تارَةً تُعْتَبَرُ تِلْكَ النِّعَمُ مِن حَيْثُ هي نِعَمٌ، وتارَةً تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ إنَّها عَطِيَّةُ المُنْعِمِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، فَهَذِهِ مَقاماتٌ يَجِبُ اعْتِبارُها حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مُوافِقًا لِمَوْضِعِهِ لائِقًا بِسَبَبِهِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَها أبُونا آدَمُ هو قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها أهْلُ الجَنَّةِ هو قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ الرُّوحَ إلى سُرَّتِهِ عَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وأمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَفاتِحَةُ العالَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ (p-١٨٤)وخاتِمَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ، فاجْتَهِدْ حَتّى يَكُونَ أوَّلُ أعْمالِكَ وآخِرُها مَقْرُونًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ عالَمٌ صَغِيرٌ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْوالُهُ مُوافِقَةً لِأحْوالِ العالَمِ الكَبِيرِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإضْمارَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِيَصِحَّ الكَلامُ، وهَذا الإضْمارُ يُوجِبُ فَسادَ الكَلامِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لَهُ ومِلْكًا لَهُ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ في نَفْسِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وبِحَسَبِ أفْعالِهِ سَواءٌ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ أعْلى وأجَلُّ مِمّا بِالغَيْرِ. الثّالِثُ: ذَكَرُوا مَسْألَةً في الواقِعاتِ وهي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوالِدِ أنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ: اعْمَلْ كَذا وكَذا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَثِلَ أمْرَهُ فَيَأْثَمَ، بَلْ يَقُولُ: إنَّ كَذا وكَذا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، ثُمَّ إذا كانَ الوَلَدُ كَرِيمًا فَإنَّهُ يُجِيبُ ويُطِيعُهُ، وإنْ كانَ عاقًّا لَمْ يُشافِهْهُ بِالرَّدِّ، فَيَكُونُ إثْمُهُ أقَلَّ، فَكَذَلِكَ هاهُنا قالَ اللَّهُ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَن كانَ مُطِيعًا حَمِدَهُ، ومَن كانَ عاصِيًا إثْمُهُ أقَلُّ. * * * الفائِدَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: تَمَسَّكَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ فِعْلُهُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، وكانَتِ النِّعْمَةُ الصّادِرَةُ عَنْهُ أعْلى وأفْضَلَ، كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْحَمْدِ أكْثَرَ، ولا شَكَّ أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ هو الإيمانُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَ اسْتِحْقاقُ العَبْدِ لِلْحَمْدِ أوْلى وأجَلَّ مِنِ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ لَهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لا بِخَلْقِ العَبْدِ. الثّانِي: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، لَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ لَكانَ قَوْلُهُمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ باطِلًا، فَإنَّ حَمْدَ الفاعِلِ عَلى ما لا يَكُونُ فِعْلًا لَهُ باطِلٌ قَبِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] . الثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَمْدٌ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ كُلُّ الحَمْدِ لِلَّهِ لَوْ كانَ كُلُّ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ، والإيمانُ أفْضَلُ النِّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ مَدْحٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، ومَدْحُ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَلَمّا بَدَأ كِتابَهُ بِمَدْحِ النَّفْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الخَلْقِ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ ما يَقْبُحُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ أنْ تُقاسَ أفْعالُهُ عَلى أفْعالِ الخَلْقِ، فَقَدْ تَقْبُحُ أشْياءُ مِنَ العِبادِ ولا تَقْبُحُ تِلْكَ الأشْياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَهْدِمُ أُصُولَ الِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ. والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْعالَهُ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَسَنَةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ لَها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الحُسْنِ، وإلّا كانَتْ عَبَثًا، وذَلِكَ في حَقِّهِ مُحالٌ، والزّائِدَةُ عَلى الحُسْنِ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ مِن بابِ التَّفَضُّلِ: أمّا الواجِبُ فَهو مِثْلُ إيصالِ الثَّوابِ والعِوَضِ إلى المُكَلَّفِينَ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التَّفَضُّلِ فَهو مِثْلُ أنَّهُ يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الواجِبِ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ، فَنَقُولُ: هَذا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ويُبْطِلُ صِحَّةَ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: أمّا أداءُ الواجِباتِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ دَيْنُ دِينارٍ فَأدّاهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، فَلَوْ وجَبَ عَلى اللَّهِ فِعْلٌ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الذَّمِّ ولا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ، وأمّا فِعْلُ التَّفَضُّلِ فَعِنْدَ الخَصْمِ أنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَزِيدَ حَمْدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الفِعْلُ لَما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الحَمْدُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ (p-١٨٥)والمَدْحِ. السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَحْمُودٌ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ والمَدْحَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ أوْ لَيْسَ ثابِتًا لِذاتِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ، وامْتَنَعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ارْتِفاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ في حَقِّهِ تَعالى وُجُوبُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ لِلْعِبادِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْواضِ والثَّوابِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ لِلَّهِ لَيْسَ ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ - فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا قَبِيحَ في فِعْلِهِ، ولا جَوْرَ في أقْضِيَتِهِ، ولا ظُلْمَ في أحْكامِهِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَلِكَ، فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِأعْظَمِ المَحامِدِ والمَدائِحِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ لا قَبِيحَ إلّا وهو فِعْلُهُ، ولا جَوْرَ إلّا وهو حُكْمُهُ، ولا عَبَثَ إلّا وهو صُنْعُهُ؛ لِأنَّهُ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ويُؤْلِمُ الحَيَواناتِ مِن غَيْرِ أنْ يُعَوِّضَها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ؟ وأيْضًا فَذَلِكَ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ الإلَهِيَّةِ إمّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلى العَبْدِ، أوْ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ كَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا. الفائِدَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في أنَّ وُجُوبَ الشُّكْرِ ثابِتٌ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ؛ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ بِالسَّمْعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ وبَعْدَ مَجِيئِهِ عَلى الإطْلاقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ أنَّ هَذا الحَمْدَ حَقُّهُ ومِلْكُهُ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَهاهُنا أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، مالِكًا لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ في القِيامَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ إنَّما يَحْصُلُ لِكَوْنِهِ تَعالى مُرَبِّيًا لَهم رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ ثابِتٌ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ أوْ بَعْدَهُ. الفائِدَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ حَقِيقَةِ الحَمْدِ وماهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: تَحْمِيدُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عِبارَةً عَنْ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ حُصُولِ الحَمْدِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْمِيدُ اللَّهِ مُغايِرًا لِقَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَنَقُولُ: حَمْدُ المُنْعِمِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا. وذَلِكَ الفِعْلُ إمّا أنْ يَكُونَ فِعْلُ القَلْبِ، أوْ فِعْلُ اللِّسانِ، أوْ فِعْلُ الجَوارِحِ، أمّا فِعْلُ القَلْبِ فَهو أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، وأمّا فِعْلُ اللِّسانِ فَهو أنْ يَذْكُرَ ألْفاظًا دالَّةً عَلى كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ، وأمّا فِعْلُ الجَوارِحِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الحَمْدِ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ افْتَرَقُوا في هَذا المَقامِ (p-١٨٦)فَرِيقَيْنِ: الفَرِيقُ الأوَّلُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عَبِيدَهُ بِأنْ يَحْمَدُوهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحْمِيدَ إمّا أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى إنْعامٍ وصَلَ إلَيْهِمْ أوْ لا، وبِناءً عَلَيْهِ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِنهم عَلى إنْعامِهِ جَزاءً ومُكافَأةً، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ الكَرَمِ، فَإنَّ الكَرِيمَ إذا أنْعَمَ لَمْ يَطْلُبِ المُكافَأةَ، وأمّا الثّانِي فَهو إتْعابٌ لِلْغَيْرِ ابْتِداءً، وذَلِكَ يُوجِبُ الظُّلْمَ. الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِهَذا الحَمْدِ مُتْعِبٌ لِلْحامِدِ وغَيْرُ نافِعٍ لِلْمَحْمُودِ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ والكامِلُ لِذاتِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَكْمِلَ بِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِهَذا التَّحْمِيدِ عَبَثٌ وضَرَرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا. الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الإيجابِ هو أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، فَإيجابُ حَمْدِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ تَشْتَغِلْ بِهَذا الحَمْدِ لَعاقَبْتُكَ، وهَذا الحَمْدُ لا نَفْعَ لَهُ في حَقِّ اللَّهِ، فَكانَ مَعْناهُ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأحَدٍ، ولَوْ تَرَكْتَهُ لَعاقَبْتُكَ أبَدَ الآبادِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِالحَكَمِ الكَرِيمِ. الفَرِيقُ الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِحَمْدِ اللَّهِ سُوءُ أدَبٍ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مُقابَلَةِ إحْسانِ اللَّهِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ القَلِيلِ. والثّانِي: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ لا يَتَأتّى إلّا مَعَ اسْتِحْضارِ تِلْكَ النِّعَمِ في القَلْبِ واشْتِغالَ القَلْبِ بِالنِّعَمِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ. الثّالِثُ: أنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أثْنى عَلَيْهِ لِأجْلِ الفَوْزِ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَقْصُودَهُ مِنَ العِبادَةِ والحَمْدِ والثَّناءِ الفَوْزُ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وهَذا الرَّجُلُ في الحَقِيقَةِ مَعْبُودُهُ ومَطْلُوبُهُ إنَّما هو تِلْكَ النِّعْمَةُ وحَظُّ النَّفْسِ، وذَلِكَ مَقامٌ نازِلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * الفَصْلُ الثّانِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَوْجُودَ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَهو اللَّهُ تَعالى فَقَطْ، وأمّا المُمْكِنُ لِذاتِهِ فَهو كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وهو العالَمُ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا: العالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ، وسَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذا القِسْمِ بِالعالَمِ أنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ بِأنَّهُ عالَمٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، ولا صِفَةَ لِلْمُتَحَيِّزِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: القِسْمُ الأوَّلُ المُتَحَيِّزُ: وهو إمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَهو الجِسْمُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو الجَوْهَرُ الفَرْدُ؛ أمّا الجِسْمُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ أوْ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ؛ أمّا الأجْسامُ العُلْوِيَّةُ فَهي الأفْلاكُ والكَواكِبُ، وقَدْ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ أشْياءُ أُخَرُ سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، مِثْلُ العَرْشِ، والكُرْسِيِّ، وسِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّوْحِ، والقَلَمِ، والجَنَّةِ، وأمّا الأجْسامُ السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا بَسِيطَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ: أمّا البَسِيطَةُ فَهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ: وأحَدُها: كُرَةُ الأرْضِ بِما فِيها مِنَ المَفاوِزِ والجِبالِ والبِلادِ المَعْمُورَةِ. وثانِيها: كُرَةُ الماءِ وهي البَحْرُ المُحِيطُ وهَذِهِ الأبْحُرُ الكَبِيرَةُ المَوْجُودَةُ في هَذا الرُّبْعِ المَعْمُورِ وما فِيهِ مِنَ الأوْدِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ تَعالى. وثالِثُها: كُرَةُ الهَواءِ. ورابِعُها: كُرَةُ النّارِ. وأمّا الأجْسامُ المُرَكَّبَةُ فَهي النَّباتُ، والمَعادِنُ، والحَيَوانُ، عَلى كَثْرَةِ أقْسامِها وتَبايُنِ أنْواعِها. وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو المُمْكِنُ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزاتِ - فَهي الأعْراضُ، والمُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا ما يَقْرُبُ مِن أرْبَعِينَ جِنْسًا مِن أجْناسِ الأعْراضِ. أمّا الثّالِثُ - وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ - فَهو (p-١٨٧)الأرْواحُ، وهي إمّا سُفْلِيَّةٌ، وإمّا عُلْوِيَّةٌ: أمّا السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا خَيِّرَةٌ، وهم صالِحُو الجِنِّ، وإمّا شِرِّيرَةٌ خَبِيثَةٌ وهي مَرَدَةُ الشَّياطِينِ. والأرْواحُ العُلْوِيَّةُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالأجْسامِ وهي الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالأجْسامِ، وهي الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ المُقَدَّسَةُ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى تَقْسِيمِ مَوْجُوداتِ العالَمِ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ كَتَبَ ألْفَ ألْفِ مُجَلَّدٍ في شَرْحِ هَذِهِ الأقْسامِ لَما وصَلَ إلى أقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ هَذِهِ الأقْسامِ، إلّا أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَيَكُونُ مُحْتاجًا في وُجُودِهِ إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وأيْضًا ثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُبْقِي، واللَّهُ تَعالى إلَهُ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهو رَبُّ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي يُبْقِيها حالَ دَوامِها واسْتِقْرارِها. وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ عِنْدَكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وكُلُّ مَن كانَ أكْثَرَ إحاطَةٍ بِأحْوالِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ كانَ أكْثَرَ وُقُوفًا عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: المُرَبِّي عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يُرَبِّيَ شَيْئًا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِ المُرَبِّي، والثّانِي: أنْ يُرَبِّيَهُ لِيَرْبَحَ المُرَبِّي، وتَرْبِيَةُ كُلِّ الخَلْقِ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهم إنَّما يُرَبُّونَ غَيْرَهم لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ إمّا ثَوابًا أوْ ثَناءً، والقِسْمُ الثّانِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم فَهو تَعالى يُرَبِّي ويُحْسِنُ، وهو بِخِلافِ سائِرِ المُرَبِّينَ وبِخِلافِ سائِرِ المُحْسِنِينَ. واعْلَمْ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى مُخالِفَةٌ لِتَرْبِيَةِ غَيْرِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى يُرَبِّي عَبِيدَهُ لا لِغَرَضِ نَفْسِهِ بَلْ لِغَرَضِهِمْ، وغَيْرُهُ يُرَبُّونَ لِغَرَضِ أنْفُسِهِمْ لا لِغَرَضِ غَيْرِهِمْ. الثّانِي: أنَّ غَيْرَهُ إذا رَبّى فَبِقَدْرِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ يَظْهَرُ النُّقْصانُ في خَزائِنِهِ وفي مالِهِ، وهو تَعالى مُتَعالٍ عَنِ النُّقْصانِ والضَّرَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] . الثّالِثُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ إذا ألَحَّ الفَقِيرُ عَلَيْهِ أبْغَضَهُ وحَرَمَهُ ومَنَعَهُ، والحَقُّ تَعالى بِخِلافِ ذَلِكَ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ» . الرّابِعُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ ما لَمْ يُطْلَبْ مِنهُ الإحْسانُ لَمْ يُعْطِ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَأنَّهُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤالِ، تَرى أنَّهُ رَبّاكَ حالَ ما كُنْتَ جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ، وحالَ ما كُنْتَ جاهِلًا غَيْرَ عاقِلٍ، لا تُحْسِنُ أنْ تَسْألَ مِنهُ، ووَقاكَ وأحْسَنَ إلَيْكَ مَعَ أنَّكَ ما سَألْتَهُ، وما كانَ لَكَ عَقْلٌ ولا هِدايَةٌ. الخامِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ إمّا بِسَبَبِ الفَقْرِ أوِ الغَيْبَةِ أوِ المَوْتِ، والحَقُّ تَعالى لا يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ البَتَّةَ. السّادِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَخْتَصُّ إحْسانُهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ولا يُمْكِنُهُ التَّعْمِيمُ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَقَدْ وصَلَ تَرْبِيَتُهُ وإحْسانُهُ إلى الكُلِّ، كَما قالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى رَبُّ العالَمِينَ، ومُحْسِنٌ إلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الَّذِي يُحْمَدُ ويُمْدَحُ ويُعَظَّمُ في الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِأحَدِ وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: إمّا لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ والآفاتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ إحْسانٌ إلَيْكَ. وإمّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلَيْكَ ومُنْعِمًا عَلَيْكَ. وإمّا لِأنَّكَ تَرْجُو وصُولَ إحْسانِهِ إلَيْكَ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ. وإمّا لِأجْلِ أنَّكَ تَكُونُ خائِفًا مِن قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الحالاتُ هي الجِهاتُ المُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الكَمالَ الذّاتِيَّ فاحْمَدُونِي فَإنِّي إلَهُ العالَمِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وإنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الإحْسانَ فَأنا رَبُّ العالَمِينَ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ في المُسْتَقْبَلِ فَأنا (p-١٨٨)الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها أمْثِلَةً: المِثالُ الأوَّلُ: لَمّا وقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِن صُلْبِ الأبِ إلى رَحِمِ الأُمِّ فانْظُرْ كَيْفَ أنَّها صارَتْ عَلَقَةً أوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنها أعْضاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ العِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ والأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها نَوْعٌ خاصٌّ مِن أنْواعِ القُوى، فَحَصَلَتِ القُوَّةُ الباصِرَةُ في العَيْنِ، والسّامِعَةُ في الأُذُنِ، والنّاطِقَةُ في اللِّسانِ، فَسُبْحانَ مَن أسْمَعَ بِعَظْمٍ، وبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. واعْلَمْ أنَّ كِتابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الإنْسانِ مَشْهُورٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ. المَثّالُ الثّانِي: أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وقَعَتْ في الأرْضِ فَإذا وصَلَتْ نَداوَةُ الأرْضِ إلَيْها انْتَفَخَتْ ولا تَنْشَقُّ مِن شَيْءٍ مِنَ الجَوانِبِ إلّا مِن أعْلاها وأسْفَلِها، مَعَ أنَّ الِانْتِفاخَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ: أمّا الشِّقُّ الأعْلى فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الصّاعِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ وأمّا الشِّقُّ الأسْفَلُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الغائِصُ في الأرْضِ، وهو عُرُوقُ الشَّجَرَةِ، فَأمّا الجُزْءُ الصّاعِدُ فَبَعْدَ صُعُودِهِ يَحْصُلُ لَهُ ساقٌ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ مِن ذَلِكَ السّاقِ أغْصانٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلى تِلْكَ الأغْصانِ الأنْوارُ أوَّلًا، ثُمَّ الثِّمارُ ثانِيًا، ويَحْصُلُ لِتِلْكَ الثِّمارِ أجْزاءٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَثافَةِ واللَّطافَةِ، وهي القُشُورُ ثُمَّ اللُّبُوبُ ثُمَّ الأدْهانُ، وأمّا الجُزْءُ الغائِصُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العُرُوقَ تَنْتَهِي إلى أطْرافِها؛ وتِلْكَ الأطْرافُ تَكُونُ في اللَّطافَةِ كَأنَّها مِياهٌ مُنْعَقِدَةٌ، ومَعَ غايَةِ لَطافَتِها فَإنَّها تَغُوصُ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الخَشِنَةِ، وأوْدَعَ اللَّهُ فِيها قُوًى جاذِبَةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الطِّينِ إلى نَفْسِها، والحِكْمَةُ في كُلِّ هَذِهِ التَّدْبِيراتِ تَحْصِيلُ ما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ والأُدامِ والفَواكِهِ والأشْرِبَةِ والأدْوِيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] الآياتِ. المِثالُ الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ بِحَيْثُ صارَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ مَصالِحِ العِبادِ، فَخَلَقَ اللَّيْلَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلرّاحَةِ والسُّكُونِ، وخَلَقَ النَّهارَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعاشِ والحَرَكَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] واقْرَأْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ - إلى آخِرِ الآيَةِ [النبأ: ٦، ٧]، واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في عَجائِبِ أحْوالِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وآثارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ، قَضى صَرِيحُ عَقْلِكَ بِأنَّ أسْبابَ تَرْبِيَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ودَلائِلَ رَحْمَتِهِ لائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ قَطْرَةٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أضافَ الحَمْدَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثُمَّ أضافَ نَفْسَهُ إلى العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي أُحِبُّ الحَمْدَ، فَنِسْبَتُهُ إلى نَفْسِي بِكَوْنِهِ مِلْكًا، ثُمَّ لَمّا ذَكَرْتُ نَفْسِي عَرَفْتُ نَفْسِي بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، ومَن عَرَفَ ذاتًا بِصِفَةٍ فَإنَّهُ يُحاوِلُ ذِكْرَ أحْسَنِ الصِّفاتِ وأكْمَلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لِلْعالَمِينَ أكْمَلُ الصِّفاتِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أكْمَلَ المَراتِبِ أنْ يَكُونَ تامًّا، وفَوْقَ التَّمامِ، فَقَوْلُنا: اللَّهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ في ذاتِهِ وبِذاتِهِ وهو التَّمامُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ كُلِّ ما سِواهُ فائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا أنَّهُ فَوْقَ التَّمامِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ يَمْلِكُ عِبادًا غَيْرَكَ كَما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنْتَ لَيْسَ لَكَ رَبٌّ سِواهُ، ثُمَّ إنَّهُ يُرَبِّيكَ كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَبْدٌ سِواكَ وأنْتَ تَخْدُمُهُ كَأنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرَهُ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ (p-١٨٩)التَّرْبِيَةَ، ألَيْسَ أنَّهُ يَحْفَظُكَ في النَّهارِ عَنِ الآفاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، وبِاللَّيْلِ عَنِ المُخافاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الحُرّاسَ يَحْرُسُونَ المَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ لَدْغِ الحَشَراتِ ؟ وهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ أنْ تَنْزِلَ بِهِ البَلِيّاتُ ؟ أمّا الحَقُّ تَعالى فَإنَّهُ يَحْرُسُهُ مِنَ الآفاتِ، ويَصُونُهُ مِنَ المُخافاتِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ زَجَّ أوَّلَ اللَّيْلِ في أنْواعِ المَحْظُوراتِ وأقْسامِ المُحَرَّماتِ والمُنْكَراتِ، فَما أكْبَرَ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ وما أحْسَنَها، ألَيْسَ مِنَ التَّرْبِيَةِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «الآدَمِيُّ بُنْيانُ الرَّبِّ، مَلْعُونٌ مَن هَدَمَ بُنْيانَ الرَّبِّ»؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] ما ذاكَ إلّا المَلِكُ الجَبّارُ، والواحِدُ القَهّارُ، ومُقَلِّبُ القُلُوبِ والأبْصارِ، والمُطَّلِعُ عَلى الضَّمائِرِ والأسْرارِ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: إنَّما يَكُونُ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ ومُرَبِّيًا لَهم لَوْ كانَ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ دافِعًا لِلْمَضارِّ عَنْهم، أمّا إذا خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ؛ ويَأْمُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنهُ، لَمْ يَكُنْ رَبًّا ولا مُرَبِّيًا، بَلْ كانَ ضارًّا ومُؤْذِيًا، وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: إنَّما سَيَكُونُ رَبًّا ومُرَبِّيًا لَوْ كانَتِ النِّعْمَةُ صادِرَةٌ مِنهُ والألْطافُ فائِضَةٌ مِن رَحْمَتِهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ أعْظَمَ النِّعَمِ وأجَلَّها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُصُولُها مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ إلَيْهِمْ مُحْسِنًا بِخَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُنا ”اللَّهُ“ أشْرَفُ مِن قَوْلِنا ”رَبِّ“ عَلى ما بَيَّنّا ذَلِكَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَ في أكْثَرِ الأمْرِ يَقُولُ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، والسَّبَبُ فِيهِ النُّكَتُ والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَلا نُعِيدُها. * * * الفَصْلُ الثّالِثُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: الرَّحْمَنُ: هو المُنْعِمُ بِما لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، والرَّحِيمُ: هو المُنْعِمُ بِما يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ ضَيْفًا لِبَعْضِ القَوْمِ، فَقَدَّمَ المائِدَةَ، فَنَزَلَ غُرابٌ وسَلَبَ رَغِيفًا، فاتَّبَعْتُهُ تَعَجُّبًا، فَنَزَلَ في بَعْضِ التِّلالِ، وإذا هو بِرَجُلٍ مُقَيَّدٍ مَشْدُودِ اليَدَيْنِ، فَألْقى الغُرابُ ذَلِكَ الرَّغِيفَ عَلى وجْهِهِ. ورُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في البَيْتِ إذْ وقَعَتْ ولْوَلَةٌ في قَلْبِي، وصِرْتُ بِحَيْثُ ما مَلَكْتُ نَفْسِيَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ وانْتَهَيْتُ إلى شَطِّ النِّيلِ، فَرَأيْتُ عَقْرَبًا قَوِيًّا يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَوَصَلَ إلى طَرَفِ النِّيلِ، فَرَأيْتُ ضُفْدَعًا واقِفًا عَلى طَرَفٍ الوادِي، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى ظَهْرِ الضُّفْدَعِ وأخَذَ الضُّفْدَعُ يَسْبَحُ ويَذْهَبُ، فَرَكِبْتُ السَّفِينَةَ وتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ الضُّفْدَعُ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ النِّيلِ، ونَزَلَ العَقْرَبُ مِن ظَهْرِهِ، وأخَذَ يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَرَأيْتُ شابًّا نائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، ورَأيْتُ أفْعى يَقْصِدُهُ، فَلَمّا قَرُبَتِ الأفْعى مِن ذَلِكَ الشّابِّ وصَلَ العَقْرَبُ إلى الأفْعى، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى الأفْعى فَلَدَغَهُ، والأفْعى أيْضًا لَدَغَ العَقْرَبَ، فَماتا مَعًا، وسَلِمَ الإنْسانُ مِنهُما. ويُحْكى أنَّ ولَدَ الغُرابِ كَما يَخْرُجُ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أحْمَرَ، والغُرابُ يَفِرُّ مِنهُ ولا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إنَّ البَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإذا وصَلَتِ البَعُوضُ إلَيْهِ التَقَمَ تِلْكَ البَعُوضَ واغْتَذى بِها، ولا يَزالُ عَلى هَذِهِ الحالِ إلى أنْ يَقْوى ويَنْبُتُ رِيشُهُ ويَخْفى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ إلَيْهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جاءَ في أدْعِيَةِ العَرَبِ: يا رَزّاقَ النَّعّابِ في عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عامٌّ، وإحْسانَهُ شامِلٌ، ورَحْمَتَهُ واسِعَةٌ. (p-١٩٠)واعْلَمْ أنَّ الحَوادِثَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُظَنُّ أنَّهُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عَذابًا ونِقْمَةً، ومِنهُ ما يُظَنُّ في الظّاهِرِ أنَّهُ عَذابٌ ونِقْمَةٌ، مَعَ أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ فَضْلًا وإحْسانًا ورَحْمَةً. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالوالِدُ إذا أهْمَلَ ولَدَهُ حَتّى يَفْعَلَ ما يَشاءُ ولا يُؤَدِّبُهُ ولا يَحْمِلُهُ عَلى التَّعَلُّمِ، فَهَذا في الظّاهِرِ رَحْمَةٌ وفي الباطِنِ نِقْمَةٌ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي كالوالِدِ إذا حَبَسَ ولَدَهُ في المَكْتَبِ وحَمَلَهُ عَلى التَّعَلُّمِ فَهَذا في الظّاهِرِ نِقْمَةٌ، وفي الحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وقَعَ في يَدِهِ الآكِلَةُ فَإذا قُطِعَتْ تِلْكَ اليَدُ فَهَذا في الظّاهِرِ عَذابٌ، وفي الباطِنِ راحَةٌ ورَحْمَةٌ، فالأبْلَهُ يَغْتَرُّ بِالظَّواهِرِ، والعاقِلُ يَنْظُرُ في السَّرائِرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَكُلُّ ما في العالَمِ مِن مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ وألَمٍ ومَشَقَّةٍ فَهو وإنْ كانَ عَذابًا وألَمًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ حِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ في الحَقِيقَةِ، وتَحْقِيقُهُ ما قِيلَ في الحِكْمَةِ: إنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّكالِيفِ تَطْهِيرُ الأرْواحِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النّارِ صَرْفُ الأشْرارِ إلى أعْمالِ الأبْرارِ، وجَذْبُها مِن دارِ الفِرارِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وأقْرَبُ مِثالٍ لِهَذا البابِ قِصَّةُ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ مُوسى كانَ يَبْنِي الحُكْمَ عَنْ ظَواهِرِ الأُمُورِ فاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وقَتْلَ الغُلامِ وعِمارَةَ الجِدارِ المائِلِ، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ كانَ يَبْنِي أحْكامَهُ عَلى الحَقائِقِ والأسْرارِ فَقالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٧٩ ٨٢] فَظَهَرَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الحَكِيمَ المُحَقِّقَ هو الَّذِي يَبْنِي أمْرَهُ عَلى الحَقائِقِ لا عَلى الظّاهِرِ، فَإذا رَأيْتَ ما يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ ويَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فاعْلَمْ أنَّ تَحْتَهُ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً، وأنَّ حِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أثَرٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خاصٌّ بِاللَّهِ، والرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الرَّحْمَنُ أعْظَمُ، فَلِمَ ذَكَرَ الأدْنى بَعْدَ ذِكْرِ الأعْلى ؟ والجَوابُ: لِأنَّ الكَبِيرَ العَظِيمَ لا يُطْلَبُ مِنهُ الشَّيْءُ الحَقِيرُ اليَسِيرُ، حُكِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى بَعْضِ الأكابِرِ، فَقالَ: جِئْتُكَ لِمُهِمٍّ يَسِيرٍ، فَقالَ: اطْلُبْ لِلْمُهِمِّ اليَسِيرِ رَجُلًا يَسِيرًا. كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلى ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لاحْتَشَمْتَ عَنِّي ولَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ سُؤالُ الأُمُورِ اليَسِيرَةِ، ولَكِنْ كَما عَلِمْتَنِي رَحْمانًا تَطْلُبُ مِنِّي الأُمُورَ العَظِيمَةَ، فَأنا أيْضًا رَحِيمٌ؛ فاطْلُبْ مِنِّي شِراكَ نَعْلِكَ ومِلْحَ قِدْرِكَ، كَما «قالَ تَعالى لِمُوسى: ”يا مُوسى سَلْنِي عَنْ مِلْحِ قِدْرِكَ وعَلَفِ شاتِكَ» “ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ أعْطى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ رَحْمَةً واحِدَةً حَيْثُ قالَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صارَتْ سَبَبًا لِنَجاتِها مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ مَرَّةً أنَّهُ رَحْمَنٌ وأنَّهُ رَحِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلَواتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ويُقْرَأُ لَفْظُ ”﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾“ في كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلَمّا صارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً واحِدَةً سَبَبًا لِخَلاصِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ عَنِ (p-١٩١)المَكْرُوهاتِ أفَلا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ المَرّاتِ الكَثِيرَةِ طُولَ العُمْرِ سَبَبًا لِنَجاةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ والعارِ والدَّمارِ ؟ الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى رَحْمَنٌ لِأنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى جِنْسِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا رَحْمَنٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ نُطْفَةً مَذِرَةً فَأُسَلِّمُها إلَيْكَ صُورَةً حَسَنَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وأنا رَحِيمٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ طاعَةً ناقِصَةً فَأُسَلِّمُ إلَيْكَ جَنَّةً خالِصَةً. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَتًى قَرُبَتْ وفاتُهُ واعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنْ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِهِ، فَقامَ ودَخَلَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الشَّهادَةَ وهو يَتَحَرَّكُ ويَضْطَرِبُ ولا يَعْمَلُ لِسانُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أما كانَ يُصَلِّي ؟ أما كانَ يَصُومُ ؟ أما كانَ يُزَكِّي ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ: هَلْ عَقَّ والِدَيْهِ ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِأُمِّهِ، فَجاءَتْ وهي عَجُوزٌ عَوْراءُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلّا عَفَوْتِ عَنْهُ، فَقالَتْ: لا أعْفُو لِأنَّهُ لَطَمَنِي فَفَقَأ عَيْنِيَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِالحَطَبِ والنّارِ، فَقالَتْ: وما تَصْنَعُ بِالنّارِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُحْرِقُهُ بِالنّارِ بَيْنَ يَدَيْكِ جَزاءً لِما عَمِلَ بِكِ، فَقالَتْ: عَفَوْتُ عَفَوْتُ، ألِلنّارِ حَمَلْتُهُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ ؟ ألِلنّارِ أرْضَعْتُهُ سَنَتَيْنِ ؟ فَأيْنَ رَحْمَةُ الأُمِّ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْطَلَقَ لِسانُهُ، وذَكَرَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . والنُّكْتَةُ أنَّها كانَتْ رَحِيمَةً، وما كانَتْ رَحْمانَةً فَلِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما جَوَّزَتِ الإحْراقَ بِالنّارِ، فالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَمْ يَتَضَرَّرْ بِجِناياتِ عَبِيدِهِ مَعَ عِنايَتِهِ بِعِبادِهِ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ أنْ يَحْرِقَ المُؤْمِنَ الَّذِي واظَبَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ سَبْعِينَ سَنَةً بِالنّارِ ؟ الفائِدَةُ السّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، فَظَهَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَهَذا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَصَلَ فِيهِ هَذا الكَرَمُ وهَذا الإحْسانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَإنْ كانَ أثَرُ الرَّحْمَةِ الواحِدَةِ هَذا المَبْلَغُ، فَكَيْفَ كَرَمُ مَن هو رَحْمَنٌ رَحِيمٌ ؟ وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حِسابَ أُمَّتِي عَلى يَدَيَّ»، ثُمَّ إنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مَدْيُونًا بِدِرْهَمَيْنِ، وأخْرَجَ عائِشَةَ عَنِ البَيْتِ بِسَبَبِ الإفْكِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ لَكَ رَحْمَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ، فَذَرْنِي وعَبِيدِي واتْرُكْنِي وأُمَّتَكَ، فَإنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَرَحْمَتِي لا نِهايَةَ لَها، ومَعْصِيَتُهم مُتَناهِيَةٌ، والمُتَناهِي في جَنْبِ غَيْرِ المُتَناهِي يَصِيرُ فانِيًا، فَلا جَرَمَ مَعاصِي جَمِيعِ الخَلْقِ تَفْنى في بِحارِ رَحْمَتِي، لِأنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: كَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن خَلَقَ الخَلْقَ لِلنّارِ ولِعَذابِ الأبَدِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ويُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن أمَرَ بِالإيمانِ ثُمَّ صَدَّ ومَنَعَ عَنْهُ ؟ وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: أعْظَمُ أنْواعِ النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ هو الإيمانُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ بَلْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ اسْمُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِالعَبْدِ أوْلى مِنهُ بِاللَّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
saadi
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } [هو] الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه. { رَبِّ الْعَالَمِينَ } الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار.
saadi — تيسير الكريم الرحمن
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب، هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار.
samaani — تفسير السمعاني
قَوْله: ﴿الْحَمد لله﴾ اعْلَم أَن الْحَمد يكون بِمَعْنى الشُّكْر على النِّعْمَة، وَيكون بِمَعْنى التَّحْمِيد وَالثنَاء على الْأَوْصَاف المحمودة. يُقَال: حمدت فلَانا على مَا أسدى إِلَيّ من النِّعْمَة. وَيُقَال: حمدت فلَانا على شجاعته وَعلمه. وَأما الشُّكْر لَا يكون إِلَّا على النِّعْمَة؛ فللحمد معنى عَام، وللشكر معنى خَاص. فَكل حَامِد شَاكر، وَلَيْسَ كل شَاكر حامدا. يُقَال: حمدت فلَانا على شجاعته. وَلَا يُقَال: شكرت فلَانا على شجاعته. ثمَّ أعلم أَن حمد الله تَعَالَى لنَفسِهِ حسن لَا كحمد المخلوقين لأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَن [حمد] المخلوقين لَا يَخْلُو عَن نقص؛ فَلَا يَخْلُو مدحه نَفسه عَن كذب؛ فيقبح مِنْهُ أَن يمدح نَفسه. وَأما الله - جلّ جَلَاله - بَرِيء عَن النَّقْص وَالْعَيْب؛ فَكَانَ مدحه نَفسه حسنا. وَقَوله: ﴿الْحَمد لله﴾ هَاهُنَا يحْتَمل مَعْنيين: الْإِخْبَار، والتعليم. أما الْإِخْبَار كَأَنَّهُ يخبر أَن المستوجب للحمد هُوَ الله، وَأَن المحامد كلهَا لله تَعَالَى. وَأما التَّعْلِيم كَأَنَّهُ حمد نَفسه وَعلم الْعباد حَمده، وَتَقْدِيره: " قُولُوا: الْحَمد لله ". وَقَوله: ﴿لله﴾ فَاللَّام تكون للإضافة، وَتَكون للاستحقاق، يُقَال: أكل للدابة، وَالدَّار لزيد، فَاللَّام هَاهُنَا بِمَعْنى الِاسْتِحْقَاق، كَأَنَّهُ يَقُول: الْمُسْتَحق للحمد هُوَ الله تَعَالَى، وَقد فَرغْنَا عَن تَفْسِير قَوْله: ﴿لله﴾ . ﴿رب الْعَالمين﴾ وَأما الرب يكون بِمَعْنى التربية والإصلاح، وَيكون بِمَعْنى الْمَالِك. يُقَال: رب الضَّيْعَة يُرَبِّيهَا، أَي: أتمهَا وَأَصْلَحهَا. وَيُقَال: رب الدَّار لمَالِك الدَّار. فالرب هَاهُنَا يحمل كلا الْمَعْنيين؛ لِأَن الله تَعَالَى مربى الْعَالمين، وَمَالك الْعَالمين. وَأما ﴿الْعَالمُونَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْجِنّ والأنس. وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة، وَأَبُو عُبَيْدَة: هم جَمِيع المخلوقين. وَقيل: الأول أولى؛ لِأَن الْخطاب مَعَ الْمُكَلّفين الَّذين هم المقصودون بالخليفة وهم الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقيل الْإِنْس عَالم، وَالْجِنّ عَالم. وَالله تَعَالَى وَرَاءه أَربع زَوَايَا، فِي كل زَاوِيَة ألف وَخَمْسمِائة عَالم.
samarqandi — بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع. وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل: لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه. وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره. وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال: اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً. وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر: أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصة. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح. سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب. فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة. وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل: (الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه. وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم: الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] . وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر. وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة. والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده. قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر. قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك. وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي. ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره. قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير. قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام. وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا. قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم. أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح. وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام. وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى: من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] . «آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل: تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وقال الآخر: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا وصلى الله على سيدنا محمد.
shawkani — فتح القدير
الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا. فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها. ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ. وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا. ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ. وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ. والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وهِدايَتِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والخَطّابِيُّ في الغَرِيبِ والبَيْهَقِيُّ في الأدَبِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ قالَ: " الصَّلاةُ شُكْرٌ والصِّيامُ، وكُلُّ خَيْرٍ تَفْعَلُهُ شُكْرٌ وأفْضَلُ الشُّكْرِ الحَمْدُ " . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سُرِقَتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي فَرَجَعَتْ، فَلَمّا رَآها قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فانْتَظَرُوا هَلْ يُحْدِثُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَوْمًا أوْ صَلاةً، فَظَنُّوا أنَّهُ نَسِيَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتَ قُلْتَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي، قالَ: ألَمْ أقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ ؟» . وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الحَمْدِ أحادِيثُ. مِنها: ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ «عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أنْشُدَكَ مَحامِدَ حَمَدْتُ بِها رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى ؟ فَقالَ: أما إنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الحَمْدَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إلّا كانَ الَّذِي أعْطى أفْضَلَ مِمّا أخَذَ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِحَذافِيرِها في يَدِ رَجُلٍ مِن أُمَّتِي ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ لَكانَ إلْهامُهُ الحَمْدَ أكْبَرَ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ ثَوابَ الحَمْدِ لا يَفْنى، ونَعِيمَ الدُّنْيا لا يَبْقى. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن (p-١٧)عَبْدٍ يُنْعَمُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ إلّا كانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِنها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ واللَّهُ أكْبَرُ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والطَّهُورُ نِصْفُ الإيمانِ والصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ لَيْسَ لَها دُونَ اللَّهِ حِجابٌ حَتّى تَخْلُصَ إلَيْهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وما شَيْءٌ أكْثَرُ مَعاذِيرَ مِنَ اللَّهِ، وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ في السُّنَّةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبانَ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ، والحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ، ويَتَقاسَمُونَ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ» . وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَدَّثَهم «أنَّ عَبْدًا مِن عِبادِ اللَّهِ قالَ: يا رَبِّ لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكِ، فَلَمْ يَدْرِ المَلَكانِ كَيْفَ يَكْتُبانِها، فَصَعِدا إلى السَّماءِ فَقالا: يا رَبَّنا إنَّ عَبْدًا قَدْ قالَ مَقالَةً لا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُها، قالَ اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِما قالَ عَبْدُهُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ قالا: يا رَبِّ إنَّهُ قالَ: لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُما: اكْتُباها كَما قالَ عَبْدِي حَتّى يَلْقانِي وأجْزِيهِ بِها» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها» . ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الرَّبُّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُقالُ في غَيْرِهِ إلّا بِالإضافَةِ، وقَدْ قالُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ. وقالَ في الكَشّافِ: الرَّبُّ المالِكُ. ومِنهُ قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لَأنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلامِ الصِّحاحِ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والرَّبُّ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّها»، والرَّبُّ: المُصْلِحُ والمُدَبِّرُ والجابِرُ والقائِمُ قالَ: والرَّبُّ المَعْبُودُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ و العالَمِينَ: جَمْعُ العالَمِ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: أهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العالَمُونَ الجِنُّ والإنْسُ. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: العالَمُ عِبارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ وهم أرْبَعَةُ أُمَمٍ: الإنْسُ، والجِنُّ، والمَلائِكَةُ، والشَّياطِينُ. ولا يُقالُ لِلْبَهائِمِ عالَمٌ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إنَّما هو جَمْعُ ما يَعْقِلُ. حَكى هَذِهِ الأقْوالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وذَكَرَ أدِلَّتَها وقالَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ومَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ: العالَمُ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ جَمْعُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ في الكَشّافِ: ساغَ ذَلِكَ لِمَعْنى الوَصْفِيَّةِ فِيهِ، وهي الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: إلَهُ الخَلْقِ كُلِّهِ: السَّماواتُ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ: والأرَضُونَ كُلُّهُنَّ ومِن فِيهِنَّ ومَن بَيْنَهُنَّ مِمّا يُعْلَمُ ومِمّا لا يُعْلَمُ. * * * ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. قالَ القُرْطُبِيُّ: وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بَعْدَ رَبِّ العالَمِينَ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في اتِّصافِهِ بِرَبِّ العالَمِينَ تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ لِيَجْمَعَ في صِفاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنهُ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونَ أعُونَ عَلى طاعَتِهِ وأمْنَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] وقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] . وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمِعَ في جَنَّتِهِ أحَدٌ، ولَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتِهِ أحَدٌ انْتَهى» . وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ما وُصِفَ مِن خَلْقِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالَ: مَدَحَ نَفْسَهُ.
suyuti_durr — الدر المنثور في التفسير بالمأثور
﴿الحَمْد لِلَّهِ﴾ جُمْلَة خَبَرِيَّة قُصِدَ بِها الثَّناء عَلى اللَّه بِمَضْمُونِها عَلى أنَّهُ تَعالى مالِك لِجَمِيعِ الحَمْد مِن الخَلْق أوْ مُسْتَحِقّ لِأَنْ يَحْمَدُوهُ واللَّه عَلَم عَلى المَعْبُود بِحَقٍّ. ﴿رَبّ العالَمِينَ﴾ أيْ مالِك جَمِيع الخَلْق مِن الإنْس والجِنّ والمَلائِكَة والدَّوابّ وغَيْرهمْ وكُلّ مِنها يُطْلَق عَلَيْهِ عالَم يُقال عالَم الإنْس وعالَم الجِنّ إلى غَيْر ذَلِك وغَلَبَ فِي جَمْعه بِالياءِ والنُّون أُولِي العِلْم عَلى غَيْرهمْ وهُوَ مِن العَلامَة لِأَنَّهُ عَلامَة عَلى مُوجِده.
tabary
الْحَمْدُ لِلَّهِ : قال أبو جعفر: ومعنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ) : الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كلِّ ما برَأَ من خلقه (46) ، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وَغذَاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم لذلك عليه، ومع ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدِّية إلى دوام الخلود في دار المُقام في النعيم المقيم. فلربِّنا الحمدُ على ذلك كله أولا وآخرًا. وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جلّ ذكره وتقدَّست أسماؤه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، جاء الخبرُ عن ابن عباس وغيره:- 151 - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما: قل يا محمد " الحمد لله " قال ابن عباس: " الحمد لله " : هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. (47) 152 - وحدثني سعيد بن عمرو السَّكُوني، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حَبيب، عن الحكم بن عُمَير - وكانت له صحبة - قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إذا قلت " الحمد لله ربِّ العالمين " ، فقد شكرت الله، فزادك. (48) قال: وقد قيل: إنّ قول القائل " الحمد لله " ، ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحُسنى، وقوله: " الشكر لله " ، ثناء عليه بنعمه وأياديه. وقد رُوي عن كعب الأحبار أنه قال: " الحمد لله " ، ثناءٌ على الله. ولم يبيّن في الرواية عنه، من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك. 153 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: أخبرني السلولي، عن كعب، قال: من قال " الحمد لله " ، فذلك ثناء على الله. (49) 154 - حدثني علي بن الحسن الخرّاز، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجَرْمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب القُرْقُساني، عن مُبارك بن فَضالة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيءٌ أحبَّ إليه الحمد، من الله تعالى، ولذلك أثنى على نَفسه فقال: " الحمد لله " (50) . قال أبو جعفر: ولا تَمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم (51) ، لقول القائل: " الحمد لله شكرًا " - بالصحة. فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد. لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال " الحمد لله شكرًا " ، فيُخْرِج من قول القائل " الحمد لله " مُصَدَّرَ: " أشكُرُ" ، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه. (52) فإن قال لنا قائل: وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد؟ وهلا قيل: حمدًا لله رب العالمين؟ قيل: إن لدخول الألف واللام في الحمد، معنى لا يؤديه قول القائل " حَمْدًا " ، بإسقاط الألف واللام. وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه (53) : جميعُ المحامد والشكرُ الكامل لله. ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله، دون المحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل: " حمدًا لله " أو " حمدٌ لله " : أحمد الله حمدًا، وليس التأويل في قول القائل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، تاليًا سورةَ أم القرآن: أحمدُ الله، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ، من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل. ولذلك من المعنى، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دون نصبها، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك: أحمد الله حمدًا. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب، لكان عندي مُحيلا معناه، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك، إذا تعمَّد قراءتَه كذلك، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله " الحمد لله " ؟ أحَمِد الله نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك، فما وجه قوله تعالى ذكره إذًا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ؟ أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا . قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهلٌ، ثم علَّم ذلك عباده، وفرض عليهم تلاوته، اختبارًا منه لهم وابتلاءً، فقال لهم قولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . فقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه، وذلك موصول بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وكأنه قال: قولوا هذا وهذا. فإن قال: وأين قوله: " قولوا " ، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟ قيل: قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة، ص [ 1-140 ] ولم تَشكَّك أنّ سامعها يعرف، بما أظهرت من منطقها، ما حذفت - (54) حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت، قولا أو تأويلَ قولٍ، كما قال الشاعر: وأَعْلَــمُ أَنَّنِــي سَــأَكُونُ رَمْسًـا إذَا سَـــارَ النَّـــوَاعِجُ لا يَسِــيرُ (55) فَقَــالَ السّــائلون لِمَــنْ حَـفَرْتُمْ? فَقَــالَ المُخْــبِرُون لَهُــمْ: وزيـرُ (56) قال أبو جعفر: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميِّتُ وزيرٌ، فأسقَط الميت، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك. وكذلك قول الآخر: وَرأَيــتِ زَوْجَــكِ فــي الــوغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (57) وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد، وإنما أراد: وحاملا رمحًا، ولكن لما كان معلومًا معناه، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه، عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه: " مُصاحَبًا مُعافًى " ، يحذفون " سر، واخرج " ، إذ كان معلومًا معناه، وإن أسقط ذكره. فكذلك ما حُذف من قول الله تعالى ذكره: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، لمَّا عُلم بقوله جل وعزّ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ما أراد بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، من معنى أمره عبادَه، أغنتْ دلالةُ ما ظُهِر عليه من القول عن إبداء ما حُذف. وقد روينا الخبرَ الذي قدمنا ذكره مبتَدأ في تأويل قول الله: (58) (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، عن ابن عباس، وأنه كان يقول: إن جبريل قال لمحمد: قل يا محمد: " الحمد لله رب العالمين " ، وبيّنا أن جبريل إنما علّم محمدًا ما أُمِر بتعليمه إياه (59) . وهذا الخبر يُنبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك. القول في تأويل قوله : رَبِّ . قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو اللَّهِ ، في بِسْمِ اللَّهِ ، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع. وأما تأويل قوله (رَبِّ) ، فإن الرّب في كلام العرب منصرفٌ على معان: فالسيد المطاع فيها يدعَى ربًّا، ومن ذلك قول لَبِيد بن ربيعة: وأَهْلكْــنَ يومًــا ربَّ كِنْـدَة وابنَـه ورَبَّ مَعـدٍّ , بيـن خَـبْتٍ وعَرْعَـرِ (60) يعني بربِّ كندة: سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان: تَخُــبُّ إلـى النُّعْمَـانِ حَـتَّى تَنالَـهُ فِـدًى لـكَ مـن رَبٍّ طَـرِيفِي وَتَالِدِي (61) والرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا، ومنه قول الفرزدق بن غالب: كــانُوا كَسَـالِئَةٍ حَمْقَـاءَ إذْ حَـقَنتْ سِـلاءَها فِـي أدِيـم غَـيْرِ مَرْبُـوبِ (62) يعني بذلك: في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة: فكُـنْتَ امـرَأً أَفْضَـتْ إليـك رِبَابَتي وَقَبْلَــكَ رَبَّتْنـي, فَضِعْـتُ رُبُـوبُ (63) يعنى بقوله: " أفضتْ إليك " أي وصلتْ إليك رِبَابتي، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ (64) ، فضيَّعوا أمري وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب: واحدهم ربٌّ . والمالك للشيء يدعى رَبَّه. وقد يتصرف أيضًا معنى " الربّ" في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة. فربّنا جلّ ثناؤه: السيد الذي لا شِبْه لهُ، ولا مثل في سُؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جلّ ثناؤه (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، جاءت الرواية عن ابن عباس:- 155 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا ص [ 1-143 ] بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: " يا محمد قل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) " ، قال ابن عباس: يقول: قل الحمد لله الذي له الخلق كله - السمواتُ كلهن ومن فيهنّ، والأَرَضُون كلُّهنّ ومن فيهنّ وما بينهن، مما يُعلم ومما لا يُعلم. يقول: اعلم يا محمد أن ربَّك هذا لا يشبهه شيء. (65) القول في تأويل قوله : الْعَالَمِينَ . قاله أبو جعفر: والعالَمون جمع عالَم، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج: * فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ * (66) فجعلهم عالمَ زمانه. وهذا القول الذي قلناه، قولُ ابن عباس وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامّة المفسرين. ص [ 1-144 ] 156 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، الحمد لله الذي له الخلق كله: السموات والأرضون ومَن فيهنّ، وما بينهن، مما يُعلم ولا يعلم. (67) 157 - وحدثني محمد بن سنان القَزَّاز، قال حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: (رب العالمين) : الجن والإنس. (68) 158 - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قول الله جل وعزّ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: ربِّ الجن والإنس. (69) 159 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير: قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: الجنّ والإنس. (70) 160 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرْقي، قال: حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لَهِيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال: ابن آدم، والجن والإنس، كل أمة منهم عالمٌ على حِدَته. (71) 161 - حدثني محمد بن حُميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: الإنس والجن. (72) 162 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد بمثله. (73) 163 - حدثنا بشر بن معاذ العَقَدي، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال: كلّ صنف عالم. (74) ص [ 1-146 ] 164 - حدثني أحمد بن حازم الغِفَاري، قال: حدثنا عُبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال: الإنس عالَمٌ، والجنّ عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعةَ عشر ألف عالم - هو يشكّ - من الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلافِ عالم وخمسمائة عالَمٍ، خلقهم لعبادته. (75) 165 - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، في قوله: (رَبِّ الَعَالَمِينَ) قال: الجن والإنس. (76) ---------------- الهوامش : (46) في المطبوعة : "ما يرى" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير 1 : 42 . (47) الحديث 151- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في 137 . و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري : هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق ، مرة يسميه ومرة يكنيه . وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير 1 : 43 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير 1 : 10 ، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره . (48) الحديث 152- نقله ابن كثير 1 : 43 بإسناد الطبري هذا ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف" . وإسناده ضعيف حقًا ، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة ، كما سنذكر : أما بقية بن الوليد ، فالحق أنه ثقة ، وإنما نعوا عليه التدليس ، ولا موضع له هنا ، فإنه صرح بالتحديث . ولكن عيسى بن إبراهيم ، وهو القرشي الهاشمي ، كل البلاء منه في هذا الحديث ، وفي أحاديث من نحوه ، رواها بهذا الإسناد . وقد قال فيه البخاري في الضعفاء : 27 : "منكر الحديث" ، وكذلك النسائي : 22 . وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 271 - 272 ، وروى عن أبيه قال : "متروك الحديث" ، وعن ابن معين : "ليس بشيء" ، وقال ابن حبان في الضعفاء ، الورقة 163 : "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد" . وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب . وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله : ضعيف تالف ، وقال الذهبي في الميزان : "ضعفه أبو حاتم ، وخبره ساقط . وله عن الحكم بن عمير ، رجل قيل : له صحبة . والذي أراه أنه لم يلقه . وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير" . فالبلاء من هذين أو من أحدهما . حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير" ، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 2 / 125 ، قال : "الحكم بن عمير : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يذكر السماع ولا لقاء ، أحاديث منكرة ، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ، وهو شيخ ضعيف الحديث ، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم ، وهو ذاهب الحديث ، سمعت أبي يقول ذلك" . وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان ، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم ، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك . وتعقبه الحافظ في لسان الميزان 2 : 337 وأثبت أنه صحابي ، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم ، وأن الدار قطني قال : "كان بدريًا" . وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص 54) في طبقة الصحابة ، وقال : "يقال إن له صحبة" . ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان ، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين" . وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب ، رقم 476 : باسم "الحكم بن عمرو الثمالي ، وثمالة في الأزد ، شهد بدرًا ، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم ، لا تصح" . وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب ، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة 1 : 26 ، وأشار إلى الغلط فيه ، ثم ترجمه على الصواب : "الحكم بن عمير الثمالي ، من الأزد ، وكان يسكن حمص" . وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة 2 : 30 تحقيقًا جيدًا . (49) الخبر 153- هذا الإسناد صحيح ، وسواء صح أم ضعف ، فلا قيمة له ، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار . وما كان كلام كعب حجة قط ، في التفسير وغيره . و "الصدفي" : بفتح الصاد والدال المهملتين ، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال ، وهي قبيلة من حمير ، نزلت مصر . و "السلولي" ، هو : عبد الله بن ضمرة السلولي ، تابعي ثقة . وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير 1 : 43 دون إسناد ولا نسبة . وذكر السيوطي 1 : 11 ونسبه للطبري وابن أبي حاتم . (50) الحديث 154 - إسناده صحيح . علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز ، شيخ الطبري : ثقة ، مترجم في تاريخ بغداد 11 : 374 - 375 . و "الخراز" : ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي . وفي تاريخ بغداد "الخزاز" بزاءين ، ولم نستطع الترجيح بينهما . مسلم بن عبد الرحمن الجرمي : مترجم في لسان الميزان 6 : 32 باسم "مسلم بن أبي مسلم" فلم يذكر اسم أبيه ، وهو هو . ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 100 ، قال : "مسلم بن أبي مسلم الجرمي ، وهو مسلم بن عبد الرحمن" ، وقال : "كان ثقة ، نزل طرسوس ، وبها كانت وفاته" . و "الجرمي" : رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان "الحرمي" بدون نقط . ولكنهم لم ينصوا على ضبطه . وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط ، والجادة في هذا الرسم "الجرمي" بالجيم ، وبذلك رسم في تاريخ بغداد ، فعن هذا أو ذاك رجحناه . و "محمد بن مصعب القرقساني" ، و "مبارك بن فضالة" : مختلف فيهما . وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند : الأول في 3048 ، والثاني في 521 . و "الحسن" : هو البصري ، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان ، في الحديث 132 أنه سمع من الأسود بن سريع . وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور 1 : 12 عن تفسير الطبري . ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا 15650 (3 : 435 حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع ، قال : "قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟ قال : أما إن ربك يحب الحمد" . وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات أثبات . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 43 عن المسند . وكذلك ذكره السيوطي ، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما . ورواه أحمد أيضًا 15654 ، والبخاري في الأدب المفرد : 51 ، بنحوه ، في قصة مطولة ، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع . ومعناه ثابت صحيح ، من حديث ابن مسعود ، في المسند 4153 : "لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه" . ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما . (51) انظر ما كتبناه آنفًا : 126 عن معنى "لا تمانع" . (52) تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن "الحمد والشكر" بمعنى ، وأن أحدهما يوضع موضع الآخر ، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضًا . انظر القرطبي 1 : 116 ، وابن كثير 1 : 42 ، وأخطأ النقل عن القرطبي ، فظنه استدل لصحة قول الطبري ، وهو وهم . والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه . وقوله "مصدر أشكر" ، وقوله "أن يصدر من الحمد" ، يعني به المفعول المطلق . وانظر ما مضى : 117 ، تعليق : 1 . (53) في المطبوعة : "مبني على أن معناه" ، أدخلوا عليه التبديل . (54) سياق الكلام : "أن العرب من شأنها . . . حذف" وما بينهما فصل . (55) تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون : 87 (18 : 27 بولاق) . ، ونسبهما لبعض بني عامر ، وكذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 170 وهما في البيان والتبيين 3 : 184 منسوبان للوزيري ، ولم أعرفه ، وفيها اختلاف في الرواية . الرمس : القبر المسوى عليه التراب . يقول : أصبح قبرا يزار أو يناح عليه . ورواه الجاحظ : "سأصير ميتًا" ، وهي لا شيء . والنواعج جمع ناعجة : وهي الإبل السراع ، نعجت في سيرها ، أي سارت في كل وجه من نشاطها . وفي البيان ومعاني الفراء "النواجع" ، وليست بشيء . (56) رواية الجاحظ : "فقال السائلون : من المسجى" . وفي المعاني "السائرون" . (57) يأتي في تفسير آيات سورة البقرة : 7 / وسورة آل عمران : 49 / وسورة المائدة : 53 / وسورة الأنعام : 99 / وسورة الأنفال : 14 / وسورة يونس : 71 / وسورة الرحمن : 22 . وهو بيت مستشهد به في كل كتاب . (58) في المطبوعة : "في تنزيل قول الله" . (59) انظر ما مضى آنفًا لحديث رقم : 151 . (60) ديوانه القصيدة : 15 / 32 . وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس . ورب معد : حذيفة بن بدر ، كما يقول شارح ديوانه ، وأنا في شك منه ، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة . ولبيد يذكر خبتًا وعرعرًا ، وهما موضعان غيره . (61) ديوانه : 89, والمخصص 7 : 154 . الطريف والطارف : المال المستحدث, خلاف التليد والتالد : وهو العتيق الذي ولد عندك . (62) ديوانه : 25 . سلأ السمن يسلؤه : طبخه وعالجه فأذاب زبده . والسلاء ، بكسر السين : السمن . وحقن اللبن في الوطب ، والماء في السقاء : حبسه فيه وعبأه . رب نحى السمن يربه : دهنه بالرب ، وهو دبس كل ثمرة ، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ، فتطيب رائحته ، ويمنع السمن أن يرشح ، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه . وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن . وأديم مربوب : جدا قد أصلح بالرب . يقول : فعلوا فعل هذه الحمقاء ، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله . (63) ديوانه : 29 ، ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 79 ، (3 : 233 بولاق) والمخصص 17 : 154 ، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان ، وهو الحارث الأعرج المشهور . قال ابن سيده : "ربوب : جمع رب ، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري ، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك ، كأنه قال : الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه" . وقال الطبري فيما سيأتي : "يعني بقوله : ربتني : ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ، ولكنهم أضاعوني فضعت" . والربابة : المملكة ، وهي أيضًا الميثاق والعهد . وبها فسر هذا البيت ، وأيدوه برواية من روى بدل "ربابتي" ، "أمانتي" . والأول أجود . (64) في المطبوعة : "من الملوك الذين كانوا" ، غيروه ليوافق ما ألفوا من العبارة . (65) الحديث 155- سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ، برقم 137 . وهذا الحديث في ابن كثير 1 : 44 ، والدر المنثور 1 : 13 ، والشوكاني 1 : 11 . ونسبه الأخيران أيضًا لابن أبي حاتم . وفي المطبوع وابن كثير "والأرض ومن فيهن" . (66) ديوانه : 60 ، وطبقات فحول الشعراء : 64 ، وخندف : أم بني إلياس بن مضر ، مدركة وطابخة ، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى . (67) الحديث 156- هو مختصر مما قبله : 155 . (68) الخبر 157- إسناد صحيح . محمد بن سنان القزاز ، شيخ الطبري : تكلموا فيه من أجل حديث واحد . والحق أنه لا بأس به ، كما قال الدارقطني . وهو مترجم في التهذيب ، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد 5 : 343- 346 . أبو عاصم : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد ، الحافظ الحجة . شبيب : هو ابن بشر البجلي ، ووقع في التهذيب 4 : 306 "الحلبي" وهو خطأ مطبعي ، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري 2 / 2 / 232 / 233 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 357- 358 والتقريب وغيرها ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين . (69) الخبر 158- إسناده حسن على الأقل ، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره ، وقيس بن الربيع قديم ، لعله سمع منه قبل الاختلاط ، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح . ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب" ، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب" ، وهو القرقساني ، كما مضى في الإسناد 154 . (70) الخبر 159- إسناده حسن كالذي قبله . وأبو أحمد الزبيري : هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي ، من الثقات الكبار ، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ . وقيس : هو ابن الربيع . وهذه الأخبار الثلاثة 157- 159 ، ولفظها واحد ، ذكرها ابن كثير 1 : 44 خبرًا واحدًا دون إسناد . وذكرها السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم وصححه ، عن ابن عباس" . (71) الأثر 160 - أحمد بن عبد الرحيم البرقي : اشتهر بهذا ، منسوبًا إلى جده ، وكذلك أخوه "محمد" وهو : أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم . وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم 22 باسم "ابن البرقي" . ابن أبي مريم : هو سعيد . ابن لهيعة هو عبد الله . عطاء بن دينار المصري : ثقة ، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 332 وفي المراسيل : 58 عن أحمد بن صالح ، قال : " عطاء بن دينار ، هو من ثقات أهل مصر ، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير - : صحيفة ، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير " . وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم ، قال : " هو صالح الحديث ، إلا أن التفسير أخذه من الديوان ، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن ، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه ، فوجده عطاء بن دينار في الديوان ، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير" . (72) الأثر 161 - إسناده إلى مجاهد ضعيف . لأن سفيان ، وهو الثوري ، لم يسمع من مجاهد ؛ لأن الثوري ولد سنة 97 ، ومجاهد مات سنة 100 أو بعدها بقليل ، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر ، راويها عن الثوري ، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي 11 . وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد . وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد . (73) الأثر 162 - إسناده ضعيف ، لإبهام الرجل راويه عن مجاهد . وهو يدل على غلط مهران في الإسناد قبله ، إذ جعله عن الثوري عن مجاهد مباشرة ، دون واسطة . (74) الأثر 163 - سعيد : هو ابن أبي عروبة ، وقد مضى أثر آخر عن قتادة بهذا الإسناد. 119 وهذا الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، وفي نسبته هناك خطأ مطبعي : " ابن جريج " بدل " ابن جرير " . وكلام ابن جريج سيأتي 165 مرويًا عنه لا راويًا . (75) الأثر 164 - أبو جعفر : هو الرازي التميمي ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم ، وقال ابن عبد البر : "هو عندهم ثقة ، عالم بتفسير القرآن" . وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد 11 : 143 - 147 . وهذا الأثر عن أبي العالية ذكره ابن كثير 1 : 45 والسيوطي 1 : 13 بأطول مما هنا قليلا ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، وقال ابن كثير : "وهذا كلام غريب ، يحتاج مثله إلى دليل صحيح" . وهذا حق . (76) الأثر 165 - سبق الكلام على هذا الإسناد 144 . وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد .
tabary — جامع البيان
القول في تأويل فاتحة الكتاب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ : قال أبو جعفر: ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ : الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كلِّ ما برَأَ من خلقه [[في المطبوعة: "ما يرى"، والصواب من المخطوطة وابن كثير ١: ٤٢.]] ، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وَغذَاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم لذلك عليه، ومع ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدِّية إلى دوام الخلود في دار المُقام في النعيم المقيم. فلربِّنا الحمدُ على ذلك كله أولا وآخرًا. وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جلّ ذكره وتقدَّست أسماؤه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، جاء الخبرُ عن ابن عباس وغيره:- ١٥١ - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما: قل يا محمد "الحمد لله " قال ابن عباس: "الحمد لله": هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. [[الحديث ١٥١- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في ١٣٧. و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري: هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه. وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.]] ١٥٢ - وحدثني سعيد بن عمرو السَّكُوني، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حَبيب، عن الحكم بن عُمَير - وكانت له صحبة - قال: قال النبيُّ ﷺ: إذا قلت "الحمد لله ربِّ العالمين"، فقد شكرت الله، فزادك. [[الحديث ١٥٢- نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبري هذا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١١ ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف". وإسناده ضعيف حقًا، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة، كما سنذكر: أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا، فإنه صرح بالتحديث. ولكن عيسى بن إبراهيم، وهو القرشي الهاشمي، كل البلاء منه في هذا الحديث، وفي أحاديث من نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخاري في الضعفاء: ٢٧: "منكر الحديث"، وكذلك النسائي: ٢٢. وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن أبيه قال: "متروك الحديث"، وعن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن حبان في الضعفاء، الورقة ١٦٣: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب. وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبي في الميزان: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة. والذي أراه أنه لم يلقه. وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير". فالبلاء من هذين أو من أحدهما. حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير"، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٢ / ١٢٥، قال: "الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ، لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، سمعت أبي يقول ذلك". وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك. وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٢: ٣٣٧ وأثبت أنه صحابي، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم، وأن الدارقطني قال: "كان بدريًا". وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص ٥٤) في طبقة الصحابة، وقال: "يقال إن له صحبة". ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين". وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم "الحكم بن عمرو الثمالي، وثمالة في الأزد، شهد بدرًا، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم، لا تصح". وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: "الحكم بن عمير الثمالي، من الأزد، وكان يسكن حمص". وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقًا جيدًا.]] قال: وقد قيل: إنّ قول القائل "الحمد لله"، ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحُسنى، وقوله: "الشكر لله"، ثناء عليه بنعمه وأياديه. وقد رُوي عن كعب الأحبار أنه قال: "الحمد لله"، ثناءٌ على الله. ولم يبيّن في الرواية عنه، من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك. ١٥٣ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: أخبرني السلولي، عن كعب، قال: من قال "الحمد لله"، فذلك ثناء على الله. [[الخبر ١٥٣- هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، في التفسير وغيره. و "الصدفي": بفتح الصاد والدال المهملتين، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال، وهي قبيلة من حمير، نزلت مصر. و "السلولي"، هو: عبد الله بن ضمرة السلولي، تابعي ثقة. وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.]] ١٥٤ - حدثني علي بن الحسن الخرّاز، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجَرْمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب القُرْقُساني، عن مُبارك بن فَضالة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع: أن النبي ﷺ قال: ليس شيءٌ أحبَّ إليه الحمد، من الله تعالى، ولذلك أثنى على نَفسه فقال: "الحمد لله" [[الحديث ١٥٤ - إسناده صحيح. علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز، شيخ الطبري: ثقة، مترجم في تاريخ بغداد ١١: ٣٧٤ - ٣٧٥. و "الخراز": ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي. وفي تاريخ بغداد "الخزاز" بزاءين، ولم نستطع الترجيح بينهما. مسلم بن عبد الرحمن الجرمي: مترجم في لسان الميزان ٦: ٣٢ باسم "مسلم بن أبي مسلم" فلم يذكر اسم أبيه، وهو هو. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣: ١٠٠، قال: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وهو مسلم بن عبد الرحمن"، وقال: "كان ثقة، نزل طرسوس، وبها كانت وفاته". و "الجرمي": رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان "الحرمي" بدون نقط. ولكنهم لم ينصوا على ضبطه. وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط، والجادة في هذا الرسم "الجرمي" بالجيم، وبذلك رسم في تاريخ بغداد، فعن هذا أو ذاك رجحناه. و "محمد بن مصعب القرقساني"، و "مبارك بن فضالة": مختلف فيهما. وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند: الأول في ٣٠٤٨، والثاني في ٥٢١. و "الحسن": هو البصري، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان، في الحديث ١٣٢ أنه سمع من الأسود بن سريع. وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ١: ١٢ عن تفسير الطبري. ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا ١٥٦٥٠ (٣: ٤٣٥ حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع، قال: "قلت: يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟ قال: أما إن ربك يحب الحمد". وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات. وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٤٣ عن المسند. وكذلك ذكره السيوطي، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما. ورواه أحمد أيضًا ١٥٦٥٤، والبخاري في الأدب المفرد: ٥١، بنحوه، في قصة مطولة، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع. ومعناه ثابت صحيح، من حديث ابن مسعود، في المسند ٤١٥٣: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه". ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما.]] . قال أبو جعفر: ولا تَمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم [[انظر ما كتبناه آنفًا: ١٢٦ عن معنى "لا تمانع".]] ، لقول القائل: "الحمد لله شكرًا" - بالصحة. فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد. لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال "الحمد لله شكرًا"، فيُخْرِج من قول القائل "الحمد لله" مُصَدَّرَ: "أشكُرُ"، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد، كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه. [[تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن "الحمد والشكر" بمعنى، وأن أحدهما يوضع موضع الآخر، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضًا. انظر القرطبي ١: ١١٦، وابن كثير ١: ٤٢، وأخطأ النقل عن القرطبي، فظنه استدل لصحة قول الطبري، وهو وهم. والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه. وقوله "مصدر أشكر"، وقوله "أن يصدر من الحمد"، يعني به المفعول المطلق. وانظر ما مضى: ١١٧، تعليق: ١.]] فإن قال لنا قائل: وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد؟ وهلا قيل: حمدًا لله رب العالمين؟ قيل: إن لدخول الألف واللام في الحمد، معنى لا يؤديه قول القائل "حَمْدًا"، بإسقاط الألف واللام. وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه [[في المطبوعة: "مبني على أن معناه"، أدخلوا عليه التبديل.]] : جميعُ المحامد والشكرُ الكامل لله. ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله، دون المحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل: "حمدًا لله" أو "حمدٌ لله": أحمد الله حمدًا، وليس التأويل في قول القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، تاليًا سورةَ أم القرآن: أحمدُ الله، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ، من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل. ولذلك من المعنى، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون نصبها، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك: أحمد الله حمدًا. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب، لكان عندي مُحيلا معناه، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك، إذا تعمَّد قراءتَه كذلك، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله "الحمد لله"؟ أحَمِد الله نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك، فما وجه قوله تعالى ذكره إذًا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ؟ أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله ﷺ؟ فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا. قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهلٌ، ثم علَّم ذلك عباده، وفرض عليهم تلاوته، اختبارًا منه لهم وابتلاءً، فقال لهم قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه، وذلك موصول بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وكأنه قال: قولوا هذا وهذا. فإن قال: وأين قوله: "قولوا"، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟ قيل: قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة، ولم تَشكَّك أنّ سامعها يعرف، بما أظهرت من منطقها، ما حذفت - [[سياق الكلام: "أن العرب من شأنها. . . حذف" وما بينهما فصل.]] حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت، قولا أو تأويلَ قولٍ، كما قال الشاعر: وأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِيرُ [[تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون: ٨٧ (١٨: ٢٧ بولاق) .، ونسبهما لبعض بني عامر، وكذلك في معاني القرآن للفراء ١: ١٧٠ وهما في البيان والتبيين ٣: ١٨٤ منسوبان للوزيري، ولم أعرفه، وفيها اختلاف في الرواية. الرمس: القبر المسوى عليه التراب. يقول: أصبح قبرا يزار أو يناح عليه. ورواه الجاحظ: "سأصير ميتًا"، وهي لا شيء. والنواعج جمع ناعجة: وهي الإبل السراع، نعجت في سيرها، أي سارت في كل وجه من نشاطها. وفي البيان ومعاني الفراء "النواجع"، وليست بشيء.]] فَقَالَ السّائلون لِمَنْ حَفَرْتُمْ؟ ... فَقَالَ المُخْبِرُون لَهُمْ: وزيرُ [[رواية الجاحظ: "فقال السائلون: من المسجى". وفي المعاني "السائرون".]] قال أبو جعفر: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميِّتُ وزيرٌ، فأسقَط الميت، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك. وكذلك قول الآخر: وَرأَيتِ زَوْجَكِ في الوغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [[يأتي في تفسير آيات سورة البقرة: ٧ / وسورة آل عمران: ٤٩ / وسورة المائدة: ٥٣ / وسورة الأنعام: ٩٩ / وسورة الأنفال: ١٤ / وسورة يونس: ٧١ / وسورة الرحمن: ٢٢. وهو بيت مستشهد به في كل كتاب.]] وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد، وإنما أراد: وحاملا رمحًا، ولكن لما كان معلومًا معناه، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه، عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه: "مُصاحَبًا مُعافًى"، يحذفون "سر، واخرج"، إذ كان معلومًا معناه، وإن أسقط ذكره. فكذلك ما حُذف من قول الله تعالى ذكره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، لمَّا عُلم بقوله جل وعزّ: ﴿إيّاكَ نَعبُد﴾ ما أراد بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، من معنى أمره عبادَه، أغنتْ دلالةُ ما ظُهِر عليه من القول عن إبداء ما حُذف. وقد روينا الخبرَ الذي قدمنا ذكره مبتَدأ في تأويل قول الله: [[في المطبوعة: "في تنزيل قول الله".]] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، عن ابن عباس، وأنه كان يقول: إن جبريل قال لمحمد: قل يا محمد: "الحمد لله رب العالمين"، وبيّنا أن جبريل إنما علّم محمدًا ما أُمِر بتعليمه إياه [[انظر ما مضى آنفًا لحديث رقم: ١٥١.]] . وهذا الخبر يُنبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك. * * * القول في تأويل قوله: ﴿رَبِّ﴾ . قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو "الله"، في "بسم الله"، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع. وأما تأويل قوله ﴿رَبِّ﴾ ، فإن الرّب في كلام العرب منصرفٌ على معان: فالسيد المطاع فيها يدعَى ربًّا، ومن ذلك قول لَبِيد بن ربيعة: وأَهْلكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَة وابنَه ... ورَبَّ مَعدٍّ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرِ [[ديوانه القصيدة: ١٥ / ٣٢. وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس. ورب معد: حذيفة بن بدر، كما يقول شارح ديوانه، وأنا في شك منه، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة. ولبيد يذكر خبتًا وعرعرًا، وهما موضعان غيره.]] يعني بربِّ كندة: سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان: تَخُبُّ إلى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنالَهُ ... فِدًى لكَ من رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي [[ديوانه: ٨٩، والمخصص ٧: ١٥٤. الطريف والطارف: المال المستحدث، خلاف التليد والتالد: وهو العتيق الذي ولد عندك.]] والرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا، ومنه قول الفرزدق بن غالب: كانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ ... سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ [[ديوانه: ٢٥. سلأ السمن يسلؤه: طبخه وعالجه فأذاب زبده. والسلاء، بكسر السين: السمن. وحقن اللبن في الوطب، والماء في السقاء: حبسه فيه وعبأه. رب نحى السمن يربه: دهنه بالرب، وهو دبس كل ثمرة، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه، فتطيب رائحته، ويمنع السمن أن يرشح، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه. وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن. وأديم مربوب: جدا قد أصلح بالرب. يقول: فعلوا فعل هذه الحمقاء، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله.]] يعني بذلك: في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة: فكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ رُبُوبُ [[ديوانه: ٢٩، ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ٧٩، (٣: ٢٣٣ بولاق) والمخصص ١٧: ١٥٤، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان، وهو الحارث الأعرج المشهور. قال ابن سيده: "ربوب: جمع رب، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك، كأنه قال: الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه". وقال الطبري فيما سيأتي: "يعني بقوله: ربتني: ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعت". والربابة: المملكة، وهي أيضًا الميثاق والعهد. وبها فسر هذا البيت، وأيدوه برواية من روى بدل"ربابتي"، "أمانتي". والأول أجود.]] يعنى بقوله: "أفضتْ إليك" أي وصلتْ إليك رِبَابتي، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ [[في المطبوعة: "من الملوك الذين كانوا"، غيروه ليوافق ما ألفوا من العبارة.]] ، فضيَّعوا أمري وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب: واحدهم ربٌّ. والمالك للشيء يدعى رَبَّه. وقد يتصرف أيضًا معنى "الربّ" في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة. فربّنا جلّ ثناؤه: السيد الذي لا شِبْه لهُ، ولا مثل في سُؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جلّ ثناؤه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، جاءت الرواية عن ابن عباس:- ١٥٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: "يا محمد قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، قال ابن عباس: يقول: قل الحمد لله الذي له الخلق كله - السمواتُ كلهن ومن فيهنّ، والأَرَضُون كلُّهنّ ومن فيهنّ وما بينهن، مما يُعلم ومما لا يُعلم. يقول: اعلم يا محمد أن ربَّك هذا لا يشبهه شيء. [[الحديث ١٥٥- سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد، برقم ١٣٧. وهذا الحديث في ابن كثير ١: ٤٤، والدر المنثور ١: ١٣، والشوكاني ١: ١١. ونسبه الأخيران أيضًا لابن أبي حاتم. وفي المطبوع وابن كثير "والأرض ومن فيهن".]] * * * القول في تأويل قوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ . قاله أبو جعفر: والعالَمون جمع عالَم، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج: * فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ * [[ديوانه: ٦٠، وطبقات فحول الشعراء: ٦٤، وخندف: أم بني إلياس بن مضر، مدركة وطابخة، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى.]] فجعلهم عالمَ زمانه. وهذا القول الذي قلناه، قولُ ابن عباس وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامّة المفسرين. ١٥٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، الحمد لله الذي له الخلق كله: السموات والأرضون ومَن فيهنّ، وما بينهن، مما يُعلم ولا يعلم. [[الحديث ١٥٦- هو مختصر مما قبله: ١٥٥.]] ١٥٧ - وحدثني محمد بن سنان القَزَّاز، قال حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿رب العالمين﴾ : الجن والإنس. [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] ١٥٨ - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قول الله جل وعزّ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال: ربِّ الجن والإنس. [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] ١٥٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال: الجنّ والإنس. [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] ١٦٠ - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرْقي، قال: حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لَهِيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ابن آدم، والجن والإنس، كل أمة منهم عالمٌ على حِدَته. [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] ١٦١ - حدثني محمد بن حُميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال: الإنس والجن. [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] ١٦٢ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد بمثله. [[الأثر ١٦٢ - إسناده ضعيف، لإبهام الرجل راويه عن مجاهد. وهو يدل على غلط مهران في الإسناد قبله، إذ جعله عن الثوري عن مجاهد مباشرة، دون واسطة.]] ١٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ العَقَدي، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كلّ صنف عالم. [[الأثر ١٦٣ - سعيد: هو ابن أبي عروبة، وقد مضى أثر آخر عن قتادة بهذا الإسناد. ١١٩ وهذا الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، وفي نسبته هناك خطأ مطبعي: " ابن جريج " بدل " ابن جرير ". وكلام ابن جريج سيأتي ١٦٥ مرويًا عنه لا راويًا.]] ١٦٤ - حدثني أحمد بن حازم الغِفَاري، قال: حدثنا عُبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال: الإنس عالَمٌ، والجنّ عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعةَ عشر ألف عالم - هو يشكّ - من الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلافِ عالم وخمسمائة عالَمٍ، خلقهم لعبادته. [[الأثر ١٦٤ - أبو جعفر: هو الرازي التميمي، وهو ثقة، تكلم فيه بعضهم، وقال ابن عبد البر: "هو عندهم ثقة، عالم بتفسير القرآن". وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد ١١: ١٤٣ - ١٤٧. وهذا الأثر عن أبي العالية ذكره ابن كثير ١: ٤٥ والسيوطي ١: ١٣ بأطول مما هنا قليلا، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم، وقال ابن كثير: "وهذا كلام غريب، يحتاج مثله إلى دليل صحيح". وهذا حق.]] ١٦٥ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، في قوله: ﴿رَبِّ الَعَالَمِينَ﴾ قال: الجن والإنس. [[الأثر ١٦٥ - سبق الكلام على هذا الإسناد ١٤٤. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد.]]
thaalabi — الجواهر الحسان
الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود. قال ص [[«المجيد» ص 50.]] : وهل الحمدُ بمعنى الشكْر أو الحمدُ أَعمُّ، أو الشكر ثناءٌ على اللَّه بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟ ثلاثةُ أقوال. انتهى. قال الطبريُّ [[«تفسير الطبري» (1/ 139- 140) ، وقد استدل أبو جعفر على حذف ما تعرفه العرب في أحاديثها بقول الشاعر: [الوافر] واعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم: وزير ثم قال: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميت وزير، فأسقط الميت إذ كان قد أتى من الكلام بما دل على ذلك ... » .]] : الحمدُ لِلَّهِ: ثناءٌ أثنى به على نفسه تعالى، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد للَّه/، وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ، واهْدِنَا. قال: وهذا من حذف العربِ ما يدلُّ ظاهر الكلام عليه، وهو كثيرٌ. والرب في اللغة: المعبودُ، والسيدُ المالكُ، والقائمُ بالأمور المُصْلِحُ لما يفسد منها، فالرب على الإِطلاق هو ربُّ الأرباب على كل جهة، وهو اللَّه تعالى. والعَالَمُونَ: جمع عَالَمٍ، وهو كل موجود سوى اللَّه تعالى، يقال لجملته: عَالَمٌ، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عَالَمٌ، عَالَمٌ، وبحسب ذلك يجمع على العَالَمِينَ، ومن حيثُ عالَمُ الزمانِ متبدِّلٌ في زمان آخر، حَسُنَ جمعها، ولفظة العالَمِ جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العَلَمِ والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزَّجَّاج [[«معاني القرآن وإعرابه» لأبي إسحاق الزجاج (1/ 46) .]] ، قال أبو حَيَّان [[«البحر المحيط» (1/ 132) ، وينظر «المجيد» ص (53) .]] : الألف واللام في العَالَمِينَ لِلاستغراقِ، وهو جمع سلامة، مفرده عَالَمٌ، اسم جمع، وقياسه ألا يجمع، وشذَّ جمعه أيضاً جمع سلامة لأنه ليس بعَلَمٍ ولا صفةٍ. م: وذهب ابنُ مالك [[محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني، أبو عبد الله، جمال الدين، أحد الأئمة في علوم العربية. ولد في حيان ب «الأندلس» سنة 600 هـ. وانتقل إلى دمشق، فتوفي فيها سنة (672) هـ. من كتبه: «الألفية» وهو أشهرها في النحو، و «تسهيل الفوائد» في النحو أيضا، وكذلك «الكافية الشافية» أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت، و «إيجاز التعريف» في الصرف، و «العروض» . ينظر: «الأعلام» (6/ 233) ، «بغية الوعاة» (53) ، «آداب اللغة» (3/ 140) ، و «طبقات السبكي» (5/ 28) .]] في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» إلى أن «عَالَمِين» اسم جمعٍ لمن يعقل، وليس جمع عالمٍ لأن العَالَمَ عامٌّ، و «عالَمِينَ» خاصٌّ، قلت: وفيه نظر. انتهى. وقد تقدّم القول في الرحمن الرحيم.
thalabi — الكشف والبيان
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ . [[بياض في المخطوط.]] .. على نفسه، نعيما منه على خلقه. ولفظه خبر ومعناه أمر، تقريره: قولوا: الحمد لله. قال ابن عباس: يعني: الشكر منه، وهو من الحمد.. [[بياض في المخطوط.]] .. والحمد لله نقيض الذم. وقال ابن الأنباري: هو مقلوب عن المدح كقوله: جبل وجلب، و: بض وضبّ. واختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، فقال بعضهم: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال الحميدة، تقول: حمدت الرجل، إذا أثنيت عليه بكرم أو [حلم] أو شجاعة أو سخاوة، ونحو ذلك. والشكر له: الثناء عليه أو لآله. فالحمد: الثناء عليه بما هو به، والشكر: الثناء عليه بما هو منه. وقد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرته، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، [ف] لا يقال: شكرته على علمه وحلمه. والحمد أعمّ من الشكر لذلك ذكره الله فأمر به، فمعنى الآية: الحمد لله على صفاته العليا وأسمائه الحسنى، وعلى جميع صنعه وإحسانه إلى خلقه. وقيل: الحمد باللسان قولا، قال الله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [[سورة الإسراء: 111.]] ، وقال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [[سورة النمل: 59.]] والشكر بالأركان فعلا، قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [[سورة سبأ: 13.]] . وقيل: الحمد لله على ما حبا وهو النعماء، والشكر على ما زوى وهو اللأواء. وقيل: الحمد لله على النعماء الظاهرة، والشكر على النعماء الباطنة، قال الله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [[سورة لقمان: 20.]] . وقيل: الحمد ابتداء والشكر [[بياض في المخطوط.]] .... حدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري لفظا، حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي، حدّثنا محمد بن علي الترمذي، حدّثنا عبد الله بن العباس الهاشمي، حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو [بن العاص] قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده» [[المصنّف لعبد الرزّاق: 10/ 424، ح 19574.]] [24] . وحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، حدّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدّثنا علي بن حجر، حدّثنا شعيب بن صفوان عن مفضّل بن فضالة عن علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: كلمة شكر أهل الجنة . في إعراب الْحَمْدُ لِلَّهِ وقد اختلف القرّاء في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فقرأت العامّة بضمّ الدال على الابتداء، وخبره فيما بعده. وقيل: على التقديم والتأخير، أي لله الحمد. وقيل: على الحكاية. وقرأ هارون بن موسى الأعور ورؤبة بن العجاج بنصب الدال على الإضمار، أي أحمد الحمد لأن الحمد مصدر لا يثنّى ولا يجمع. وقرأ الحسن البصري بكسر الدال، أتبع الكسرة الكسرة. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة الشامي بضم الدال واللام، أتبع الضمة الضمّة. رَبِّ الْعالَمِينَ قرأ زيد بن علي: رَبَّ الْعالَمِينَ بالنصب على المدح، وقال أبو سعيد ابن أوس الأنصاري: على معنى أحمد ربّ العالمين. وقرأ الباقون رَبِّ الْعالَمِينَ بكسر الباء، أي خالق الخلق أجمعين ومبدئهم ومالكهم والقائم بأمورهم، والرب بمعنى السيّد، قال الله تعالى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [[سورة يوسف: 42.]] أي سيّدك، قال الأعشى [[في المصدر نسبه إلى لبيد بن ربيعة.]] : واهلكن يوما ربّ كندة وابنه ... وربّ معبين خبت وعرعر [[جامع البيان للطبري: 1/ 93.]] وربّ عمر والرومي من رأس حضية ... وأنزلن بالأسباب رب المشقرة يعني: رئيسها وسيّدها. ويكون بمعنى المالك، قال النبي ﷺ‎: «أربّ إبل أنت أم رب غنم؟» [[مسند الحميدي: 2/ 390، غريب الحديث: 1/ 166.]] [25] . فقال: من كل قد آتاني الله فأكثر وأطنب وقال طرفة: كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفنّ حتى تشاد بقرمد [[لسان العرب: 5/ 118، والقرمد: الحجارة.]] وقال النابغة: وإن يك ربّ أذواد فحسبي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا [[التبيان: 6/ 144.]] ويكون بمعنى الصاحب، قال أبو ذؤيب: فدنا له رب الكلاب بكفّه ... بيض رهاب ريشهن مقزع [[لسان العرب: 1/ 438.]] ويكون بمعنى المرعى، يقول: ربّ يربّ ربابة وربوبا، فهو ربّ، مثل برّ وطب، قال الشاعر: يربّ الذي يأتي من العرف إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمّما [[تاج العروس: 1/ 261.]] ويكون بمعنى المصلح للشيء، قال الشاعر: كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت ... سلاءها في أديم غير مربوب [[الصحاح: 1/ 55.]] أي غير مصلح. وقال الحسين بن الفضل: الرب: اللبث من غير إثبات أحد، يقال: ربّ بالمكان وأربّ، ولبث وألبث إذا أقام وفي الحديث أنه كان يتعوّذ بالله من فقر ضرب أو قلب قال الشاعر: ربّ بأرض تخطّاها الغنم ... لب بأرض ما تخطاها الغنم [[لسان العرب: 1/ 731.]] وهو الاختيار لأن المتكلمين أجمعوا على أنّ الله لم يزل ربّا وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو بكر محمد بن موسى الواسطي عن الرب، فقال: هو الخالق ابتداء، والمربي غذاء، والغافر انتهاء. ولا يقال للمخلوق: هو الرب، معرّفا بالألف واللام، وإنما يقال على الإضافة: هو رب كذا لأنه لا يملك الكل غير الله، والألف واللام تدلّان على العموم. وأمّا العالمون فهم جمع عالم، ولا واحد له من لفظه [[أي من لفظ العالم.]] ، كالأنام والرهط والجيش ونحوها. واختلفوا في معناه، حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، أخبرنا أبو إسحاق بن أسعد بن الحسن بن سفيان عن جدّه عن أبي نصر ليث بن مقاتل عن أبي معاذ الفضل بن خالد عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن الربيع بن أنس عن شهر بن حوشب عن أبي بن كعب قال: العالمون هم الملائكة، وهم ثمانية عشر ألف ملكا منهم أربعة آلاف وخمسمائة ملك بالمشرق، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك بالمغرب، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك بالكهف الثالث من الدنيا، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك في الكهف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلّا الله عزّ وجلّ ومن ورائهم أرض بيضاء كالرخام..» .. مسير الشمس أربعين يوما، طولها لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ مملوءة ملائكة يقال لهم الروحانيون، لهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو كشف عن صوت أحدهم لهلك أهل الأرض من هول صوته فهم العالمون، منتهاهم إلى حملة العرش. وقال أبو معاذ [النحوي] : هم بنو آدم. وقال أبو هيثم خالد بن يزيد: هم الجن والإنس لقوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [[سورة الفرقان: 1.]] ، وهي رواية عطية العوفي وسعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال الحسين بن الفضل: العالمون: الناس، واحتجّ بقوله تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ [[سورة الشعراء: 165.]] . وقال العجاج: بخلاف هذا العالم. وقال الفراء وأبو عبيدة: هو عبارة عمن يعقل، وهم أربع أمم: الملائكة، والجن، والإنس، والشياطين، لا يقال للبهائم: عالم. وهو مشتق من العلم، قال الشاعر: ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم أهل التنزيه من الخلق. وقال عبد الرّحمن بن زيد ابن أسلم: هم المرتزقون. وقال الخضر بن إسماعيل: هو اسم الجمع الكثير، قال ابن الزبعري: إني وجدتك يا محمد عصمة ... للعالمين من العذاب الكارث [[لم نجده في المصادر نعم هو في مناقب ابن شهر آشوب (1/ 144) وفيه: العذاب الواصب.]] وقال أبو عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس: كل ذي روح دبّ على وجه الأرض. وقال سفيان بن عيينة: هو جمع للأشياء المختلفة. وقال جعفر بن محمد الصادق: «العالمون: أهل الجنة وأهل النار» . وقال الحسن وقتادة ومجاهد: هو عبارة عن جميع المخلوقات، واحتجوا بقوله: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [[سورة الشعراء: 23- 24.]] . واشتقاقه على هذا القول من (العلم) و (العلامة) لظهورهم ولظهور أثر الصنعة فيهم ثم اختلفوا في مبلغ العالمين وكيفيتهم، فقال سعيد بن المسيب: لله ألف عالم منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وقال الضحاك: فمنهم ثلاثمائة وستون عالما حفاة عراة لا يعرفون من خالقهم، وستون عالما يلبسون الثياب. وقال وهب: لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها، وما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال أبو القاسم مقاتل بن حيان: العالمون ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البرّ وأربعون ألفا في البحر. وقال مقاتل بن سليمان: لو فسّرت الْعالَمِينَ، لاحتجت إلى ألف جلد كل جلد ألف ورقة. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين إلّا الله، قال الله: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [[سورة المدّثّر: 31.]] .
wahidi_basit — التفسير البسيط
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 24 ب، وأخرج الطبري عن ابن عباس بمعناه، دون قوله (وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه) قال شاكر: إسناده ضعيف. الطبري في "تفسيره" 1/ 135 وبمثل رواية الطبري أخرجه ابن أبي حاتم، قال المحقق: سنده ضعيف 1/ 150، وانظر: "الدر" 1/ 34 - 35، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 24 - 25.]]. وقال الأخفش: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله [[في (ج): (والحمد لله) ومثله في "اللسان".]]، قال: والحمد [[نص كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، وفيه (قال الأخفش ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله، قال والحمد أيضًا: الثناء)، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987، وفي "معاني القرآن" للأخفش ذكر اللغات فيها ولم يذكر المعنى 1/ 155، والنص في "اللسان".]] -أيضًا- الثناء، [وكأن [[في (ب): (فكأن)، وفي "التهذيب" مكانها (قلت ...) فهو من كلام الأزهري، ونص عليه في "اللسان" قال: قال الأزهري: الشكر لا يكون ... "اللسان" (حمد) 2/ 987، فكيف تصحف عند الواحدي، فصار كأنه من كلامه، أو من كلام الأخفش.]] الشكر لا يكون إلى ثناء ليد أوليتها [[في (ب): (أولاها).]]، والحمد قد يكون شكرا للصنيعة، ويكون ابتداء الثناء [[في "التهذيب" "اللسان" (للثناء).]] على الرجل، فحمد الله الثناء] [[مابين المعقوفتين ساقط من (ج).]] عليه والشكر لنعمه [[انتهى من "التهذيب" (حمد) 1/ 913، مع اختلاف يسير في العبارة، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987.]]. وقال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، وقد نقل عنه الواحدي في هذا الموضع كثيرا، ولم أجده في كتبه الموجودة، ولعله ضمن كتبه المفقودة كـ "المشكل في معاني القرآن"، انظر الدراسة.]]: قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين [[في (ب): (أن بين) وفي (ج): (أنه بين).]] أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له [[في (ب): (لله).]] لا لغيره، وذلك أنا [[في (ب): (أنه).]] نرى بني الدنيا ينعم [[في (ب): (يُنَعَّم) بالتشديد.]] بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعَم عليه بالشكر [[في (ب): (الشكر).]] والحمد راجعة إليه جل اسمه [[انظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، 25/ أ، "الزاهر" 2/ 84، "تفسير الطبري" 1/ 59، "تفسير ابن عطية" 1/ 99 - 100، "تفسير الماوردي" 1/ 53، "تفسير البغوي" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 114 - 115، "الكشاف" 1/ 46، 47.]]. وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم [[ابن التوءم لم أجد له ترجمة، وكلامه أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار أوسع مما ذكره الواحدي هنا. "عيون الأخبار" 3/ 191، قال ابن قتيبة: (قال ابن التوءم: كل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك .. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد ..).]] كان يقول: إنما يجب أن يشكر من إن جاد عليك فلك جاد، وإن [[(إن نفعك) ليس في "عيون الأخبار" 3/ 191.]] نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء [[في (ب): (شيء) بسقوط الباء وما في (أ)، (ج) موافق لما في "عيون الأخبار".]] من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله [[في (ب): (اله).]] وحده لا شريك له. ألا [[بعد قوله: (وحده لا شريك له) كلام لابن التوءم تركه هنا، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191.]] ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت [[في (ب): (كان).]] لله فثوابها على الله، فلا [[في (ب): (ولا معنى).]] معنى للشكر، وإن كانت [[في (ب): (كان).]] لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو [[في (ب): (ومعونته).]] معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون [[في (ب): (يكون).]] للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا [[في (ب): (ومن حاد عن هذا).]] السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها [[إلى هنا ما ذكره ابن قتيبة عن ابن التوءم مع اختلاف في بعض العبارات، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191.]]. فأما من مدحه بشار [[هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، وأصله من (طخارستان)، أشعر الشعراء المولدين، نشأ بالبصرة، ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في: == "الشعر والشعراء" ص 511، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 21، "البيان والتبيين" 1/ 65، "خزانة الأدب" 3/ 230.]] بن برد بقوله: لَيْسَ [[في (ج): (لئن).]] يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ [[من قصيدة قالها بشار يمدح عقبة بن سلم، ويروى (ولا الخوف) بدل (وللخوف) انظر: "ديوانه" ص 14، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 30، "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 164، "شرح ديوان المتنبي" للعكبري 4/ 279.]] فأي معنى لشكر [[في (ب): (فإن معنى الشكر).]] من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب [[في (ب): (ويحبب).]] داعي رأفته. قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء [[في (ب): (الثناء).]] عليه، وشكرا [[في (ب): (والشكرا).]] له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] معناه يقولون: ما نعبدهم [[انظر: "الوسيط" 1/ 17، ونحوه في "تفسير الطبري" 1/ 60، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 23 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "ابن عطية" 1/ 100، "القرطبي" 1/ 118.]]. ثم إذا قال القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقد [[في (ب): (قد).]] أثنى على الله تعالى، فيكون بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه. يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" [[لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن ماجه عن سمرة بلفظ: "أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" "سنن ابن ماجه" (3811) كتاب الأدب، باب: فضل التسبيح، ونحوه عند أحمد في "المسند" 5/ 20، وذكره البخاري معلقا (الفتح) 11/ 566، وأخرج ابن ماجه عن جابر: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" "سنن ابن ماجه" كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين، قال العجلوني في "كشف الخفاء": رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه 1/ 152، وانظر: "فيض القدير" 1/ 601.]] فقيل له: ما في هذا من [[(من) ساقطة من (ب).]] الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن [[عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، لهذا مدحه أمية بن أبي الصلت، أدرك النبي ﷺ قبل النبوة. انظر ترجمته وبعض أخباره في "المحبر" ص 138، "السيرة" لابن هشام 1/ 144، "الخزانة" 8/ 366، "الأعلام" 4/ 76.]] جدعان: كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ [[تروى الأبيات بروايات أخرى منها: (خليل) بدل (كريم)، و (السنى) بدل (الجميل) و (عليك) بدل (عليه). انظر: "ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 254، "المحبر" ص 138، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 1/ 265، "ديوان الحماسة" 2/ 372، "العمدة" لابن رشيق 2/ 158.]] فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟. قال [[أبو بكر ابن الأنباري.]]: وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع [[انظر: "الزاهر" 2/ 84، 85، وفيه تكلم ابن الأنباري عن الفرق بين الحمد والشكر بنحو هذا، وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 3، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، "تفسير الماوردي" 153، وانظر: "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اشتقاق أسماء الله" ص 90، وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، واستدل على هذا بصحة قول القائل: (الحمد لله شكرا). "تفسير الطبري" 1/ 60، وهذا قول المبرد، كما قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 116، ونسبة في "اللسان" للحياني. "اللسان" (حمد) 2/ 987، وقد تكلم العلماء في نقض ما قاله الطبري ورده، منهم ابن عطية في "تفسيره" 1/ 99، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 116، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 201. قال محمود شاكر في حاشية "تفسير الطبري": والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه.]]. قال الشاعر: يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا [[نسبه الأكثر لراجز جاهلي من بني أسد بن عمرو بن تميم، ونسبه بعضهم لجارية في مازن، وقيل: روته وليس لها، ونسبه بعضهم لرؤبة. و (المائح) الرجل في جوف البئر يملأ الدلاء. ورد الرجز في "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، "الزاهر" 2/ 85، "أمالي الزجاجي" ص 237، "أمالي القالي" 2/ 244، "الإنصاف" ص 187، "مغني اللبيب" 2/ 609، 618، "شرح شذور الذهب" ص 485، "شرح المفصل" 1/ 117، "الخزانة" 6/ 200.]] فترجم بالثناء [[ورد الثناء والتمجيد في بيت آخر لم يورده الواحدي هنا وهو قوله: يُثْنُون خَيْرًا ويَمُجِّدُوَنَكاَ أورد ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 85، وأنظر المصادر السابقة.]] والتمجيد [[في (أ)، (ج): التحميد، وما في (ب) أصح؛ لأنه أراد: الثناء والتمجيد الذين وردا في البيت الثالث الذي لم يذكره.]] عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد. وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي [[أحد شيوخ الواحدي: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أبو الحسين، حدث عن أبي سليمان الخطابي بغريب الحديث سبق ذكره في، وانظر المنتخب من السياق 106، "سير أعلام النبلاء" 18/ 19.]] -رضي الله عنه-، أنبا [[في (ب): (أنا) وفي (ج): (أن) في الموضعين.]] أحمد بن محمد الفقيه [[هو أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه: حمد، له مصنفات منها "غريب الحديث" "ت 388 هـ"، انظر ترجمته في "الأنساب" 5/ 158، 159، "إنباه الرواة" 1/ 125، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1018.]]، أبنا محمد بن هاشم [[محمد بن هاشم أحد شيوخ الخطابي، روى عنه في "غريب الحديث" كثيرا، ولم أجد له ترجمة، حتى إن محقق "غريب الحديث" ترجم لجميع شيوخ الخطابي، ولم يذكر محمد بن هاشم مع كثرة روايته عنه، ولعله لم يجد له ذكرا. والله أعلم.]]، عن الدَّبَرِي [[أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِي و (الدَّبَرِي) بفتح الدال والباء نسبة إلى (الدَّبَر) قرية من قرى صنعاء، راوية عبد الرزاق، (ت 285 هـ). انظر ترجمته في "اللباب" 1/ 489، "ميزان الاعتدال" 1/ 181، "سير أعلام النبلاء" 13/ 416.]]، عن عبد الرزاق [[هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ، عالم اليمن، أبو بكر الحصيري بالولاء. حدث عن جماعة منهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن معين، وابن المديني وجماعة (ت 211 هـ) وانظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 548، "سير أعلام النبلاء" 9/ 568، "ميزان الاعتدال" 3/ 323.]]، عن مَعْمر [[هو الإمام الحافظ مَعْمَر بن راشد، أبو عروة، الأزدي بالولاء البصري، نزيل اليمن، حدث عن قتادة، والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه وجماعة، وعنه السفيانان، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام (ت 153 هـ)، انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 546، "الجرح والتعديل" 8/ 255، "سير أعلام النبلاء" 7/ 5.]]، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 424 (19574) كتاب الجامع، باب: شكر الطعام، وذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 345، 346، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالحسن، انظر: "فيض القدير شرح الجامع الصغير" 3/ 418، وقال الألباني: في "ضعيف الجامع" 3/ 411 (2790): ضعيف.]]. قال أحمد [[هو أحمد بن محمد الخطابي البستي، سبقت ترجمته. قال في "غريب الحديث" بعد أن ذكر الحديث. وقال أبو سليمان: الحمد نوع .. 1/ 346.]] على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس [[الجنس: كلي دال على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب (ماهو). والنوع: كلي دال على كثيرين متفقين في الحقيقة واقع في جواب (ما هو). انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 78، 247، "المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" للآمدي ص 73.]]، وكل حمد شكر [[في (ج): (شكرا).]]، وليس كل شكر حمدا. وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو [[في (ب): (وهو شكر اداب).]] إدآب النفس بالطاعة. قال الله سبحانه [[في (ج): (تعالى).]]: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [[في (ب): (الى) تصحيف.]] [سبأ: 13]. وقام رسول الله ﷺ حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله [[لفظ الجلالة غير موجود في (ب).]] لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" [[متفق عليه من حديث المغيرة وعائشة، حديث المغيرة رواه البخاري (1130) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي ﷺ الليل، ومسلم (2819) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والإجتهاد في العبادة، وحديث عائشة رواه البخاري (4837) كتاب التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، ومسلم (2820) كتاب صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.]]. وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا [[يقول: إن نعمتكم علي أفادتكم مني يدي ولساني وجناني فهي وأعمالها لكم. ورد البيت بدون عزو في "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، " الكشاف" 1/ 47، "الفائق" 1/ 314، "الدر المصون" 1/ 36، وانظر: "مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 7.]] [[انتهى من "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، وانظر: "الكشاف" 1/ 47.]] وبين الحمد والشكر فرق واضح [[سبق بيان خلاف العلماء في ذلك، وأن قول الأكثر على أن بينهما فرقا وقال الطبري ومعه طائفة: إنهما بمعنى واحد، انظر ص 275.]]، يظهر بالنقيض؛ لأن نقيض الشكر الكفر، ونقيض الحمد الذم [[انظر: "الزينة" 2/ 112، "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اللسان" (حمد) 2/ 987.]]، فهذا ما في معنى الحمد والشكر. ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما. ومذهب [[الكلام عن (أل) نقله الواحدي عن أبي الفتح بن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" وأذكر الفروق الهامة بين عبارة الواحدي وعبارة ابن جني في موضعه إن شاء الله. قال ابن جني: (وذهب الخليل إلى أن (أل) حرف التعريف بمنزلة (قد) ..) 1/ 333.]] الخليل في هذا أن (ال) حرف التعريف، بمنزلة (قد [[انظر مذهب الخليل في "الكتاب" 3/ 324.]]) في الأفعال، فإن الهمزة واللام جميعا [[عند أبي الفتح: (إن الهمزة واللام جميعهما ..) 1/ 333.]] للتعريف، وحكي عنه أنه كان يسميها (أل) كقولنا: (قد)، وأنه لم يكن يقول: (الألف [[انظر: "الكتاب" 3/ 325.]] واللام) كما لا يقول في (قد) القاف والدال. واحتج لهذا المذهب بفصلين [[في (ج): (بفضلين).]] [[عند أبي الفتح: (ويقول هذا المذهب قطع (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد ..) 1/ 333.]]: أحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد [[هو عبيد بن الأبرص بن جُشْم، من بني أسد، يعد من فحول شعراء الجاهلية، قيل: إنه عمر طويلا. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 161، "طبقات فحول الشعرء" ص 58، "خزانة الأدب" 2/ 215.]]: يا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ... مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ [[قوله: (اربعا) أقيما، (الحلاَل): جمع حال أي نازل، أو جمع حِلَّة وهو جماعة البيوت، (سحق البرد) الثوب البالي، (عفى) غطى، (القطر): المطر، (مغناه) المغنى: المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا، (التأويب) الرجوع وتردد هبوبها. وردت الأبيات وفي "ديوان عبيد" ص 115، "المنصف" 1/ 333، "شرح المفصل" 9/ 17، "الخزانة" == 7/ 198. والشاهد فيه فصل (أل) في البيتين، استدل به الخليل على أن (أل) جميعها حرف التعريف، ولو كانت اللام وحدها للتعريف لما جاز فصلها.]] قال [[من القائل؟ ظاهر كلام الواحدي أن القائل الخليل، لأنه هو المذكور قبله، والواقع أن الكلام لأبي الفتح ابن جني، حيث قال بعد الأبيات: (وهذِه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتا واحدا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها .. "سر صناعة الإعراب" 1/ 333.]]: فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوي به الانفصال [[بعده كلام لأبي الفتح تركه الواحدي. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 333.]]. فصار قطعهم وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة [[في (ب): (لقطع التابعه). والنابغة: هو زياد بن معاوية الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، توفي في زمن النبي ﷺ قبل أن يبعث. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 83، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 51. "جمهرة أنساب العرب" ص 253، "الخزانة" 2/ 135.]] (قد) في قوله: أَفِدَ [[في (ب): (أرف) وفي (جـ): (أفر) وفي نسخة من "سر صناعة الإعراب" (أزف) 1/ 334.]] التَّرحُّلُ [[في (ب): (الترجيل).]] غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزُلْ بِرِحَالِهَا [[في (ب): (برجالها) وعند أبي الفتح (برحالنا) وفي الحاشية: في (ش): (برحالها)، والأكثر في رواية البيت (برحالنا).]] وَكَأَنْ قَدِ [[من قصيدة قالها النابغة في (المتجردة) امرأة النعمان بن المنذر (أفد الترحل): أي دنا الرحيل وقرب. و (الركاب): الإبل. و (كأن قد): (أي: زالت لقرب وقت زوالها ودنوه. انظر: "ديوان النابغة الذيباني" ص 89، "الخصائص" 2/ 361، 3/ 131، "مغنى اللبيب" 1/ 171، 2/ 342، "شرح المفصل" 8/ 5، 110، 148، 9/ 18، 52، "الأزهية" ص 211، "شرح ابن عقيل" 1/ 19، "الهمع" 2/ 188، 4/ 315، "الخزانة" 1/ 70، 7/ 197.]] ألا ترى أن التقدير: (كأن قد زالت)، فقطع (قد) من الفعل كقطع (ال) من الاسم. وإذا [[ترك بعض كلام أبي الفتح. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 334.]] كان (ال) عند الخليل حرفا واحدا، فقد ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف (قد) وباء (بل)، إلى أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا: (لم يَكُ) و (ولا أَدْرِ) [[والقياس فيهما: لم يكن (و) لا أدري (لكن لما كثر في الاستعمال حذفت النون في الأول والياء من الثاني، قال أبو الفتح: وحذفها شاذ انظر: "المنصف" 2/ 227.]]. والفصل [[في (ج): (الفضل).]] الثاني [[نص كلام أبي الفتح: (ويؤكد هذا القول عندك أيضا: أنهم قد أثبتوا ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 334.]]: أنهم قد أثبتوا هذِه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل، نحو قوله ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [[في (ب) تصحيف في الآية، حيث حذف (أذن) وكرر (لكم).]] [يونس: 59] و ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]، ولم [[عند أبي الفتح: (... ونحو قولهم في القسم (أفألله) و (لا ها ألله ذا) ولم نر همزة الوصل تثبت في نحو هذا .... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 335.]] تر همزة وصل تثبت في نحو هذا، فهذا يؤكد أن همزة (أل) ليست بهمزة وصل وأنها مع اللام كقد. ومذهب الجمهور [[عند أبي الفتح: (وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف ....) "سر صناعة الإعراب" 1/ 335. قال في "شرح المفصل": (واللام هي حرف التعريف وحدها، والهمزة وصلة إلى النطق بها ساكنة، هذا مذهب سيبويه، وعليه أكثر البصريين والكوفيين ما عدا الخليل ....)، 9/ 17، وانظر: "الخزانة" 7/ 198 - 199.]] في هذا أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، والدليل على هذا [[أي على مذهب الجمهور وهو أن حرف التعريف (اللام) وحدها.]] إيصالهم حرف الجار إلى ما بعد حرف التعريف نحو قولهم: (عجبت من الرجل) و (مررت بالغلام) فنفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه؛ لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن، ولو كان حرف التعريف في نية الانفصال كـ [[عند أبي الفتح: (... ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ (قد) و (هل) لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور به ....) ثم أخذ يشرح ولفصل في هذا في كلام طويل تركه الواحدي، ثم قال: (... وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف، وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه ...) 1/ 336، 337.]] (قد) لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف. وأيضا فإن [[قال أبو الفتح: (.. ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين ..) 1/ 337.]] حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا [[أي حرف التعريف.]] دليل التعريف، فكما [[في (ج): (وكما).]] أن التنوين في [آخر الاسم حرف واحد، كذلك حرف التعريف في] [[ما بين المعقوفتين ساقط من (ج).]] أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا. فأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون [[في (ب): (يقطعونه).]] في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني، كما قال: يَا نَفْسِ أَكْلًا واضْطِجَا ... عًا نَفْسِ لَسْتِ بِخَالِدَه [[نسب البيت لكثير عزة، وليس في "ديوانه". انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340، "شرح المفصل" 9/ 19، "الخزانة" 7/ 202، وانظر: "معجم الشواهد العربية" لعبد السلام هارون 1/ 99. والشاهد فيه: أنه فصل الكلمة بين مصراعي البيت، وأورده ردا على ما ذهب إليه الخليل من أن قطع (أل) في المصراع الأول دليل على أن (الألف واللام) أداة تعريف، وليس اللام وحدها.]] وهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول [[أي: المصراع الأول من البيت، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340.]]. وأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: ﴿آللَّهُ﴾ [[أي قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: 59].]] فإنما جاز ذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر [[يلحظ أن الكلام من قوله: (فأما ما احتج به الخليل ....) إلى قوله: (بالخبر) ليس بهذا السياق والترتيب عند أبي الفتح، وانما تصرف فيه الواحدي. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 337، 340، انظر: "الخزانة" 7/ 201، 202.]]. وإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه [[في (ب): (خالطه).]] بما بعده، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن [[في (أ)، (جـ): (على)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346.]] انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد [[(قد) ساقط من (ج).]] اعتزموا [[في (أ)، (ج): (اعترفوا)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346.]] على خلطه به، ولهذا سكنوه، لأنه أبلغ فيما قصدوا، لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقارا إلى ما يتصل به [[من قوله (وإنما جعل حرف التعريف) ملخص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 346.]]. وإنما اختاروا [[عند أبي الفتح (وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم؟ فالجواب عنه أنهم إنما أرادوا ....) 1/ 346، قوله (له) أي: للتعريف.]] (اللام) دون سائر حروف المعجم؛ لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم؛ ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله، فلما آثروا إدغامه فيما بعده اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من (اللام) فعدلوا إليها؛ لأنها تجاور أكثر حروف الفم [[في (ب): (المعجم) والمراد بحروف الفم التي مخارجها في الفم.]] التي هي معظم الحروف، وليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما عزموه [[في (ج): (عرضوه) وعند أبي الفتح (اعتزموه) 1/ 347.]] من شدة وصل التعريف بما عرفه [[في (ب): (عرقوه).]] [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 347، وفي كلام أبي الفتح زيادة عما هنا.]]، ولو جاؤوا بغير (اللام) للتعريف لما أمكنهم أن يكثر [[في (ب): (يكثروا).]] إدغامها، كما أمكنهم ذلك مع (اللام)، فإدغامهم إياها مع ثلاثة [[في (ب): (ثلاث). والرابع عشر اللام نفسها. ومثلها الليل]] عشر حرفا، وهي: (التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون) وذلك قولهم التمر، والثَّرِيد، والدِّبْس، والذَّوْق [[عند أبي الفتح: (الذرق)، وفي حاشيته: (ب): (الذوق). الذرق: نبات كالفسفسة، تُسميه الحاضرة: الحندقوقى. انظر: "تهذيب اللغة" (ذرق) 2/ 1280.]]، والرُّطَب، والزُّبْد، والسَّفَرْجَل، والشَّعِير، والصَّيْر، والصَّنَاب [[في (ج): (الضباب) وفي (ب): (الضناب) وعند أبي الفتح: (والصَّناب والضَّرْو) 1/ 347، وهو الصواب؛ لأنه تمثيل للصاد ثم للضاد. الصِّير: هو الشق، كما في الحديث: "من اطلع من صير باب"، والصير: الماء يحضره الناس، والصِّير: السمكات == المملوحة التي تعمل منها الصحناة. انظر: "تهذيب اللغة" (صير) 2/ 2075، "اللسان" (صير) 4/ 2535، الصَّنَاب: صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. انظر: "تهذيب الغة" (صنب) 2/ 2062، "اللسان" (صنب) 4/ 2504. الضِّرو والضَّرو: (شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر. "اللسان" ضرا 14/ 483.]]، والطَّبِيخ، والظُّلْم [[عند أبي الفتح (الظبي)، وفي الحاشية: (ل): (الظئر) 1/ 347.]]، والنَّبِق، يدلك على [[اختصر الواحدي كلام أبي الفتح ونص كلامه: (.. ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم، أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذِه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغمًا في جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة .. الخ)، 1/ 347.]] ما ذكرنا أنك [[في (ب): (أنا).]] تجد (اللام) ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذِه الحروف، وذلك نحو: (التقت) [[في (ب): (السقب) وعند أبي الفتح (التفت).]]، و (هل ثم أحد) [[في (ب): (أخذ).]]، و (الْزَمْ [[في (ج): (ولزم به): (وعند أبي الفتح (أُلْزِمَ به) وفي الحاشية ل (إِلْزَمْ به)، 1/ 348.]] بِه) و (أَلْسِنَة) هذا هو الكلام في (اللام) [[إلى هنا ما أخذ الواحدي من كتاب أبي الفتح "سر صناعة الإعراب" حرف اللام 1/ 333 - 348.]]. فأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) [[انتقل الواحدي إلى موضع آخر من نفس كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 112 قال == أبو الفتح: (واعلم أن هذِه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن ....)، وسأذكر الفروق الهامة بين كلام أبي الفتح وكلام الواحدي في مواضعها.]] (إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن الذي بعدها، إذ لم يمكن [[في (ب): (يكن) وعند أبي الفتح (لما لم يمكن) 1/ 112.]] الابتداء به، وكان حكم هذِه (الهمزة) أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة [[عند أبي الفتح (.. الحركة بعد الألف في آخر الحرف ..) 1/ 112.]] في آخر الحرف. نحو (وازيداه) و (واعمراه) فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف [[أي: الهمزة التي جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن.]] أن تكون ساكنة [[انظر: "سر صناعهَ الإعراب" 1/ 113، اختصر الواحدي بعض الكلام، وتصرف في بعض العبارات.]]، إلا أنها [[في (ب): (إنها) بكسر الهمزة.]] حركت لأجل الساكن الذي بعدها، ولم يجز أن يحرك ما بعدها لأجلها من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي عليك [[(عليك): ليست في كلام أبي الفتح.]] أيضًا في أول الكلمة ساكنة، وكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك يقع به [[في (أ)، (ج): (يقع به الابتداء به) وعند أبي الفتح (يقع الابتداء به)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.]] الابتداء. وإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء [[هذا جواب تساؤل افترضه أبو الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.]] بها [[في (أ)، (ب)، (ج): (به) وصححتها على حسب ما عند أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.]]؛ لأنهم أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل للاستغناء عنه بما قبله، فجعلوه الهمزة؛ لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل، فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها في نحو: (خذ) و (مر) [[أصلها: (أُؤخُذُ) و (أؤْمُر) فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة الزائدة. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 112.]] و (وَيْلُمِّه) [[الأصل فيها: (وَيْلٌ لِأُمِّه) فحذف التنوين فالتقت لام ويل ولام الخفض فأسكنت الأولى وأدغمت الثانية ثم حذفت الهمزة، ثم خفف بحذف أحد اللامين، فمنهم من جعل المحذوفة (لام) الخفض وأبقى (لام) ويل وأبقى لام الخفض مكسورة، ومنهم في جعل المحذوفة (لام) ويل على أصلها مضمومة، ففيها الوجهان. انظر: "المسائل الحلبيات" للفارسي ص 43، "الكتاب" 3/ 5، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113، 235، "الخزانة" 3/ 275، 276.]] وفي قول الشاعر: وَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ... وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ [[ورد البيت غير منسوب في "سر صناعة الإعراب" 1/ 114، "الخصائص" 2/ 334، "اللسان" (ألف) 1/ 107، و (مأى) 7/ 4124.]] أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة [[وقيل: أراد: (الآلاف) فحذف للضرورة، قاله في "اللسان" 9/ 9.]]. وقالوا: (ذن [[في (ب): (اذن).]] لا أفعل) فحذفوا همزة (إذن) [["سر صناعة الإعراب" بتصرف 1/ 113، 114.]] ولو أنهم جعلوا مكان الهمزة غيرها لم يمكن حذفه؛ لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، وكانت (الهمزة) بالزيادة في الابتداء أولى من سائر الحروف؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم حرفا يحذف عند الغنى [[في حاشية "سر صناعة الإعراب": (ب) و (ش): (الغناء).]] عنه، وذلك في أكثر أحواله؛ لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، ولم يجدوا حرفا يطرد فيه الحذف اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم. والأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن [[في (ج) كلام مقدم في غير موضعه ونص العبارة (بالساكن الآخر وإنما فتحت مع لام التعريف لأن اللام حرف فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة لتخالف، وقد ذكرنا ...). وشطب الناسخ كلمة (والآخر) و (لتخالف) وهما أول ونهاية الكلام المكرر فلعله تنبه له بعد كتابته.]]، وقد ذكرنا أن حقها كان في الأصل السكون، فلما كان حقها السكون ودخلت على الساكن حركت بالكسرة تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن، لأن تحريك أحد الساكنين في سائر المواضع إنما هو أيضًا ليتصل به إلى النطق بالساكن الآخر [[أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 112، 113.]]. وإنما فتحت مع (لام التعريف) لأن (اللام) حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة؛ لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال [[حيث تكون مكسورة أو مضمومة مع الأسماء والأفعال.]] [[بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 117.]]. و (لام التعريف) تقع [[في (ب): (تقطع).]] في الكلام في أربعة مواضع [[مواضع لام التعريف، أخذه كذلك عن أبي الفتح بن جني من "سر صناعة الإعراب" (حرف اللام) 1/ 350، مع إعادة ترتيب الكلام والتصرف اليسير في العبارة.]] وهي: 1 - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره. 2 - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد. 3 - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة [[في الكلام عدم وضوح، حيث إن قوله: (وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس ... الخ) يعود على مثال لم يذكره الواحدي، ونص عبارة أبي الفتح: (الثالث: نحو قولك الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم، فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ... الخ). ثم يقول: (... وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامض). "سر صناعة الإعراب" 1/ 350.]]. 4 - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء [[قوله: (وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه ...) من كلام الواحدي، أما أبو الفتح فتكلم عنها في نفس الموضع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350 وما بعدها، ليت الواحدي لم يثقل الكتاب بهذِه النقول التي مكانها كتب النحو المطولة.]] الله. فأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل [[في (ج): (يحتمل).]]: أن تكون للجنس، أي جميع المحامد له؛ لأنه الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة [[وعليه أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 60، "تفسير ابن عطية" 1/ 99، "الكشاف" 1/ 49، "تفسير القرطبي" 1/ 116، "تفسير ابن كثير" 1/ 25، "البحر" 1/ 18.]]، وتحتمل: أن تكون للعهد، أي: الحمد الذي حمد به نفسه وحمده به أولياؤه [[ذكره الرازي في "تفسيره" 1/ 220، وأبو حيان في "البحر" 1/ 18.]]. ورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري [[سبق كلام ابن الأنباري ص 271، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 61.]]، ويجوز أن يكون ابتداء، وخبره فيما بعده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 119، "البيان في غريب القرآن" 1/ 34، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 8، "الكشاف" 1/ 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 5.]]. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾: هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة [[الكلام عن (اللام) نقله عن كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 325، قال أبو الفتح: (فأما العاملة فلام الجر، وذلك قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو. وموضعها في الكلام الإضافة، ولها في الإضافة معنيان: أحدهما الملك ..).]]، ولها في الإضافة معنيان [[ذكر الرازي لها ثلاثة معان في "تفسيره" 1/ 22، وانظر: "البحر" 1/ 18.]]: أحدهما: الملك نحو: (المال لزيد). والآخر: الاستحقاق [[عند أبي الفتح (الاستحقاق والملابسة) 1/ 325.]] نحو: (الجُلُّ [[(الجُلُّ): واحد جِلاَل الدواب، الذي تلبسه لتصان به. انظر: "الصحاح" (جلل) 4/ 1658، "اللسان" (جلل) 2/ 664.]] للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار). وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح [[ذكره الواحدي عند الحديث عن (الباء) في تفسير (بسم الله) ناقلا عن أبي الفتح من هذا الموضع. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 325.]]، وكسرت مع المظهر للفرق بينها [[في (ب): (بينهما).]] وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و (إن زيدا لهذا) أي: هو [[عند أبي الفتح (أي هو هذا) 1/ 326.]] هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس [[في (ج): (للا لا لتبس).]] معنى [[في (ج): (بمعنى).]] الملك بمعنى الابتداء. وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة [[هذا مضمون سؤال أثاره أبو الفتح حيث قال: (وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهي أن يقال: إذا كان الفرق بين (اللام) الجارة و (لام) الابتداء واجبا لما ذكرته من المعنيين، فلم كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالها مفتوحة؟. فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء ....) الخ 1/ 328.]]؛ لأن أول أحوال [[في (ب): (الأحوال).]] الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ [[في (ب): (الابتداء). نص كلام أبي الفتح: (وإنما يدخل الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ وفي حاشيته: في ب (الناصب والرافع)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 328 تأمل الفرق بينهما.]] فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها [[عند أبي الفتح (حاليها) 1/ 328.]]، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس [[انتهى من "سر صناعة الإعراب" 1/ 328.]]. وقوله تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: (الرب) في اللغة له معنيان [[ذكر ابن الأنباري أن الرب ثلاثة أقسام: السيد المطاع، والمالك، والمصلح. "الزاهر" 1/ 575. ونحوه عند ابن جرير ثم قال: "وقد يتصرف معنى (الرب) في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذِه الوجوه الثلاثة ...) "تفسير الطبري" 1/ 62، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "المخصص" 17/ 154، "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، "الزينة" 2/ 27، "اللسان" (ربب) 1/ 404.]]: أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية. قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا [[(ربا) ساقط من (ب).]] إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي [[في "تهذيب اللغة" (وهو نحى مربوب).]] نِحْيٌ مَرْبُوب [[انظر قولي الأصمعي في "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336.]] وهذا -أيضًا- عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر: فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي [[في (ب): (تريدن نصيحتي).]] ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ [[في (ب)، (ج): (كالشمس).]] رُبَّتْ لَهُ الأَدَم [[البيت لعمرو بن شأس، كان له ابن يقال له (عرار) من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال قصيدة يخاطبها، ومنها هذا البيت، يقول: إن كنت تريدين مودتي، فأحسني إليه كما تستصلحين وعاء السمن حتى لا يفسد عليك، و (الأَدَم) جمع أَدِيم: الجلد المدبوغ، و (الرُّبُّ): خلاصة التمر بعد طبخه وعصره. ورد البيت في "شعر عمرو" ص 71، "الشعر والشعراء" ص 274، "طبقات الشعراء" للجمحي ص 80، "أمالي القالي" 2/ 189، "اشتقاق أسماء الله" ص 33، "الصحاح" (ربب) 1/ 131، "اللسان" (ربب) 3/ 1550.]] وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ [[يقال: (رجل طب) أي: عالم. انظر: "الصحاح" (طبب) 1/ 171.]]) [[ذكر الثعلبي نحوه قال: (تقول العرب: رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبًا فهو رَبٌّ مثل بَرٌّ وَطبٌّ) "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، وانظر: "الزاهر" 1/ 576، "الصحاح" (ربب) 1/ 130، "الوسيط" للواحدي 1/ 17.]]، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر: يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا [[ورد البيت بدون عزو في "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "اللسان" (ربب) 3/ 1547، ورواية البيت في غير الثعلبي (من العرف) بدل (من الخير)، (سئل) بدل (فعل).]] فالمعنى [[في (ب): (والمعنى).]] على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم [[في (ب): (ويعددهم).]] بما ينعم عليهم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119.]]. الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت [[في (ب): (بيت).]] فلانا، أي: كنت فوقه [[انظر: "الزينة" 2/ 27، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "اللسان" (ربب) 3/ 1546.]]. ومنه قول صفوان بن أمية [[صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث وشهد اليرموك، توفي سنة إحدى وأربعين. انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 187، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 266، "سير أعلام النبلاء" 2/ 562، "طبقات ابن سعد" 5/ 449.]]: لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن [[ذكره الأزهري في "التهذيب"، وفيه: أن صفوان كان يرد بذلك على أبي سفيان. == "التهذيب" (رب) 2/ 1336، وذكره ابن هشام في "السيرة"، وذكر عن ابن إسحاق أنه كان يرد به على (جبلة بن الحنبل) وقال ابن هشام (كلدة بن الحنبل) "السيرة" لابن هشام 4/ 72 - 73.]] يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل من ملك شيئا فهو ربّه [[في (ب): (رب).]]، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة [[انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، " الزينة" 2/ 27، "اشتقاق أسماء الله" ص 32.]]، وقال النبي ﷺ لرجل [[(لرجل) ساقط من (أ).]]: "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " [[أخرجه أحمد في (مسنده) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فصعد في النظر وصوَّب وقال: "أَرَبُّ إبل .... " الحديث 4/ 136، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب، والرازي في "الزينة" 2/ 29.]]، وقال النابغة: فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا [[رواية البيت في "الديوان": فَإِنْ تَكُنِ الفَوَارِسُ يَوْمَ حِسْي ... أَصَابُوا مِنْ لِقَائِكَ مَا أَصَابُوا "الديوان" ص 84، ونحو رواية الديوان في "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزاهر" 1/ 575، "الزينة" 2/ 27، وبمثل رواية الواحدي ورد في "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، ولعله أخذه عنه، و (حُزْوى) بضم الحاء موضع بنجد، انظر: "معجم البلدان" 2/ 255.]] ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزينة" 2/ 27.]]، قال الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42]. وقال الأعشى [[تبع الواحدي شيخه الثعلبي فنسب البيت للأعشى، والبيت للبيد كما نسبه الطبري وغيره في "ديوانه" كما سيأتي.]]: وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه [[شطره الثاني: وَرَبَّ مَعَدًّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ. (رب كندة): ملكهم حجر أبو امرئ القيس، و (رب معد): ملكهم حذيفة بن بدر، (خبت): الأصل فيه المطمئن من الأرض ويطلق على عدة أماكن، و (عرعر) اسم == مكان. انظر البيت في "شرح ديوان لبيد" ص 55، "تفسير الطبري" 1/ 62، "الزينة" 2/ 27، "الزاهر" 1/ 576، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب.]]. أي: سيدها. والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة. وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، 382.]] وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك. فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ أ.]]، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به [[ذكره الثعلبي عن الحسين بن الفضل في "تفسيره" 1/ 25/ ب.]]. فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ [[في (ب): (في رب).]] بمعنى: أقام [[بل ورد عند بعض أهل اللغة (رب) بمعنى: أقام، قال ابن دريد في "الجمهرة" (... رب بالمكان وأرب به إذا أقام به) 1/ 28، وانظر: "الاشتقاق" له ص 536، وفي "اللسان": رب بالمكان وأرب: لزمه. "اللسان" (ربب) 3/ 1548، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب.]]، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح [[انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1339، "الصحاح" (ربب) 1/ 132، "اللسان" (ربب) 3/ 1548.]]، فان أمكن بناء [[في (ب): (بنى).]] هذا الاسم من الإرباب صح قولهم. وقوله تعالى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾: هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) [[انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554.]]، كما قالوا: خَاتَم [[الخاتم: ما يوضع على الطينة التي على الكتاب، وتكون علامة على أنه لم يفتح، والطابع بمعناه، انظر. "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983، و (طبع) 3/ 2161.]]، وطَابَع، ودَانَق [[(الدانق) بفتح النون وكسرها: سدس الدرهم، انظر: "اللسان" (دنق) 3/ 1433.]]، وقَالَب [[(القالب) بفتح اللام وكسرها، الشيء الذي يفرغ فيه الجواهر، ليكون مثالا لما يصاغ منها، "اللسان" (قلب) 6/ 3715.]]، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و (العلامة)، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب، وانظر: "معجم مقاييس اللغة" (علم) 4/ 110.]]، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن [[هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة عشر ومائة من الهجرة، كان غزير العلم بكتاب الله تعالى. ورعًا زاهدًا فصيحا. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" 2/ 131، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 235، "تذكرة الحفاظ" 1/ 71، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 150.]] ومجاهد وقتادة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب وذكره الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. "تفسير الطبري" 1/ 63، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 27.]] في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: 23، 24] فسر [[في (ب): (فيفسر).]] العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب.]]. فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس [[أخرجه الطبري بسنده. قال شاكر: إسناه حسن. "تفسير الطبري" 1/ 144 (ط. شاكر)، وابن أبي حاتم. وقال المحقق: (إسناده ضعيف)، "تفسير ابن أبي حاتم" رسالة دكتوراه 1/ 154، والحاكم في "المستدرك"، وقال بعده: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند. ووافقه الذهبي، "المستدرك"، كتاب التفسير تفسير سورة الفاتحة 2/ 258، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 36.]]. واختاره أبو الهيثم [[انظر: الثعلبي 1/ 26/ أ.]] والأزهري [[انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554.]]، واحتجوا بقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس [["التهذيب" (علم) 3/ 2554.]]. وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ [[أبو معاذ النحوي المقرئ اللغوي، له عناية باللغة والقراءات. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 44، "إنباه الرواة" 179.]] النحوي: هم بنو آدم [[قال الثعلبي في "تفسيره" (قال أبو معاذ النحوي: هم بنو آدم .. وقال الحسين بن الفضل: (العالمون): الناس واحتج بقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ.]]، لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165)﴾ [الشعراء: 165]. وقال الفراء [[أبو زكرياء يحي بن زياد الديلمي الفراء، كان أبرع أهل الكوفة في النحو، له كتب من أشهرها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 131، "تاريخ بغداد" 14/ 149، "اللباب" 2/ 414، "إنباه الرواة" 4/ 1.]] وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم [[بنصه في "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ ب.]]. وقد ذكر الله تعالى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] يعني عالمي زمانهم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 266، "إصلاح الوجوه والنظائر" للدامغاني ص 331.]]. وهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [[يشير بهذا إلى ما سبق في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: 23، 24] حيث استدل بالآيتين من قال: إن العالمين: جميع المخلوقات.]]: إنه لم يشتغل بتفسير العالمين، وإنما أراد تعريفه على وجه أظهر من الأول [[هو ما ورد في الآيات قبلها حين توجه موسى إلى فرعون بقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 16].]]، ليصير الخصم مبهوتًا. وأبو إسحاق [[الزجاج.]] اختار الطريقة الأولى، وقال: معنى العالمين: كل ما خلق الله. قال: وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كقوله ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 164] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8.]]. والعالم على كلا [[في (ج): (كل).]] الأصلين: اسم للجمع [[في (ج): (جمع).]]، ولا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ.]]. قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8، ذكر كلامه بتصرف.]]. وهذا النوع من الجمع [[أي: (العالمين) جمع (عالم)، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8.]] يسمى (السالم) لسلامة لفظ الواحد فيه، ويجمع على الواو والياء [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 162، "شرح ابن عقيل" 1/ 63.]]. واختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع [[نقل الواحدي في هذا الموضوع عن أبي الفتح ابن جني من "سر صناعة الإعراب" بعضه بنصه، وبعضه بمعناه. 2/ 695، ومثل هذا المبحث مكانه كتب النحو لا كتب التفسير.]]، فمذهب سيبويه فيها أنها حروف إعراب بمنزلة (الدال) من زيد [[انظر: "الكتاب" 1/ 17، 18.]]. والدليل على ذلك [[أي ما ذهب إليه سيبويه، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.]]: أن الذي أوجب للواحد المتمكن نحو: (زيد ورجل) حرف الإعراب، هو [[في (أ)، (ج): (فهو) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.]] موجود في التثنية والجمع [[لم يرد في كلام أبي الفتح ذكر للجمع، وإنما الحديث عن المثنى، وأضاف الواحدي كلمة (الجمع) لكلامه في جميع المواضع؛ لأن حكمهما واحد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.]]، وهو التمكن، فكما أن الواحد المعرب المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى والمجموع إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وإذا كان كذلك فقولنا: (الزيدان والزيدون) [[عند أبي الفتح: (الزيدان والعمران، والرجلان والغلامان) 2/ 697، فهي أمثلة على المثنى وليس للجمع ذكر.]] لا يخلو حرف الإعراب، إما أن يكون ما قبل الألف والواو، أو هما، أو ما بعدهما. ويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر [[وهو (قائم)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697.]] الذي هو الأصل إلى المؤنث الذي هو الفرع، بطل أن تكون (الميم) التي كانت [[في (ب): (الذي كان).]] في المذكر حرف إعراب أن تكون [[في (ب): (يكون).]] في المؤنث حرف إعراب، وصار حرف الإعراب علم التأنيث وهو (الهاء) [[في كلمة (قائمة)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 697.]] فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية والجمع [[(الجمع) زيادة من الواحدي على كلام أبي الفتح، 2/ 697.]] هو حرف الإعراب [[تكلم أبو الفتح بعد هذا عن المقارنة بين المثنى وجمع التكسير، ولماذا لا تكون (الدال) من (الزيدان) حرف إعراب كما في المفرد؟ مثل (فرس) فالسين حرف إعراب و (أفراس) السين حرف إعراب وهو جمع تكسير. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697 - 698.]]. ولا يجوز أن يكون ما بعد الألف والواو حرف إعراب، وهو (النون) لأنها حرف صحيح يتحمل [[في (ب): (محمل).]] الحركة، فلو كانت حرف إعراب لوجب أن تعربه [[في (ب): (تعرفه).]] في الرفع والنصب والخفض [[قال أبو الفتح: تقول: (قام الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 699.]]، كما تعرب (الدال) من زيد، وكما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 699 وما بعدها من الصفحات فقد أطال أبو الفتح بن جني الشرح حول هذِه المسألة.]]. وهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 695، قال أبو الفتح: (.. وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي ..).]]. وإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب [[قال أبو الفتح: (واعلم أن سيبويه يرى أن (الألف) في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك .. الخ) "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]] فلا إعراب في لفظها استثقالا للحركات فيها، ولا تقدير إعراب فيها -أيضًا- كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى [[في (ب): (لا ترى). والمراد (سيبويه) كما هو في النص السابق الذي نقلناه عن أبي الفتح 2/ 706.]] أنك إذا قلت: هذان الزيدان، أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، ففي الياء تقدير كسرة ولا فتحة [[في "سر صناعة الإعراب" (أن في الياء ..) وفي حاشيته: في (ش): (ففي) ويظهر أن الواحدي أخذ عن هذِه النسخة، والصحيح ما أثبت في أصل "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]]. قال أبو علي: [[عند أبي الفتح: (قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية تقدير حركة في المعنى -كما أن ذلك ليس موجودا في اللفظ- صحة (الياء) في الجر والنصب ...) فلم يرد في كلامه لفظ الجمع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]] يدلك على أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية والجمع تقدير حركة في المعنى، صحة (الياء) في الجر والنصب في قولك: (مررت برجلين) و (ضربت رجلين)، ولو كان في (الياء) منهما [[في (ب): (منها).]] تقدير حركة، لوجب أن تقلب ألفا كرحى وفتى، ألا ترى أن (الياء) إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا [[لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب أبي علي الفارسي، ولعل أبا الفتح أخذه من أبي علي مشافهة حيث قال: (وهذا أيضًا من لطيف ما حصلته عنه فافهمه). "سر صناعة الإعراب" 2/ 707.]]. وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة [[بنصه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]]. ودخلت النون فيهما عوضا من الحركة والتنوين، وذلك أن من شرط التثنية، والجمع -الذي على حد التثنية- أن يكون [[في (ب): (تكون).]] له علامة مزيدة على لفظ الواحد، والواحد فيه حركة وتنوين، فكان حق العلامة أن تدخل على لفظ الواحد، ثم تلحقها الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين والحركة في التثنية والجمع، ثم عرض ما يمنع من دخولهما، وجب أن يعوض [[في (ج): (يعرض).]] منهما، وقد بينا أن الحركة إنما أسقطت استثقالا، والتنوين وجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذِه الحروف سواكن ولم يمكن إسقاط هذِه الحروف لأنها علامات، ولا تحريكها للثقل، ولا تحريك التنوين؛ لأنه يخرج عن حكم العلامة ويصير نونا لازمة، فلم يبق إلا إسقاطه، فلما دخلت النون دخلت ساكنة؛ لأنه لا حظ لها من الإعراب فاجتمع ساكنان، فحركت نون التثنية بالكسرة ونون الجمع بالفتحة فرقا بينهما [[أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 448 - 449.]]. وكانت نون التثنية أولى بالكسرة لأن قبلها (ألفا) وهي خفيفة والكسرة ثقيلة [[في (ب): (ثقيلا).]]، فاعتدلا، وقبل نون الجمع (واو [[عند أبي الفتح: (وقبل نون الجمع (واو) أو (ياء)) 2/ 488.]]) وهي ثقيلة ففتحوا النون ليعتدل الأمر. فإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟. والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل [[انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" ملخصا قال أبو الفتح (فهذِه حال نون التثنية والجمع الذي على حد التثنية ولم يتقص أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه هذا الإشباع) 2/ 487 - 489.]]، وصارت النون أولى بالزيادة من بين سائر الحروف، لشبهها بحروف المد. وسترى وجه الشبه بينهما فيما يمر بك من الكتاب إن شاء الله.
wahidi_wajiz — الوجيز
﴿الحمدُ لله﴾ هو الثَّناء لله والشُّكرُ له بإنعامه ﴿ربِّ العالمين﴾ : مالك المخلوقات كلها
zamakhshari — الكشاف
الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها. تقول: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته. وأمّا الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّى ثلاثةً ... يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا [[وما كان شكرى وافيا بنوالكم ... ولكنني حاولت في الجهد مذهبا أفادتكم النعماء منى ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا أى لم يكن تعظيمي إياكم وافيا بحق عطائكم، ولكنني أردت من الاجتهاد في تعظيمكم مذهبا، وبينه بقوله: إن نعمتكم على إفادتكم من يدي ولساني وجناني، فهي وأعمالها لكم، قال السيد الشريف: هو استشهاد معنوي على أن الشكر يطلق على أفعال الموارد الثلاثة، وبيان أنه جعلها جزاء للنعمة، وكل ما هو جزاء للنعمة عرفا يطلق عليه الشكر لغة، فكأنه قال: كثرت نعمتكم عندي فوجب على استيفاء أنواع الشكر لكم، وبالغ في ذلك حتى جعل مواردها ملكا لهم، وقيل: النعماء جمع للنعمة، لكن ظاهر عبارة اليد أنها بمعناها، ورواية البيت الأول بعد الثاني أحسن موقعا وأظهر استشهاداً.]] والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله عليه السلام: «الحمد رأس الشكر، ما شكر اللَّه عبد لم يحمده» [[أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما به مرفوعا، وفيه انقطاع وعن ابن عباس مثله، رواه البغوي في تفسير (سبحان) وفيه نصر بن حماد. وهو ضعيف.]] وإنما جعله رأس الشكر لأنّ ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها، أشيع لها وأدلّ على مكانها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كلّ خفى ويجلى كل مشتبه. والحمد نقيضه الذمّ، والشكر نقيضه الكفران، وارتفاع الحمد بالابتداء وخبره الظرف الذي هو للَّه وأصله النصب [[قال محمود رحمه اللَّه: «الأصل في الحمد النصب ... الخ» قال أحمد: ولأن الرفع أثبت اختار سيبويه في قول القائل: رأيت زيداً فإذا له علم علم الفقهاء: الرفع، وفي مثل: رأيت زيداً فإذا له صوت صوت حمار: النصب، والسر في الفرق بين الرفع والنصب أن في النصب إشعاراً بالفعل، وفي صيغة الفعل إشعار بالتجدد والطرو، ولا كذلك الرفع، فانه إنما يستدعى اسما: ذلك الاسم صفة ثابتة، ألا ترى أن المقدر مع النصب نحمد اللَّه الحمد. ومع الرفع الحمد ثابت للَّه أو مستقر.]] الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار، كقولهم: شكراً، وكفراً، وعجباً، وما أشبه ذلك، ومنها: سبحانك، ومعاذ اللَّه، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدّون بها مسدّها، لذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة، والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره. ومنه قوله تعالى: (قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) ، رفع السلام الثاني للدلالة على أنّ إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدّده وحدوثه. والمعنى: نحمد اللَّه حمداً، ولذلك قيل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد. فإن قلت: ما معنى التعريف فيه؟ قلت: هو نحو التعريف في أرسلها العراك، [[قال محمود رحمه اللَّه: «وتعريف الحمد نحو التعريف في أرسلها العراك وهو تعريف الجنس ومعناه الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: تعريف التكرار باللام إما عهدى وإما جنسى، والعهد إما أن ينصرف العهد فيه إلى فرد معين من أفراد الجنس باعتبار يميزه عن غيره من الأفراد كالتعريف في نحو (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) ، وإما أن ينصرف العهد فيه الى الماهية باعتبار يميزها عن غيرها من الماهيات كالتعريف في نحو «أكلت الخبز، وشربت الماء» ، والجنسي هو الذي ينضم إليه شمول الآحاد، نحو: الرجل أفضل من المرأة، وكلا نوعي العهد لا يوجب استغراقها، وإنما يوجبه الجنسي خاصة فالزمخشرى جعل تعريف الحمد من النوع الثاني من نوعي العهد، وإن كان قد عبر عنه بتعريف الجنس لعدم اعتنائه باصطلاح أصول الفقه. وغير الزمخشري جعله للجنس فقضى بافادته، لاستغراق جميع أنواع الحمد وليس ببعيد.]] وهو تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أنّ الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال. والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم. وقرأ الحسن البصري: (الحمد للَّه) بكسر الدال لإتباعها اللام. وقرأ إبراهيم بن أبى عبلة: (الحمد للَّه) بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك- والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة- تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين، وأشف القراءتين قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى، بخلاف قراءة الحسن. الرب: المالك. ومنه قول صفوان لأبى سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلىّ من أن يربني رجل من هوازن [[موقوف. قال ابن إسحاق في المغازي: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه عن أبيه في قصة حنين. وفيه قول صفوان هذا. ومن طريقه أخرجه ابن حبان في صحيحه. والبيهقي في الدلائل. ورواه جويرية عن مالك عن الزهري مرسلا. وأخرجه الدارقطني في الغرائب. (تنبيه) وقع فيه أن صفوان قال ذلك لأبى سفيان. والذي في مرسل الزهري أنه قال لابن أخيه. والذي في المغازي: أنه قال لأخيه ابن أمه كلدة. وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن إسحاق.]] . تقول: ربه يربه فهو رب، كما تقول: نمّ عليه ينمّ فهو نمّ. ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلا في اللَّه وحده، وهو في غيره على التقيد بالإضافة، كقولهم: رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى: (ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ) ، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) . وقرأ زيد بن على رضى اللَّه عنهما: (رب العالمين) بالنصب على المدح، وقيل بما دل عليه الْحَمْدُ لِلَّهِ، كأنه قيل: نحمد اللَّه رب العالمين. العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، [[قال محمود رحمه اللَّه: «العالم اسم لذوي العلم من الملائكة ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: تعليله الجمع بافادة استغراقه لكل جنس تحته فيه نظر فان «عالما» كما قرره: اسم جنس عرف باللام الجنسية، فصار العالم- وهو مفرد- أدل على الاستغراق منه جمعاً. قال إمام الحرمين رحمه اللَّه: التمر أحرى باستغراق الجنس من التمور فان التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية، والتمور ترده إلى تخيل الوجدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب. انتهي كلامه. والتحقيق في هذا وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس ثم يعرف تعريف الجنس: أنه يفيد أمرين: أحدهما أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة. والآخر أنه مستغرق لجميع ما تحته منها لكن المفيد لاختلاف الأنواع الجمع، والمفيد لاستغراق جميعها التعريف ألا ترى أنه إذا جمع مجردا من التعريف دل على اختلاف الأنواع، ثم إذا عرف أفاد استغراقا غير موقوف على الجمعية، إذ هذا حكم مفرده إذا عرف فقول الزمخشري اذاً «إن فائدة جمع العالمين الاستغراق» مردود بثبوت هذه الفائدة وإن لم يجمع وقول إمام الحرمين «إن الجمع يؤيد الاشعار بالاستغراق لما نتخيله من الرد إلى الوجدان» مرود بأن فائدة الجمع الاشعار باختلاف الأنواع، واختلافها لا ينافي استغراقها بصيغة المفرد المقر من تعريف الجنس، وإن أراد أن الجمع يخيل الاشارة إلى أنواع محله معهودة فهذا الخيال يعينه من المفرد، فالعالم إذاً جمع ليفيد اختلاف الأنواع المندرجة تحته من الجن والانس والملائكة، وعرف ليفيد عموم الربوبية للَّه تعالى في كل أنواعه وتوضيح هذا التقرير: أنا لو فرضنا جنساً ليس تحته إلا آحاد متساوية وهو الذي يسميه غير النحاة النوع الأسفل، لما جاز جمع هذا بحال، لا معرفا ولا منكراً، وبهذا الفائدة يرد قول إمام الحرمين «إن التمور جمع من حيث اللفظ» لا معنى تحته لجمع الجمع في نحو نوق ونياق وأنيق وأما تعليل الزمخشري جمعه بالواو والنون باشعاره لصفة العلم فيلحق بصفات من يعقل، فصحيح إذا بنى الأمر على أنه لا يتناول إلا أولى العلم: وأما على القول بأنه اسم لكل موجود سوى اللَّه، فيحتاج إلى مزيد نظر في تغليب العاقل في الجمع على غير العاقل]] وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض. فإن قلت: لم جمع؟ قلت: ليشمل كل جنس مما سمى به. فإن قلت: هو اسم غير صفة، وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه وهي الدلالة على معنى العلم.

Agent (قرآني)

No agent tafsir generated yet (Layer 5C output absent for this aya).

Comparative (مقارنة)

Layer 5D not yet generated for this aya.